المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (جرنيكا ).. سوناتات قصيرة ، ومعزوفات منفردة تشكل معا سيمفونية حزينة !



سمير الفيل
27-03-2006, 11:13 AM
" جرنيكا " .. سوناتات قصيرة ، ومعزوفات منفردة تشكل معا سيمفونية حزينة !
قراءة في المجموعة القصصية ( كيف يحارب الجندي بلا خوذة ؟ ) لسمير الفيل .
بقلم الدكتورة عزة بدر
* ترسم هذه المجموعة القصصية " كيف يحارب الجندي بلا خوذة ؟" لوحة قاسية للحرب .. إنها " جرنيكا " أخرى بالكلمات ، فكما تطل الأعين المرتعبة ، وبقايا العظام والرؤوس المتناثرة هنا وهناك من " جرنيكا " الفنان العالمي بيكاسو ، تطل الأعين المذعورة والقلوب الواجفة من مكامنها مشفقة على العالم من قسوة الحرب ومآسيها . تستطيع أن تسمع في هذه المجموعة القصصية أنات المعذبين الذين أكتووا بآلام الموت والفراق . تستطيع أن تنصت لجريح يود لو يرتشف قطرة ماء . يذوب المرء أمام آلام الجريح حتى ولو كان خصما ، يمد اليدين ليسقيه الماء فيرتد الماء سهما غائرا ، وطعنة مباغتة .
في الحرب أعمق ما في الانسان من معاني الخير ، وأقصى درجات الغدر والعدوان . في هذه المجموعة لوحات على شفا حفرة من الدنيا ، وداخل حفرات الموت . إنها أبجدية كاملة يحيا فيها الموت ويعيش . يتنفس فيما بيننا ويخط لنفسه في قلوبنا وجعا وفي أعيننا أقسى أنهار الدمع لتتدفق وتبكي على الانسان .

* في البدء كانت طيبة !
بتلابيب الموت قد أمسك سمير الفيل ليرسم لنا جرنيكا حزينة يلتمس الخيوط من عمق الزمان فينسجها ببراعة ، وتبدو هذه المنسوجة الدقيقة محفورة في أعماق السنين .
الشاعر في نفس هذا الكاتب يستدعي لنا صورة الموت القديم ، وأسبابه متمثلا في شخصية المجند " عبد الستار رمسيس " ومعه يفتل الكاتب حبل المنية تلك التي اضطر إليها الانسان اضطرارا دفاعا عن أرضه وعرضه . عن سمائه وأشجاره وطيوره ، الموت المقدس نسير إليه منذ كانت " طيبة " مطمعا للأعادي ومنذ توالت الأطماع والغارات والهجمات ، فكما كانت الكلمة في البدء كانت " طيبة ". كانت مصر القلعة بلغة الفراعين القديمة " مِجّرْ " أو " مصر " القلعة الحصينة ، ومصر الأمصار وبلد البلدان ، وأم الدنيا ، فاستدعى الكاتب الموت المقدس فيقول عبد الستار رمسيس في أول خطوط لوحة الموتى :
(( أهلي طيبون ، ولكنني لا أعرف لماذا تنازعوا جسد مومياء عثروا عليها عندما كانوا يجففون المستنقع بناحية الشرق ، وصمم كل منهم أن يدفنها من جديد في قبر عائلته ، واتسع الخلاف ، وحدثت خصومات ، وفي نهاية الأمر اشتركوا جميعا في بناء مدفن جديد يضعون فيه كل ما يعثرون عليه من مومياوات .
لا أنسى ذلك اليوم الذي لبسوا فيه السواد جميعا ، حتى أبي الكهل . أحضروا مقرئا يلبس قفطانا باهت الخطوط ، لكي يقرأ من القرآن سورا لا أذكرها ، وهزوا رءوسهم في حزن حتى النساء صبغن خدودهن بالنيلة )).
واستدعى أيها الموت القديم شادي عبد السلام أيضا وهو يصور أهل الصعيد ، وقد خرجوا يندبون ويعفرون وجوههم عندما خرجت المومياوات من بينهم لتعرض في القاهرة . إنه الاتصال بالأجداد . إن القرب الوشيك للموت الآتي القديم ذلك الذي يكمن للمرء ملتبسا وفجائيا ، قاسيا وملتهما لكل الأحلام والأماني ، واستمع إلى هذا النشيد الذي ردده عبد الستار رمسيس بطل قصة " في البدء كانت طيبة " ، ذلك النشيد الموروث عن الأسلاف وأرتعد .. واخلع نعليك فإنك بوادي الموت المقدس :
(( يا أيها الموت القديم العظيم ، ناشدوك أن تترفق بهم في بردياتهم " أيا من يعجل سير جناح الزمان ، يا من يسكن في خفايا الحياة ، يا من يحصي كل كلمة أنطق بها ، أنظر أنك تستحي مني وأنا ولدك ، وقلبك مفعم بالحزن والخجل . ألا فسالمني ، وحطم الحواجز بينك وبيني " )) .
كان عبد الستار رمسيس " ابن موت " كما قال الفرعوني القديم " إنك تستحي مني ، وأنا ولدك " ، ويفتح ذراعيه الموت " سالمني وحطم الحواجز بينك وبيني " .. بذراعين مفتوحتين يتلقى الموت صابرا وراضيا ، لأنه الشهيد فداء الأرض والعرض والوطن . كانت تلك الأنشودة العذبة والمرة معا هي مدخلي لقراءة هذه المجموعة القصصية التي يغلب عليها أن تكون سيرة ذاتية لجندي مقاتل آثر أن يرسم لنا صورة رفاقه ، وليل الحرب ونهارها ، لحظات الخوف ولحظات الشجاعة ، صرخات اليأس وأناشيد الأمل ، لذا يتصل خيط الحكي بلا توقف لتصبح التفاصيل كلها لوحة واحدة منمنمة دقيقة تطل منها الشخصيات التي يجمع بينها طريق الموت والشهادة في سبيل الوطن ، ويتابع الكاتب مرثيته فتتعدد وجوه المفقودين ، كما تتصاعد في خلفية القصص سوناتات قصيرة ، ومعزوفات منفردة تشكل معا سيمفونية حزينة ، ففي قصة " سقط في الثانية صباحا " يرثي الجميع الشهيد الجندي عبد الموجود ، ونلاحظ في تركيب القصة الذي تحول إلى مقاطع : " نشيج الأم ـ نشيد الأرملة ـ مناجاة رفيقه في الخندق ـ أحزان معلمه ـ أسى جاره " .. كل واحد يرثيه بطريقة يضع فيها عصارة ذكريات وخلاصة أساه .. أنا شيد الفقد والفراق حيث يتصل الموت القديم بالموت الجديد " إنك لتستحي مني ، وأنا ولدك .. ألا فسالمني ، وحطم الحواجز بينك وبيني" ..
بالموت الجديد سوف يتصل الجندي عبد الموجود وجندي الإشارة ، والجندي عبد المجيد الجنزوري ، والجميع .. هذا هو الموت القديم أقبل روحا تسكن خافية الجسد ومكامن القلب .. روح تتصل بشجاعة الأجداد في مواجهة الموت ، فهاهو (( القائد يشعر بأن تلك اللحظة الفاصلة هي التي تعيد شحن مقاتليه بروح إنسانية جديدة لذلك لم يعترض حين خلع جندي الإشارة سترته ، وقد عصفت به لحظة صفاء نادرة إذ راح يرقص في الساحة المكشوفة ، وهم يغنون معه : على بلد المحبوب وديني )) ..
أمسك دموعك وهي تنهمر لأن بلد المحبوب بعيدة والطريق اليها هو الموت ، ولا سبيل سواه . إنه الموت القديم الحبيب أقبل فلا تبك فإنها طيبة تدعوك لتحررها وتبني قلعتها الحصينة .. " مِجّرْ " بلغة الفراعين ، بلد البلدان تدعوك ـ " أم الدنيا " ـ فيفتح جندي الإشارة ذراعيه يرقص آخر رقصة للموت ، يقدم نفسه طوعا واختيارا . يعرف أنه سوف يوارى في سترته العسكرية كما يجدر بالمحارب أن يموت (( اخترقت شظية كتفه ، وتوغلت شظية أخرى جهة القلب . قلبوه ، وصنعوا حفرة عميقة ، دفنوه ، وأمطروا المواقع المعادية بقذائف الهاون )) .. ثم ينهي الكاتب قصته بعذوبة أسيانة لاتقل كلماته المقدسة عن ذلك النشيد القديم " أيا من يعجل سير جناح الزمان ، يا من يسكن في خفايا الحياة ، يا من يحصي كل كلمة أنطق بها" فيقول القاص الشاعر في همس خفيض محبب وحبيب إلى النفس معا : (( كان الهواء كل ليلة يهب هباته المألوفة ، فيسمع جنود الخدمة الليلية تلك الأغنية " على بلد المحبوب وديني " )) .

* العصا والخوذة :
لا شيء يدل على الميت ، ولكن كل شيء يدل على الشهيد .. حتى ولو كان الدليل الوحيد " عصا وخوذة " ! .. فهاهي الريح تعري جثة الشهيد . العاصفة تنبش حفرته فلا يستدل عليه إلا من بقايا خطاب يعلنه أن زوجته وضعت طفلا ، وأنهم ينظرون عودته ليختاروا له اسما !! ..
هذا الانتظار الطويل الذي لن يسفر عن عودة ، وهذا الوليد الذي تخطف الموت والده !
موت وميلاد .. حادثان كل منهما يستدعي التوقف ، سرة الحياة ! وثمرتها ونواة الموت الكامنة في كل ثمرة ! .. عطب سوف يلحق به سواء شاءت أم أبت .. هكذا تمضي القصة ، وكل شهيد يشعل نار شعلته المقدسة من المشعل الذي أصابه الردى بسهمه ، راية لابد أن ترفرف فوق التبة ، راية الوطن يسلمها المرء بيديه وبذراعيه وبعضديه وبفمه .. فلما لا يضع الشهيد الجديد خوذة وعصا على حفرة الشهيد الذي عرّت العاصفة حفرته ؟! لتأكلها الريح .. لتباعد الريح بين الخوذة والعصا !
ولكنهما الدليل على أنه كان هنا محارب .. كان هنا رجل فقد حياته ليحيا آخرون . فكم عصا وكم خوذة في هذه الجرنيكا الجديد ؟! كم موت قديم ؟
وكم موت يتلبث وكم موت جديد ينتظر ؟!

* سيد جابر !هاهو الموت أقبل ، وفي النفس بقايا حياة ! انفجر الموقع .. القذائف في كل اتجاه ، واستشهد سيد جابر .. ولكن القاص يرصد هذه اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة (( حتى الدموع لم تذرفها عيني ولا أعين الرفاق لأن الموت الذي كان يحاصرنا ودبيبه الذي سرى في عروقنا قتل داخلنا الأحساس بالأسى . السيارة في الخلف تدير محركها . مد يده الغليظة . كاد يصفعني .. أقفز يا غبي .. جذبني والمسند تصلبت يدي عليه ، والدبابات لا تكف عن قذف حممها ، وصوته الأليف يأتيني . وجدتني أبكي دونما دموع .. كنت أندب والسيارة تتحرك في صعوبة على مقربة من حقل الألغام )) .
جسد الكاتب هذا المشهد فكأنك تراه بعينيك " الموت الذي كان يحاصرنا .. قتل داخلنا الأحساس بالأسى " ! .. وفي النفس بقايا روح !
ولكن مات سيد جابر .. لم يعد بعينيه المتألقتين حياة !
وعلى هذا النحو تتوالى قصص الموت والشهادة ، تكاد تختزل المنايا في سطور تقطرها في أسى مكثف ، موت واضح لا يستدعي الثرثرة أو التوقف لالتقاط الأنفاس فتبرز من داخل القصص .. أقاصيص للموت .. لحظات محددة وفاصلة .. مباغتة ومفاجأة .. ومنها أقصوصة بعنوان " الثانية عشر مساء " من قصة " 24 ساعة " .
في هذه الأقصوصة كل التكثيف الممكن حيث يمكن قراءتها مكتملة وحدها في عدة سطور كأنها تلغراف حزين كتبه إنسان يطارده الموت فاضطر لاختزال الوقت والدموع . يقول الكاتب :
(( بدأنا العمل لتجهيز الموقع . ألواح الصاج تبطن الحفرة الرئيسية . تصبب العرق و أجسادنا كلت " الهمة يا رجال " ، أخبرنا جندي من سرية المشاة الثانية أن النقطة الحصينة لم تستسلم بعد ، وأن المعارك غالبا ما ستكون بالسلاح الأبيض . كان متعجلا كأنه في سباق محموم . أنطلق إلى مفارز اللواء الأمامية محاذرا حقل الألغام . بعد دقائق سمعنا انفجارا عنيفا، جرى عبد النعيم ناحية الضوء الذي التمع ثم تبدد . عاد شاحب الوجه ، بحسرة قال : " العسكري .. حياتكم الباقية ! " )) .
ويلجأ القاص أيضا إلى هذه الأقاصيص التي تلتمع في سياق القصة المكتملة لتبرز هذه الوحدات ، وتكون في حد ذاتها قصصا مكتملة المعنى والمبنى ، ففي قصة " كيف يحارب الجندي بلا خوذة؟"
تلتمع مثل هذه الأقاصيص الصغيرة المكثفة تحت هذه العناوين ( العلم ـ العودة ـ الضفيرة ـ البندر ـ اللوحة ـ الخطاب ـ هوية ) . سبع أقاصيص تحتوي عليها القصة الأم . عدد يستعصي على التجزئة أوالتقسيم ، عدد صلب له حضوره منذ أيام الأجداد الفراعين : السبعة ، والتسعة ! .. والثالوث أو الثلاثة .. أعداد مقدسة لحكايا مقدسة ، ومنها قصة " الضفيرة " ، وهي مكثفة جدا ، وعميقة المعنى والدلالة . يقول الكاتب " في الطريق وقفت تنظر إلى المنزل المجاور . كانت عليه رسومات غريبة لجمال تسير وراء أصحابها في تثاقل ، لكنها أصغر بكثير من تلك التي رأتها ، ورأت الكعبة الشريفة ، وعرفت الطائرة . قالت لعم محمد بائع الدوم : " هل هذه حرب؟ " . كان إصبعها الصغير والعقلات الثلاث يشير إلى الطائرة الرمادية . ابتسم وقال : " لا يا بنتي ، إنها لرجوع الحاج بركات من الحج بالسلامة " . قالت في براءة : " وأين يحج الناس ؟ " رد عليها في استنكار : " في الحجاز طبعا ! " صمتت برهة ثم قالت : السويس أقرب إلينا أم الحجاز ؟ " فهم كل شيء ، طبطب على كتفها : " أنت إذن ابنة فزّاع .. سيعود إليك بالسلامة " . وضع قرشا في يدها . هزت كتفيها في رفض ، وأطلقت ساقيها للريح ! )).
ضوء مكثف على هذا السؤال البسيط ، واقتران الطائرة بالحرب ، ثم رفض القرش وانتظار الأب الغائب .. إنها حكايات الغياب القاسية لطفلة تريد في زمن الحرب أن تحدد مكان وجود والدها على خريطة الأرض : السويس أقرب إلينا أم الحجاز؟!
لقطة قصصية ، وتساؤل يحمل في طياته بذور قصة مكتملة متألقة تماما .. طفلة تنتظر عودة الغائب . ذلك الذي ـ للأسف ـ لن يعود !
وكذلك في قصة " اللوحة " ، وهي أقصوصة داخل قصة " كيف يحارب الجندي بلاخوذة ؟ " ، تلتمع الفكرة فيسجلها القاص ، وفيها يتمرد التلميذ على درس الرسم لأنه يرسم حربا لا تحدث ، وعندما مدّ يديه متوقعا ضربة من الأستاذ سأله المدرس عن سر تمرده ، فقال أنه يريد أن يرسم حربا حقيقية تحدث بالفعل ، فيخجل المدرس من عصاه ، ويكسرها مستبشرا بمستقبل أبناء الوطن ، وحرصهم عليه ، وهي قصة عميقة ومؤثرة ترسم صورة مضيئة للمعلم الذي يراجع نفسه وأسلوبه التربوي أمام هذا النضج والوعي الذي تجسد في شخصية التلميذ . إنه الدرس الذي تلقاه المعلم من تلميذه . لحظة قصصية ممتازة نسج فيها الكاتب عباراته في لغة مكثفة .

* ضعف الإنسان وقوته .. مشاعر في بوتقة الحياة والموت :
أما كيف استحال ضعف الانسان قوة في اللحظات الفاصلة ، في لحظات الموت ؟ فهذا ما نجده مجسدا في قصة " المجذوب "
. ذلك الذي كان يخشى الحرب فلما دخل في غمارها رفض أن يستسلم ، وأنظر إلى هذا التأمل الانساني لفكرة الحرب نفسها على لسان بطل القصة " مسعد " إذ يقول : (( إنها الحرب . شيء لم نعرفه . أخشى أن تكون النهاية . أخاف من تلك الحروف الثلاثة . ح . ر. ب . الخوف أن ادفن هنا .. ألم تسيطر عليك هذه الفكرة ؟ .. كان يتحدث بحزن حقيقي ، ويكاد يرتج عليه القول . قلت بلا مبالاة : " إنها مخاوف طبيعية ، لكنها سرعان ما تتبدد مع أول طلقة ! " .
مع بدء الهجمات تطايرت المدافع ، وألواح الخشب ، وأشلاء الرجال . كان هجومهم المباغت ، وصرخات الرفاق شيئا مفزعا ، وجدته يندفع نحوي ، ويده تتشبث بي : " أرأيت القتلى ؟ .. أشاهدت الدمار ؟ " .. ذقنه مشعثة غير حليقة ، وجهه مصفر وأسنانه تصطك . قلت له : " إنها الحرب ، وسكون لنا الرد المناسب " .. أمسك بذراعي : " أتعتقد ؟ هل نفعل بهم مثلما فعلوا بنا ؟ " .. هززت رأسي بين الشك واليقين : " بالتأكيد ! " .
رأيته يتشبث برشاشه ويطلق منه دفعات تلو دفعات ، وخوذته تهتز فوق رأسه ، وهو لا يهدأ )) .
هاهي اللحظة الحاسمة تكشف عن معدن الرجل وشجاعته . هاهي لحظة الموت التي تعري الذات وتكشف مكامن الضعف ومواطن القوة .. هاهو الاختيار الحي أمام سلطان الموت ، والاكتشاف الحقيقي لبذور الأسلاف ، لموتهم القديم المقدس ، وهاهي الاستماتة أمام القلعة الحصينة .. أمام طيبة ، وهاهو الخائف يودع خوفه . هاهو يتألق أمام الموت فلا يحسب له حسابا كما كان الأجداد " تستحي مني ، وأنا ولدك " !
(( وسمر وجهه جهة الشرق ، قال في حدة : اتركني . لم أحضر هنا لأنسحب . دعني وانصرف . كان وجهه أخرسا ، وتركته ! )) .
يبلغ الحوار هنا طاقات الكشف إذ يلقي الضوء على الانسان في لحظة ضعفه ، وفي لحظة قوته ، حوار كاشف عذب يجلو لنا الشخصيتين يتضامنان كل بطريقته أمام الموت لتكشف اللحظة الفاصلة معدن الرجال .

* الحياة .. الحياة !
ورغم ما يتسم به الضعف البشري من حرص وتهالك على الحياة فقد استطاع القاص أن يقف بنا أمام هذا الضعف الانساني لنجده في بعض الأحيان ضرورة إنسانية لا تملك أمامها سوى التعاطف أو الرثاء ، فهو في قصة " 24 ساعة " وبعنوان " الساعة السابعة والربع " : (( بكى العريف توفيق حين داهمه خاطر مفاجيء بأنه سيموت ، أخرج من جيب سترته صورة " مرفت " ، قبـّل الطفلة بضفيرتيها وألصق شفتيه بالورق المصقول . إلتف حوله أفراد الطاقم . لم يهدأ ، بل انخرط في نحيب مؤثر . صرخ فيه صبري الطحان وكان أصغرنا : " عيب .. أنت رجل ، ثم أن شيئا لم يحدث " ! )) .

* حبة جوافة :
وكما يطرح القاص نماذج من الضعف الانساني ، ومنها الصول توفيق وهو يقايض بائع البطيخ بصفيحة بنزين ليحصل على قفص شمام ! فينهره القائد ، يطرح أيضا قصة "حبة جوافة " نموذجا لمجند يتنازل عن حقه في الفاكهة إذ لم تكف الثمار عدد الجند ، وهذا المجند الضعيف البنية القصير المعطاء ، والذي يؤثر على نفسه ولو كانت به خصاصة هو نفسه الذي ينقذ رفاقه أثناء الحصار ، وقد فقدوا زادهم وماءهم بما ادخر من قوته فأفرغ مخلاته فإذا بها ما لذ وطاب لم يمس منه شيئا ، ولكنه أخذ حقه فقط ثمرة الجوافة التي حرم منها قائلا :" ولكن هذه من حقي ! " ، ويتنازل عن كل ما يملك للآخرين .
لقد طرح القاص نموذجا لشخصية تستدعي التأمل ، تكاد وأنت تتفرس فيها أن ترسم لها ملامحا وكيانا وتبقى تخايلك حتى تحبها .. وتود لو ترسمها أو تراها أو تتجسد حقيقة أمامك لتكتشف الانسان ذلك الذي متعه الله بمواهب وقدرات فذة لا تظهر إلا في لحظات الشدة .

* قرنفلة للرحيل وخوذة !
استطاع القاص أن يضعنا في بعض قصصه أمام شخصيات تمتحن في ظروف حياتها وأقدارها ، فيرسم لنا صورة المدرس في قصة " قرنفلة للرحيل وخوذة " يُمتحن بتدريس منهج الجغرافيا ، والخرائط فإذا به يفصح عن رأيه ووجهته ووعيه فيصير هذا مصدرا للمعاناة مع الرؤساء (( التفت إلىّ المفتش ، وأشار إلى الخريطة الزاهية الملونة . قال : " التزم بتعليمات الوزارة . هي دولة مستقلة ذات سيادة ، لسنا في حاجة إلى اعترافــــــــك بها " .
أريته جرحي ، طوى دفتره ، قال بصوت خافت : " اهتم بأكل عيشك ! " فكتبت :" السيد مدير عام التربية والتعليم .. لما كانت حكومة الثورة المباركة قد علمتنا بالمجان ، وغرست فينا حب العروبة ،وكراهية الاستعمار ، فإنني ........... أستدعاني بعد أسبوع ، قال لي ثائرا : " إذهب إلى مجلس الأمن ، واعرض شكواك . أنا هنا أبحث عن درجة ساقطة ، علاوة مستحقة ، عملي إداري بحت . لا شأن لي بالخرائط . لا تتعبني معك " )) .
وهكذا يصل بنا الحوار الدقيق المدروس إلى قرنفلة الرحيل ، قرنفلة نشم فيها عطر الأحباب ، وخوذة نعلقها على عصا فنستدل بها على شهيد . خوذة ينقطع " سيرها " الجلدي فيتساءل المرء : كيف يحارب الجندي بلا خوذة ؟ !
إن هذه المجموعة قطعة فريدة من الأدب ، لا أدب الحرب وحده ، وإنما الأدب الانساني الذي يصور الانسان في لحظات الضعف والقوة ، الانسان بما هو انسان ، ففي هذه "الجرنيكا " الجديدة لسمير الفيل تفاصيل موت ، وتفاصيل حياة رسمها الكاتب ببراعة ، وبرؤى متأملة خلاقة تصل الحاضر بالموروث ، والموت القديم بالموت الجديد في لوحات تنشد الحياة ، وتغني من أجلها وبها .

سمير الفيل
27-03-2006, 11:29 AM
* كيف يحارب الجندي بلا خوذة ؟ ، مجموعة قصصية ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 2001.
* قدمت هذه الدراسة في الندوة التي عقدت بقاعة المجلس الأعلى للثقافة لمناقشة الأعمال الفائزة بجائزة محمود تيمور، القاهرة ( 8ـ 9 مارس 2003) .
* الدكتورة عزة بدر حصلت على درجة الدكتوراة في مجال الصحافة الأدبية بمصر ، وهي تعمل كذلك صحفية في مجلة " صباح الخير " . عضو لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية في أدب الرحلات.

نسيبة بنت كعب
27-03-2006, 05:21 PM
رووعة وما قرأت هنا

يا الله .. اهكذا تحمل القصص القصيرة افكار واحمالا ثقيلة ؟

شكرا لك استاذنا القاص الرائع سمير الفيل

وشكرا للدكتورة الصحافية / عزة بدر على رؤيئتها وقراءتها التى امتعتنا :v1:

ويبقى ان تنشر هذه القصص لنا هنا بالترتيب وعلى دفعات

تقبل فائق تقديرى واحترامى :hat::0014:

(على فكرة لم افهم كلمة جرنيكا تماما- ممكن التزضيح ؟)

سمير الفيل
28-03-2006, 02:04 AM
رووعة وما قرأت هنا

يا الله .. اهكذا تحمل القصص القصيرة افكار واحمالا ثقيلة ؟

شكرا لك استاذنا القاص الرائع سمير الفيل

وشكرا للدكتورة الصحافية / عزة بدر على رؤيئتها وقراءتها التى امتعتنا :v1:

ويبقى ان تنشر هذه القصص لنا هنا بالترتيب وعلى دفعات

تقبل فائق تقديرى واحترامى :hat::0014:

(على فكرة لم افهم كلمة جرنيكا تماما- ممكن التوضيح ؟)

جرنيكا ..

لوحة شهيرة رسمها الفنان العالمي بابلو بيكاسو . وخلد فيها الحرب الأهلية الأسبانية .
ففى 26 أبريل عام 1937 ألقيت فوق مدينة جورنيكا فى شمال إسبانيا قنابل هتلر المدمرة، فى نفس الوقت التى كانت تعانى فيه المدينة من بشائع الحرب الأهلية. كان هذا أول عدوان على مدنيين بهذا الحجم يشهده العالم الحديث، حيث دمرت المدينة تمامًا وقتل معظم سكانها. صور بيكاسو هذا المشهد الحزين فى لوحة شهيرة تحمل اسم المدينة، وهذا الكتاب يتتبع التاريخ الفنى لهذه اللوحة، من إعدادها إلى استقبال النقاد لها، حيث تراوح تقدير النقاد لها من التجاهل ووصفها بالقبح والسذاجة فى أول الأمر، إلى اعتبارها الآن أعظم لوحة فنية فى القرن العشرين.

هذا التعريف أخذته من موقع فني غير أن لي إضافة من عندي ،وهي أن الدكتورة عزة بدر في تناولها لقضية الحرب رأت ان المشاهد السردية الدقيقة التي تناولتها قصص المجموعة تميزت بالدقة والحدب على التفاصيل ، ومن هذا المنطلق جاء الربط بين لوحة تشكيلية ومجموعة قصصية .

شكرا جزيلا لك.

نسيبة بنت كعب
28-03-2006, 05:07 AM
شكرا لك
فهمت عرفت ان جرنيكا لوحة للفنان بيكاسو وقد رايتها فى متحف برادو

ولكن كنت اريد ان افهم علاقتها بالنص وقد اوضحت انت والدكتورة عزة


إلى اعتبارها الآن أعظم لوحة فنية فى القرن العشرين.

اى هى استعارة لبيان جمالية العمل وكأنه لوحة فنية

شكرا لك

سمير الفيل
01-04-2006, 11:42 PM
شكرا لك
فهمت عرفت ان جرنيكا لوحة للفنان بيكاسو وقد رايتها فى متحف برادو

ولكن كنت اريد ان افهم علاقتها بالنص وقد اوضحت انت والدكتورة عزة



اى هى استعارة لبيان جمالية العمل وكأنه لوحة فنية

شكرا لك

نسيبة بنت كعب

أهلا بك يا استاذة ..
بالضبط ما قلت .. جاء الاستشهاد بلوحة جورنيكا لبابلو بيكاسو لأن النصوص اهتمت بالتفصيلات الصغيرة والمنمنمات الدقيقة ، إضافة إلى أنها ـ أي القصص ـ قدمت الحرب بصورة صادقة وهنا يكون العامل المشترك بين الفن التشكيلي ، والإبداع الأدبي .
تحياتي الصادقة.

سعيد أبو نعسة
04-04-2006, 09:30 PM
أخي الحبيب سمير الفيل
ما ذكرته الدكتورة عزة بدر يشوقنا للحصول على هذه المجموعة الرائعة وكما تفضلت الأخت نسيبة حبذا لو تنشر قصصها بالتتابع هنا في منتدى التثر الأدبي .
دمت في خير و عطاء

سمير الفيل
07-04-2006, 03:01 PM
أخي الحبيب سمير الفيل
ما ذكرته الدكتورة عزة بدر يشوقنا للحصول على هذه المجموعة الرائعة وكما تفضلت الأخت نسيبة حبذا لو تنشر قصصها بالتتابع هنا في منتدى التثر الأدبي .
دمت في خير و عطاء

سعيد أبو نعسة

سأعمل على نشر قصص المجموعة كما أشرت سيادتكم ..
وكما طلبت ذلك الأخت الكريمة نسيبة بنت كعب ..
ويسرني أن أذكر ان هذه المجموعة القصصية قد حصلت على جائزة محمد تيمور منذ حوالي سنتين ، وقد كتب عنها كذلك أساتذة متخصصون لعل ابرزهم غير د . عزة بدر كل من : د. مجدي توفيق ، د . رمضان بسطاويسي ، وكذلك الروائي المعروف فؤاد حجازي .

ألف شكر لكم .