المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفلسفة والدين والعلم


د.أحمد محمد كنعان
14-11-2006, 08:23 AM
كلمات في الفلسفة والدين والعلم

د. أحمد محمد كنعان

إن الكون يبدو مثل التربة الغنية التي تنتشر في كل ما حولنا جاهزة لبذرة العقل حتى تتبرعم وتنمو !
فرايمان دايسون ( اللانهائية في كل الاتجاهات )

لقد شهد التاريخ البشري ظاهرة فكرية متميزة لا تقل شأناً عن تاريخ الأديان ، ألا وهي ظاهرة ( الفلسفة ) ومن المدهش أن نكتشف من خلال استقرائنا لتاريخ الفلسفة واستعراض أهم القضايا التي تناولتها عبر تاريخها الحافل أن نشأة الأفكار الفلسفية الأولى قد واكبت نشأة الأديان نفسها ، ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن ( إبليس ) كان أول من تفلسف على الإطلاق ، وذلك حين أمره ربه بالسجود لآدم أبي البشرية الأول ، فأبى إبليس أن يسجد ، واستكبر، وفلسف القضية على النحو التالي (( قالَ أنا خيرٌ منهُ خَلَقْتَني من نارٍ وَخَلَقْتَهُ من طينٍ )) سورة ص 76 ، والنار كما تَصَوَّر إبليس من خلال تأملاته الفلسفية أفضل من الطين .
ومما يؤيد مذهبنا هذا في مواكبة تاريخ الفلسفة لتاريخ الدين أن الفلسفة والدين يتقاطعان في مناهج البحث والنظر ، ويلتقيان في التركيز على العديد من مسائل الوجود الجوهرية ولاسيما منها ما يدور حول الخلق والخالق ، والنشأة والمصير ، والتأمل بالحكمة من خلق هذا الوجود ، وغير ذلك من المسائل التي هي في جوهرها محاور أساسية في الرسالات السماوية كما هي محاور أساسية في المدارس الفلسفية المختلفة .
ويعد الفيلسوف الإغريقي أفلاطون ( 427 ـ 347 ق. م ) ) أول من أسس قواعد الفلسفة وبيَّن أنها نشاط عقلاني متميز عن بقية الأنشطة الفكرية التي كانت سائدة حتى عصره ، ومن تلك الأنشطة : العقائد الدينية الإغريقية التي تقوم على تعدد الآلهة ، والأساطير ، والشعر ، والمسرحيات وغير ذلك من ضروب الأدب والفن ، فمنذ أفلاطون بدأت الفلسفة تتمايز عن هذه الأنشطة وتتخذ لنفسها طريقة خاصة في التفكير والبحث ، وبدأت تؤسس لنفسها منهجاً نظرياً متميزاً تنظر من خلاله إلى تكوين هذا الوجود ، وبهذا المعنى يعد أفلاطون هو المؤسس الحقيقي للفكر الفلسفي .
والفلسفة ( Philosophy ) كلمة يونانية الأصل مؤلفة من جزأين ( Philo - ) ويعني حب ، و ( Sophy - ) ويعني المعرفة ، وعلى هذا يكون معنى الفلسفة في أصل نشأتها ( حب المعرفة ) إلا أن الفلسفة في واقع الأمر محاولة ذهنية يمارسها العقل البشري لفهم المبادئ الأولى للوجود ، ومعرفة طبيعة العالم ، ونظرية المعرفة ( Epistemology ) هي فرع من الفلسفة يبحث في أصل المعرفة وصدورها ، أما الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة فتبحث في الطبيعة الغائية للواقع ، وثمة أقسام أخرى للفلسفة منها علم المنطق ( Logic ) الذي يهتم بقواعد التفكير والمحاكمة ، وعلم الأخلاق ( Moral ) الذي يهتم بأصل السلوك الأخلاقي وأنواعه ، وعلم الجمال ( Aesthetics ) الذي يهتم بطبيعة الجمال .
وبما أن الفلسفة تعتمد العقل مصدراً أولياً لها فإنها ترفض القبول بالمسلَّمات والغيبيات مهما كان مصدرها ، حتى وإن كان سماوياً ، فأهل الفلسفة لا يجعلون الإيمان سنداً لما يوصف بأنه حق ، فإذا كان العلم يسلم بشيء يجعله نقطة ابتداء ، كالرياضيات التي تبدأ من العدِّ ، والطبيعة التي تبدأ من المادة ، فإن الفلسفة تحلل هذه البدايات إلى مبادئها الأولى ، والفلسفة في حقيقتها ليست موضوعاً ، بل نشاطاً فكرياً ، وتبعاً لذلك فإن الإنسان لا يدرسها ، بل يمارسها ، وهي إلى حد كبير قضية تحليل مفهومي ، أي التفكير بالتفكير ، أو بمعنى آخر فإن الفلسفة تهتم بتحسين طرق التفكير بالمسائل أكثر من اهتمامها بفحوى المسائل نفسها .
النزعات الفلسفية :
وقد مرت الفلسفة بمراحل تاريخية مختلفة ، وبرز فيها ثلاث نزعات فكرية رئيسية كانت ومازالت شائعة بين المدارس الفلسفية حتى يومنا الحاضر ، فهناك :
(1) نزعة عقلية أو مثالية ( Idealism ) : يرى أصحابها أن ( في العقل مبادئ سابقة على التجربة ، بواسطتها يستطيع اكتساب المعرفة عن العالم الخارجي ، بل هو يفرض عليه مبادئه وقوانينه ، والمعرفة العقلية في نظرهم هي وحدها المعرفة الحق لأنها تتصف بثلاث خصال أساسية : فهي من جهة معرفة مطلقة Absolute بمعنى أنها ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان ، وهي من جهة ثانية ضرورة Necessary بمعنى أنها واضحة بذاتها وتفرض نفسها بشكل حتمي ، فالضروري هنا في مقابل الاحتمالي ، وأخيراً فهي كلية Universal بمعنى أنها عامة مشتركة بين الناس جميعاً )
(2) نزعة مادية ( Materialism ) : تَرُدُّ كلَّ شيء إلى المادة والحركة ، وترى أن الفكر ومنطقه يتبعان الأوضاع المادية ويخضعان لها ، وأصحاب هذه النزعة يرفضون وجهة نظر العقلانيين تماماً ويعارضونها بشدة ، إنهم ينطلقون من مبدأ أساسي ، وهو أن جميع أنواع المعارف التي لدينا مستقاة من الحس والتجربة ، وأنه ليس ثمة في العقل إلا ما تمده به المعطيات الحسية ، ولذلك فجميع أفكارنا يمكن أن تحلل في نظرهم إلى مدركات بسيطة مستمدة من التجربة .
(3) نزعةٌ وسطٌ : بين النزعتين السابقتين تعمل على التوفيق بينهما ، فهي تقرُّ بوجود العقل والمادة معاً وتنظر إلى العقل على أنه أداة لابد منها لإدراك العالم المادي وفهمه واستجلاء أسراره .
وقد نشأ عن هذه النزعات الفلسفية المتباينة الكثير من النظريات والأفكار والمذاهب الفلسفية المتعارضة ، وكان لكل منها أنصار ومؤيدون ، ووضع العديد منها موضع التطبيق العملي كما هي مثلاً حال المادية التاريخية ( Historical Materialism ) التي أسس نظريتها الفلسفيـة في القرن التاسع عشر كل من الفيلسوف الألماني ( كارل ماركس ) وقرينه الألماني أيضاً ( فريدريك إنجلز ) وقادت إلى الثورة الشيوعية البلشفية في روسيا عام ( 1917 ) ثم في الصين والعديد من بلدان العالم ، إلا أن معظم هذه النظريات وما تمخضت عنه من آراء أو نظريات أو تطبيقات لم تستطع أن تحقق للإنسان حلم حياته المنشود بالسعادة والفردوس الأرضي الذي كان ومازال يحلم به في صحوه وفي منامه ، بل لسنا مبالغين إذا قلنا إن الكثير من النظريات الفلسفية التي شهدها التاريخ لم تزد الإنسان إلا شقاء فوق شقائه ، وبؤساً فوق بؤسه .
كما مر تاريخ الفكر الفلسفي بعدة مراحل من التطور ، فكانت هناك ( الفلسفة الشرقية القديمة ) التي ترعرعت في الهند والصين بصورة خاصة ، وقد خالطها الكثير من الأوهام والأساطير ، ولم تتبلور فيها المفاهيم الفلسفية بصورة واضحة على الرغم من قدمها نسبياً بالمقارنة مع الفلسفة الإغريقية التي صاغت الكثير من المفاهيم الفلسفية الواضحة ، ومن أبرز رواد الفلسفة الشرقية القديمة ( بوذا ، زرادشت ، كونفوشيوس )
وكانت هناك ( الفلسفة اليونانية ) أو الإغريقية القديمة التي اهتمت اهتماماً كبيراً بالأخلاق وكان من أبرز روادها ( سقراط ، أفلاطون ، أرسطو ) ، وكانت هناك ( الفلسفة الوسيطة ) التي ترعرعت في المنطقة العربية ، وتأثرت بالأديان كثيراً وحاولت تأييد الدين بالعقل ، أو ما عرف بالتوفيق بين ( العقل والنقل ) أي الوحي ، ومن أبرز روادها المسلمين ( ابن رشد ، وابن سينا ، والفارابي ) ومن روادها المسيحيين ( القديس أوغسطين ، وتوما الإكويني )
وأخيراً ظهرت ( الفلسفة الحديثة ) التي عاصرت الثورتين الحديثتين الصناعية والعلمية ، وتأثرت كثيراً بالاكتشافات العلمية التي حصلت بصورة خاصة خلال القرون الأربعة الأخيرة ( 17 ، 18 ، 19 ، 20 ) ، وعملت على الاستفادة من معطيات هذه الاكتشافات في تدعيم بعض المفاهيم الفلسفية ، وتصحيح بعضها الآخر ، ومن أبرز رواد هذه الفلسفة ( ديكارت، بيكون، كانت، سبينوزا، هيوم )
هموم الفلسفة :
ولا خلاف بأن الفلسفة تعد من أبرز الإبداعات الفكرية التي أبدعها الإنسان عبر تاريخه الطويل ، إلى جانب الأدب وضروب الفنون الأخرى ، إلا أن الفلسفة ظلت تفتقد إلى تلك الأساليب التعبيرية البليغة المشرقة التي يمتاز بها كل من الأدب والفن ، ولاسيما الشعر والغناء ، فقد ظلت الفلسفة ( تبدو لزائر عرضي يلقي نظرة سريعة عليها معقدة بشكل محيِّر ، ومن أسباب ذلك أن الفلاسفة ـ باستثناء بعض الفلاسفة الشرفاء ـ يجدون من الصعب تماماً أن يتكلموا لغةً يفهمها الشخص العادي ، وحتى إذا أراد الفيلسوف أن يتحدث عن موضوع عادي فإنه يتحدث عنه بعبارات مغرقة بالغموض ولهذا فإن غاية ما يمكن أن ترجوه وأنت تقرأ كتاباً فلسفياً هو أن تصل إلى فهم واهٍ للأبعاد السرية للمفردات التي يُؤْثر معظم الفلاسفة أن يستخدموها ، وفي الواقع فليس عليك فعلاً أن تفهم معنى معظم هذه المفردات ، هذا إن كان لها معنى أصلاً ! )
ولعل أروع ما في الفلسفة جهل الفلاسفة بكثير من حقائق الوجود ، وقد يبدو هذا الثناء في غير محله ، ولكنه سيبدو في محله تماماً عندما نوضح أن هذا الجهل الذي يطبع معظم الفلاسفة بطابعه هو الذي جعلهم يحلِّقون في عالم الخيال ، ويغوصون في بحار المجهول ، ويرتادون العوالم البكر في محاولة جادة لكشف أسرارها ، ما جعل بعضهم يصف رحلة البحث الشغوف هذه قائلاً : ( نحن المثقفين لسنا إلا طيوراً طائشة في الفضاء ) ، إلا أن هذا ( الطيش ) الفكري هو الذي أضاء لنا الكثير من الجوانب المظلمة في حياتنا ، وأجابنا على الكثير من الأسئلة الملحة التي لم تكن لتخطر على بالنا لولا ذلك ( الجهل المبارك ) الذي يظل ينخر في جوارحنا باحثاً عن جواب !
وربما للعلة نفسها نجد الفكر الفلسفي لا يملُّ من الدوران حول سؤال المعرفة المحوري الذي يقول : ( لماذا ؟ ) . وهو في الواقع نفس السؤال الذي لا يكفُّ الأطفال عن طرحه على آبائهم وأمهاتهم وأساتذتهم ، وكأن الفلسفة في جوهرها ، وبالرغم من تاريخها الطويل ، كانت ومازالت وسوف تظل تشكل مرحلة الطفولة الأولى في تاريخ الفكر البشري !
ومن عجيب أمر الفلسفة كذلك أن تاريخها حافل بالمفارقات الغريبة ، فقد أظهرت وقائع التاريخ في مناسبات عديدة أن شريحة من الناس ، من ذوي الخبرة المتواضعة ، يمكن أن يقدموا لنا آراء واقتراحات ووجهات نظر عملية معقولة لحلِّ مشكلاتنا السياسية والاجتماعية والأخلاقية ، بصورة أكثر جدوى مما يفعله فريق متمرس من الفلاسفة الأفذاذ ، وهذا ما جعل واحداً من رواد الفلسفة الواقعية هو ( بيكون ) يحكم على الفلسفة حسب ثمارها أو نتائجها العملية وقدرتها على تحسين شروط الحياة ، ولهذا أعلن بيكون قطيعته مع الفلاسفة التقليديين الذين يغزلون على عجلات تصورية بدل أن يستخدموا عجلات حقيقية .
ولعل هذا الميل للفكر النظري البحت لدى أغلب الفلاسفة هو أحد الأسباب الجوهرية لتخلف الأمم التي تشتغل بالعلوم النظرية ، ومنها الفلسفة ، عن بقية العلوم العملية ، ومن الطريف أن نورد هنا هذين النصين اللذين يؤرخان لفترتين من تاريخنا العربي الإسلامي للمقارنة بين حال الأمة التي تعطي العلوم العملية بعض اهتمامها فترتقي بها في معارج التقدم والتمكين في الأرض ، وحال الأمة التي تنشغل بالفلسفة وعلوم الكلام عن بقية العلوم وكيف أنها تقع فريسة للتخلف والضعف .
أما النصُّ الأول فيعود إلى العصر الذهبي لعاصمة الخلافة الإسلامية في بغداد وهو لأبي بكر محمد بن الحسن الكَرَخي ( ت 1019م ) في كتابه ( إنباط المياه الخفية ) وهو يعني بمصطلحات عصرنا الحاضر ( استخراج المياه الجوفية ) يقول فيه : (( لمَّا دخلتُ العراقَ ، ورأيتُ أهلَها من الصِّغار والكبار يُحبُّون العِلْمَ ، ويعظِّمون قَدْرَه ، ويكرِّمون أهلَهُ ، صنَّفتُ في كلِّ مُدَّة تصنيفاً في الحساب والهندسة.. )) ، وأما النص المقابل فيعود إلى فترة لاحقة بدأت فيها علامات التراجع تصيب الأمة مع انهيار مُلْك العباسيين في المشرق والموحِّدين في المغرب ، وهو نصٌّ لابن خلدون ( 1332ـ 1406 ) يتحدث فيه عن مدى اشتغال الناس بعلوم الكلام والفلسفة : (( وكذلك بَلَغَنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية لبلاد الإفرنجة من أرض رومة وما إليها من العُدْوة الشمالية نافقة الأسواق ، وأن رسومها هناك متجددة ، ومجالس تعليمها متعددة ، ودواوينها جامعة ، وحَمَلَتها متوفرون ، وطَلَبَتها متكثرون ، والله أعلم بما هنالك ، وهو يخلق ما يشاء ويختار )) ، ويشير ابن خلدون في موضع آخر إلى أن مسائل الطبيعيات لم تكن موضع اهتمام من الناس آنذاك ، ولذلك تركوها جانباً ، وقد دفع المسلمون من جراء انشغالهم بعلوم الكلام والفلسفة وإهمالهم بقية العلوم العملية ضريبة باهظة انتهت بالأمة إلى هامش الأحداث ، وألقت بها إلى آخر الركب فيما جعلت الآخرين في المقدمة .
معاناة الفلاسفة :
ونحن هنا لا نعمِّم الأحكام ، ولا نريد أن نحطَّ من شأن الفلسفة أو نتجاهل دورها في إثراء الفكر البشري والتحريض الحضاري ، ولكننا نريد التأكيد على أن الحضارات لا تقوم بالفلسفة وحدها بل لابد من تآزر الفلسفة مع بقية العلوم في عملية النهوض والانهماك في بناء الحضارة المنشودة ، كما أننا لا ننحو باللائمة على الفلاسفة وحدهم ، ولا نزعم أن تخلف الأمة الإسلامية وغيرها من أمم الأرض يرجع إلى اهتمامها المفرط بالفكر الفلسفي وإهمالها لبقية العلوم ، فقد كان هناك على مدار التاريخ فلاسفة رواد عاشوا هموم الناس ، وخاضوا غمار الصراعات المختلفة بصدق وإخلاص ، وحاولوا جاهدين أن يساهموا بأفكارهم ونظرياتهم في تقدم البشرية ورقيِّها ، فمنهم من نجح ومنهم من فشل ، شأنهم في هذا شأن كثير من الدعاة إلى التغيير والنهوض .
ولعل أكبر دليل على هذه المشاركة الإيجابية بهموم الناس من قبل الفلاسفة أن الكثيرين منهم تعرَّضوا من جراء أفكارهم ومواقفهم الشجاعة للملاحقة أو السجن أو النفي أو التعذيب ، واتهم بعضهم بحقٍّ أو بغير حقٍّ بالهرطقة والتجديف والكفر والزندقة ، وأحرقت كتب الكثيرين منهم أو مُنعت من النشر ، بل إن بعض الفلاسفة أحرقوا أحياء قبل أن تحرق كتبهم لأنهم ـ بسبب طبيعة الفكر الفلسفي ـ ظلوا يخوضون في المسائل الحساسة ، ولاسيما منها المسائل الدينية والسياسية ، وهي كما نعلم مسائل شائكة محاطة بحقول شاسعة من الألغام شديدة الانفجار ( ولهذا السبب فإن معظم الفلاسفة أدينوا بشكل أو بآخر من سلطات عصرهم ، سواء كانت سلطات لاهوتية ، أم سياسية ، أم اجتماعية ، ولم يعرف الناس قيمتهم إلا فيما بعد ، أي بعد أن ماتوا ودفعوا الثمن ، وأكبر مثال على ذلك الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الذي عاش محتقراً منبوذاً مطارداً من مكان إلى آخر وكأنه مجرم أو شخص خطير جداً ، وكانوا يرجمونه بالحجارة ويكسرون نافذة بيته حتى تصل الحجارة إلى أقام السرير الذي ينام عليه ، ولكن بعد عشر سنوات أو اكثر قليلاً تندلع الثورة الفرنسية فإذا بهم يكرمون ذكراه ، وينقلون رفاته إلى مقبرة العظماء ، ويتخذون من كتبه دستوراً ومنهاجاً للجمهورية الفرنسية !
أما الفيلسوف فولتير فقد سجن أيضاً في قلعة ( الباستيل ) الشهيرة قبل أن يهرب إلى إنكلترا بلد الحريات في ذلك الزمان ، ثم إلى هولندا ، ومع أن فولتير على عكس روسو قد حظي بالتكريم الجماهيري في شوارع باريس قبل أن يموت بثلاثة أشهر فقط فإن الكهنة رفضوا الصلاة عليه ، ورفضوا دفنه في مقابر المسيحيين ، لأنهم اعتبروه كافراً زنديقاً ، أما الفيلسوف ديدرو ( 1713 ـ 1784 ) فقد اعتقل لفترة من الزمن في سجن آخر ، وحكم على الفيلسوف كوندرسيه ( 1743ـ 1794 ) بالموت ظلماً وعدواناً مما دفعه للانتحار ، وقيل إنهم هم الذين قتلوه بالسم في سجنه، وكذلك كانت نهاية الكثيرين من الفلاسفة والمفكرين وأهل الفكر ودعاة التغيير ) .
ومن سمات التاريخ الفلسفي أيضاً أن معظم الفلاسفة الذي ساهموا في تشكيل الفكر الفلسفي وكانت لهم بصمات واضحة على الفكر الفلسفي كانوا من المنبوذين ، أما المترفون أو ( أبناء الذوات ) الذي يرفلون في العيش الرغيد ولا يعانون من الحرمان والفقر والجوع وكوارث هذه الدنيا التي لا تنتهي فلا يمكن لهم أن يصبحوا فلاسفة ، بل ولا يمكن لهم أن يفهموا من التجربة البشرية إلا نصفها ، هذا إذا ما فهموا شيئاً على الإطلاق ، وحدهم أولئك الذين عركتهم الحياة وصهرتهم في أتونها الملتهب مرشحون إنجاز الأعمال الفلسفية الكبرى ، على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي الكبير ميشيل سير .
ومما يسجل لصالح الفلسفة عبر تاريخها الطويل أن أحداً من الناس لم يقتل بسبب الفلسفة كما قتل الملايين بسبب التعصب الديني أو المذهبي أو الحزبي ، ذلك التعصب المقيت الذي أدخل البشرية في حروب طاحنة تركت جروحاً غائرة وتشوهات واسعة في ذاكرة التاريخ ، وربما يعود السبب في هذا الفارق ما بين الفلسفة وغيرها من ضروب الفكر البشري والعقائد إلى انشغال الفيلسوف بالفكر أكثر من انشغاله بالواقع ، على النقيض من حال السياسيين وأصحاب المذاهب العقائدية الذين ينشغلون بالواقع عن التفكير بتغيير هذا الواقع ، ويعملون جهدهم على حشد الأنصار والمؤيدين والمريدين ، ولا يتورعون عن ارتكاب أشد الحماقات من أجل المحافظة على هذا الواقع ضماناً لاستمرارهم في ( الزعامة ) ، أما الفيلسوف الحق فلا تجد عنده هذه النزعة ، وقلما يحفل بحشد الأنصار والمؤيدين والمريدين ، وتاريخ الفلسفة حافل بالفلاسفة الذين قضوا نحبهم بعيداً عن الناس ، في منفى ناء ، أو في سجن شديد الظلمة والبرودة ، أو في برية ليس فيها غير الوحوش !
جدل الفلسفة والدين :
من خلال استقرائنا وتقصينا لأبرز المسائل الفلسفية التي شهدها تاريخ الفلسفة ومقابلتها بالمسائل الدينية نعود هنا للتأكيد على الدعوى التي بدأنا بها هذا الفصل ، وهي أن الفكر الفلسفي قد نشأ كرجع الصدى للرسالات السماوية ، ومما يعزز دعوانا هذه ما أوردناه آنفاً عن ( فلسفة ) إبليس التي واكبت ظهور أول البشر وأول نبي ، ثم الوقوف عند أبرز مقولة للفيلسوف الإغريقي طاليس ( 620 ـ 550 ق. م ) الذي يعده المؤرخون ( أبا الفلسفة ) تلك المقولة التي تردُّ نشأة العالم إلى عنصر أساسي هو ( الماء ) ، وهي مقولة قديمة جداً لا نستبعد أنها وردت في بعض الكتب السماوية الأولى على غرار ما وردت في القرآن الكريم ، في قوله تعالى : (( وهو الذي خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ في سِتَّةِ أيَّامٍ وكانَ عَرْشُهُ على الماء )) سورة هود 7 ، وقولـه تعالى : (( أَوَلَمْ يَرَ الذينَ كَفَروا أنَّ السَّمواتِ والأرضَ كانتا رَتْقَاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا من الماء كُلَّ شَيْءِ حَيٍّ أفلا يُؤمنون )) سورة الأنبياء 30 ، وهذا ما يجعلنا نرجح أن المقولات الفلسفية الأولى قد انطلقت أساساً مما جاء في الرسالات السماوية التي تضمنت الكثير من الإشارات لظواهر الكون ومخلوقاته ، وطبيعة العالم ، ونشأته ومصيره ، وغير ذلك من المسائل الفلسفية الأساسية التي تعاقب على تناولها ومناقشتها معظم الفلاسفة على مدار التاريخ .
وإن من يتعمق في دراسة المسائل الفلسفية الأساسية يجد أن الفلسفة في جوهرها كالدين تعنى بدراسة المبادئ الأولى للوجود ، ولكنها تختلف عن الدين بأنها تعتمد العقل مرجعية أساسية ووحيدة لها ، ولا تقيم وزناً للمُسَلَّمات والغيبيات الدينية مهما كان مصدرها ، على النقيض من الدين الذي إلى جانب اعتماده على العقل والبرهان العقلي فإنه لا يُغفل الغيبيات والمسلمات ، بل إنه يجعل بعضها معلوماً من الدين بالضرورة لا يجوز لمؤمن أن ينكرها ، وهنا تكمن نقطة الخلاف الجوهرية بين الدين والفلسفة ، وهذا الخلاف في حقيقته خلاف مفتعل افتعله بعض الفلاسفة الذين وقفوا من الدين مواقف سلبية بحجة أن الدين لا يحفل بالعقل ، وأنه يعوِّل أساساً على الخرافة والمعجزة والأسطورة على حساب الواقع والتجارب العلمية والبرهان العقلي !
وهذه كلها اتهامات لا أساس لها من الصحة ، ولا تصمد أمام البحث العلمي الدقيق ، فقد تضافرت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الفقهاء على أن العقل هو أساس التكليف الشرعي ، وقد حفل القرآن الكريم بالكثير من الآيات التي تتوجه بالخطاب إلى (( الذين يعقلون .. أولي الألباب .. الذين يتفكرون .. الذين يتدبرون .. )) كما أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم بيَّن أن العقل هو أصل التكليف فقال : (( رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ : عن النائمِ حتى يستيقظَ ، وعن الصبيِّ حتى يحتلمَ ، وعن المجنونِ حتى يَعْقِلَ )) .
وهكذا تثبت نصوص الكتاب والسنة أن الدين لا يتجاهل العقل ، ولا يهمل البرهان العقلي كما يزعم أهل الفلسفة ، بل هو يجعل العقل أساس التكليف ، وينكر على الذين يعطلون عقولهم وحواسهم عن رؤية الواقع ويتوعَّدهم بأشد العذاب (( ولقد ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كثيراً من الجنِّ والإنسِ ، لهم قلوبٌ لا يَفْقَهونَ بها ولهم أعينٌ لا يُبْصرونَ بها ولهم آذانٌ لا يسمعونَ بها ، أولئكَ كالأنعامِ بل هم أَضَلُّ ، أولئكَ هُمُ الغافلونَ )) سورة الأعراف 179 .
ويمتاز الدين عن الفلسفة بنظرته الشمولية للوجود ، فهو لا يتوقف في نظرته للعالم عند ما هو مشاهد أو محسوس فحسب كما هي حال الفلسفة ، بل تتعدى نظرته عالم الشهادة إلى عالم الغيب الذي تؤكد آيات الكتاب وآيات الآفاق والأنفس أنه أوسع وأرحب من عالم الشهادة بما لا يُقاس ، وقد اعترف جهابذة العلوم أخيراً بأن ما يجهلونه من هذا الوجود أكثر بكثير مما يعلمونه حتى قال قائلهم : (( لقد أصبحنا اليوم نعي تماماً أننا كلما ازداد فهمنا كلما ازدادت الاحتمالات الغريبة لجهلنا ، فالكون في الحقيقة أغرب بكثير مما يمكننا أن ندركه )) !
وفي كل يوم تتكشف لنا حقائق جديدة في شتى حقول المعرفة مما يعبر عملياً عن الحقيقة القرآنية : (( وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً )) ومن ثم فإن إنكار بعض الفلاسفة لبعض ما أشارت إليه الرسالات السماوية مما هو غيبي أو غير محسوس لا يقوم على أساس من العلم ، وها هو ذا واحد من أبرز علماء الفيزياء النظرية المعاصرين وهو البريطاني ( فرانك كلوز ) يصرح بوضوح أن هناك عالماً آخر غير مرئي لنا يشاطرنا هذا الوجود ، فهو يقول : ( يتركز اهتمام الفيزياء النظرية في الوقت الراهن في نظرية تصدر أحكاماً عميقة بشأن المادة التي نسج منها الكون ، وهذه النظرية اسمها الرمزي هو الأوتار الفائقة ( String Theory ) وهي تقضي بأنه في وقت الانفجار الكبير كان هناك عشرة أبعاد ، وثمة ستة من تلك الأبعاد أصبحت مخفية عن حواسنا الفجة ، ولكنها تترك علاماتها بما ينشأ عنها من كهرباء ، ونشاط إشعاعي نووي ، وما يتعلق بذلك من ظواهر ، ومن النتائج الأخرى البارزة المترتبة على هذه النظرية أنها قد تدلنا ضمناً على أن ثمة كوناً خفياً بالكامل يعمل هنا في الداخل مباشرة من الكون المألوف لنا )
ومن الملاحظات المهمة التي تستحق التأمل طويلاً في إطار المقابلة بين الدين والفلسفة ، أن الفلاسفة يتوجهون بأفكارهم إلى نخبة المجتمع ، ولا يحفلون كثيراً بالعامة ، ولاسيما الطبقات الدنيا من الناس الذين يعتقد الفلاسفة أن عقولهم قاصرة عن الارتقاء إلى مستوى الفكر الفلسفي الرفيع ، وبمعنى آخر يمكن وصف الخطاب الفلسفي بأنه خطاب متعالٍ ( Transcendent ) أو مترفِّع عن المجتمع ، على النقيض من الخطاب الديني الذي يتوجه إلى الناس جميعاً ، بمختلف طبقاتهم وانتماءاتهم ومستوياتهم الفكرية ، ولهذا السبب نجد أن الأفكار والنظريات الفلسفية على الرغم من كثرتها وكثرة الفلاسفة الذين ظهروا على مدار التاريخ البشري فإنها نادراً ما أدت إلى تغيير ملموس في أحوال الناس ، على النقيض من الأفكار الدينية والرسالات السماوية التي كان لها تأثير أعمق وأوسع بكثير مما كان للأفكار الفلسفية ، اللهم إلا تلك الأفكار الفلسفية التي آمن بها بعضهم ، ورفعوها إلى مصافِّ العقائد الدينية ، وخاضوا من أجلها الثورات الدامية ، كالفلسفة الماركسية التي أشعلت الثورة البلشفية في روسيا ( 1917 ) والثورة الثقافية في الصين ( 1949 ) ، فقد أحدثت هذه الفلسفات العقائدية بعض التحولات الاجتماعية ، وأحرزت بعض التقدم العلمي والتقني ، وتجاوزت في بعض الأحيان حدودها الجغرافية وانتشرت في مطارح بعيدة من الأرض ، إلا أن الضريبة التي ظلت الشعوب تدفعها من جراء تلك الأفكار كانت باهظة التكاليف إلى الحد الذي جعل أصحابها ومعتنقيها ومؤيديها يتخلون عنها ، ويبدؤون من جديد رحلة العودة إلى الدين بحثاً عن بدائل أقلَّ ثوريةً وأكثرَ واقعيةً واحتراماً لحقوق الإنسان وكرامته .
ومع تسليمنا بأن الإبحار في عالم الفلسفة ممتع ولا يخلو من الفائدة ، ومع اعترافنا أيضاً بأن الفلسفة قد أغنت الفكر البشري بالكثير من المفاهيم التي حملته على التحليق بعيداً وعالياً من أجل رؤية للوجود أشمل وأرحب ، إلا أن هذا التحليق المغرق في المثالية كثيراً ما أبعد الفلاسفة عن رؤية الواقع المعاش ، وضلل سعيهم نحو الحلول العملية القريبة التي تحتاجها البشرية المنكودة لحلِّ مشكلاتها اليومية العويصة ، فقد ظل معظم الفلاسفة يحلمون بيوم يأتي على البشرية فيقرأ فيه كل إنسان روائع أرسطو ومحاورات أفلاطون ، ولكنهم غفلوا عن أهم حلم كان ومازال يداعب أجفان البشرية ، وهو أن يأتي على الناس يوم يجد فيه كل إنسان من القوت ما يُسكت جوعه .
وربما لهذا السبب ظل أفلاطون يدعو الفلاسفة للنزول من سماء الفلسفة إلى أرض الواقع ، إذ لا قيمة في رأيه للأفكار المجرَّدة إذا لم نقم بتجربتها في عالم الناس ، وكان أفلاطون يدعو تلاميذه للتنافس مع رجال الأعمال ذوي الرؤوس الفردية اليابسة ، ورجال السياسة الدهاة لكي يتعلموا من كتاب الحياة نفسها ، ويحرقوا أصابعهم ، ويحكُّوا ذقونهم الفلسفية أمام حقائق العالم القاسية ، ويكسبوا خبزهم ومعيشتهم بعرق جباههم ، وكان يقول : إن هذا الامتحان العملي ينبغي أن يستمر دون رحمة أو شفقة حتى يتخلص الفلاسفة من لعنة الزهو والخيلاء ويحققوا في أنفسهم حالة الرشد والحكمة والواقعية التي قدمتها لهم التجارب .
وهذا هو المنهج الذي يدعو الدين أتباعه للسير عليه ، فهو يدعوهم للانخراط في الحياة والتعايش مع الواقع ، لأن هذه المعايشة هي المحكُّ الحقيقي للإيمان ، كما أن الدين ظل على الدوام أكثر من الفلسفة التصاقاً بهموم الناس وقضاياهم الواقعية ، وكان التشريع السماوي أكثر مسايرة واستجابة لحاجات الناس ، وأكثر إحساساً بمعاناتهم ، كما قدَّم لهم الحلول العملية التي توافق فطرتهم وتعينهم على القيام بأمانة الاستخلاف في هذه الدنيا ، وتحقق لهم السعادة الحقيقية التي يتوقون إليها ، ليس في الدنيا وحدها ، بل في الآخرة كذلك .
ومما يؤخذ على الفلاسفة أيضاً تظاهرهم بالثقة التي لا حدود لها ، وزعمهم المبالغ فيه أنهم يملكون السفينة المجهزة تجهيزاً جيداً للإبحار ، ودفة القيادة الصالحة للإقلاع بها إلى مختلف الجهات وفي كافة الظروف والأنواء ، إلا أن سفينتهم المزعومة هذه نادراً ما خاضت عباب البحر بل ظلت تقضي معظم أوقاتها مسترخية في الظل عند الشاطئ ، سارحة في دنيا الخيال والتأمل ، بانتظار اللحظة المناسبة للإبحار ، وليست مسرحية ( بانتظار غودو ) الشهيرة سوى مثال أدبي واحد على مثل هذا الانتظار الفلسفي العبثي غير المجدي .. أما الدين بالمقابل فقد كان أكثر واقعية ، وأكثر التصاقاً بهموم الناس ، فقد قدِّم لهم حلولاً واقعية للمشكلات التي قد تعترض حياتهم ، وهو لم يَعِدهم بفردوس على الأرض كالتي يعدهم بها الفلاسفة المثاليون ، بل يحضِّرهم نفسياً لمواجهة أصعب الظروف في هذه الحياة الدنيا ، ولكنه في الوقت نفسه يحرِّضهم على تغيير هذه الظروف إلى ما هو أفضل ، ليس من خلال مقولات نظرية كما يفعل أكثر الفلاسفة ، بل من خلال مناهج عملية توافق قدراتهم وإمكانياتهم ، وتراعي فطرتهم البشرية .
ولا يفوتنا ـ ونحن نقابل بين الدين والفلسفة ـ أن نشير إلى أن الانهماك بالفلسفة لابد أن ينتهي بالفيلسوف إلى إحدى نهايتين متناقضتين أشد التناقض فيما يتعلق بموقفه من الدين ، فإن الانهماك بالفلسفة إما أن يحلق بالفيلسوف في معارج الإيمان عندما يدرك من خلال تأملاته الطويلة العميقة في مخلوقات هذا الوجود قدرة الخالق التي لا حدود لها ، وعظمة هذا الوجود الذي أبدعته يداه على غير مثال سابق ، وإما أن ينتهي المطاف بالفيلسوف إلى الإلحاد التام كما حصل لكثير من الفلاسفة الذين أسَرَتْهم النزعة المادية فأرجعوا كل مظاهر الوجود إلى المادة ، واعتقدوا أن العالم قديم ، وأنه هو الذي أوجد نفسه بنفسه من غير خالق !
ومن أجل تجنب الوقوع بمثل هذا المطب الخطير فقد تحاشى كثير من فقهاء الإسلام الخوض في المسائل الفلسفية ، بل كانوا يحذرون منها ، ولعل خير مثال على هذا الموقف من الفلسفة موقف الإمام أبي حامد الغزالي ( 1059 ـ 1111م ) الذي بلغ الاهتمام بالفلسفة في عصره حداً دفعه لخوض عبابها ، وبعد رحلة طويلة خرج علينا بكتابه الشهير( تهافت الفلاسفة ) الذي هاجم فيه الفلاسفة وعمل على دحض مقولاتهم المختلفة ، وربما يرجع هذا الموقف من الغزالي وغيره من الفقهاء الذين عارضوا الفكر الفلسفي إلى ما شاهدوه من أن الذين خاضوا في المسائل الفلسفية العويصة لم يسلموا في الغالب من بعض شطحاتها أو مطباتها ، وهذا ما جعل ( ابن خلدون ) يخصص فصلاً كاملا للحديث عن الفلسفة ، مبيناً ما فيها من منافع ، ومحذراً في الوقت نفسه مما تنطوي عليه من مزالق ومعاطب ، وبعد حديث طويل يختم الفصل قائلاً : ( .. فيستولي الناظر فيها بكثرة استعمال البراهين بشروطها على مَلَكة الإتقان والصواب في الحجج والاستدلالات ، لأنها وإن كانت غير وافية بمقصودهم فهي أصحُّ ما عَلمناه من قوانين الأنظار ، هذه ثمرة هذه الصناعة ، مع الاطلاع على مذاهب أهل العلم وآرائهم ومضارها ما علمت ، فليكن الناظر فيها متحرزاً جهده من معاطبها ، وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات ، والاطلاع على التفسير والفقه ، ولا يَكُبَّنَّ أحدٌ عليها وهو خلو من علوم الملَّة ، فَقَلَّ أن يَسْلم لذلك من معاطبها ) ، ومما لا ريب فيه أن تأصيل علم الفقه الإسلامي على يدي الإمام الشافعي ( 150 ـ 204هـ ) في وقت مبكر من تاريخنا الإسلامي قد ساهم مساهمة كبيرة في حماية الدين من الأفكار الفلسفية المنحرفة التي لم يسلم منها دين آخر قبل الإسلام.
إلا أننا ـ مع كل ما قدمناه عن الفلسفة وأهلها ـ لا مندوحة لنا من الاعتراف بأن للأفكار الفلسفية سحراً خاصاً ، سحراً عجيباً آسراً للنفوس التواقة للتأمل والمعرفة ، وهذا ما يجعل النزوع إلى الفلسفة علة عصية قَلَّ أن يبرأ منها واحد من أهل الفكر والنظر ، وليس من النادر أن تسيطر بعض الأفكار الفلسفية على بعضهم إلى الدرجة التي جعلت الفيلسوف الشاعر ( محمد إقبال ) يناجي ربه بضراعة ويقول : ( يا ربّ .. إمَّا أن تُرسل لي من يَفْهَمُ عَلَيَّ ، أو أن تَنْزعَ هذه الأفكارَ من رأسي ) !
وهكذا نجد أن عامة الفلاسفة يعيشون الحياة وهم يتحسسون نبضها ، ويتفكرون بتفاصيلها ، باحثين عن العلة في ذلك كله ، بينما نجد عامة الناس سادرين في سفاسف الأمور ، يسعون جاهدين لاقتناص شهوة عابرة أو نزوة هابطة ، غير عابئين بشيء مما يجري حولهم ، ولا مكترثين بالمستقبل الذي لا يكفُّ عن مفاجآته المحزنة ، ولهذه الأسباب نجد عامة الناس زاهدين بالفلسفة وأهلها ونظرياتها ومقولاتها ، وهذا ما يجعل الفيلسوف عرضة للوقوع بمأزق الانفصال عن الناس ، أو انفصال الناس عنه خشية أن يصابوا بلوثة الفلسفة التي ساءت سمعتها كثيراً من خلال مواقف بعض الفلاسفة من الدين ، تلك المواقف التي تركت انطباعاً قوياً عند عامة الناس بأن الفلسفة هي قرين الإلحاد والكفر ، وهذه في الواقع فرية لا يجوز تعميمها ، فقد شهد تاريخ الفلسفة الكثير من الفلاسفة المؤمنين ، وتراثنا الفلسفي الإسلامي خير شاهد على ما نقول ، فهو حافل بأسماء الفلاسفة المسلمين الذين اشتغلوا بالفلسفة ولم يجدوا بينها وبين الدين ذلك التقابل الحاد ، بل إن بعض فقهائنا الفلاسفة حاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة ، ومنهم الفيلسوف الفقيه الأندلسي أبو الوليد ابن رشد ( 1126 ـ 1198 ) الذي بلغ مرتبة عالية في العلوم الشرعية إلى جانب علو كعبه في الفلسفة ، وقد تولى القضاء أكثر من مرة ، وألف كتابه( بداية المجتهد ونهاية المقتصد ) الذي يعد عمدة في الفقه ، وألف بالمقابل كتابه القيم ( فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ) والحكمة هي الفلسفة ، وقد عمل ابن رشد في هذا الكتاب على التوفيق بين الفلسفة والدين ، وأشار إلى أن الشريعة الإسلامية قد حضَّت على النظر العقلي وأوجبته ، وأن الشريعة والفلسفة حقٌّ ، وأن الحق لا يضادّ الحق بل يؤيده ويشهد لـه .
ونذكر من فقهائنا الذين اشتغلوا بالفلسفة أيضاً ( ابن خلدون ) الذي ناقش في ( المقدمة ) الكثير من المسائل الفلسفية ، وجعل علم التاريخ فرعاً من الفلسفة ، وكان فيلسوفاً فذاً بين الفلاسفة المسلمين وغير المسلمين ، ومازال لكتابه الفريد( المقدمة ) مكانة كبيرة عند دارسي الفلسفة والتاريخ والاجتماع إلى يومنا هذا .
وخلاصة القول .. فإن الفلسفة والدين يلتقيان في الكثير من المسائل الجوهرية ولكنهما يختلفان في بعض طرائق البرهان والنظر والنتائج ، ولعل نقطة الالتباس الأساسية بينهما ظَنُّ بعض الفلاسفة أن الدين يقوم على الإيمان الغيبي ولا يقيم وزناً للبرهان العقلي ، وهذه كما أثبتنا فرية غير صحيحة ، فالقرآن الكريم حافل بالشواهد التي تدعو للبرهان العقلي ، بل إن القرآن الكريم يعتبر التفكر العقلي بآيات الآفاق والأنفس هي الدليل على صدق الرسالة السماوية ، كما قال تعالى : (( سَنُريهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنفُسِهِمْ حتَّى يَتَبَيَّنَ لهم أنَّهُ الحَقُّ ، أوَلَمْ يَكْفِ برَبِّكَ أنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهيدٌ )) سورة فصلت 53 ، وهذا خير شاهد على مكانة العقل والبرهان العقلي في الإسلام خاصة ، وفي الأديان السماوية عامة .
مأزق الفلسفة في عصر العلم :
بالرغم من كل ما قدمناه عن الفلسفة وإسهاماتها العظيمة في إثراء الفكر البشري ، وبالرغم من أنها كانت ومازالت ظاهرة فكرية بشرية متميزة لا غنى عنها في تطوير طرائق تفكيرنا ، وإثارتها للأسئلة المدهشة الرائعة اللازمة لتحريض الفكر البشري على ارتياد العوالم البكر ، فإن الفلسفة بعد هذا العطاء الغني الذي قدمته على مدار تاريخها يبدو أنها قد دخلت أخيراً ومنذ بداية عصر العلم الحديث امتحاناً صعباً قد تخرج منه بحالة مأساوية لتمسي مجرد ترف فكري غير قادر على تقديم أية إضافة حقيقية للعلم ، فقد اتسعت الهوة كثيراً ما بين العلماء والفلاسفة منذ مطلع القرن التاسع عشر ( وبات العلماء ينظرون نظرة شك إلى تأملات الفلاسفة التي كثيراً ما بدت لهم وقد أعوزتها الدقة في الصياغة ، وأنها تدور حول قضايا عديمة الجدوى ، ولا حلَّ لها ، أما الفلاسفة فلم يعودوا ـ بالمقابل ـ يهتمون بالعلوم ، لأن نتائجها كانت تبدو لهم محدودة ، ولقد كان هذا التباعد ضاراً بكل من الفلاسفة والعلماء )
إلا أن هذا المأزق ينبغي ألا ينسينا دور الفلسفة في بلورة كثير من المفاهيم العلمية عبر تاريخها الطويل ، فقد كان للفلسفة دور لا ينكر بتحسين طرائق التفكير ، وترسيخ قواعد المنطق العقلي ، والحث على التفكر والبحث والنظر ، مما كان لـه تأثير كبير في بلورة مفهوم العلم آخر المطاف ، علماً بأن تاريخ الفلسفة من جهة وتاريخ العلم من جهة ثانية قد شهدا في البدايات فترة طويلة كانت فيها المفاهيم العلمية والمفاهيم الفلسفية مختلطة بعضها ببعض ، وبما أن المفاهيم الفلسفية قد تبلورت قبل أن تتبلور المفاهيم العلمية بوقت طويل فإن المنطق التاريخي يقتضي الاستنتاج بأن الفلسفة كانت المؤسس الحقيقي للعلم ، وإذا أردنا الدقة التاريخية فإن التمايز ما بين العلم والفلسفة لم يبدأ إلا منذ فترة قريبة ، أي منذ القرن العاشر الميلادي ، عندما وضع العلماء المسلمون أسس المنهج العلمي التجريبي الذي أقصى من ساحة العلم المنطق الفلسفي الأرسطي الذي يقوم على البحث عن الحقائق في الأذهان والألفاظ ، وأحلَّ محله منهج البحث عن الحقائق في الطبيعة والواقع من خلال الملاحظة والتجربة والبرهان .
ومن الغريب حقاً أن هذا الفصل ما بين الفلسفة والعلم لم يقم به العلماء وحدهم ، بل ساهم فيه أيضاً نخبة من الفلاسفة الأفذاذ ، في طليعتهم الفلاسفة المسلمون في الأندلس ، من أمثال ابن رشد وابن خلدون ، ثم فلاسفة عصر النهضة والتنوير في أوروبا ، من أمثال الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون ( 1561 ـ 1626 ) الذي دعا إلى استقلال العلم عن الفلسفة استقلالاً تاماً ، وقال بضرورة تبني المنهج العلمي التجريبي الذي وضعه المسلمون ، وركز على أهمية التطبيق العملي في أي علم وإلا فلا يسمى العلم علماً في اعتقاده ، ثم الفيلسوف الرياضي الفرنسي ديكارت ( 1596 ـ 1650) الذي ركَّز على أهمية المفاهيم الرياضية في ميدان العلم على أساس أن العلم الرياضي هو أدق العلوم ، وتتلخص فلسفته في ثلاثة أمور ، هي إيجاد علم يقيني ، وتطبيق هذا العلم اليقيني تطبيقاً عملياً يمكِّن البشر من تسخير الطبيعة ، وتحديد العلاقة بين هذا العالَم وبين الخالق عزَّ وجلَّ ، وبهذه المبادئ وهذه الطريقة في منهج التفكير نبَّه هذان الفيلسوفان الأذهان إلى الجانبين اللذين أصبح العلم الحديث يرتكز عليهما خلال تطوراته التالية ، وهما الملاحظة الأمينة للواقع ، والقدرة على صياغة قوانين هذا الواقع بطريقة رياضية .
ومع تطور العلوم ، ومع التنامي المتسارع للنزعة العلمية الحديثة التي لم تعد تقبل بأية فكرة إلا من خلال التجربة والبرهان والقوانين الرياضية الصارمة ، حدث ما يشبه الزلزال في البنى الفلسفية القديمة ، فراحت تنهار واحدة بعد الأخرى ، وقد عبَّر بعض العلماء المعاصرين عن هذا المأزق الذي وصلت إليه الفلسفة مؤخراً ، ومن هؤلاء عالم الفلك البريطاني ( ستيفن هوكنغ ) الذي يعد من أعظم علماء الفيزياء النظرية في عصرنا الراهن ، فقد كتب يقول : ( حتى الآن ، كان معظم العلماء منهمكين في تطوير نظريات تصف ما هو الكون ، وتطرح السؤال : لماذا ؟ في حين أن الفلاسفة الذي مهمتهم التساؤل (( لماذا ؟ )) لم يتمكنوا من مواكبة تقدم النظريات العلمية ، فقد كان الفلاسفة في القرن الثامن عشر ، يعتبرون سائر المعرفة الإنسانية ، بما فيها العلوم ، حقل اختصاصهم ، ويناقشون أسئلة مثل : هل للكون بداية ؟ إلا أن العلم في القرن التاسع عشر والقرن العشرين أصبح تقنياً ورياضياً إلى حد يفوق قدرة الفلاسفة وأي شخص آخر باستثناء قلة من المتخصصين ، فخفف الفلاسفة من مدى تحرياتهم ، حتى قال ويتجنشتاين ( Wittgenstien ) أشهر فلاسفة هذا العصر : إن المهمة الوحيدة الباقية للفلسفة هي تحليل اللغة .. فأي انحدار هذا للأعراف الفلسفية العظيمة ، من أرسطو إلى كانط !؟
د. أحمــد محمــد كنــعان
kanaanam@hotmail.com

نهير محمد عبد الله الشيخ
14-11-2006, 08:49 PM
سلام الله عليك

الدكتور الرائع أحمــد محمــد كنــعان

والله انى اكره كل ما يمت للفلسفة بصلة
ولكن مقالك الشامل الجامع هذا وعدم الأسهاب فيه رغم طوله لم يزعجنى اطلاقا ّ
فبت اقرأ كل السطور حتى النهاية ويعمل عقلى على جزئيات ويختلف على أخرى لأجدك قد تناولتها فى مراحل متقدمة !
كنت افكر فى جزئية الدين والغيبيات والتجريب العملى وربط العلوم بالفلسفة وغيرها واذا بالمقال قد غطاها وأفرد لها مبحثا جيدا

، بل تتعدى نظرته عالم الشهادة إلى عالم الغيب الذي تؤكد آيات الكتاب وآيات الآفاق والأنفس أنه أوسع وأرحب من عالم الشهادة بما لا يُقاس ، وقد اعترف جهابذة العلوم أخيراً بأن ما يجهلونه من هذا الوجود أكثر بكثير مما يعلمونه


ومن الملاحظات المهمة التي تستحق التأمل طويلاً في إطار المقابلة بين الدين والفلسفة ، أن الفلاسفة يتوجهون بأفكارهم إلى نخبة المجتمع ، ولا يحفلون كثيراً بالعامة ، ولاسيما الطبقات الدنيا من الناس الذين يعتقد الفلاسفة أن عقولهم قاصرة عن الارتقاء إلى مستوى الفكر الفلسفي الرفيع ، وبمعنى آخر يمكن وصف الخطاب الفلسفي بأنه خطاب متعالٍ ( Transcendent ) أو مترفِّع عن المجتمع ، على النقيض من الخطاب الديني الذي يتوجه إلى الناس جميعاً ، بمختلف طبقاتهم وانتماءاتهم ومستوياتهم الفكرية ، ولهذا السبب نجد أن الأفكار والنظريات الفلسفية على الرغم من كثرتها وكثرة الفلاسفة الذين ظهروا على مدار التاريخ البشري فإنها نادراً ما أدت إلى تغيير ملموس في أحوال الناس ، على النقيض من الأفكار الدينية والرسالات السماوية التي كان لها تأثير أعمق وأوسع بكثير مما كان للأفكار الفلسفية ،


، كما أن الدين ظل على الدوام أكثر من الفلسفة التصاقاً بهموم الناس وقضاياهم الواقعية ، وكان التشريع السماوي أكثر مسايرة واستجابة لحاجات الناس ، وأكثر إحساساً بمعاناتهم ، كما قدَّم لهم الحلول العملية التي توافق فطرتهم وتعينهم على القيام بأمانة الاستخلاف في هذه الدنيا ، وتحقق لهم السعادة الحقيقية التي يتوقون إليها ، ليس في الدنيا وحدها ، بل في الآخرة كذلك .


، ومما لا ريب فيه أن تأصيل علم الفقه الإسلامي على يدي الإمام الشافعي ( 150 ـ 204هـ ) في وقت مبكر من تاريخنا الإسلامي قد ساهم مساهمة كبيرة في حماية الدين من الأفكار الفلسفية المنحرفة التي لم يسلم منها دين آخر قبل الإسلام.

كل هذه الأقتباسات اجابات لأسئلة كانت فى راسى وانا أقرأ

بصراحة المقال روعة "الفلسفة والدين و العلم و ما لهم وما عليهم والمآزق والمزايا "

انصح الجميع بقراءته للمتعة .

استفدت جدا واتمنى لك مزيد من التقدم والأزدهار

خليل حلاوجي
14-11-2006, 09:34 PM
على الرغم من الشهرة الكبيرة والصيت الذائع لسقراط، فإن الوقوف على فلسفته على وجه اليقين، ظل أمراً محيراً وعسيراً جداً، وذلك يرجع إلى سبب أساسي، وهو أن هذا الفيلسوف لم يكتب في حياته حرفاً واحداً، بل انتقلت أفكاره عبر تلامذته بعد وفاته، مما جعل البعض ينكرون صحة وجود سقراط أصلاً، وزعم هؤلاء البعض أن أفلاطون هو الذي كتب معظم تلك الحوارات التي كانت تحدث بين سقراط ومحاوريه.. وأنه- أي أفلاطون- قد تخفى وراء اسم سقراط

والمعروف أن سقراط لم يكن يتناول أجراً على قيامه بمهنة التعليم لأنه يؤمن بأن المعرفة موجودة داخل النفس البشرية، ويستطيع المرء أن يستنبطها بالتوليد، فكيف يأخذ المعلم أجراً على شيء ليس في ملكه؟!
قد يكون الأجر جائزاً في تعليم المهن الصناعية أما عندما يكون التعليم يستهدف ترسيخ الفضائل التي من الممكن أن يجبل عليها الإنسان باعتبارها متأصلة فيه، فهذا ما لا يجوز في عرف سقراط..

ولأن أفلاطون لم يكن تلميذه الوحيد، فـ(زينوفون) كتب هو الآخر نفس المحاورات السقراطية، بأسلوب آخر يختلف عن الأساليب التي اتبعها تلامذة سقراط.. بل إن أرسطو- وهو لم يلتق بسقراط لكنه قريب العهد به- قد ذكر آراء سقراط في أكثر من كتاب.
فهذا الفيلسوف قد أثر في تاريخ الفكر الفلسفي تأثيراً بالغاً، لأن طريقته في التعليم الفلسفي بوجه عام وفي التربية بوجه خاص، أثبتت أنه هو الذي عمل على تأصيل وتجذير مذهب فلسفة الأخلاق الذي لا يزال يؤخذ به حتى يومنا هذا، وللدقة.. فإن جوهر روح مذهبه الفلسفي مازال يهيمن على آراء ومعطيات معظم فلاسفة الأخلاق الذين جاءوا من بعده.
\\


على أية حال
تعتبر الفلسفة في نظر أغلبنا مصدر إزعاج وقد يعتبرونها مصدر تهديد للعقيدة عند آخرين
وكما قلت فانها تسحب من تحت أقدام الكثيرين مسلمات ويقينيات
والفلسفة لا تكف عن إدخال الجديد والمفيد إلى العقل. ومعلوم أن من نهض بالعقل في التاريخ هم بضع مئات من أدمغة الفلاسفة. وحسب برتراند راسل الفيلسوف البريطاني في كتابه (النظرة العلمية) فإن عصر النهضة كله يعود إلى مائة دماغ

فالفلسفة تشبه جذع شجرة و فروع تلك الشجرة وثمارها هي العلوم.
ولأن الفلسفة تفتح العقل على كل أنواع الأسئلة المزعجة والمحرجة بدون حدود وخوف.
\
يقول عبد الرحمن البدوي في سيرته الذاتية
لم يكن للحضارة الإسلامية أن تنهض لولا اتصالها بالفكر اليوناني
وهذا الكلام اميل اليه كثيرا وعندي ادلتي
\
في قولك أن بن خلدون فيلسوف بعض تجني فالرجل عالم اجتماع كتب بطريقة الباحث لابطريقة الفلاسفة ومجمل نقده للفلسفة كتبت عنه في مقالتي
نقد المنطق الارسطي وتطبيقاته


\

اما الغزالي العملاق فيمكنني أن اثبت عبقريته عبر مقالتي
عبقرية الغزالي


والخلاصة
يقول أٍستاذي الدكتور خالص جلبي

(الفكر الفلسفي يجب أخذه مفصولا عن التاريخ الاستعماري وفتوحات بوش المحارب؛ فالفلاسفة والمفكرون قوم لا وطن لهم وهم إنسانيون. ربهم واحد مثل الأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى، أما ونحن فمثلنا مثل من كان جده ملياردير وهو مفلس، فما يزال يتحدث عن ثروة جده العظيمة، التي لم يبق منها شروى نقير، وهي حجة لن ننهض بها، فضلا على أنها مخدرة لنا عن إبصار واقعنا المزري. فهذا تفكير خطير وضار يجب التخلص منه والتخلي عنه لصالح فكر مفيد يبني. وإلا كنا مثل الشيطان الذي مضى إلى طريق اللاعودة واللاتوبة. وربما كان الفليبينون أفضل من العرب لعدم وجود تاريخ زاهي عندهم، فهم يعتمدون على سواعدهم لبناء ْأنفسهم )

خليل حلاوجي
14-11-2006, 10:36 PM
نقد المنطق الارسطي وتطبيقاته
http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=15951
قبل أن أعرج على دراسة المبادى التي قام عليها منطق ارسطو في
1\ مبدأ العقلانية
2\ مبدأ السببية
3\ مبدأ الماهية
أود أن أطوف معكم لنرى أرسطو الذي نجح في زمنه في تنظيم الفكر فهو من وضع قواعده وعد من أكبر العقول الجبارة ..
ولأن المعرفة كأي كائن حي تنمو مع الزمن
ولكون النظام الفكري والاجتماعي يكون صالحا ً لفترة ما ثم مايلبث أن يصبح قيد قد يعيق محور تجدد الحياة فأنه لايكمننا أعتبار آراء أرسطو مقدسة لايمكن المساس بها أو تغييرها أو التشكيك بها خاصة ونحن اليوم نعيش الالفية الثالثة للميلاد أرى أن آراء ارسطو كانت السبب في إشاعة الجمود وتشوش طرائق التفكير عند الكثير من الناس .
سأركز اليوم على صفتين من منطق أرسطو
1\ منطقه الصوري
2\ منطقه الاستنباطي

أولا ً : صورية المنطق

كان ارسطو يؤكد على أهمية البحث في (مادة) الفكر علاوة على( صورته ) فتمثالين متشابهين أحدهما من ذهب والآخر من خشب عند ارسطو لايستويان وإن بدا للعيان التشابه الصوري الظاهري
ولكن المناطقة الذين جاؤا بعده أهملوا سنته هذه فحصروا التفكير في صورة الاشياء وحلقوا في عالم التجريد الفكري مبتعدين عن مجريات الحياة الواقعية ( إقرأ كتاب المنطق وطرائق العلم العامة لجميل صلبيا وكامل عياد ص 60 )
وجاراهم غالبية المفكرين المسلمين حين بحثوا في ( صور ) تجردت من ( مواردها ) ولأضرب لذلك مثالا ً فرجل مثل الماوردي في كتابه ( الاحكام السلطانية ) وهو يبحث الامامة يتغافل عن صور أمامه في واقع الحال حين كان التنازع تعقد لرجلين ايام نزاع بني العباس مع الفاطميين وغيرهم
انه يأخذ الموضوع من ناحيته الشكلية البحتة فيقول
ان الامامة قد تعقد للرجل الذي سبق منافسه بأخذ البيعة من الجماهير ( لكن الواقع يقول ان انهارا ً من الدماء سالت ولم يتم تطبيق هذا الكلام )
ثم يذكر ان من الفقهاء من يذهب الى حسم المسألة عن طريق القرعة منعا ً للتخاصم اذ يسلك كلا الخليفتين الامر لاهل الحل والعقد ( والواقع يقول بعقم هذه الفكرة )
ان الماوردي بحث أخطر قضية لافيما هو كائن أمام ناظريه فعلا ً وأنما فيما يجب ان يكون صوريا ً ولم يدلنا على تنفيذ هذه الاماني عمليا ً وكيف أن السلطان يتبعه قادة جيشه ووزراؤه وحاشيته والمنتفعين منه وهم أصل مسألة النزاع على كرسي الحكم ...
ومفكري اليوم يتبعون ذات السبيل في قضايا مصيرية تخص الامة وابناءها ، لاحظ رؤيتهم عن البنوك الاسلامية كيف اشبعت جدلا ً وهم يتناسون الفوضى الربوية للتعاملات العالمية
وكذا قضية حجاب المرأة كيف اتخمتنا وعضيا ً متناسين أن من الأرقام المرعبة أن نصف النساء العربيات أميات. وهي أعلى نسب في الأمية بين النساء في العالم كله. أليست هذه أرقام كئيبة؟
ولكن هل النصف الآخر منهن «تقرأ» فعلا؟ ما أسأل عنه هو ليس فك الحرف، وانما كيف تحمي المرأة نفسها وهي غير واعية وأيهما أولى حجاب الشعر أم حجاب الفكر
وكذا قضية عالمية الاسلام كون الرسول هو رسول الله الى الناس جميعا ً ظاهر الامر والواقع يقول أن الفقهاء يقسمون الارض الى دار حرب ودار سلم بحيث ام مواطنا ً فرنسيا ً مسلما ً يعد السرقة هناك حلالا ً كونها من الغنائم
أننا اليوم مطالبين بتغيير طرائق تفكيرنا ورفض المنطق الصوري وبحث معضلاتنا من خلال نظرة تنطلق من الواقعية والابتعاد عن الرسم في الفراغ

\

يتبع
أستنباطية المنطق

جوتيار تمر
14-11-2006, 11:38 PM
الفلسفة بين السياسية والعلم/ سمير أبو زينب (منقول)

الجابري والموقف من الفلسفة العربية

"إن الفلسفة هي العنصر المركزي للمشروع اليوناني الغربي الهادف للأوتونوميا أو الإستقلال الذاتي الفردي والجماعي. فنهاية الفلسفة لا تعني سوى نهاية الحرية"(1).

لقد ظهرت الفلسفة بارتباط وثيق بالآغورا (الميدان العمومي أو الساحة العمومية) وهو ميدان للنقاش والتحاور حول الحياة اليومية ومشاغل الناس الفكرية والعملية وكان ذلك في اليونان القديم. إن نشأة الفلسفة ارتبطت بالديمقراطية. رغم أن الفلسفة لم تكن قوة دفع للتغيير الإجتماعي- التاريخي ولم تساهم مباشرة في ذلك إلا أنها لم تنفصل عن التساؤل المتواصل والدائم حول المجتمع والمؤسسات. الفلسفة ليست جديرة بهذا الإسم إذا لم تعبر عن فكر مستقل أوتونومي و"أوتونوموس" باليوناني يعني من يضع "ناموسه" وقوانينه بنفسه دون الرجوع إلى سلطة متعالية أو مرجعية مستقلة و منفصلة عن المجتمع.

"فلقد ناقش الفلاسفة العظام أمثال كنط، فيختة، شيلنغ، علنا ونقدوا ودحضوا أو اعتقدوا أنهم دحضوا المفكرين الذين سبقوهم، كانوا يرون (وهم على حق في ذلك) أنهم ينتمون إلى ذلك المجال الإجتماعي- التاريخي العمومي الما بين زماني، الآغورا، والما بين تاريخي للفكر والتفكير، وأن نقدهم العمومي للفلاسفة الآخرين هو عامل أساسي للحفاظ على مجال الحرية وتوسيعه حيث لا سلطات ولا نبوات ولا وحي ولا كتاب عامين للأحزاب ولا فهرر Fuhrer ولا قدر الكائن ولهذا بالذات فبالنسبة للفيلسوف فإن تاريخ الفلسفة لا يمكن أن يكون سوى نقديا"(2).

وبدون أن نسقط في التبسيطات والسذاجات التي تحيل تطور الفكر إلى درجة تطور ونمو القوى المنتجة وتربط كل ذلك بقوانين موضوعية للتاريخ فإنه لا يمكن لنا أن نفصل تاريخ الفلسفة عن التاريخ بصفة عامة. فالفلسفة كانت بطريقة أو أخرى وجها من وجوه نقد ومراجعة المجتمع المنغلق والمكبل وذلك بطرحها لقضايا تتعلق بالعدالة والسياسة والمجتمع والحرية....

لكن لقائل أن يقول: أغلب الفلاسفة أسسوا أنظمة فكر وأنساق خاصة بهم ومغلقة (سبينوزا- هيقل- أفلاطون وحتى أرسطو...) بحيث أن التساؤل والنقد كان يقع من وجهة نظر ذلك النسق الفكري الذي يحتمي به كل فيلسوف وينطوي في داخله.

للتاريخ نقول أن "النشاط الحيوي للفلسفة في علاقتها بالمجتمع توقف مع أفلاطون ومع ظهور المدارس الشبيهة بتلك التي ارتبطت بدين معين كالكنفوسيوسية مثلا وبالذات بسقوط الديمقراطية الأثينية حيث لم يعد الفيلسوف ذلك المواطن الذي يساهم بفكره ونشاطه في الساحة العمومية"(3).

فلم يقع استرجاع النشاط الفلسفي في الغرب إلا مع النهضة ومع بروز الديمقراطية المعاصرة ولم يكن ذلك بمعزل عن النشاط الإجتماعي الموجه ضد سلطة الكنيسة ومن أجل تحرير الإنسان ومع بروز العلوم المعاصرة.

لكن "الموقف الغالب ظل، وفي أوجه متعددة، ذلك الذي يؤدي إلى بناء أنساق وأنظمة مغلقة وإلى تقديس الواقع والنظر إلى المجموعة (من طرف الفلاسفة) من موقع متعالي وفوقي... وكان ذلك بارزا مثلا بالنسبة لمفكرين "نقديين" كماركس ونيتشه الذين تقاسما عقلية Sancta Realitas أي قوانين التاريخ لدى ماركس وبراءة المصير Innocence du devenir مع نيتشه. فخلال هذه الحقبة لم يتجسد النشاط الهادف للإنعتاق والتحرر بالخصوص في محتوى هذه الفلسفات وإنما في الإبقاء على حوار مفتوح ونقدي. فبالرغم أن هذه الفلسفات تنفي مبدأ الآغورا الفلسفية والساحة العمومية المفتوحة للنقاش إلا أنها تعيد إنشاء وبناء هذه الآغورا وتستعيدها من حيث لا تدري"(4).

هذه حالة الفلسفة اليونانية الغربية في علاقتها بالمجتمع والديمقراطية فكيف هي حالة فلسفتنا العربية الإسلامية. ما هي ظروف نشأتها وتأثيرها على الواقع؟

I- الفلسفة العربية الإسلامية:

لقد ارتبطت نشأة الفلسفة العربية الإسلامية بتوسع دولة الخلافة واحتكاكها بشعوب وأمم أخرى تختص بديانات وثقافات ومطلعة على المنطق الأرسطي ومتسلحة بأدوات تمكنها من "الذود" عن خصوصياتها. "لقد كان على رجال الإعلام في معاركهم الإيديولوجية لهذه الأديان والثقافات أن يدحضوا الخطاب بالخطاب... وأن يدافعوا منطقيا عن العقيدة الإسلامية وأن يبحثوا في مشاكل فلسفية كالعدل والحرية والكون وغيرها وهذا الاتجاه الفكري الجديد هو الذي صبغ فكر المعتزلة إذ أرادت هذه الجماعة أن تطوع العقل لمبادئ العقيدة الدينية"(5).

إذن يمكن القول أن الدوافع والظروف والشروط التي أدت إلى ظهور فلسفة عربية إسلامية مغايرة تماما لظهورها في حالة اليونان القديم. فإذا كانت في الحالة الأخيرة مرتبطة بنشأة المجتمع الديمقراطي في أثينا وبالتالي ببروز مجال ديمقراطي للنقاش (الاغورا) فإنه في حالة الفلسفة العربية الإسلامية ارتبطت هذه النشأة بحاجة السلطة المركزية لمواجهة حضارات وثقافات متقدمة عليها في عديد المجالات ومن هنا جاء مجهود الترجمة والنقل للفلسفة اليونانية فـ"وقع استبطان الفلسفة في الدين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة... فجاء التفكير فلسفيا والميدان دينيا"(6). حسن حنفي يصف هؤلاء الفلاسفة بـ"أنهم كانوا حراس حدود أو وزراء خارجية (وذلك مقارنة) بعلماء الكلام بصفتهم وزراء داخلية (مهمتهم) المحافظة على النظام العقلي الداخلي للحضارة الناشئة. فلقد ظهر الفلاسفة كوزراء للخارجية مهمتهم التعامل مع حضارات أخرى غازية (في الحقيقة فإن الحضارة المتوسعة آنذاك هي الحضارة العربية الإسلامية وليس العكس) وفي مقدمتها الحضارة اليونانية وكحماة للحدود الحضارية المتاخمة ويعيدون بناء دائرتهم الفكرية الأولى التي ورثوها عن علماء الكلام على أساس من المفاهيم الجديدة من الحضارات الغازية (!؟) مستعملين نفس أسلحتهم التصورية"(7) لكن ذلك لم يكن دون أن يجلب معه مخاطر على البنية الفكرية المهيمنة. فلقد تسربت عدوى الفلسفة إلى المجال العربي الإسلامي وشيئا فشيئا تحول الخطاب الفلسفي من خطاب خارجي يعقل المفاهيم الدينية ويدافع عن العقيدة بمنطق أرسطي وأدوات فلسفية إلى "خطاب داخلي" (حسب تعبير فتحي التريكي) فأصبح الفلاسفة يستعملون مصطلحات ومفاهيم غريبة عن المجتمع الإسلامي. هذا ما أثار ثائرة الفقهاء والمتكلمين الذين عابوا على الفلاسفة استعمال مصطلحات في غير مجالها (بالرغم من أن الفلاسفة جميعهم تقريبا بدءا بالفارابي والكندي وابن سينا ووصولا إلى ابن رشد قد وفقوا بين الدين والفلسفة وذلك كل بأسلوبه الخاص). هذا التصرف المناهظ يفسر على سبيل المثال محنة ابن رشد وتعرض كتاباته إلى الحرق والإتلاف فضلا عن الفلاسفة والمفكرين الذين لم يصلنا من كتاباتهم إلا القليل النادر. "الفلسفة تؤدي إلى الكفر والزندقة" هذا ما عابه رجال الدين على الفلاسفة. إذا اعتبرنا صعوبة تفهم العامة للغة الفلاسفة نظرا لآنفصال الفلاسفة عن المجتمع وعدم ارتباط فكرهم بحركة اجتماعية وبمجال عمومي مفتوح كحالة اليونان القديم) فإنه من اليسير جدا توجيه تهمة الزندقة والكفر من طرف رجال الدين إلى الفلاسفة وتأليب الجمهور الواسع من الناس ضد هؤلاء إلى حد أنه وفي أغلب الحالات أصبح الفيلسوف يتجنب ما استطاع من جهد الحديث عن الفلسفة. إن الفلسفة العربية الإسلامية رغم التصاقها الشديد بالدين وعملها على التوفيق بينهما وارتباطها المتين بجهاز السلطة القائم (بالخصوص بالنسبة للمعتزلة) وبغاياته فإنها وبصفة عامة لم تلاقي الترحيب فكان الإنتصار لرجال الفقه والدين ولعل ذلك تدعم مع بروز فكر الغزالي الملقب بـ"حجة الإسلام" هذا الأشعري والقائل بالمعرفة الصوفية. فمع أن الفلسفة حامت حول الدين فإنه يمكن القول مع محمد أركون أن "روح الأرثودكسية الصارمة" فقد انتصرت لدى كل الكتاب والمؤلفين بينما احتقن الموقف الفلسفي كليا فالنصر كان للفقيه والشيخ والمرابط.

II-الفلسفة العربية الإسلامية بين العلم والسياسة:

عرفت العشريتين الماضيتين ظهور عديد الدراسات وانعقاد عديد المؤتمرات والملتقيات لتقييم واقع الفلسفة العربية الإسلامية واختلفت الاستنتاجات من مفكر لآخر وتراوحت بين مدافع مستميت عن الإرث الفلسفي العربي الإسلامي وناقد يجهد في انتقاء الجانب الإيجابي في هذا الإرث سواء أطلق عليه "بالفكر المادي" أو "النزعة المادية" أو "العقل البرهاني" وهذا كنقيض "للفكر المثالي" أو "للعقل المستقيل" و"النظام العرفاني". المجال لا يسع للتعرض لمختلف التقييمات ولكننا سنعتني بجانب من هذه البحوث ألا وهي علاقة الفلسفة بالسياسة. وبالذات موقف محمد عابد الجابري من المسألة. يرى الجابري أن ما يميز الفلسفة اليونانية عن الفلسفة العربية أن الأولى ارتبطت بالعلم بينما ارتبطت الفلسفة الإسلامية بالسياسة"(8) ولعله يريد أن ينبهنا أن الإفراط في السياسة من شأنه أن يجعل الفلسفة قاصرة ومكبلة وهذا من أحد أسباب تخلف الفكر الفلسفي العربي الإسلامي. لكن قبل أن نخوض في نقد هذا الحكم المسبق يجدر بنا أن نلاحظ أن ما يصرح به محمد عابد الجابري ليس سوى تزييفا للتاريخ ومغالطة كبيرة فالحقيقة هي عكس ما يدعيه الجابري. هذا Jean Pierre Vernant أحد المختصين في دراسة التاريخ اليوناني يصرح: "هذا العقل اليوناني ليس العقل التجريبي للعلوم المعاصرة الموجهة نحو استكشاف الوسط الفيزيائي والتي أعدت مناهجها وأدواتها الفكرية وأطرها العقلية خلال القرون الأخيرة في جهد نشيط ومتواصل للتعرف على الطبيعة والسيطرة عليها. فعندما عرف أرسطو الإنسان بالحيوان السياسي فقد أشار إلى ما يفصل العقل اليوناني عن العقل الحالي... لأن العقل نفسه هو في جوهره سياسي. في الواقع فإن العقل في اليونان عبر عن نفسه وتشكل وتكون على الصعيد السياسي أولا... لقد تم استخراج وتعريف فكر سياسي بعيدا عن الدين في مصطلحاته ومفاهيمه وميادينه وآرائه النظرية... فبالنسبة لليوناني لا ينفصل الإنسان عن المواطن والتفكير هو امتياز للأناس الأحرار الذين يمارسون بالترابط عملهم العقلي وحقوقهم المدنية كما أن الفكر السياسي عبر تقديمه للمواطنين الإطار الذي يدركون فيه علاقاتهم المتبادلة قام في الوقت نفسه بتوجيه ووضع تدابير فكرهم في ميادين أخرى"(9). (التشديد من وضعنا).

لقد طرح الفلاسفة العرب والمسلمون قضايا هامة كالوجود والمادة والنفس والأخلاق والعقل والمخيال وقد رافق ازدهار الفلسفة ازدهارا مماثلا للعلوم والفنون واقتحم الفلاسفة مجالات أعدها الفقهاء من المحرمات. تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية مازال يحفظ لنا أسماء مضيئة كالنظام وابن الراوندي والجاحظ والفارابي والكندي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. لكن وعكس ما يروج له الجابري من أن تأخر الفلسفة العربية الإسلامية ناتج عن التصاقها الشديد بالسياسة وبعدها عن العلم (مع أن الفلاسفة العربي والمسلمين كان لهم باع في البحوث العلمية كالرياضيات والعلوم الطبية وغيرها) فإن السمة الطاغية هي أن هذه الفلسفة ارتبطت بالدين وأرادت أن توفق بينهما. لقد أراد الفلاسفة العرب والمسلمون أن يكون فكرهم شاملا مطلقا. الفيلسوف العربي المسلم هو أبعد من أن يكون مواطنا عاديا (كالفيلسوف اليوناني). فبينما "كانت قوة الفكر اليوناني في السياسة نظرا وعملا وضعفه في الدين (لاحظ سخرية مولعي الكوميديات من الآلهة وما انبثق عنه من الإلاهيات في الفلسفة) كانت قوة الحضارة الإسلامية في الدين وضعفها في السياسة نظرا وعملا... فعلى مستوى الفكر يفوق ما كتبه أرسطو في السياسة كل ما كتبه فقهاء المسلمين ومفكريهم فيما سموه بالإمامة"(10).

فنشأة الفلسفة في اليونان مرتبطة ارتباطا وثوقيا وعضويا بظهور المدينة والديمقراطية وفي تضامن مع البنى الاجتماعية والعقلية الخاصة بالمدينة اليونانية عكس الفلسفة العربية الإسلامية. فكل الأشياء والمسائل التي تهم حياة الناس هي موضع نقاش حر بين كل الأفراد المكونين للمجموعة... ويقع ذلك في ساحة عمومية الآغورا وفي واضحة النهار.

فالفلسفة اليونانية هي شاهدة على الحياة السياسية اليونانية بينما ما كتبه ابن رشد الفيلسوف لا يمكن أن يشهد على مغرب القرن السادس"(11). فأن تقرأ ما كتبه هذا الفيلسوف العربي المسلم أو ذاك فذلك لا يمكنك من الحصول على فكرة أو صورة عن المجتمع الذي عايشه هذا الفيلسوف.

"فلقد أعرض فلاسفة الإسلام عن السياسة إلى الميتافيزيقيا فكانوا كناقل التمر إلى هجر، أعرضوا عما كان ينبغي أن يفيدوا به حضارتهم... فلم ينفتح فكرهم على دساتير اليونان وأنظمة الحكم في مدنها"(12).

ومحمد أركون يعترف بـ"أنه حتى الفلاسفة أنفسهم، أولئك الذين احتلوا الموقع العقلاني الأكثر تطرفا قد ظلوا يتحركون في إطار ميتافيزيقيا ذات ماهية دينية"(13).

لقد كانوا يعتقدون أن الفلاسفة بامتلاكهم المنطق وقدرتهم الواسعة على الفكر وذلك بما تحصلوا عليه من معارف واطلاع على الفلسفة اليونانية هم عقل الأمة النابض وهم أولى وأحق بتأويل النصوص القرآنية. فإخوان الصفاء يصنفون الناس إلى نوعين: فلاسفة راسخون في العلم وناقصين (رسائل إخوان الصفاء) وكان المعتزلة مقربين للسلطة بل أصبحت فلسفتهم الفكر الرسمي للخلافة والفيلسوف الفارابي كان يرى أن "البرهانيات موكولة إلى أصحاب الأذهان الصافية والعقول المستقيمة"(14). ابن رشد الذي يمكن اعتبار فلسفته قمة العقلانية في الفكر العربي الإسلامي كان يرى أن الحكماء والعلماء (أي الفلاسفة) ورثة الأنبياء خصهم الله بالتأويل (فصل المقال).

"فالفلسفة الإسلامية هي على الدوام فلسفة انتخابية (Ekletizimus). فلقد كان هم الجهد الفلسفي في الإسلام موجها إلى الناحية النظرية العقلية ولم يهتم الفلاسفة بأن يعالجوا المسائل التي عرضتها لهم الحياة الواقعية من اجتماعية وسياسية"(15).

فلاسفتنا ترفعوا على العامة واعتبروا أن نشاطهم حكر على أصحاب البراهين وهم قلة خصهم الله بمقدرة لا يطالها أي كان.

"لقد استكثروا على العامة حق التساؤل والتفلسف فابن رشد الفيلسوف العقلاني وعد والغزالي الفقيه كان صريحا في تحريمه النظر العلمي على غير الخاصة بل وفي تكفيره لكل من أذاع القضايا النظرية في الكتب الموجهة للجمهور وهكذا أمست سعادة نيل المعرفة العليا، أي الإتصال بالعقل حكرا على تلك القلة الموهوبة فقط وليست في متناول أي كان"(16) ابن رشد يحذر من إذاعة الحجج والبراهين على العامة الذين يجب أن يقتصروا على ظاهر اللفظ ولا يتعمقوا في دراسة المسائل التي لا يقدر على خوضها إلا الراسخين في علوم الفلسفة. يقول ابن رشد في كتابه فصل المقال: "أما من كان من غير أهل العلم فالواجب في حقه عملها (النصوص) على الظاهر، و تأويلها في حقه كفر لأنه يؤدي إلى الكفر ولذلك يجب أن لا نثبت التأويلات إلا في كتب البراهين لأنها إذا كانت في كتب البراهين لم يصل إليها إلا ما هو أهل البرهان"(17). ابن رشد يخاف من تملك العامة القدرة على البرهان. علي الوردي يوضح هذه المسألة بأكثر جلاء فهو يرى أن ابن رشد كان يعتقد "أن العامة كمثل المرضى فليس من مصلحة المريض أن يعطى له عين الغذاء الذي يعطى للسليم، إذ هو يصبح بمثابة السم القاتل له. إن العامة في رأي ابن رشد لا ينفعهم سوى الدين (التشديد من وضعنا) والأنبياء عرفوا طبيعة العامة فأتوا لهم بالشرائع التي تلائمها. فالفيلسوف الذي يريد إصلاح العامة ينبغي أن يتبع معهم طريقة الأنبياء. أما الأفكار الفلسفية فيجب أن يحتفظ بها لنفسه ولا يبديها إلا للفلاسفة أمثاله"(18). الغريب أنه رغم تعارض أفكار ابن رشد مع فقه الغزالي فإن هذا الأخير يذهب نفس المذهب في موقفه من العامة إذ يرى "أنهم يجب أن يتلقوا الحقيقة من مصادرها ويصدقوا بها من غير جدل وبذلك تنصلح أمور دينهم ودنياهم"(19) (التشديد من وضعنا) .

III- بين الفلسفة والفنون:

لقد واكب ظهور الديمقراطية الأثينية والفلسفة ازدهار للفنون (الأشعار- لمسرح-الميثولوجيات- ...). فلو تطرقنا على سبيل المثال إلى المسرح للاحظنا أن التراجيديا تحتل مكانة خاصة ومرموقة.

التراجيديا تعني أنه لا وجود لضمان حتى وإن تسلحنا بالعقل وأن الميدان السياسي محفوف بالمخاطر والعثرات والكوارث والأخطاء كما أنها تطرح قضايا تتعلق بحياة الناس في المدينة وعلاقاتهم بعضهم ببعض.

ففي "أنتيقون" يقع إبراز القدرة على بناء المؤسسات وخلق المدن ونسج علاقات تعاون بين متساكينها وتنقد نزعة الغرور والاستفراد بالرأي. حدوث الكارثة من أسبابها الاستفراد بالرأي والاعتقاد بامتلاك "الحكمة المطلقة" والتراجيديا تشير أيضا إلى أن الحرية هي أيضا تحديد ذاتي ومسؤولية. التراجيديا لها أبعاد سياسية هامة وكلها ترتبط بالمجتمع الديمقراطي الأثيني ودلالاته(20). لسنا هنا بصدد تقييم التجربة الديمقراطية الأثينية وارتباط ازدهار الفنون بذلك ولكننا أردنا الإشارة إلى أن العرب قد نقلوا أساسا تراث اليونان العلمي والفلسفي ولم يعتنوا بالفنون والكتابات السياسية والشعرية إلا ما ندر (هوميروس). "فالعرب لم يعرفوا الإلياذة والأوديسة كما أنهم لم يعرفوا الأعمال المسرحية اليونانية"(21).

أبو القاسم الشابي نبه لهذه الحقيقة في مقاله المعروف "الخيال الشعري عند العرب" (وقد كان رد التراثيين والمتعصبين على هذا المقال عنيفا). فلقد رأى الشابي أن الخيال الفني "هذا الخيال الذي تتطبع فيه النظرة الفنية التي يلقيها الإنسان على العالم الكبير... ويضرب بجذوره إلى أبعد غور في صميم الشعور... والذي تلتقي فيه الروح الفنية والفلسفة في آن ونفهم منه نفسية الأمة وندرك ما الذي لآفاقها الروحية من عمق وسعة ضياء... تتجاوز الصناعة البلاغية... والخيال الصناعي (غائب) في الشعر العربي"(22). يتساءل شاعرنا العظيم عن أسباب غياب هذا الخيال الشعري (كما يعرفه) وعن العوائق التي جعلت من آدابنا القديمة على ما فيها من جمال وسحر بيان وما اكتسبته من ثروة فنية في الصور والأخيلة والأساليب خالية من نظرة للكون والحياة؟ "فحتى المذاهب التي تغلب عليها النزعة الروحانية لم تعرف سبيلا إلى نفوس العرب. فمذهب وحدة الوجود الذي هو أعمق نظريات المتصوفة لم يشتهر به من متصوفة الأمة العربية إلا من كانوا أغرابا عن العرب كالسهروردي والحلاج والشمس التبريزي وجلال الدين الرومي"(23).

أبو القاسم يعاين "أن الدين حرم النحت والتصوير والغناء ومحاكاة كل ما له روح... (لكن) مهما اشتدت سيطرة الدين وبلغت في الصولة والبأس والسلطان فهي لا تستطيع أن تسكت روح الشعب أو تقضي على منازعه و ميولاته"(24).

إذن الشابي يعاين من ناحية الإطار المخيالي العام الذي كبل الفكر والمخيال الجذري ولكنه يقر من ناحية أخرى أن هذا المخيال الجذري يتجاوز الأطر التي وضعت له.

يرى الشابي "أن العرب وإن ترجموا فلسفة اليونان وعلومها... فإنهم لم يترجموا من آداب اليونان شيئا وذلك لتشبع آداب اليونان بالنزعة الوثنية التي جاء الإسلام لمحاربتها ولاعتداد العرب بأدبهم الأول وإيمانهم أنه هو المثل الأعلى الذي لا يحتذى غيره... فالعرب لم يتصلوا بفلسفة اليونان وعلومهم إلا عن طريق تراجمه "النساطرة" و"اليعاقبة" (رجال دين) وهؤلاء عنوا بما يتصل اتصالا وثيقا بصفتهم الدينية اللاهوتية"(25)... "كما أنهم لم يدرسوا تاريخ الفن بأوسع معانيه لا عند اليونان ولا عند الرومان إلا قليلا من أساطيرهم لا تكفي لشرح نظرتهم الفنية لهذا العالم"(26). لقد كان الفلاسفة العرب والمسلمون أقرب لأفلاطون منهم لأرسطو أو حاولوا التوفيق بين رأييهما والمعلوم أن أفلاطون بنى نظامه الفكري والفلسفي على قاعدة استحالة تطبيق الديمقراطية وضرورة اعتماد المدينة الفاضلة على قائد أو عالم يوجه الشعب إلى محاسن الأخلاق يؤسس للمجتمع وجمهورية العدل. الفلاسفة العربي لم يجدوا فروقا بين كتاب السياسة لأرسطو الذي لم يصلهم منه إلا القليل وكتابي الجمهورية والنواميس لأفلاطون. فالفلسفة الأفلاطونية هي أقرب لمبادئ الخلافة لذلك تركزت البحوث الفلسفية "السياسية" إن جاز القول على تفسير وتأويل "المدينة الفاضلة" وذلك تماشيا مع "مبادئ العقيدة" وضرورة الخلافة كإحدى الأعمدة الأساسية للسلطة الدينية.

خلاصة: ليست السياسة هي التي عطلت الفلسفة العربية الإسلامية. فالسياسة بمفهومها المعاصر أو بمفهومها اليوناني القديم وكما طبقت في أثينا لا علاقة لها بالنظام السياسي للخلافة. الفلسفة اليونانية تشكلت على قاعدة سياسية وبارتباط بالديمقراطية (بصفتها نظاما سياسيا خاصا). محمد عابد الجابري كغيره من المفكرين المعاصرين يعتقد أن ارتباط فكر ما (أو فلسفة ما) بالعلم يضفي عليه طابع الموضوعية والعقلانية لأنه يعتقد أنه ما من علم (ومعرفة علمية) إلا وكان شفافا صافيا خاليا من المسبقات والمعتقدات والأفكار والمثالية أو التصورات الخاصة. فليس العلم هو منقذ الفلسفة ولا هو حاميها.

اليوم نرى عديد العلماء يتحولون كل بأسلوبه الخاص إلى أشباه فلاسفة محاولين فرض نسق فكري مغلق يستمد جذوره من المجال العلمي الذي نشط فيه هذا الباحث (نظرية الكوارث- نظرية الضبط الذاتي...) فإذا بالإنسان يختزل في برنامج أو كائن حي مغلق إلخ.... بطبيعة الحال كل ذلك مرتبط بهيمنة عقلية وضعانية تؤله التكنو-علوم وتنزهها من كل خطئ أو شائبة وتقدس الخبراء وتعصمهم.

إن كل تقييم تاريخي يستند إلى رؤية معاصرة ويكشف عن مسلمات ومواقف خاصة بالمؤول. فإذا كان الجابري يريد أن ينبهنا إلى خطر "تسييس" الفلسفة من ناحية وضرورة إضفاء طابع "العلمية" عليها حتى يستقيم فكرنا ونتخلص من أنظمة الفكر البالية ("النظام البياني" المبني على اللغة القاصرة و"النظام العرفاني الغنوصي المتسرب من الغنوص الفارسي والهندي) ونتمسك بالنظام البرهاني (وهو مغربي الأصل أندلسي) فإننا نقول له: لقد سبقك كثيرون في هذا المجال: "جاك مونو" الذي نفى وجود فكر فلسفي مستقل واعتبر أن الأخلاق تستمد قواعدها من العلوم التي لا تعترف إلا بقوانيننا الخاصة، وفوكوياما الذي أعلن نهاية الفلسفة.

فإذا كان فهمنا للتاريخ أنه يسير حسب منطق (كما يقول الجابري) وقوانين موضوعية مستقلة عن فعل البشر الذي (حتى وإن وقع) يأتي ليبرهن على صحة القوانين فإن مفهومنا للفلسفة سيكون مطابقا لرؤيتنا للتحولات الإجتماعية- لتاريخية.

ـــــــــــــــــــــ

(1) Cornélius Castoriadis: La fin de la philosophie, in Le monde morcelé, Les carrefours du labyrinthe III, Seuil, 1990 page 227.

(2) Idem : page 228

(3) Idem n°232

(4) Idem



(5) فتحي التريكي: الفلسفة الشريدة، مركز الإنماء القومي، بيروت، بدون تاريخ، ص 19.

(6) نفس المرجع : ص 20.

(7) حسن حنفي: التراث والتجديد، مكتبة الجديد، 1980.

(8) محمد عابد الجابري: التراث والحداثة، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سبتمبر 1991، ص 245.

(9) جان بيار فرنان: أصول الفكر اليوناني، ترجمة سالم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1987، ص 117-118.

(10) أحمد محمود صبحي: اتجاهات الفلسفة الإسلامية في الوطن العربي، 1960-1980، في مؤتمر حول الفلسفة في الوطن العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1987، ص 113 و118.

(11) علي أومليل: في التراث والتجاوز، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، الطبعة الأول، 1990، ص 16.

(12) أحمد محمود صبحي: نفس المرجع، ص 119.

(13) Mohamed Arkoun :L’humanisme arabe au IV siècle de l’hégire, Paris, Vrin, 1970, page 336.

(14) فهمي جدعان: نظرية التراث وودراسات عربية ووإسلامية أخرى، دار الشروق، 1985، ص 180.

(15) دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، جامعة أمستردام، نقله إلى العربية محمد الهادي أبوريدة، كلية الآداب بجامعة القاهرة، الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر، ص 70 و85.

(16) محمد المصباحي: العقل، العلم، الإنسان، موقفنا في مواجهة موقف التراث، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، عدد 98-99 ، ص 41.

(17) زينب محمود الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1985، ص 132 (والفقرة لأبن رشد من فصل المقال).

(18) علي الوردي: منطق ابن خلدون، دار كوفاز، لندن، 1994، ص 192

(19) علي الوردي: نفس المرجع، ص 186.

(20) Cornélius Castoriadis : La polis grecque et la création de la démocratie, in Domaines de l’homme, Seuil, 1986, page 300 à page 303..

(21) فهمي جدعان: مصدر مذكور ، ص 180.

(22) أبو القاسم الشابي: رد على مقال ينقد "الخيال الشعري عند العرب" مجلة أبولو، العدد 10، يونيو 1933، آثار الشابي لأبي القاسم محمد كرو، دار المغرب العربي، تونس.

(23) أبو القاسم الشابي: الفنون والنفس العربية، آثار الشابي لأبي القاسم محمد كرو، دار المغرب العربي، تونس، الطبعة الثانية 1988، ص 144-145

(24) أبو القاسم الشابي: رد على مقال مرجع مذكور.

(25) أبو القاسم الشابي: رد على مقال مصدر مذكور.

(26) أبو القاسم الشابي: الفنون والنفس العربية، مصدر مذكور، ص 145.



سمير أبو زينب
تاريخ الماده:- 2005-06-18

فاطمة أولاد حمو يشو
17-11-2006, 02:13 AM
في الفرنسية كلمة essence يقابلها في العربية لفظ ماهية..وماهية الشيء تعني جوهره
لكن لفظ essence يختلف عن لفظ identité الذي يقابله في العربية لفظ الهوية..
وعند حديثنا عن مبادئ العقل الأربع كما حددها أرسطو نجد:"
مبدأ الهوية ويعني أن الشيء هو هو أي له جوهر ثابت وقد استمد لفظ الهوية في العربية شرعيته من لفظ هو هو.
فإذن نحن نقول مبدأ الهوية وليس الماهية ..هل أنا على خطأ؟

خليل حلاوجي
17-11-2006, 05:57 AM
أختي فاطمة

صباحك الشهد كله

علتنا

اننا لانميز في المنطق الصوري بين الماهية والهوية

عندنا سواء تمثالين متشابهين أحدهما من ذهب والآخر بنفس صورة الاول وهو من خشب اذا نظرنا اليهما ... نظرتنا الغير فاحصة
ولو جاء رجل فينا وقال
ايها الناس
شتان بين جوهر الذهب وجوهر الخشب ... لرموه بقشور البطيخ إن هو خالف مسلمات الناس

الناي تحكم على المظهر

مظهر المتون والافكار .... لاجوهرها وغاياتها

\

من اجل ذلك نحن ... حائرون

\

بالغ تقديري

سحر الليالي
20-11-2006, 12:14 AM
أخي الفاضل د.أحمد:

شكرا لمروضوعك الرائع

وأشكر كل من رد هنا

أعجتني الردود كلها

لكم جميعا خالص ودي وباقة ورد

جوتيار تمر
21-11-2006, 09:16 AM
في الفرنسية كلمة essence يقابلها في العربية لفظ ماهية..وماهية الشيء تعني جوهره
لكن لفظ essence يختلف عن لفظ identité الذي يقابله في العربية لفظ الهوية..
وعند حديثنا عن مبادئ العقل الأربع كما حددها أرسطو نجد:"
مبدأ الهوية ويعني أن الشيء هو هو أي له جوهر ثابت وقد استمد لفظ الهوية في العربية شرعيته من لفظ هو هو.
فإذن نحن نقول مبدأ الهوية وليس الماهية ..هل أنا على خطأ؟


السؤال الذي لابد منه الان...ايهما اسبق...من حيث..الوجود...

الهوية.. ام الماهية..؟


محبتي
جوتيار

د.أحمد محمد كنعان
21-11-2006, 06:06 PM
أختي الكريمة جوتيار
تحية طيبة
وأعتقد أن الماهية لابد أن تكون قد سبقت الهوية ، فالشيء يوجد أولاً ، وبظهوره تظهر هويته .. فالشمس ظهرت أولاً ، وحين رآها الإنسان وأحس حرارتها بدأ يدرك ماهيتها ، وأصبح لها في ذهنه صورة معينة ، ثم أطلق عليها لفظاً محدداً ( الشمس ) وبعد ذلك عبر عنها بصورة مكتوبة مجردة ( ش م س )

فاطمة أولاد حمو يشو
22-11-2006, 12:28 AM
وأبدأ بالرد على العزيز "جوتيار" مبدية إعجابي بالسؤال الذي طرحه وهو:" هل الماهية تسبق أم الهوية؟
وقد تفضل الأخ كنعان بالإجابة قائلا إن الماهية تسبق الهوية..ولكن هذا الرد أثار تساؤلا لدي إذ حيرني أمر أسبقية الماهية على الهوية ..مع العلم أن لفظ الماهية ولفظ الهوية هما مجرد إجراء لغوي للدلالة على شيء نستطيع التمييز بينه وبين شيء آخر..فالقول بأسبقية الماهية على الهوية هل المقصود بها أسبقية لغوية أم أسبقية وجودية؟
إذا كانت المسألة تتعلق بالأسبقية الوجودية فيمكن القول بان كل موجود يوجد يحمل صفات خاصة به لاتتغير جوهريا مثل قولنا إنسان كائن بيوثقافي.
فالثقافة هي ماهية الإنسان في حالة ما إذا اعتبرنا ما هو بيولوجي يشترك فيه الإنسان مع كائنات تملك نسبة عالية من الإدراك والقدرة على المحاكاة..ولا شك ان من له هوية هو في نفس الوقت من يملك صفات أساسية جوهرية تميزه عن غيره فمثلا البقرة لا يمكن أن تكون بقرة وتكون شيئا آخر..
المشكلة هي هل يمكن اعتبار الماهية مطابقة في معناها لمعنى الهوية..؟
لابد من وجود حد فاصل بين لفظ الهوية والماهية.
إن مبادئ أرسطو الأربع تنص على أن:

لكل شيء ماهية أي جوهر ولكل جوهر صفات أو هوية بمعنى أن تلك الصفات هي هي رغم ما يحصل فيها من أعراض فبزوال الأعراض نحصل على أصل الشيء لأن الأعراض ليست جوهرية ولو كانت جوهرية لاعتبرت ماهية لأنه بزوالها يفقد الشيء ذاته وهويته..

المبدأ الثاني ينص على مبدأ عدم التناقض الذي يلتزم به العقل القادر على التمييز بين ما يتم استنتاجه وعلاقته المنطقية بما سبقه..
فلا يمكننا أن نستنتج من قول ما يبدأ باعتبار" كل إنسان فقير / سقراط إنسان/ أن سقراط ليس فقيرا "..فهذا الاستنتاج "سقراط ليس فقيرا" سيكون متناقضا مع التعريف الذي حددناه في المقدمة الكبرى "كل إنسان فقير" وفي الحد الأوسط " سقراط إنسان.." فما يلزم منطقيا هو القول بأن سقراط فقير حتى تكون النتيجة غير متناقضة عقليا مع المقدمات.

المبدأ الثالث وهو مبدإ الثالث المرفوع.. فبين الخطأ والصواب لايوجد وسط فالنتيجة إما صواب أو خطأ أو بلغة "جورج بوش" إما أن تكون معنا أو تكون ضدنا ولايمكن أن تكون معنا وفي نفس الوقت ضدنا..

المبدأ الرابع وينص على أن لكل شيء سبب فمثلا الدخان سببه النار وأن النار هي سبب تصاعد الدخان..فكل شيء يلقى في النار سيحترق وسيتصاعد منه الدخان..

إذا انطلقنا من هذه المبادئ الأربع نجد أنها كانت المنهج الفلسفي الذي أنتج الفلسفة الأرسطية..وأن الفلسفة أنتجت في نفس الوقت هذا المنهج ..
فكيف تكون الفلسفة منتجة لذاتها وفي نفس الوقت لكل المعارف التي تنشأ عن هذه الذات؟
ما هي طبيعة الذات الفلسفية؟ هل يمكن تعريفها؟

جرت العادة عند تعريف الفلسفة القيام بفعل الفصل بينها وبين العلم
فكيف تم التمييز بينهما؟ هل بينهما انفصال أم اتصال؟
سيقول عالم الرياضيات أن العلوم الرياضية تختلف عن الفلسفة لأن لغة الفلسفة لغة تظل غامضة غير قابلة للقياس الرياضي..
لكن من أسبق في الوجود الرياضيات أم الفلسفة؟
إن الفيلسوف الذي يدعو الفلسفة أن تكون قضاياها دقيقة وبسيطة ومبرهن عليها هو بالضرورة فيلسوف لأنه يميز بين نموذجين من التفكير نموذج عقلاني برهاني ونموذج آخر لايتميز بنفس الصفات..إن هذا الفيلسوف لا يعي أنه فيلسوف ..فكل من يتخذ فكرا ما موضوعا للنقد والتحليل والشك هو في ذات الوقت يستخدم أليات جوهرية للتفكير الفلسفي ..وهي سمات تجمع بين الفيلسوف والعالم..لكن العالم الذي يسخر من الفلسفة ويفضل عليها العلوم فهو جاهل بطبيعة التفكير الفلسفي وبقيمته وغايته الإبداعية.
إن الفنان ليس عالما ولكنه فيلسوف والفيلسوف فنان بقدر ما هو عالم وأديب وسياسي وكل شيء ..
ليس عالما من يجهل الفلسفة والفن وليس فيلسوفا من يجهل العلم ومناهجه والأدب وفنونه..
يبقى ان نتساءل عن علاقة الفلسفة بالدين..فلنترك ذلك لوقت آخر..


الردود الأخرى جاءت متضمنة في سياق الموضوع..

جوتيار تمر
22-11-2006, 02:34 PM
ذا كانت المسألة تتعلق بالأسبقية الوجودية فيمكن القول بان كل موجود يوجد يحمل صفات خاصة به لاتتغير جوهريا مثل قولنا إنسان كائن بيوثقافي.
فالثقافة هي ماهية الإنسان في حالة ما إذا اعتبرنا ما هو بيولوجي يشترك فيه الإنسان مع كائنات تملك نسبة عالية من الإدراك والقدرة على المحاكاة..ولا شك ان من له هوية هو في نفس الوقت من يملك صفات أساسية جوهرية تميزه عن غيره فمثلا البقرة لا يمكن أن تكون بقرة وتكون شيئا آخر.

اريد ان اتوقف هنا عند هذه الاسطر ..لانها اثارت في تساؤل لا اعلم اذا كنت ابحث عن اجابة له او اني اريد ان اعرف اجابتك عنه..؟
الثقافة...هل هي مكتسبة..ام انها جوهرية...؟
واريد ان اتخذ من طه حسين نموذجا لهذا السؤال..من حيث كونه قد بدأ بعلم وثقافة دينية...ثم تحول المسار لديه...؟

هنا اعيد السؤال..عن ماهية الثقافة نفسها..؟

محبتي
جوتيار

خليل حلاوجي
03-12-2006, 09:57 AM
للتثبيت


بانتظار الدكتور كنعان

د.أحمد محمد كنعان
03-12-2006, 05:41 PM
أشكر جميع الإخوة والأخوات الذين أثارتهم مقالتي عن الفلسفة والدين ، وأود أن أؤكد مجدداً ودائماً أنني أنطلق من طروحاتي من موقفي الديني وهو الإيمان بالله الواحد الخالق ، وعلى هذا الأساس يمكن الحوار مع ما أطرحه من إشكاليات تتعلق بالفلسفة أو بغيرها من القضايا .. وهذه واحدة .
أما الأخرى .. فهي رجائي الأخوي لجميع الإخوة والأخوات المحاورين والمحاورات أن يكون الإيمان بالله هو منطلقهم في ما يطرحونه ، لأن هذه الحياة أقصر بكثير من أن نقضيها في مماحكات لفظية نادراً ما تشكل لنا رصيداً في الآخرة .
وأما الثالثة .. فهي أن الثقافة في اعتقادي شيء مكتسب ، يكتسبه الإنسان من خلال تجاربه الحياتية ، وهي بتعريف بعض الباحثين كل ما يتبقى في تضاعيف الدماغ من خلال تلك التجارب ، وبهذا تصبح الثقافة مرجعية يحتكم العقل إليها في مختلف القضايا التي تعرض عليه ، وهنا مكمن الخطورة في اكتساب ثقافات ضالة أو خاطئة ، لأنها تصبح هي الحكم ، ومن ثم فإنها تشكل مصير الإنسان في الآخرة ، وتقودني هذه الفكرة إلى الاعتقاد بعدم وجود عقل حر عند غالبية البشر ، لأن عقولنا تتشكل بصورة غير واعية من خلال تأثير البيئة ( فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) كما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولابد أن ندرك هذه الحقيقة إذا كنا حقاً نريد الوصول إلى الحق المبين ، لأن هذه الحقيقة تعني ضرورة إعادة النظر باستمرار في ما يواجهنا من قضايا ، علماً بأن هذا التشكيل لعقولنا ليس نهائياً ، فهو بفضل الله تعالى قابل للتغيير ، وكم رأينا من أناس كانوا في قمة الكفر ثم تحولوا إلى الإيمان .. وللحديث بقية ..