المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في رواية «المينا الشرقية» لمحمد جبريل



د. حسين علي محمد
04-05-2006, 11:01 AM
قراءة في رواية «المينا الشرقية» لمحمد جبريل

بقلم: أ.د. حسين علي محمد
..................................

(1)
تدور الرواية على لسان السارد / الأستاذ الذي يُدير ندوة أدبية يُحقق من خلالها الأدباء ذواتهم في الوجود على الساحة وإن كان وجوداً صوتيا يتمثّل في إلقاء قصائدهم وقصصهم، ويتمثّل في مناقشاتهم التي تدور في مقهى "المينا الشرقبة" بمدينة الإسكندرية:
"لم يكن يشغلني في الندوة قبل ثماني سنوات ـ من أتى، ولا من انقطع، ولا كيف تدور المناقشات. أتصور ـ أحياناً ـ أن كل واحد من الجالسين يريد أن يحقق نصراً. يعلو صوته، فيُسكت أصوات الآخرين. لا يدقق فيما يذكره من معلومات ، ولا الآراء التي يعلنها. المهم أن تنتهي المناقشة بابتسامة يجيد رسمها على شفتيه"( ).
وقد بدأت هذه الندوة عام 1982م، وأقامها السارد الذي نعرف أنه هاوٍ للأدب، وليس أديباً "أعوامي الأربعون لا تجعلني أكبر المشاركين في الندوة. التصور بأنهم قد يفيدون من عملي ، دفعهم إلى القبول برئاستي. كان الأدب شاغلي. يهمني أن أكتب ما أقدمه إلى الناس. أقرأه، وأنشره. يسبق ما أكتبه كلمة "بقلم". يضايقني أني أتحدث في الأدب ولا أمارسه. أكتب عن المؤتمرات والمهرجانات والمحاضرات والندوات، أحاور كبار المثقفين، أدير ندوة مقهى المينا الشرقية .. لكنني لا أكتب ما يقدمني كأديب، قصة ، أو رواية، أو قصيدة، أو مسرحية، أي شيء يحقق لي صفة الأديب. جريت على القلم بما تصورت أنه يصلح للنشر. ثم أعدت قراءته، فتبينت سخفه، ومزقته"( ).
ويظل السارد فرحاً بندوته حتى يُقابَل بمفاجأة تُذهله، وهي أن ندوته مراقبة من قبل مباحث أمن الدولة.
وتبدّلت حياة السارد بعدما عرف ذلك، ولم تعد كما كانت. وأصبح الإحساس بالخوف يمضه، وربما انشغل ـ بالشرود ـ عن كتاب يقرأه، فيعود إلى ما كان قد قرأه ، ثم يهزمه اليأس، فيطوي الكتاب ، ويكتفي بالشرود، ولم يعد يشغله إلاّ أن يُقابل ذلك المجهول الذي لا يعرفه. ولم تفارقه فكرة أن أحداً ما يراقبه، يرصد كلماته وأفعاله، ويسجلها، لا يفلت حتى ما يصدر بعفوية.
وابتدأ السارد يشك فيمن حوله:
"داخلني إحساس بالمراقبة. ثمة من يتتبعني، لا يواجهني ولا أراه. أشعر به. ربما يلاحق خطواتي. تطل نظراته من خصاص نافذة، يراقبني في ناصية ميدان، أو تحت ظل شجرة، يتبعني في سيارة، يلتحم بصفوف المصلين في جامع أبو العباس .."( ).
ولذا فقد اعتاد التزام الحذر في التعامل مع الجميع، وتدقيق النظر جيداً فيما حوله، وفى الظلمة الشفيفة، ربما تبين ملامح لم يُفطن إليها في النظرة العابرة .. وأفرغ محتويات مكتبه، ومزق الصور والأوراق التي لديه والمذكرة التي يضع فيها أرقام هواتفه، وقرر أن يستعين بذاكرته وحدها.
وتدور الرواية في هذا الجو من المُطاردة. حيث تملك الساردَ شعور بأنه ثمة من يراقب كل كلمة له، وكل تصرف .النظرات ترمقه ولا يراها ، وإن كان يشعر بها. تحولت الأعين المحيطة به إلى عين كبيرة، واسعة، تربكه ، فهو لا يستطيع الكلام أو الحركة بطبيعته. ويضع حساباً للعين التي لا تهمل كلمة أو تصرفاً. يخشى أن يقول ما لا ينبغي قوله، ما يؤخذ عليه، ويساء تفسيره. ومن ثم أصبح يلوذ بالصمت، ويتحصن به، فالصمت وحده يبعد الآذان المتنصتة، والتوقعات. وحتى القضية التي يجد لنفسه رأياً فيها، يكتم ما بداخله، ولا يُعلنه. وربما أجاب عن السؤال بإشارة صامتة، أو هزّة رأس، أو تعبير بالأيدي.. تاه في طرق متعرجة، لا يعرف إلى أين تنتهي ، ولا كيف يخرج منها ..
"ملأني الإحساس بـأن شيئاً ما خطيراً يوشك أن يحدث، أتوقع ما لم أحدد صورته، ما يصعب تصوره. غابت العفوية في الكلمات. أتأمل وقعها، وأتدبره. ربما ـ إن أصبحت سطوراً على الورق ـ تحمل ما لا أريده من المعنى، وتورطني فيما لا أقصد قوله. تبدو التصرفات بريئة، ولا تثير الشك، لكنها ليست كذلك، ويجب أن أتنبه إليها. حاولت أن أعود إلى مألوف مشيتي، فلم أوفق. حتى خطواتي أشعر بارتباكها لتصور الخطوات المتابعة ..
كنت أدرك ـ منذ كلمني الرجل ـ أن الأعين المبثوثة تراقبني. ربما ليس في الندوة وحدها. أتوجس من النظرات في الجريدة ، وعلى الرصيف المقابل للبيت ، وفى محطة الأوتوبيس بميدان المنشية"( ).
وهذا الذي يقولـه السارد عن نفسه لا يعدو الحقيقة، يقول الأستاذ وديع فلسطين (في رسالته المؤرخة في 7/3/1982):
"شكراً على رسالتك المؤرخة في 3/3(/1982) التي سلمت من عبث البريد المُسلَّط على رسائلي "بفضل" النجاسات البوليسية! وشعاري في الثلاثين عاماً الأخيرة منتحل من بيت المتنبي القائل "والحُرُّ ممتَحَنٌ بأولادِ الزنا"! فإن رأيتني ألعن "أولاد المتنبي"، فلقد عرفت من هم "الأولاد" الذين أعنيهم. وهؤلاء جاثمون على صدري منذ عهد عبد الناصر الأفسق وإلى هذا العهد الأطهر، وقد فقدت كل أمل في (أن) يُغيِّر القوم رأيهم فيَّ، على الرغم من أنني لا أتعامل بلغة الظفر والمنقار والناب والنعل التي تنصحني بأن أُخاطب بها الناس!( )، والقصة طويلة وكريهة، وأُعفيك من حلقات هذا المسلسل (المُقرف) الذي عشته ومازلت أعيشه، ولا ذنب لي إلا ما نسبه أبو شادي من ذنب إلى الدكتور إبراهيم ناجي حين قال:
أتُرى كلُّ ذنــــبِهِ أنَّــه شــاعرٌ شعرْ
فاعرف ـ إن كنت لم تعرف ـ أن أكبر جريمة في أمتنا العربية هي جريمة الفكر، وهي جريمة تُحاربها جميع دولنا العربية مهما تعدّدت أنظمتها … فأنا وأنت مُجرمان، أو لعلنا ـ في القليل ـ مشروعٌ لمجرم!، فهيئ نفسك للنجاسات البوليسية التي تمرستُ عليها، واخشوشن جلدي تلقاء مناخسها! وإن رأيتني غائباً عن الحياة الأدبية في مصر من ثلاثين عاماً وإلى آخر العمر، فقد عرفت سبب غيابي"( ).
ويقول في مكان آخر: "الحياة قد توَّبتني عن طلب الشهرة في مصر، بعدما رأيت أن الهيئتين الوحيدتين اللتين تحاسبانني على هذه الشهرة همـا هيئة الضرائب بما تتوهّمه من عشرات الآلاف التي تعود عليَّ من الأدب كل عام، وهيئة مباحث أمن الدولـة العليا التي مازالت تسلِّط عليَّ مخبريها وتراقب تليفونـاتي وبريدي وكأنني أعتى مجرمي الدنيا"( ).
(2)
البطل متوجس من كل الناس الذين يعرفهم، اكتفى بالقليل من الكلمات، وما يُفكر فيه من حوارات مع الناس صار يُجريها بينه وبين نفسه:
«ماذا يُريدون من المراقبة؟
حياتي بين البيت والمكتب، مصادري معروفة. لا أتردد إلا على الأماكن التي تمارس نشاطاً ثقافيا. لا شأن لي بالسياسة. لعن الله ساس ويسوس. أدركت أن الأسئلة ستضيف إلى مخاوفي. استقرت في داخلي حالة من الانتظار والتوقع. أحسستُ أني مهزوم، وأني فقدتُ القدرة على فعل شيء.
تحولتُ إلى أذنين تصيخان السمع لكل الأحاديث العالية والهامسة، تلتقطان حتى ما يبدو عفويا في العبارات والكلمات، أتأمل معانيه المضمرة، وكنت أتصور مواقف وأُجري حوارات مع شخصيات تستدعيها الذاكرة، أو وهمية، يهمس صوتي أو يعلو، تُشارك يداي في التعبير، وأحيا في الجزر المنفصلة. أفطن إلى ما أعمله، أو تنبهني عينا أمي القلقتان، تكشفان ما يمور في داخلي من مشاعر صاخبة، فأُداري ارتباكي»( ).
.. وتدور الرواية في أجواء من المُطاردة البوليسية، ونحس طوال الرواية أن البطل يُعاني من وطأة هذه المُطاردة. ومن ثم فالرواية يُمكن اعتبارها رواية سياسية، تتماس مع السياسة في أكثر من أفق:
"قال رأفت الجارم :
ـ المؤسف أن يكون ثمن انتصارنا في أكتوبر .. التحالف مع أمريكا، والصلح مع إسرائيل ..
قال نادر البقال :
ـ لكننا استعدنا سيناء ..
وداخل صوته أسى :
ـ وإن كنا لا نستطيع أن نحرك فيها جندياً واحداً ..
قال رأفت الجارم :
ـ مشكلة هذا البلد أنه ترك المسئولية لشخص واحد .. هو الذي يقرر متى نحارب ، ومتى نقبل السلام ..
قالت أسامة صابر :
ـ أنا لا أدين اليهود .. يعتدون ويعرضون السلام .. أنا أدين من سكت عن الاعتداءات ورحب بالسلام الذي عرضوه ..
لماذا يحرص رأفت الجارم على أن يتقافز فوق حقل الألغام؟ هل يلقى طرف الخيط ، فنلتقطه ، ويجد ما ينقله ؟..
قلت :
ـ ألم نتفق على عدم التحدث في السياسة ؟..
قال يحيى عباس :
ـ كلام السياسة مثل شعر الذقن .. نتخلص منه فيعود ثانية ..
كنا نتحدث في الأدب، لكن الأحاديث كانت تفضي إلى السياسة. نسأل، ونجيب، ونناقش، ونسترجع ما مضى، ونطرح التوقعات."( ).
(3)
لا تخلو هذه الرواية من المرأة التي عنصراً بنائيا لا يخلو من دلالة في روايات محمد جبريل، ومنها شخصيات رئيسة كشخصية «أسامة صابر»، ومنها شخصيات ثانوية، يُمثِّل لها السارد بأمه التي تريد منه أن يتزوّج، قبل أن يفوته قطار الزواج، ويُخفي عنها نبأ المُراقبة:
"منذ هبط جثمان أبي ـ قبل ثلاثة أعوام ـ محمولاً على الأيدي، لزمت أمي البيت، لا تنزل إلا لزيارة الصالحين من أولياء الحي. تعد الطعام، وتغسل الثياب، وتنظف الشقة، وتتلو آيات القرآن، وتتهدج بالأدعية، وتكرر الكلام عن قطار الزواج الذي قد يفوتني ..
أتأمل الوجه الذي لم تؤثر التجاعيد حول العينين والفم في جماله. الصفاء الطفولي يطل من عينيها، والابتسامة الهادئة ترافق صمتها وكلامها ..
أقبل أطراف أصابعها المضمومة :
ـ لن أجد زوجة أجمل منك !..
تشيح بيدها:
ـ خذ الأمور بهزار حتى ترفضك البنات ..
كانت تعاني ما أعانيه. تكتفي بالنظر، والتأمل الصامت، المشفق. لم أصارحها ـ ولا لمحت ـ بما حدث. تصورت القلق، والخوف، والأسئلة التي لن تنتهي .."( ).
وهناك "أسامة صابر" الأديبة المتمردة على الأعراف الاجتماعية، التي يأتي أول حديث عنها على لسان فتحي عيداروس حينما يتحدث رفاقه في الندوة عن فروق بين المدارس الأدبية، مثل الفرق بين الرواية الجديدة والرواية الضد والرواية اللا بطل والمدرسة الطليعية والمدرسة الحديثة ومدرسة العبث والشكلية والبنائية.
ونعرف عنها صورة المرأة المُغايرة للمرأة المسلمة، فهل رأى محمد جبريل أمثال أسامة صابر في ندواته الأدبية، فأراد أن يسجِّل مثل هذه الصورة الشاذة التي لا تُضيف شيئاً للبناء الروائي؟!!
"قلت :
ـ أرى أن نخصص ندوة لكل مدرسة ..
قال كمال أبو القمصان :
ـ ومتى نقرأ كتاباتنا ؟..
قلت :
ـ نحن ورشة أدبية .. المفروض أننا نتعلم ..
قال فتحي عيداروس :
ـ أفضّل أن أكون بلية في ورشة أسامة صابر ..
تلفت محمد الأبيض ـ بتلقائية ـ حوله :
ـ الحمد لله إن أسامة غير موجودة ..
وجرى في الهواء براحة يده :
ـ كانت قطّعتك ..
لم تكن أسامة جميلة الملامح ، وربما بدت ملامحها غير متناسقة ، فدقة الأنف تناقض غلظة الشفتين واتساع الفم ، والجبهة العالية أقرب إلى الاستدارة ، ولكن أسامة كانت تروق لي . يجذبني إليها بساطة آسرة ..
قالت :
ـ الفتاة التي يقيم الرجل علاقة معها .. هل يفترض أنه يحبها ؟..
لعينيها نظرة صريحة ، تثبتها في عين من تتحدث إليه ، فتربكه ..
قلت :
ـ طبعا ..
وضعت ساقاً فوق ساق ، وراحت تهز قدمها المدلاة :
ـ حتى لو كانت علاقة ليلة ؟..
عراني ارتباك :
ـ هذا شأن آخر ..
وهى تعبّر بشفتيها وفمها وتقاطيع وجهها وأصابعها :
ـ لماذا لا أبحث في الشاب أنا أيضاً عن هذا الشأن الآخر ؟..
وزوت ما بين حاجبيها :
ـ لماذا لا أجرب المتعة دون ارتباطات .. مثل الرجل ؟!..
وامتصت السيجارة بقوة ، فغارت وجنتاها :
ـ بصراحة .. أنا لا يشغلني الرجل الذي أصحبه إلى بيته لأمارس الجنس معه..
ثم وهى تضغط على نهاية الكلمات :
ـ ما حققه الأديب الرجل من تفوق على الأديبة المرأة يعود إلى حريته في إشباع غريزته الجنسية .. وهو ما لا تمتلكه المرأة .."( ).
ويكشف قولها الأخير عن شيء مغلوط في فهم هذه الشخصية الشاذة، فليس تفوق الأديب مرتبطاً بتهتكه وارتكابه جريمة الزنا!!
(4)
يحفل محمد جبريل بالمكان في رواياته وقصصه القصيرة كثيراً، ويكاد يكون العنصر البنائي الأول في رواياته، بل نراه في أحيان كثيرة جزءاً لا يكاد ينفصل عن عوامل بناء الرواية الأخرى، مثل الأحداث أو البطل.
وفي روايته الأخيرة "المينا الشرقية" (2000م) نرى للمكان دوراً كبيراً، تتضح معالمه من الفقرة الأولى من الرواية التي يُصوِّر فيها الروائي المقهى:
"زجاج القهوة يظهر الناس في الطريق والكورنيش والبحر والسماء والمارة القليلين. عدد من الرواد اتخذوا أماكنهم على الطاولات المتباعدة، يقرأون الصحف، أو يتناقشون، أو ينظرون ـ في جلساتهم المنفردة ـ ناحية البحر. كل المقاهي والكازينوهات على امتداد الطريق، أسدلت التندات لحجب أشعة الشمس عن الوصول إلى الطاولات. أتطلع إلى حدوة الكورنيش الموصلة بين السلسلة وخليج الأنفوشي. ربما تشاغلت بعد البلانسات والفلايك فى الميناء الشرقية، أو تأمل مئذنة أبو العباس وقلعة قايتباي، يشيان بحي بحري القريب. أسراب النورس تحوم فوق سطح الماء، تصخب، وتصيح، وتهبط بمناقيرها. تلتقط الأسماك، وتعلو، تتصاعد في أسراب متداخلة، تبدو سحباً رقيقة، متحركة .." ( ).
إن المكان هنا، رغم أنه مكان مغلق إلا أنه من خلال الزجاج منفتح على العالم، حيث "يظهر الناس في الطريق والكورنيش والبحر والسماء والمارة القليلين".
وطبيعة المقهى تجعل الاجتماع البشري شبه اجتماع، فالناس ليسوا متجاورين، ولا يتحاورون في قضية واحدة، فقد جعلهم الروائي متباعدين جلوساً، متباعدين اهتماماً، حيث قرأنا في الفقرة السابقة: "عدد من الرواد اتخذوا أماكنهم على الطاولات المتباعدة، يقرأون الصحف، أو يتناقشون، أو ينظرون ـ في جلساتهم المنفردة ـ ناحية البحر".
ويعبر الفضاء المفتوح، مثل الشوارع والبحر عن الأحداث وتداعياتها، أو البطل ونفسيته؛ ففي نهاية الفصل الأول حينما اكتشف السارد مراقبة ندوته الأدبية، نقرأ: "كانت الميناء الشرقية خالية من المراكب، فغطس البحر في سواد، ماعدا الأضواء البعيدة، المنبعثة من السلسلة .. "( ).
إن خلو الميناء من المركب / التواصل الإنساني، جعل الميناء الشرقية تغطس في السواد، ولم يكتب الروائي مثلاً "تبدو مقفرة".
إن نفس السارد هي التي تغطس في السواد، في هذه اللحظة.
وبعد أن يعرف البطل أنه مُراقب بالمباحث، يُصبح كل فضاء الشارع مصدراً للخوف الفزع، وتُصبح حنية السلم في البيت هي الأخرى مصدراً من مصادر القلق للبطل:
"اعتدت التزام الحذر في التأكد من خلو الشارع. ربما عينان تترصدان قدومي، تتابعان خطواتي من أول الطريق إلى البيت. أدخل البيت بحذر. أدقق النظر جيداً فيما حولي. حتى حنية السلم ، أحدق في الظلمة الشفيفة، ربما تبين ملامح لم أفطن إليها في النظرة العابرة .."( ).
وقد أفاد الروائي في روايته من بعض التقنيات الفنية الجديدة، مثل «تعدي النص» حيث يفيد الروائي من الأجناس الأدبية الأخرى، فنراه يقدم لنا نصوصا لبعض القصائد التي تُثري السرد. ففي مفتتح الرواية يُلقي يحيى عباس قصيدته، فنجد فيها للمكان دوراً. يقول:
تحت جدار الوطن المنفى ..
كنت أمد عروق دمائي
أتهيّأ للدفن
وحيداً في الصحراء
يظهر جنرال الوقت فتياً
يأكل صحن بلاغته
الجوعى
والفقراء
فالوطن على رحابته لا يُمثِّل للشاعر إلا جداراً، لن يفيد البطل منه ومن ظلاله المنكمشة الصغيرة، التي تتغيَّر مساحتها على امتداد ساعات النهار، لأنه يتهيّأ للدفن. وحينما يدفن فلن يُدفن في مقابر تغمرها الظلال، وإنما سيُدفن وحيداً في الصحراء. وكلمة "وحيداً" تشي بأن قبره لن تجاوره قبور أخرى، بل سيُعاني في وحدته في الموت، كما عانى من وحدته في الحياة.
***
إن رواية «المينا الشرقية» لمحمد جبريل تُقدم صورة حية للمثقف المطارد، وتتآزر عناصر القص (ومن أهمها في هذه الرواية مكان المقهى الذي اتخذه عنواناً لروايته) لتقدم لنا صورة حقيقية لعصرنا، قد تكون أكثر شفافيةً وصدقاً من الواقع الذي يُحيط بنا، فلا نستطيع في انشغالات الحياة أن نتتبع تفاصيله ودقائقه.

مجدي محمود جعفر
05-05-2006, 06:28 PM
الروائي الكبير محمد جبريل من أكثر الروائيين في جيل الستينات الذين تناولهم الدكتور حسين علي محمد نقديا - ومحمد جبريل يستحق هذا الإحتفاء النقدي لأنه أكثر أبناء جيله انتاجا وعكوفا على الإبداع وتجويده ، ودائما يكون الدكتور حسين أول من يلاحق إبداعه ويبادر بتقديمه ونشره بشتى الطرق وفي معظم وسائل النشر ، وظني أن قراءته في ( المينا الشرقية ) أماطت اللثام وكشفت عن جوانب كثيرة والشكر كل الشكر للدكتور حسين على هذا الجهد النقدي في أعمال العمالقة والراسخين والناشئة

د. حسين علي محمد
10-05-2006, 12:05 AM
شكراً للروائي الكبير
مجدي محمود جعفر
على تعليقه، مع موداتي.