المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تذوَّقوا معين الحكم العطائية من منهلِ صدقٍ



زاهية
27-06-2006, 10:26 PM
الحكم العطائية وشرح جديد لها لفضيلة العلامة الشيخ الجليل محمد سعيد البوطي

يسعدني أن أقدم لكم بعضًا من هذه الحكم الرائعة لابن عطاء الله رحمه الله تعالى، والتعليق عليها بما فتح الله به عليّه،
يقول البوطي جزاه الله الخير:(لمع اسم ابن عطاء الله عالماً من أجلّ علماء الشريعة، مصطبغاً بحقائقها ولبابها التي تُحَرِّرُ الإنسان من حظوظ النفس والهوى، وترقى به إلى سدة الصدق مع الله، وتمام الرضا عنه، وكمال الثقة به، والتوكل عليه. ودرّس علوم الشريعة في الأزهر، وتخرج على يديه كثير من مشاهير العلماء، من أمثال الإمام تقي الدين السبكي، والإمام القرافي..
أما كتابه (الحكم) فلا أعلم كتيّباً صغيراً في حجمه انتشر في الأوساط المختلفة كانتشاره، وتقبلته العقول والنفوس كتقبلها له!..

هو مجموعة مقاطع من الكلام البليغ الجامع لأوسع المعاني بأقلّ العبارات.. كلها مستخلص من كتاب الله أو من سنة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ.

وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أما القسم الأول منها فيدور على محور التوحيد وحماية المسلم من أن يتسرب إليه شيء من المعاني الخفية الكثيرة للشرك، وأما القسم الثاني فيدور على محور الأخلاق وإلى تزكية النفس وأما القسم الثالث فيدور على محور السلوك وأحكامه المختلفة.)
فتعالوا نقرأ معًا ماقاله في هذه الفقرة:

حِكَم ابن عطاء الله والتصوف:

سيقول بعض الناس: إن العكوف على دراسة هذه الحكم إنما هو انصراف إلى (التصوف). والتصوف شيء طارئ على الإسلام متسرب إليه، فهو من البدع التي حذر منها رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذ قال: «.. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»(1).

وأقول في الجواب: أما الأسماء والمصطلحات فلا شأن لنا بها ولا نتعامل معها. وها أنا منذ الآن سأبعد كلمة (التصوف) هذه، من قاموس تعابيري وكلماتي، مع العلم بأن الأسماء والكلمات ليست هي التي توصف بأنها الإسلام أو هي البدع الطارئة عليه، وإنما الذي يوصف بهذا أو ذاك، مسميات الأسماء ومضامينها والمعاني التي جاءت الأسماء والمصطلحات معبراً عنها وخادماً لها.. فالمصطلحات والأسماء ليست هي المعنيّ بقول رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: «محدثات الأمور» وإنما المعنيّ بها المعاني والمسميات التي تتمثل في معتقدات زائغة أو سلوكات باطلة.

ولكني، على الرغم من هذا، لن أتعامل مع الأسماء والمصطلحات الحديثة التي تثير حساسية بعض الناس الذين يتعاملون مع الأسماء والمصطلحات والشعارات أكثر مما يقفون على جوهر المعاني والمسميات. ولذا فلسوف أحاول أن أشطب كلمة (التصوف) هذه من ذاكرتي، فإن لم أستطع إلى ذلك سبيلاً، فلا أقل من أن أبعدها عن قاموس تعابيري وكلماتي خلال رحلتي هذه كلها في خدمة حكم ابن عطاء الله وتجلية معانيها.

على أن ابن عطاء الله أيضاً لم يدن إلى هذه الكلمة في شيء من حكمه هذه قط. بل إني لم أجده يعرّج على هذه الكلمة في أي من كتابيه (لطائف المنن) و(التنوير في إسقاط التدبير) وهما الكتابان اللذان أتيح لي أن أقرأهما وأستفيد منهما بالإضافة إلى الحكم.

إذن فلننظر فيما سنصغي إليه من هذه الحكم إلى اللباب والمعاني، ثم لنضع هذه المعاني كلها في ميزان كتاب الله وسنة رسوله. فما وافق من ذلك هذا الميزان قبلناه، وما خرج عليه وشرد عنه رددناه.

الإحسان وموقعه من الإسلام والإيمان:

ولرسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كلام عن الإحسان وأهميته والتعريف به في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب، يقول فيه جواباً عن سؤال جبريل له: « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ».

فهل سَاءَل أحدنا نفسه عن وجه الحاجة إلى الإحسان، بعد أن وضعنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أمام حقيقة كل من الإيمان والإسلام؟

وهل تساءلنا عن موقع الإحسان وعن وظيفته بعد وجود كل من الإسلام والإيمان؟

إن سيرة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وسيرة أصحابه البررة الكرام، يبرز كل منهما وجه الحاجة إلى الإحسان، ويبرز الموقع الذي يشغله الإحسان بين قطبي كل من الإسلام والإيمان، لا سيما لدى المقارنة بين حياة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وحياة أصحابه من جانب، وحياتنا نحن المسلمين والمؤمنين أيضاً من جانب آخر.

من المعلوم أن أركان الإيمان إنما تغرس يقيناً في تربة العقل، في حين أن أركان الإسلام سلوك يصطبغ به الكيان والأعضاء.

ولكن فما هو السلك الذي ينقل شحنة اليقين العقلي قوة دافعة إلى الأعضاء والكيان الجسدي؟..

لعلك تقول: لا حاجة إلى هذا السلك؛ فيقين العقل بأمر ما، يكفي وحده حافزاً إلى السلوك المناسب له.

غير أن هذا التصور باطل من الناحية العلمية، وهو باطل على صعيد الواقع الدائم المرئي!!..

كثيرون هم الذين آمنت عقولهم بالله، ولكن سلوكهم ناقض مقتضيات هذا الإيمان وخاصمه.. جمع كبير من هؤلاء كانوا على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وجموع أكثر من هؤلاء أنفسهم، يملؤون اليوم رحب العالم، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: {وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل: 27/14] .

والسبب العلمي في ذلك أن العقل ليس هو الحافز الوحيد في كيان الإنسان إلى السلوك، بل يزاحم العقلَ وينافسه في ذلك العصبيات والأهواء والأغراض، والعواطف بأنواعها، لا سيما «الدافعة»(2) وإذا لم يمتدّ بين العقل وكيان الإنسان هذا السلك الذي نتحدث عنه، فإن العقل لا بدّ أن يصبح هو المغلوب والمهزوم في هذا العراك. وعندئذ يصبح زمام السلوك بيد هذه العوامل الأخرى المتمثلة في العصبية والأغراض والأهواء ورياح العواطف المضادّة.

وانظر إلى واقع أكثر الناس، تجده مصداقاً لما أقول.

إذن، فلكي يمتدّ شريان (الإحسان) في عبادات المسلم وقرباته، بحيث يعبد الله كأنه يراه، لا بدّ أن يسري من العقل الذي آمن إلى الأعضاء التي استسلمت وأسلمت، سِلْكٌ من التأثير والفاعلية، بحيث يغدو المسلم يقظاً لحقائق إيمانه متفاعلاً بشعوره معها أثناء النهوض بطاعاته وعباداته.

فما هو هذا السلك؟ ومن أي شيء يتكون؟

إنه الإكثار من ذكر الله وتذكره، والإكثار من مراقبة الله والتنبه الدائم إلى مراقبة الله للعبد.. وخير سبيل إلى هذا التذكر الدائم، والوقوف المستمر تحت مظلة المراقبة الإلهية، ربط النعم بالمنعم، بحيث كلما وفدت إليه نعمة تذكر الإله الذي تفضل بها عليه، وهيهات لسلسلة النعم الإلهية أن تنقطع في لحظة من اللحظات عن العبد؛ إن هذا الإنسان الكريم على الله عز وجل، محاط من الأرض التي يعيش فوقها بآلاف النعم، ومستظل من السماء التي تعلوه بآلاف النعم، ومحشوّ من فرقه إلى قدمه بآلاف النعم، هذا كله بالإضافة إلى النعم الوافدة المتجددة التي لا حصر لأنواعها فضلاً عن عدّها وإحصائها.

فإذا عوّد العبد نفسه وأيقظ ذاكرته لتذكر الإله المنعم المتفضل، كلما أقبلت إليه نعمة منها، أو كلما تعامل مع واحدة منها، واستمر على هذا المنوال، اهتاجت بين جوانحه محبة عارمة لإلهه المنعم المتفضل، إذ إن النفوس مجبولة على حبّ من قد أحسن إليها. وكلما ازداد هذا العبد المغمور بنعم الله ذكراً وتذكراً لربه ازدادت محبته له رسوخاً وازداد تعظيماً ومهابة له.

ثم إن هذه المحبة الراسخة تلعب دوراً كبيراً في طرد محبة الأغيار من القلب، أو في تحجيمها وحصرها في زاوية ضيقة من الفؤاد الذي غدا جلّه ساحة لمحبة الله عز وجل وتجلياته. فتذوب في ضرام هذا الحب عصبيته للذات والمذهب ويتراجع سلطان أهوائه التي كانت مهيمنة على نفسه، وتذبل مشاعره الغريزية التي تتحكم بكيانه وتصرفاته. ويغدو عندئذ هذا الإنسان مظهراً للمؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} [البقرة: 2/165].

فهل تتصور أن يقبل هذا المحب إلى صلاته دون أن يكون محسناً في أدائها، أي دون أن يشعر بأن الله يراه إذ يناجيه وإذ يركع ويسجد بين يديه؟ أم هل تتصور أن تأتي مشاغله الدنيوية وأهواؤه الغريزية فتحجبه عن تذكر الله ومراقبته وتنسيه نجواه لله في صلاته؟

لا تتصور أن يكون شأن هذا العبد المحب على هذا المنوال، ما دام أن هذا السلك الذي حدثتك عنه قد امتدّ نابضاً بذكر الله عز وجل ما بين مركز الإيمان في العقل ومركز الإسلام في الأعضاء والكيان.

* * *


(1) رواه أبو داود والترمذي من حديث العرباض بن سارية وأوله: وعظنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ موعظة بليغة وجلت منها القلوب...
(2) تنقسم العواطف إلى عاطفة دافعة وهي الحب والكراهية، وعاطفة رادعة وهي الخوف، وعاطفة ممجّدة، وهي مشاعر الانبهار بالشيء والتعظيم له.


لنا لقاء آخر بإذن الله مع حكمة جديدة
أختكم
بنت البحر

احمدعبدالحميد
27-06-2006, 10:40 PM
بنت البحر انتى دائما ادهشينا بجديدك سواء اكانت مشاركات ادبيه او قصص او حتى الحكم
مشكوره اختى على الموضع القيم

زاهية
27-06-2006, 11:04 PM
ويتابع أستاذنا الدكتور البوطي قائلاً في موضوع

والآن، من ذا الذي يجهل أن هذا الإحسان الذي دعا إليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ هو لباب الإسلام، بل هو الجامع المشترك بين الإيمان والإسلام؟!.. وهل الإسلام بدون هذا الإحسان إلا كجسد لا روح فيه، أو كتمثال لا حراك فيه؟ وهل يتعايش الازدواج بين شكل الإسلام وألفاظه، والاستغراق في حمأة الشهوات والأهواء، والخضوع للأغراض والعصبيات، في الواقع المعيشي والمرئي في حياة كثير من الناس، إلاّ لأن صلة ما بين العقل المؤمن والكيان المسلم أو المستسلم غائبة أو مقطّعة، لم يمتدّ بينهما سلك الإحسان الذي لا سبيل إليه إلا عن طريق الإكثار من ذكر الله وتذكره بالنهج الذي حدثتك عنه؟!..

وإذا ثبت أن السبيل إلى ذلك هو أن يأخذ المسلم نفسه بالإكثار من ذكر الله الذي هو سلّم الوصول إلى محبة الله، والذي هو المدخل الذي لا بدّ منه إلى تزكية النفس، فهل في المسلمين من يُهَوِّنُ من شأن هذا العلاج، فضلاً عن أن ينكره ويدفع به إلى قائمة البدع والمستحدَثات.

وكيف يتأتّى للمسلم الصادق في إسلامه أن ينكره، والقرآن مليء بالآيات الآمرة بالإكثار من ذكر الله والمحذرة من الاستسلام للغفلات، وبالآيات الآمرة بالسعي إلى تزكية النفس وتطهيرها من أوضارها التي سماها الله «باطن الإثم».

فإذا جاء من يرشد تلامذته ومريديه إلى اتباع هذا السبيل، ونبههم إلى أهمية السعي إلى تزكية النفس عن طريق نقل الإيمان بالله من مجرد قناعة أو يقين مغروس في العقل إلى عاطفة من الحب والخوف والتعظيم تهيمن على القلب، ونظّم لهم إلى ذلك منهاجاً من الأوراد والمأثورات، يأخذون بها أنفسهم، ليخرجوا بذلك من تيه الغفلة إلى صعيد الذكر؛ فالمشاهدة بعين البصيرة، وليتحققوا عندئذ بالإحسان الذي يجعلهم أثناء قرباتهم وعباداتهم كأنهم يرون الله.. أقول: إذا جاء من يرشد تلامذته ومريديه وإخوانه إلى هذا النهج، أفيكون قد أساء صنعاً من حيث إنه نفذ أوامر الله وتعاليم رسول الله في حق نفسه أولاً، وفي حق إخوانه وأصحابه ثانياً؟!..

ومن هم الذين عناهم بيان الله بقوله عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 41/33] ، والذين عناهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بقوله: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمْر النعم» إن لم يكن هؤلاء المرشدون الناصحون في مقدمتهم؟

ثم إذا جاء من يطلق على الالتزام بهذا النهج الرامي إلى هذا الهدف التربوي القدسي، اسم (التصوف) أو (علم السلوك) أو (فنّ التزكية) أفتكون هذه التسمية مزهقة لشرعية المضمون، موجبة لإبطال الحق، وإحقاق الباطل؟!.. على أن بوسعك أن تلتقط المنهج والمضمون وتلقي الاسم والمصطلح وراء ظهرك، أو حتى إن -شئت- تحت قدمك، وبذلك تصلح ما ترى أنه خطأ، وتقوّم ما تعتقد أنه معوج، المهم أن لا تأخذ الجار بظلم الجار، وتعاقب المسمى البريء بجريرة الاسم.

* * *

فإن جاء من يقول: ولكن هذا النهج الإرشادي تسرب إليه مع الزمن كثير من البدع التي لا يقرها قرآن ولا سنة، قلنا له: أنت مشكور على غيرتك على شرع الله أن لا يتسرب إليه دخيل وأن لا يختلط به ما ليس منه.

ولكن الغيرة على الحق لا تتمثل في أن تعود فتأخذ الجار بظلم الجار، وفي أن تزهق الحق من أجل الباطل الذي تسرب إليه.

إن استنكار المشروع من سبل تزكية النفس وبلوغ درجة الإحسان، من أجل البدع التي تسربت إليه، هو دعوة غير مباشرة إلى هذه البدع، وإغراء خفي بقبولها وبالتعامل معها. ولعل من أهم أسباب انتشار هذه البدع وعكوف فئات من الناس عليها باسم التصوف ونحوه، هذا اللون من الاستنكار الذي يهدف إلى هدم الدار كلها، من أجل أرائك غير مريحة فيها!!..

حدّد البدعة التي عثرت عليها ضمن كلٍّ من الطاعة المشروعة، ثم ركز إنكارك عليها، مدافعاً عن بقية الكل، داعياً إليه، منبهاً إلى أهميته، يذوي عندئذ العشب الدخيل، والغصن الطفيلي الضار، ويزهو النبات الأصيل صافياً عن الأوضار والشوائب.

إن المسلمين اليوم في ظمأ شديد إلى العاطفة الدينية التي حرمتهم منها قسوة المتطلبات الدنيوية وفتنة المغريات المستشرية.. فإن أتيح لهم من يهديهم إلى مواردها الشرعية الصافية عن شوائب البدع، فلسوف يركنون إليها ويسعدون بها، ويصلون منها إلى ريٍّ لا غصص فيه. وإن لم يجدوا أمامهم إلا من يصدّهم ويردّهم ويحذرهم من هذه الموارد العاطفية التي داخلتها البدع، دون أن يرشدوهم إلى أي بديل، فلسوف يستجيبون لنداء ضروراتهم الملحة، ويعرضون عن التحذيرات التي لا بديل عنها إلا الظمأ القتال.

ولا شك أن توجيه هؤلاء الظمأى إلى حِكَم ابن عطاء الله وأمثالها، إنما هو توجيه إلى مورد لعاطفة إسلامية صافية عن الشوائب، بعيدة عن عكر البدع والمنكرات، ولسوف توصلهم إن هم أخذوا أنفسهم بنصائحها إلى صعيد باسق من محبة الله وتعظيمه والمخافة منه والرضا عنه والثقة به والتوكل عليه. وهل يصلح إيمان بالله بدون هذا كله؟

والواقع المرئي أمامي خير شاهد على ذلك.. عندما استخرت الله في تدريس حكم ابن عطاء الله في لقاء عام في المسجد، ظننت أن الجمع الكثيف والكثير الذين تعودوا على حضور دروسي سيتفرقون ويعرضون.. زهداً منهم في هذه البحوث التي تنعت على ألسن كثير من الناس بالتصوف، ولكني فوجئت بنقيض ذلك، لقد ازداد الجمع المواظب تعلقاً وثباتاً، وأقبلت من ورائهم فئات شتى من سائر المشارب والاتجاهات والطبقات، وفيهم من لم يكن ملتزماً بسلوك إسلامي قط.. ساقهم جميعاً الظمأ العاطفي الذي أشعرتهم به الفطرة الإيمانية التي لم يحرم الله منها أحداً من عباده. وكان من حسن الحظ أن المورد الذي اجتمعوا عليه مورد شرعي سلفي سليم خال من الشوائب، وحسبك أنه المورد الذي تمثل في حكم ابن عطاء الله.

فليتق الله أولئك الذين ينتقمون من البناء كله من أجل خطأ في تصميم إحدى نوافذه، أو يحرّمون الطعام الطاهر الطيب من أجل استنكارهم لاسمه!!..

وأعود في نهاية هذه المقدمة، لأذكّر بالعهد الذي قطعته على نفسي، أن لا أتعامل فيما قد فتح الله عليّ من شرح (الحكم) إلا مع المضامين والمسميات، وأن لا أعرِّج على اسم التصوف في قليل أو كثير.

والله المسؤول أن يهبنا من جذوة الإخلاص لوجهه، ومن صدق التوجه إلى معالجة أمراضنا النفسية الوبيلة المهلكة، ما يبصّرنا بضرورة سلوك النهج الذي ذكرته في هذه المقدمة، والذي ستتجلى تفاصيله في الصفحات التالية، بفضل الله وتوفيقه.

يسرى علي آل فنه
27-06-2006, 11:09 PM
موضوع طيب وكريم أختي الكريمة زاهية

وأجده اضاءات حول قيم عقائدية ومبادئ سامية ومحاولة ترسيخها

ومما شدني في الموضوع ومن الجديد الذي تعلمته هنا نقطة تصنيف العواطف كما ورد

تنقسم العواطف إلى عاطفة دافعة وهي الحب والكراهية، وعاطفة رادعة وهي الخوف، وعاطفة ممجّدة، وهي مشاعر الانبهار بالشيء والتعظيم له

استمري بكل هذا الجمال يازاهية الخير

سأتابعك لمزيد من الاطلاع والفائدة

تقديري لكِ وبارك الله في عمرك الطيب :0014:

زاهية
27-06-2006, 11:37 PM
بنت البحر انتى دائما ادهشينا بجديدك سواء اكانت مشاركات ادبيه او قصص او حتى الحكم
مشكوره اختى على الموضع القيم
أحمد عبد الحميد
أهلاً بك أخي الكريم مباركًا بإذن المولى الذي وضع في الرأس عقلا ليختار
طريق الحق فيمشيه صاحبه صلاحًا ووعيا بإذنه تعالى
دمت بخير
أختك
بنت البحر

الصباح الخالدي
28-06-2006, 06:51 AM
اتابع باهتمام ماتكتبين

خليل حلاوجي
28-06-2006, 09:49 AM
ساسير معكم سطرا" سطرا"

اقف عند التصوف

والذي لاأكرهه طالما كان تصوف على طريق السلف الصالح

زاهية
28-06-2006, 11:49 AM
الحكمة الأولى : من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

الاعتماد على العمل أهو في الشريعة أمر محمود أم مذموم‏؟‏

يقول لنا ابن عطاء الله‏:‏ إياك أن تعتمد في رضا الله عنك وفي الجزاء الذي وعدك به على عمل قد فعلته ووفقت له‏،‏ كالصلاة‏،‏ كالصوم‏،‏ كالصدقات‏،‏ كالمبرات المختلفة‏،‏ بل اعتمد في ذلك على لطف الله وفضله وكرمه‏.‏

هل هنالك من دليل على هذا‏؟‏ نعم‏،‏ إنه حديث رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ الذي رواه البخاري وغيره‏:‏ «لن يُدْخِلَ أحَدَكُم الجنةَ عملُه» قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»‏.‏

إذن فالعمل ليس ثمناً لدخول الجنة‏،‏ وإذا كان الأمر كذلك فالمطلوب إذا وفقت لأداء الطاعات أن تطمع برضا الله وثوابه‏،‏ أملاً منك بفضله وعفوه وكرمه‏،‏ لا أجراً على ذات العمل الذي وفقت إليه‏.‏

وهنا يقول‏:‏ ومن أبرز الدلائل على اعتمادك على العمل لا على فضل الله‏،‏ نقصان رجائك بعفوه تعالى عند تلبسك بالزلل أي عندما تتورط في المعاصي والموبقات‏.‏

إن هذا يعني أنك عندما كنت ترجو كرم الله وعطاءه إنما كنت تعتمد في ذلك على عملك فلما قلَّ العمل وكثرت الذنوب غاب الرجاء‏!‏‏.‏‏.‏ فهذا هو المقياس الدال على أنك إنما تعتمد في رجائك على عملك لا على فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه‏.‏‏.‏ هذا هو باختصار معنى حكمة ابن عطاء الله رحمه الله‏.‏

ثم إن هذه الحكمة لها بُعْدٌ هام في العقيدة‏،‏ وبعد هام يتجلى في السنة‏.‏‏.‏ في كلام سيدنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ‏،‏ ولها بعد ذلك بُعد أخلاقي تربوي‏،‏ وسنأتي على بيان ذلك كله إن شاء الله‏.‏

* * *

ولنعلم بهذه المناسبة أن حكم ابن عطاء الله مقسمة إلى ثلاثة أقسام‏:‏

القسم الأول منها يدور على محور التوحيد‏.‏

القسم الثاني يدور على محور الأخلاق‏.‏

والقسم الثالث يتعلق بالسلوك وتطهير النفس من الأدران‏.‏

ولنبدأ ببيان البعد الاعتقادي وتحليله في هذه الحكمة الأولى‏:‏

يقول صاحب جوهرة التوحيد‏:‏


وإن يعذِّبْ فبمحضِ العَدْلِ

فإن يُثِبْنا فَبِمَحْضِ الفَضْلِ


هذه هي العقيدة التي ينبغي أن يصطبغ بها كل إنسان مسلم‏.‏‏.‏ وعلى هذا درج السلف الصالح رضوان الله عليهم‏.‏

قد يقول قائل‏:‏ بل الظاهر أن الثواب الذي نستحقه إنما هو على العمل الصالح الذي عملناه‏.‏

ولكننا لو تأملنا‏،‏ وأمعنا النظر‏،‏ في علاقة ما بين العبد وربه‏،‏ لأدركنا أن الأمر ليس كذلك‏.‏

ما معنى قولك‏:‏ إن الله إنما يثيبني بعملي‏.‏‏.‏ وإنما يدخلني الجنة بعملي‏.‏‏.‏‏؟‏ معنى هذا الكلام أن الله عز وجل رصد قيمة للجنة‏،‏ لا تتمثل في دراهم أو في سيولة مالية‏،‏ وإنما تتمثل في العبادات والطاعات والابتعاد عن المحرمات‏.‏ فإن فعلت الطاعات واجتنبت النواهي‏،‏ فقد بذلت الثمن‏،‏ ومن ثم فقد أصبحت مستحقاً للبضاعة التي اشتريتها‏!‏‏.‏‏.‏ عندما تقول‏:‏ إنما أثاب بالعمل الذي قدمتُه‏،‏ فهذا هو معنى كلامك‏.‏‏.‏ فهل الأمر هكذا في حقيقته‏؟‏‏.‏‏.‏ أي هل إنك عندما تؤدي الأوامر التي طلبها الله عز وجل منك تصبح مستحقاً للجنة ومالكاً لها بعرق جبينك‏،‏ تماماً كما يستحق الذي اشترى بضع دونمات من أرض‏،‏ بقيمة محددة دفعها لصاحبها الذي عرضها للبيع‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ لو تأملت لرأيت أن الأمر يختلف اختلافاً كبيراً‏.‏‏.‏ أنا عندما أدفع قيمة هذا البستان نقداً كما طلب البائع فأنا أمتلك بذلك هذا البستان بدون أي مِنَّةٍ له عليّ‏،‏ وبطريقة آليّة يقضي بها القانون‏.‏ ومن حقي أن أقول له‏:‏ اخرج من أرضي فقد دفعت لك قيمتها كاملة غير منقوصة‏.‏

ذلك هو شأن علاقة العبد مع العبد‏.‏‏.‏ أما عندما يأمرك الله سبحانه وتعالى بالطاعات التي ألزمك بها‏،‏ وينهاك عن المحرمات التي حذرك منها‏،‏ ويوفقك الله فتؤدي الواجبات وتبتعد عن المحرمات‏،‏ فإن الأمر مختلف هنا بشكل كلي‏.‏‏.‏ من الذي أقدرك على الصلاة التي أديتها‏؟‏ من الذي أقدرك على الصوم الذي أديته‏؟‏‏.‏‏.‏ من الذي شرح صدرك للإيمان‏؟‏ أليس هو الله عز وجل‏؟‏ وصدق الله القائل‏:‏ {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ} [الحجرات‏:‏ 49‏/‏17] ‏.‏

إذن هنالك فرق كبير بين الصورتين‏.‏ من الذي حبّب إليك الإيمان وكرّه إليك الكفر والفسوق والعصيان‏؟‏ من‏؟‏ هو الله سبحانه وتعالى‏.‏‏.‏ من الذي شرح صدرك وأقدرك على أن تأتي إلى بيت من بيوت الله فتحضر صلاة الجماعة ثم تجلس فتستمع إلى ما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى‏؟‏ من‏؟‏ هو الله سبحانه وتعالى‏.‏‏.‏ إذن فما يخيل إليك‏،‏ من أن الطاعة ثمن دفعته من ملكك مقابل امتلاكك لجنة الله تعالى قياساً على الذي دفع أقساط الثمن من ماله الحر لكي يمتلك البستان‏،‏ قياس مع الفارق الكبير‏.‏

إذن فلا يجوز أن تتصور أنك تستحق ‏(‏تأملوا التعبير الدقيق الذي أستعمله‏:‏ لا يجوز لك أن تتصور أنك تستحق‏)‏ جنة الله سبحانه وتعالىوثوابه‏،‏ لأنك قد قدمت له ما قد طلب‏،‏ ولأنك قد فعلت ما قد أوجب‏،‏ وابتعدت عما حرم‏،‏ لا يجوز لك أن تعتقد هذا‏.‏ ولو اعتقدت ذلك لكان نوعاً من أخطر أنواع الشرك‏.‏

ذلك لأن هذا الاعتقاد يعني أنك تؤمن بأن صلاتك بقدرة ذاتية منك‏،‏ وأنك تفضلت بها على الله‏،‏ وأن طاعتك التي أمرك الله عز وجل بها بحركة من كيانك‏،‏ وكيانك ملك ذاتك‏،‏ وقدرتك ملك ذاتك‏،‏ فعملك أنت المالك له‏،‏ وقدراتك أنت مبدعها وموجدها‏،‏ والباري لا علاقة له بها‏.‏ إذن فكأنك فيما تتخيل قدمت له هذه الطاعات على طبق‏،‏ وقلت‏:‏ ها هي ذي أوامرك قد أنجزتها كما تريد‏،‏ بقدرة وطاقة ذاتية مني فأعطني الجنة التي وعدتني بها‏.‏

وهكذا تصبح العملية عملية بيع وشراء‏.‏‏.‏ أعطيتك القيمة ومن حقي إذن أن أطالبك بالثمن‏!‏‏.‏‏.‏ هل هذا هو منطق ما بين العبد وربه‏؟‏ أين أنت إذن من واقع عبوديتك لله‏؟‏‏.‏‏.‏ أين أنت من الكلمة القدسية التي كان يعلمها رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ أصحابه‏:‏ «لا حول ولا قوة إلا بالله»‏؟‏‏.‏ أين أنت من اليقين الإيماني الذي لا ريب فيه بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد‏؟‏‏.‏‏.‏ من الذي يخلق أفعالنا نحن العباد‏؟‏ أظن أن العهد لم يطل بنا‏،‏ في بيان الحق الذي هو عقيدة السلف الصالح‏،‏ وهم أهل السنة والجماعة الذين يمثلهم الأشاعرة والماتريديون‏.‏‏.‏ إذن فأنا عندما أحمد الله سبحانه وتعالى بلساني‏؛‏ ينبغي أن أشكر الله على أن حرك لساني بهذا الحمد‏.‏‏.‏ وإذا قمت من جوف الليل لأصلي‏،‏ ينبغي أن أثني على الله أنه وفقني للقيام بين يديه‏.‏‏.‏ لولا حبه لي‏،‏ لولا عنايته بي‏،‏ لولا لطفه بي‏،‏ لغرقت في الرقاد‏،‏ ولما أكرمني بهذا الوقوف بين يديه‏.‏ ولقد حدثتكم مرة بقصة فتاة صالحة كان تخدم في أسرة‏،‏ وذات ليلة قام رب الأسرة من جوف الليل فرأى الفتاة تصلي في زاوية من البيت‏،‏ وسمعها تقول وهي ساجدة‏:‏ اللهم إني أسألك بحبك لي أن تسعدني‏.‏‏.‏ أن تعافيني أن تكرمني‏.‏‏.‏ إلى آخر ما كانت تدعو به‏.‏ استعظم الرجل صاحب البيت كلامها هذا‏،‏ وانتظرها حتى إذا سلَّمت من صلاتها‏،‏ أقبل فقال لها‏:‏ ما هذا الدلال على الله‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ قولي‏:‏ اللهم إني أسألك بحبي لك أن تسعدني وأن تكرمني وأن‏.‏‏.‏‏.‏ قالت له‏:‏ ياسيدي لولا حبه لي لما أيقظني في هذه الساعة‏،‏ ولولا حبه لي لما أوقفني بين يديه‏،‏ ولولا حبه لي لما أنطقني بهذه النجوى‏.‏‏.‏

لاحظوا أيها الإخوة‏:‏ هذا هو التوحيد الذي ينبغي أن يصطبغ به كل منا‏،‏ كيف تمتن على الله بصلاتك وهو الذي وفقك إليها‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏

فهذا هو المبدأ الذي عناه صاحب جوهرة التوحيد وكل علماء العقيدة عندما قالوا‏:‏ «فإن يثبنا فبمحض الفضل» ثم قالوا‏:‏ «وإن يعذب فبمحض العدل»‏.‏

يتبع بإذن الله

زاهية
28-06-2006, 11:03 PM
موضوع طيب وكريم أختي الكريمة زاهية

وأجده اضاءات حول قيم عقائدية ومبادئ سامية ومحاولة ترسيخها

ومما شدني في الموضوع ومن الجديد الذي تعلمته هنا نقطة تصنيف العواطف كما ورد

تنقسم العواطف إلى عاطفة دافعة وهي الحب والكراهية، وعاطفة رادعة وهي الخوف، وعاطفة ممجّدة، وهي مشاعر الانبهار بالشيء والتعظيم له

استمري بكل هذا الجمال يازاهية الخير

سأتابعك لمزيد من الاطلاع والفائدة

تقديري لكِ وبارك الله في عمرك الطيب :0014:

يسرى أختي الغالية :0014:
طيَّبَ الله أيامك بنور حبه
وعظيم هدايته
أسعدني أن تكوني معي في هذه النفحات الإيمانية
التي أرجو الله أن نستفيد منها جميعًا ونُفيد
دمت بخير
أختك
بنت البحر

زاهية
28-06-2006, 11:05 PM
والآن‏،‏ نعود إلى كلام ابن عطاء الله‏،‏ لنقف على نقطة هامة يحذرنا منها‏:‏ ‏(‏‏(‏من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل‏)‏‏)‏‏.‏

أي إن من أخطر نتائج اعتمادك في مثوبة الله على العمل‏،‏ نقصان رجائك بعفوه عندما تتورط في الزلل والآثام‏؛‏ فبين الأمرين تلازم مطرد‏.‏ والسبيل الوحيد إلى أن لا يقل رجاؤك برحمة الله وصفحه عند التقصير‏،‏ هو أن لا تعتمد على عملك عندما يحالفك التوفيق‏.‏ وعندئذ تكون في كلا الحالين متطلعاً إلى جود الله وكرمه‏،‏ بقدر ما تكون خائفاً من غضبه ومقته‏.‏

إذن فالخوف من غضب الله وعقابه يجب أن يكون موجوداً مع الرجاء الدائم برحمته وفضله‏،‏ لأن الإنسان أياً كان‏،‏ لن ينفك عن التقصير في أداء حقوق الربوبية عليه‏،‏ في سائر التقلبات والأحوال‏.‏

ومن ثم فإن الذي يرى أنه من الضعف والتقصير بحيث لا يستطيع أن يؤدي شيئاً من حقوق الله عليه‏،‏ يتجاذبه شعوران متساويان في كل الأحوال‏:‏ أحدهما شعوره بالأمل بفضل الله وعفوه‏،‏ ثانيهما شعوره بالخجل والخوف من تقصيره في جنب الله عز وجل‏،‏ لا يعلو ويشتدّ الشعور الأول إن رأى نفسه موفقاً للطاعات‏،‏ ولا يهتاج به الشعور الثاني إن رأى نفسه مقصراً في أدائها متهاوناً في حقوق الله عز وجل‏،‏ لأنه في كل الأحوال لا يقيم لطاعاته وزناً‏،‏ ولا يعتمد عليها في الأمل برحمة الله وعفوه‏.‏ فهو إذن في كل الأحوال بين الخوف والرجاء‏.‏

ولعلّ الشيطان يوسوس إليك بأن الطاعات والقربات ليس لها إذن أي دور في تفضل الله على العبد‏،‏ وإذن فلا فرق بين إقبال العبد إليها وإعراضه عنها‏!‏‏.‏‏.‏

ولكن فلتعلم أن هذا الوسواس الشيطاني ليس نتيجة لهذا الذي نشرحه من كلام ابن عطاء الله‏،‏ ولا لكلام علماء التوحيد في هذا الصدد‏.‏‏.‏ لقد قال الله تعالى‏:‏ {ورحمتي وسعت كل شيء‏.‏‏.‏} أفقال بعد ذلك‏:‏ سأكتبها للناس جميعاً‏،‏ أم قال‏:‏ {فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون} [الأعراف‏:‏ 7‏/‏156] ‏؟‏‏.‏‏.‏

هما أمران لا ينفك واقع عبودية الإنسان لله عنهما‏:‏ أحدهما أن عليه أن يسلك مسالك الهدى والالتزام بأوامر الله والابتعاد عن نواهيه‏،‏ ثانيهما أن يعلم أنه برحمة الله وعفوه‏،‏ لا بجهوده وأعماله ينال المثوبة والأجر‏.‏

وهذا هو المعنى الجامع الذي يتضمنه قول الله تعالى‏:‏ {وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طه‏:‏ 20‏/‏82] أي الإيمان والعمل الصالح واجبان‏،‏ والمثوبة تأتي عن طريق المغفرة والصفح لا عن طريق الأجر والاستحقاق‏.‏

إنني بحكم عبوديتي لله أنفذ أوامره‏،‏ تلك ضريبة العبودية لله في عنقي‏.‏ ثم أبسط كفّيَ إلى السماء قائلاً‏:‏ يا رب‏،‏ أنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك‏،‏ ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك رحمتك‏،‏ لا تعاملني بما أنا له أهل‏،‏ بل عاملني بما أنت له أهل‏،‏ إنك أنت القائل‏:‏ {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شاكِلَتِهِ} [الإسراء‏:‏ 17‏/‏84] وشاكلتك الرحمة فارحمني‏،‏ شاكلتك المغفرة فاغفر لي‏.‏

أقول مثل هذا الكلام دون أن أطالبه بأجر على عمل أرى أني قد بذلته‏.‏ بل أسترحمه بمقتضى ضعفي وشدة احتياجي‏،‏ وأستجديه العطاء كما يفعل الشحاذ إذ يستجدي احتياجاته من مال أو طعام ممن يأمل منهم الجود والإحسان‏.‏ هكذا تكون العبودية لله سبحانه وتعالى‏.‏

لعلك تقول‏:‏ ولكن الله يحذر العاصين والمذنبين من مقته وعقابه‏،‏ فكيف لا ينقص رجائي بعفوه وإحسانه إن أنا ارتكبت موجبات هذا النقصان‏؟‏‏.‏‏.‏ كيف وقد شرط الله لنيل رحمته الإيمان والتقوى‏،‏ عندما قال‏:‏ {‏.‏ ‏.‏ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون}‏؟‏ [الأعراف‏:‏ 7‏/‏156]‏.‏

والجواب أن العاصي الذي يُطْلَبُ منه أن يظل راجياً كرم الله وصفحه‏،‏ لا يمكن أن يُقبل على الله بالرجاء إلا إن دخل رحابه من باب التوبة‏.‏

أرأيت إلى العاصي الذي جاء يطرق باب الله متأملاً صفحه ومغفرته‏،‏ أيعقل أن يفعل ذلك وهو مصرّ على معصيته مستريح إلى شروده وآثامه‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ لا‏.‏‏.‏ من الواضح في مقاييس الأخلاق والمشاعر الإنسانية‏،‏ فضلاً عن مشاعر العبودية لله‏،‏ أن هذا العاصي بمقدار ما يزدهر في نفسه الأمل بصفح الله ومغفرته‏،‏ تزداد لديه حوافز التوبة ومشاعر الندم وعزيمة الإقلاع عما كان عاكفاً عليه‏.‏‏.‏ فإذا تاب هذه التوبة الصادقة‏،‏ فلا بدّ أن يتنامى الرجاء لديه بصفح الله ولا ينقص‏.‏ إذ المفروض أنه يقرأ كتاب الله تعالى ويقف فيه على مثل قوله‏:‏ {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة‏:‏ 9‏/‏104] ‏.‏

والمفروض أنه وقف على مثل هذا الحديث القدسي المتفق عليه‏،‏ والذي يرويه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ عن ربه‏:‏ «أذنب عبد ذنباً فقال‏:‏ اللهم اغفر لي ذنبي‏،‏ فقال الله تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب‏،‏ ثم عاد فأذنب‏،‏ فقال‏:‏ أي رب اغفر لي ذنبي‏،‏ فقال تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنباً فعلم أنه له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب‏.‏ ثم عاد فأذنب‏،‏ فقال‏:‏ أي رب اغفر لي ذنبي‏،‏ فقال تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب‏،‏ قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء»‏.‏

إذن فالتوبة لا بدّ منها‏،‏ وهي السبيل إلى بقاء الرجاء مزدهراً في نفس العاصي‏.‏ أما المستمر في عكوفه على الآثام والذي لا تخطر منه التوبة على بال‏،‏ فالرجاء بصفح الله أيضاً لا يمكن أن يخطر منه على بال‏.‏

ثم إنه يتبيّن لك مما ذكرته وأوضحته أن التلبس بعكس ما ذكره ابن عطاء الله‏،‏ هو الآخر دليل على الاعتماد على العمل‏.‏ أي فمن ازداد رجاؤه بفضل الله ومثوبته كلما ازداد إقبالاً على الله بالعمل الصالح‏،‏ فذلك دليل منه على أنه إنما يعتمد على أعماله الصالحة‏،‏ لا على صفح الله ومغفرته‏.‏

وتتجلى خطورة هذا الربط بين تنامي الرجاء‏،‏ وتنامي العمل الصالح‏،‏ إذا تصورنا إنساناً يزداد عمله مع الزمن صلاحاً وتزداد طاعاته كثرة‏،‏ وكلما ازداد ذلك منه ازداد ثقة بمثوبة الله ووعده‏،‏ ذلك لأن النتيجة التي سينتهي إليها هذا الإنسان‏،‏ بموجب هذا الربط‏،‏ أنه في مرحلة معينة سيجزم بأنه قد أصبح من أهل الجنة ومن المكرمين بالنعيم الذي وعد الله به‏.‏ إذ هو بمقتضى ذلك الربط بين العمل والأجر‏،‏ لا بدّ أن يعتقد ‏-‏ إذا بلغ تلك المرحلة في أعماله الصالحة ‏-‏ أن عمله كله مبرور وأن حياته مليئة بالطاعات‏،‏ إذن فهو من أهل الجنة قطعاً‏!‏‏.‏ وهذا هو التألي على الله‏،‏ وكم وكم حذر منه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ‏.‏

وإنما سبيل الابتعاد عن هذا المنزلق‏،‏ العلم بأن حقوق الله على العباد لا تؤدَّى بطاعاته مهما كثرت وعظمت‏،‏ بل إن هذه الحقوق ستظل باقية‏.‏ ولو أديت حقوقه عز وجل بالطاعات‏،‏ لكان أولى الناس بذلك الرسل والأنبياء‏،‏ ومع ذلك فما وجدنا واحداً منهم عقد رجاءه بمثوبة الله بطاعاته وقرباته‏،‏ بل كانوا جميعاً يتطلعون إلى مغفرة الله وصفحه‏.‏

كان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ‏-‏ وهو خليل الرحمن ‏-‏ يرى أنه أقل من أن يكون في مستوى الصالحين من عباد الله‏،‏ فكان يسأل الله أن يلحقه بهم قائلاً‏:‏ {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ} [الشعراء‏:‏ 26‏/‏83] وكان يتطلع إلى مغفرة الله وصفحه قائلاً‏:‏ {رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ} [إبراهيم‏:‏ 14‏/‏41] ‏.‏

وكان يوسف عليه الصلاة والسلام يرى هو الآخر أنه أقل من أن يرقى إلى درجة الصالحين‏،‏ فكان يسأل الله أن يلحقه بهم وإن لم يكن منهم‏،‏ أليس هو القائل فيما أخبر الله عز وجل عنه‏:‏ {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ} [يوسف‏:‏ 12‏/‏101] ‏.‏

أما سيد الرسل والأنبياء فهو الذي يقول كما قد علمت‏:‏ «لن يُدخِلَ أحَدَكم الجنة عمله» قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «ولا أنا‏،‏ إلا أن يتغمدني الله برحمته»‏.‏

* * *

إذن‏،‏ فالإنسان‏،‏ أياً كان‏،‏ عندما يوفق للعمل الصالح‏،‏ إنما يؤدي بذلك جزءاً يسيراً جداً من ضريبة عبوديته لله عز وجل ومن حقوق النعم التي أغدقها الله عليه في الدنيا‏،‏ وهي نِعم كثيرة ومتنوعة لا تحصى‏.‏

فإذا كان هذا الإنسان على الرغم من طاعاته التي وفق لها‏،‏ لا يزال مثقلاً تحت حقوق الربوبية لله عليه‏،‏ ومثقلاً تحت حقوق النعم التي امتنّ الله بها عليه‏،‏ فأنى له وبأي حجّة يطالب الله أن يكرمه مقابل ذلك بجنان خلده‏،‏ وبأن يضيف إلى نعمه الدنيوية التي لم يؤد بعد حقوقها النعم الأخروية التي وصفها وتحدث عنها في محكم كتابه‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏

* * *

وصفوة القول أن الإنسان ‏-‏ بعد أن عرف الله وأدرك أنه عبد مملوك له ‏-‏ يجب عليه أن يعبد الله لأنه عبده ولأن الله ربه‏،‏ أي سواء أثابه الله على عبادته أم لم يثبه‏.‏ ثم إن عليه أن يسأله جنته تفضلاً منه وإحساناً‏،‏ وأن يستعيذ به من ناره وعذابه‏،‏ تلطفاً واسترحاماً‏.‏ وتلك هي سيرة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ في دعائه‏.‏

فلو أن أحدنا قرر في نفسه أنه إنما يعبد الله طمعاً بجنته بحيث لو علم أنه لن ينال على عبادته له هذا الأجر‏،‏ فسيقلع عن العبادة ولن يبالي بشرعته وأحكامه‏،‏ فهو غير مسلم ولا مؤمن في ميزان الله وحكمه‏.‏ إذ إنه يعلن بذلك أنه ليس عبداً لله وإنما هو عبد للجنة التي يبحث عن سبيل ما إليها‏.‏

وهنا ندرك سموّ مشاعر التوحيد في مناجاة رابعة العدوية لربها إذ كانت تقول له‏:‏ «اللهم إني ما عبدتك حين عبدتك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك‏،‏ ولكني علمت أنك ربٌّ تستحق العبادة فعبدتك»‏.‏

بعض السطحيين ظنّ أن رابعة كانت تعبر بهذا عن استغنائها عن الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين‏،‏ ومن ثم أطالوا العتب والتشنيع عليها‏.‏ وهذا تسرع في الفهم وظلم في الحكم‏!‏‏.‏‏.‏ فرابعة كانت تسأل الله الجنة وتستعيذ به من النار‏،‏ وكم كانت في الكثير من مناجاتها تتخوف من عقابه الذي ترى نفسها معرّضة له‏،‏ وكم كانت تتشوق إلى إكرامه وجنة قربه‏،‏ ولكنها لم تكن تطلب ذلك أجراً على عبادتها‏،‏ وقيمة لصلاتها ونسكها‏.‏ وإنما كانت تسأله ذلك لأنه الغني الكريم ولأنها الفقيرة الراغبة بجوده‏.‏

أما طاعاتها وعباداتها‏،‏ فقد كانت تتقرب بها إلى الله لأنه ربها ولأنها أمته‏.‏ إنها مدينة بحق العبودية له‏،‏ ومن ثم فإن عبوديتها تلح عليها أن تعبده وأن تخضع لسلطان ربوبيته‏،‏ لا لشيء إلاّ لأنها أمته ولأنه ربها‏.‏ وسواء أأكرمها بنعيم جنانه أو زجها في أليم عذابه‏،‏ فلن تنقض معه ميثاق هذا الالتزام‏.‏ وكيف تنقضه وهي في كل الأحوال صنع يده وملك ذاته‏؟‏‏.‏‏.‏

هذا هو موقف رابعة رضي الله عنها‏.‏‏.‏ فهل في المسلمين من يقول‏:‏ إنه موقف غير سديد‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ إذن فالموقف السديد نقيضه‏،‏ وهو أن نقول‏:‏ اللهم إني لم أعبدك لأنك رب تستحق العبادة‏،‏ ولكن لأني طامع في جنتك‏!‏‏.‏‏.‏ فهل في الناس المؤمنين بالله‏،‏ حتى ولو كانوا فسقة‏،‏ من يخاطب الله بهذه المحاكمة الوقحة‏؟‏

إننا على الرغم من تقصيرنا وبُعد ما بيننا وبين رتبة أمثال رابعة العدوية‏،‏ لا يسعنا إلا أن نخاطب إلهنا وخالقنا بالمنطق ذاته الذي كانت تخاطب به ربها‏،‏ إننا نقول‏:‏

اللهم أنت ربنا ونحن عبادك‏،‏ نعبدك وننقاد لأوامرك جهد استطاعتنا لا لشيء إلاّ لأنك ربنا ونحن عبيدك‏.‏‏.‏ ونحن نعلم أننا مهما استقمنا على صراطك فلسوف يظل التقصير شأننا الملازم لنا‏،‏ لا بسبب استكبار على أمرك ولكن لأنك قضيت علينا بالضعف‏.‏

لسوف نرحل إليك من دنيانا هذه بخروق كثيرة من الزلل والإساءة والانحراف‏،‏ آملين أن نوفق لترقيعها بالتوبة الصادقة النصوح‏.‏‏.‏ سنرحل إليك فقراء عرايا إلا من ذل عبوديتنا لك وافتقارنا إليك‏.‏

ولسوف يكون جواب كل منا إن سألت‏،‏ بِمَ جئتني من دنياك التي أقمتك فيها‏؟‏‏:‏ جئتك بالأمل في رحمتك‏.‏‏.‏ بالأمل في كرمك‏،‏ جئتك فقيراً إلا من عبوديتي لك‏،‏ ذلك هو رأس مالي الذي أقف به بين يديك ولن يجرِّئني عندئذ على استجداء جنتك وكريم عطائك إلا ما أعلمه من تفضلك وكرمك وما أعتزّ به من انتسابي بذل العبودية إليك‏.‏

وبعد فهذا هو لُبَابُ التوحيد الذي يجب أن يهيمن على مشاعر كل مسلم بعد أن يستقر يقيناً في عقله‏.‏ وتلك هي الحقيقة التي عناها ابن عطاء الله بقوله‏:‏ «من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل»‏.‏

* * *

ولنا لقاء بإذن الله
أختكم
بنت البحر

زاهية
30-06-2006, 04:22 PM
وما اعتمادي على فعلٍ أقومُ بهِ=لأدخلَ الخلدَ لكنْ رحمةِ الباري
ياربُّ كنْ لي معينًا كي تجنِّبَني=طبعَ الغرورِ الذي يودي إلى النارِ
واجعلْ رجائي إلى الإحسانِ يرفعُني=عن زلَّةِ الفكرِ في كبرٍ وإصرارِ
الرُّوحُ تسجدُ يامولاي خاشعةً = برعشةِ القلبِ ترجو العفوَ ياجاري
شعر
بنت البحر

زاهية
30-06-2006, 04:38 PM
الحكم العطائية ـ شرح وتحليل

الحكمة الثانية :إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة الخفية‏،‏ وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية | 1 - 2 - 3 |

هذه الحكمة تدور على قطبين اثنين‏:‏ أحدهما ما يسمونه التجريد‏،‏ والآخر ما يسمونه الأسباب‏.‏‏.‏ فما معنى هاتين الكلمتين‏؟‏

يتعرض الإنسان لحالتين اثنتين‏:‏ الأولى أن يجد نفسه متقلباً تحت سلطان من عالم الأسباب‏،‏ فأينما تحرك وجد نفسه أمام أسباب لا مناص له من التعامل معها‏.‏ فهذه التي تسمى حالة الأسباب‏.‏

والثانية أن يجد نفسه معزولاً عن سلطان الأسباب‏،‏ ليس له سبيل إليها‏،‏ إذ تكون بعيدة عن متناوله وعن المناخ الذي أقامه الله فيه‏.‏ وتسمى حالة التجرد أو التجريد‏.‏

فالمطلوب من المؤمن بالله الساعي إلى تنفيذ أوامره أن ينظر إلى الحالة التي أقامه الله فيها فيتعامل معه طبق تلك الحالة‏.‏ أي ما ينبغي أن يسرع فيستجيب لمزاجه في التعامل مع نظام الأسباب آناً‏،‏ والإعراض عنها آناً آخر‏،‏ دون أن يتبين الحال أو المناخ الذي أقامه الله فيه‏.‏ إنه ‏-‏والحالة هذه‏-‏ إنما يتعامل مع هواه ومزاجه وإن كانت الصورة التي يظهرها من نفسه أنه يستجيب لأوامر الله وأحكامه‏.‏

تلك هي خلاصة معنى هذه الحكمة‏.‏ ولكن فلنفصل القول فيها في ضوء صور من الوقائع التي يتعرض لها كل منا‏.‏ ولنبدأ بتحليل الشطر الأول منها «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية»‏.‏

رجل أناط الله به مسؤولية أسرة‏،‏ أكرمه بزوجة‏،‏ أكرمه بعد الزوجة بأولاد‏،‏ إذن فهو محاط بأسباب تدعوه إلى البحث عن الرزق وإلى الكدح في سبيله‏.‏ تصور لو أن هذا الإنسان ‏(‏وهو يحاول أن يرقى إلى مستوى الصلاح والتقوى وإلى صعيد التوحيد والتوكل على الله‏)‏ قال في نفسه‏:‏ لا حاجة بي إلى السوق والكدح فيه من أجل الرزق‏،‏ لأني موقن بقول الله تعالى‏:‏ {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت‏:‏ 29‏/‏17] وموقن بأن الأسباب المادية كلها جنود بيد الله‏،‏ فَلأَنْقَطِعْ عن مشاغل الدنيا وأسواقها إلى عبادة الله عز وجل‏.‏ وقطع نفسه فعلاً عن السوق وعن أسباب الرزق والكدح بحجة أنه يسبح مع الله في بحار التوحيد‏،‏ وأنه يرى المسبب ولا يريد أن يتعامل مع الأسباب‏!‏‏!‏‏.‏‏.‏ إن هذا الإنسان ينطبق عليه هذا الجزء الأول من حكمة ابن عطاء الله‏.‏ ولا بدّ أن نذكِّره بها فنقول له‏:‏ «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية»‏.‏

نقول له‏:‏ عليك قبل كل شيء أن تنظر في الحال أو المناخ الذي أقامك الله‏.‏‏.‏ لقد أقامك تحت سلطان من عالم الأسباب‏،‏ وذلك عندما جعل منك زوجاً لزوجة‏،‏ وعندما جعل منك أباً لأولاد‏،‏ وعندما أناط بعنقك مسؤولية إعالتهم جميعاً‏.‏ فإذا أعرضتَ عن هذه الحال التي أقامك الله فيها‏،‏ لتتخذ هذا الموقف‏،‏ فاعلم أنك في الظاهر تمارس التوحيد‏،‏ وفي الباطن ترعى هوى نفسك إذ تمتعها بشهوة من شهواتها الخفية غير المعلنة‏،‏ متطلعاً إلى أن تتباهى بين الناس بأنك منصرف عن الدنيا إلى الله وأنك لا تتعامل مع الأسباب بل مع المسبب‏.‏‏.‏ وهذا غلط كبير وخطير في ميزان الدين وشرعه‏.‏ والنهج الصحيح في أوامر الله وحكمه أن تعلم أن الله عز وجل عندما جعل منك رباً لأسرة فقد حمّلك مسؤولية إعالتها‏.‏ إنك لا تتعامل في هذه الحالة مع الله من أجل نفسك بناء على ثقتك الخاصة به في حق ذاتك وإنما تتعامل معه من أجل أسرتك‏،‏ زوجك‏.‏‏.‏ أولادك‏.‏‏.‏ وإذا كان لك أن تزعم بأنك تملك من الثقة بالله في حق نفسك ما يجعلك تعرض عن الدنيا وتنقطع للعبادة والطاعة‏،‏ فبأي حق تجرّ زوجك وأولادك إلى مثل هذه الثقة‏،‏ وإلى مثل هذا الزهد الذي ارتضيته لنفسك‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏

قل لهذا الإنسان‏:‏ إن الله أقامك بين كفتين من ميزان شرعه‏،‏ عندما قال لك‏:‏ {وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ‏،‏ أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ‏،‏ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ} [الرحمن‏:‏ 55‏/‏7ـ9] إنك لا تعيش لنفسك بل تعيش لأسرتك‏.‏‏.‏ والذي يتحكم بسلوكك دينياً هو ميزان الشرع‏.‏ والشرع يكلفك بأن تهيّئ لها عيشاً رغيداً جهد استطاعتك‏،‏ وبأن تربي أولادك التربية الجسمية والنفسية والعقلية التامة‏.‏‏.‏ ولكل ذلك أسباب أقامها الله أمامك‏.‏ ولو أنك أعرضت عن هذه الأسباب‏،‏ وأنت تعيش في خِضَمِّها‏،‏ فمعنى ذلك أنك تسيء الأدب مع الله بإعراضك عن نظامه الكوني‏.‏‏.‏ يقول لك الله‏:‏ سبيلك إلى رعاية أهلك أن تطرق باب الأسباب‏.‏‏.‏ فإذا قلت‏:‏ لا‏.‏‏.‏ أنا لا أطرق الأبواب‏،‏ بل أطرق بابك مباشرة‏،‏ يقول لك الله‏:‏ دعك من القفز المباشر إلى بابي‏،‏ وسر إليه عن طريق ما أقول لك‏.‏‏.‏ انزل إلى السوق‏،‏ اشتغل‏،‏ اكدح‏،‏ تاجر‏،‏ ازرع‏،‏ اسلك السبل التي يفتحها الله عز وجل أمامك‏.‏‏.‏ هذا هو النهج الذي ألزمك به‏.‏

فإذا جاء من يقول‏:‏ لماذا الأسباب‏؟‏ أنا مع المسبب‏.‏‏.‏ نقول له‏:‏ إنك‏،‏ وأنت في هذا المناخ الذي أقامك الله فيه‏،‏ تسيء الأدب معه عز وجل‏،‏ تحقيقاً لشهوتك الخفية‏،‏ كما قال ابن عطاء الله رحمه الله‏.‏

ولهذا اللون من الانحراف صور واقعية كثيرة ونماذج شتى‏.‏ ولنذكر منها بعض الأمثلة‏:‏

رجل ذو أسرة وأولاد‏،‏ يشتغل في السوق ولكنه عندما يأتي إلى الدار يتجه رأساً إلى الزاوية التي أعدَّها للعبادة في بيته‏،‏ دون أن يلتفت يمنة ولا يسرة بعد السلام التقليدي يلقيه على من حوله‏.‏‏.‏ فيقبل على القرآن يقرؤه‏،‏ أو يتجه إلى القبلة يصلّي النوافل والسنن‏؛‏ دون أن يباسط زوجته التي تنتظره‏،‏ وصغاره الذين من حولها‏!‏‏.‏‏.‏

أنا لا أتخيل‏.‏‏.‏ أنا أصف واقعاً‏.‏‏.‏ ما حكم الشرع في هذا العمل‏؟‏‏.‏‏.‏ حكمه‏،‏ هذا الذي يقوله ابن عطاء الله السكندري‏.‏

يقول له الشرع‏:‏ يا هذا لو كنت منفرداً لا زوجة لك‏،‏ ولا أولاد ولا أرحام‏،‏ وكانت دارك كمغارة تدخل إليها فلا تجد فيها أحداً تُسَلِّم عليه‏،‏ إذاً لصحّ لك أن تفعل هذا‏،‏ لأن الله لم يعلِّق بعنقك مسؤولية أحد‏،‏ لكن أما وقد أقامك الله في عالم الأسباب وأخضعك لمسؤوليّاتها عندما جعلك ربّ أسرة‏،‏ فقد كلفك بسلسلة أوامر شرعية داخلة في معنى الميزان الذي ألزمك الله به‏.‏ استجابتك لهذه الأوامر هي عبادتك‏،‏ هي قراءتك‏،‏ هي تسبيحك وتحميدك وتهليلك‏.‏‏.‏ أن تدخل إلى الدار وقد رسمت البسمة الحارّة على وجهك‏.‏‏.‏ أن تُسَلِّم على من حولك تسليمة الإنسان الودود المشتاق إلى أسرته وأولاده‏،‏ ثم تجلس إليهم تنثر وتنشر من محبتك بينهم‏.‏‏.‏ تلك هي العبادة التي ألزمك الله بها‏.‏‏.‏ الصورة‏،‏ صورة دنيا تتعامل بها‏،‏ وشهوات تمارسها‏،‏ ولهو تتقلب فيه‏.‏‏.‏ لكن الواقع الكامن وراء هذه الصورة‏،‏ عبادة تتقرب بها إلى الله لأن الله أقامك من هذه الأسرة في عالم الأسباب‏،‏ ومن ثم فقد أخضعك لنظامها‏،‏ ولو قلت‏:‏ بل سأقفز فوق التعامل مع الأسباب التي لا حقيقة لها أمام سلطان الله وقدرته‏،‏ وأتعامل مع المسبب‏،‏ فأدعو الله لزوجتي في السجود بأن يكرمها ويدخل السرور إلى فؤادها ويغنيها عن مجاملاتي ومباسطاتي‏،‏ إذن فهي قلة أدب منك مع الله عز وجل‏!‏‏.‏‏.‏

علمك الله الطريقة التي بها تسعد أهلك‏،‏ إذ قضى بأن يثيب الناسَ بعضَهم ببعض‏.‏ يجعل الزوج من نفسه سكناً لزوجته بما ينهض به من الوظائف التي كلفه الله بها‏،‏ وتجعل الزوجة من نفسها سكناً له‏،‏ بما تنهض به هي الأخرى من الوظائف التي كلفها الله بها‏،‏ فيؤجِر الله عز وجل كلاً منهما بالآخر‏،‏ ويتحقق قانونه القائل‏:‏ {وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان‏:‏ 25‏/‏20] ولو شاء الله لفكّ هذه العلاقة بينهما فلم يُحْوِجْ زوجاً إلى زوجة ولا زوجة إلى زوج‏،‏ لأن سلطان الأسباب كلها بيده‏،‏ كذلك شأن الأبوين مع الأولاد وشأن الأولاد مع الآباء‏،‏ وشأن الخدمات السارية من الناس بعضهم لبعض‏.‏ قانون أقامه الله ليبتلي الناس بعضهم ببعض‏،‏ وليكون هذا الربط مصدر مثوبة لهم عند الرعاية والاهتمام‏،‏ ومصدر عقاب عند الإعراض وعدم المبالاة‏.‏ فإذا جاء من يقول‏:‏ بل أحيل هذه الرعاية إلى الله الذي بيده كل شيء‏،‏ وأكفي نفسي مؤنة المشاغل الدنيوية التي تقصيني عن أورادي وعباداتي‏،‏ فلا ريب أنه يتلبس من موقفه هذا بنوع سمج من سوء الأدب مع الله‏،‏ والتطاول بالنقد على نظامه الذي قضى أن يأخذ به عباده‏.‏ ولا شك أن مثل هذا الإنسان محجوب عن الله بشهوة من شهواته الدنيوية الخفية‏،‏ من حيث يحسب أنه يسعى إلى الابتعاد عن الدنيا التي تحجبه عن الله‏.‏

وقِسْ على مثال رب الأسرة مع أهله وأولاده‏،‏ الناس الذين شاء الله أن يقيمهم في عالم الأسباب عندما وَكَلَ إليهم مسؤولية رعاية الأمة في أي من مستوياتها المتفاوتة‏،‏ أو الذين وَكَل إليهم رعاية الدين في مجتمعاتهم بالتعليم والتثقيف‏،‏ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏،‏ أو الذين أناط بهم عجلة الاقتصاد أو حمّلهم مسؤولية إحياء موات من أرض‏.‏‏.‏

هؤلاء وأمثالهم‏،‏ من الذين أقامهم الله في عالم الأسباب‏،‏ أي جعل منهم وسائل لمقاصد‏،‏ إنما تتمثل عبادتهم لله في انقيادهم لما أقامهم الله فيه‏،‏ وفي القيام بالمسؤوليات التي أناطها الله بهم‏،‏ بعد القيام بالجامع المشترك من العبادات والطاعات التي خاطب بها الله الناس جميعاً‏.‏

ومن الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها كثير من الناس‏،‏ ما يتصورونه من أن الطاعات والعبادة محصورة في أعمال محدودة معيّنة‏،‏ فإذا تجاوزها أحدهم وقع في فلك الدنيا وشواغلها‏!‏‏.‏‏.‏

غير أن هذه نظرة تقليدية باطلة‏.‏‏.‏ والحق أن العمل الصالح كله عبادة‏؛‏ إن استقامت النية وأريد به وجه الله عز وجل‏.‏‏.‏ غير أن صلاح العمل ناظر للحال التي يمرّ بها الإنسان وللوظيفة التي أقامه الله عليها‏.‏ يقول ابن عطاء الله تعبيراً عن هذه الحقيقة في واحدة من حكمه‏:‏ «تنوعت الأعمال بقدر تنوع واردات الأحوال» أي فليس كل عمل صالح صالحاً بالنسبة إلى الناس كلهم‏.‏ بل يتوقف الحكم بصلاحه أو عدم صلاحه على الحال التي يمرّ بها صاحب الفعل‏،‏وعلى الوظائف والمهام التي أقامه الله عليها‏.
يتبع بإذن الله ‏

يسرى علي آل فنه
03-07-2006, 11:10 PM
تحية طيبة لزاهية الخير والجمال

واسمحي لي بهذه الوقفات علها تساعدني في تعميق الفهم والتساؤل حول مايشكل علي فهمه

*********
الحكمة الأولى

‏((من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل‏)‏‏)‏‏.‏

وهي حكمة طيبة ولنا أن نسأل الله من فضله ورحمته كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه

ولنا بعد قوله صلى الله عليه وسلم

«لن يُدخِلَ أحَدَكم الجنة عمله» قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «ولا أنا‏،‏ إلا أن يتغمدني الله برحمته»‏.‏

أن نؤكد بأن العمل الصالح كلما ازداد ازدادت فرصة الإنسان المسلم في رحمة الله وازداد ثوابه

فما ربنا بظلامٍ للعبيد

أما الخوف من الله تعالى فهو من الدوافع القوية لمراقبته ومحاولة كسب رضاه ومحبته

والرجاء في رحمته شعور يسكب الطمأنينة في قلب الإنسان المسلم ويبعد عنه شبح القنوط


**********

الحكمة الثانية :إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة الخفية‏،‏ وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية

وهذه أرى فيها الدعوة إلى حسن التوكل على الله ونبذ التواكل

*********
وهنا

وما اعتمادي على فعلٍ أقومُ بـهِ***لأدخلَ الخلدَ لكنْ رحمـةِ البـاري
ياربُّ كنْ لي معينًا كـي تجنِّبَنـي***طبعَ الغرورِ الذي يودي إلى النـارِ
واجعلْ رجائي إلى الإحسانِ يرفعُني***عن زلَّةِ الفكرِ في كبـرٍ وإصـرارِ
الرُّوحُ تسجدُ يامـولاي خاشعـةً***برعشةِ القلبِ ترجو العفوَ ياجاري

نسأل الله تعالى أن يجمعنا في صالح دعائك أختا الراقية الزاهية ويزيدك من فيض نوره وعلمه

اللهم آمين

أشكرك كثيراً وسأبقى معك في المتابعة بإذن الله تعالى

زاهية
08-07-2006, 11:33 AM
يسرى يانور المنتدى الرائعة أشكر روحك النقية
على المرور أعدك أن أكمل بإذن الله تقديم
الحكم ففيها والله من الخير الكثير
دمت كما عرفتك بنقاء ورقي
أختك بنت البحر

زاهية
11-07-2006, 09:25 PM
نتابع معًا شرح الحكمة الثانية بإذن الله:الحكمة الثانية :إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة الخفية‏،‏ وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية فالعمل الصالح بالنسبة لمن قضى الله له بالانقطاع عن العلاقات الاجتماعية‏،‏ والابتعاد عن مسؤوليات الأسرة‏،‏ يتمثل في طاعات وعبادات شخصية تعود بالفائدة إلى ذاته وشخصه هو‏،‏ أما العمل الصالح بالنسبة لمن قضى الله له بأن يتحمل إحدى المهام السياسية أو الاجتماعية فيتمثل في خدمة أمته من خلال قيامه أصدق قيام بالوظيفة التي أنيطت به‏،‏ والعمل الصالح في حق من وُكِلَتْ إليه حراسة ثغر أو ردّ لغائلة عدوان‏،‏ هو الإخلاص بالقيام بما قد وُكِل إليه‏،‏ وهكذا‏.‏‏.‏ على أن لا ننسى أن هناك قدراً مشتركاً من الطاعات الواجبة يشترك في ضرورة النهوض بها كل الفئات على اختلاف أحوالهم وأعمالهم‏،‏ كالصلوات المكتوبة والصيام والقدر الأساسي من النسك والأوراد والأذكار‏.‏

فهذا هو معنى الشطر الأول من حكمة ابن عطاء الله الثانية‏،‏ والتي نحن بصدد شرحها‏.‏ وهو «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية»‏.‏

أما الشطر الثاني منها فهو قوله‏:‏

«وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية»‏.‏

هنالك أشخاص جرّدهم الله تعالى عن مجال التعامل مع الأسباب‏،‏ أو هي حالة شرعية أو واقعية تمرّ بهم تبعدهم عن مجال التعامل معها‏.‏ زيد من الناس مثلاً ليست في عنقه مسؤولية زوجة ولا أولاد ولا أي من الأقارب والأرحام‏،‏ وعنده بُلْغَةٌ من العيش ومقوماته‏،‏ يتقاذفه عاملان‏،‏ يختصمان في نفسه يقول له العامل الأول‏:‏ ها أنت تملك من أسباب العيش ما يكفيك فلماذا لا تكتفي بهذه البلغة‏؟‏ ولماذا لا تستعيض عن المزيد الذي لا حاجة لك إليه من الدنيا بطلب العلم والتوسع في معرفة شرائع الله عز وجل‏،‏ وتوفير ما لديك من فائض الوقت والجهد للطاعات والقربات وخدمة دين الله عز وجل‏؟‏

ويقول له العامل الثاني‏:‏ قم فاطرق باب المزيد من الرزق‏،‏ لاحِقْ سُبُلَ الكدح والتجارة‏،‏ وابحث عن الأسباب التي تزيدك رفاهية وغنى‏،‏ فإن الله يكره العبد البطال‏،‏ وقد كان عُمَرُ يلاحق البطالين في المسجد بدرّته‏.‏

ترى ما الذي ينبغي أن يفعله هذا الإنسان‏،‏ ولأي النداءين يستجيب‏؟‏ يجيب عن هذا السؤال المقطع الثاني من حكمة ابن عطاء الله‏،‏ وهو قوله‏:‏

«وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية»‏.‏

معنى هذا الكلام‏:‏ إذا كنت تريد أن تركن إلى الدعة والكسل اعتماداً على ما عندك من بلغة العيش فتأكل وتشرب وتلهو وتنام إلى أن تموت‏،‏ فاعلم أن هذه هي حياة البهائم‏.‏ أمّا إن كان قصدك أن تتجه بعد أن جعلك الله طليقاً من الأسباب وحقوقها عليك إلى دراسة دين الله عز وجل وخدمة شرائعه مستغنياً بذلك عن الوظائف الدنيوية ومسالك التوسع في الرزق فهذا هو النهج الصحيح والسلوك الأمثل‏،‏ وهو الأليق بأصحاب النفوس العالية وذوي الهمم السامية‏.‏ ذلك لأن الله ‏-‏ وقد أبعدك عن القرابة والأرحام وأغناك عن الزوجة وذيولها ‏-‏ أقامك من ذلك في التجريد‏،‏ ولم يقمك في عالم الأسباب‏.‏‏.‏ فخير لك إذن من ملاحقة الأسباب التي أبعدها الله عنك‏،‏ أن تستجيب للحق الذي يلاحقك‏،‏ من خدمة دينه ودراسة شرائعه‏،‏ أو أن تلتحق بصفوف المجاهدين في سبيله‏،‏ إن تفتحت لك إلى ذلك سبل شرعية صحيحة‏.‏



فإن قال هذا الإنسان‏:‏ ولكن العمل أيضاً عبادة‏،‏ وقد قال الله كذا وكذا‏.‏‏.‏ وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كذا وكذا‏.‏‏.‏ فليعلم هذا الإنسان أن هذا الخاطر الذي يراوده إنما هو تسويل من الشيطان له‏.‏ وأنه ليس إلا نتيجة انحطاط من الهمة العلية‏،‏ كما قال ابن عطاء الله‏.‏

ولو كان هذا الخاطر ربانياً صحيحاً‏،‏ إذن لكان علينا أن نسفّه عمل عشرات الوافدين إلى هذه البلدة في كل عام‏،‏ شباب أشداء ساقهم التجرد من أثقال الأسباب المعيشية إلى التغرب عن أوطانهم‏،‏ لدراسة الإسلام وأحكام الدين في هذه البلدة التي سمعوا الكثير عن فضلها وبركتها ومزاياها‏.‏ لقد كان بوسعهم أن يضيقوا ذرعاً بالتجرد الذي أقامهم الله فيه‏،‏ وأن يتكلفوا البحث عن وسائل لجمع المزيد من المال والثروات‏،‏ ولكنهم تعاملوا مع التجرد الذي أقامهم الله فيه‏،‏ وانتهزوا فرصة تلك الحال التي قد تغيب عن حياتهم ولا تعود‏،‏ فأقبلوا إلى معاهد دمشق يعكفون فيها على دراسة دين الله‏،‏ ليعودوا رسل هداية وتعليم إلى أوطانهم‏.‏

هؤلاء الشباب‏،‏ ما داموا لم يقطعوا أنفسهم عن مسؤوليات عائلية أو اجتماعية أو سياسية أناطها الله بهم‏،‏ عندما جاؤوا ينتجعون علوم الإسلام‏،‏ في هذه البلدة‏،‏ فإنا لا بدّ أن ننظر إليهم بعين الإكبار‏،‏ وأن نعدهم صنفاً متميزاً من البشر‏،‏ نسترحم الله بهم‏.‏

ولكن لو أن رجلاً وضعه الله تحت مسؤولية زوجة وأولاد‏،‏ أو تحت مسؤولية رعاية سياسية أو اجتماعية لأمته أو أهل بلدته‏،‏ فترك المهمة التي أقامه الله عليها وجعل منه سبباً لإصلاح حال أو لتحقيق خير‏،‏ وأقبل إلى مثل هذه البلدة يطلب العلم أو سعى إلى الاندماج في صفوف المجاهدين‏،‏ فهو مخالف بذلك لنظام الإسلام وهديه‏،‏ ومتكلف لنقيض ما أقامه الله فيه وكلفه به‏.‏

ومن هنا نعلم أن الشرع هو الميزان الذي به يعلم حال الإنسان‏،‏ أهي حال تجرد وتحرر من الأسباب‏،‏ أم هي حال تقيد بها وتعامل معها‏.‏ فإن تجاوز ميزان الشرع إلى اتباع ما يحلو له أو تهفو إليه نفسه‏،‏ إذن لا بدّ أن ينحرف إلى ما سماه ابن عطاء الله «الشهوة الخفية» أو إلى ما سماه «الهبوط عن الهمة العلية»‏.‏

وإليك طائفة من التطبيقات التي تبصّرك بهذا القانون الشرعي الدقيق وسبل التعامل معه‏:‏

المثال الأول‏:‏ مجموعة من الناس توجهوا حجاجاً إلى بيت الله الحرام‏.‏ أما البعض منهم فمتحررون من سائر القيود والتبعات والمسؤوليات‏،‏ متفرغون لأداء هذه الشعيرة‏،‏ مقبلون إلى مزيد من العبادات والقربات‏.‏ وأما بعض منهم فأطباء أنيطت بهم مسؤولية الرعاية الجسمية للحجيج ومعالجة من يتعرضون منهم للآلام أو الأسقام‏،‏ أو متعهدون أنيطت بهم مسؤولية توفير عوامل الراحة والحاجات التي لا بدّ منها لهم‏.‏

أما الطائفة الأولى فهي تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه ابن عطاء الله حال التجرد أو التجريد‏،‏ فالمطلوب منها أن تقبل إلى ما قد فرغها الله له من كثرة العبادات والقربات والأذكار والاستزادة من النوافل‏.‏

وأما الطائفة الثانية‏،‏ فهي تمرّ من الوضع الذي هي فيه بما سماه ابن عطاء الله مرحلة الإقامة في الأسباب‏.‏ فالمطلوب من أفراد هذه الطائفة التعامل مع الأسباب التي أقامهم الله فيها وألزمهم بها‏.‏ فالطبيب منهم مكلف برعاية الكتلة التي كلف بالسهر على صحتها ومعالجة المرضى وأولي الأسقام فيها‏.‏ ومتعهدو الخدمات الأخرى مكلفون بالقيام بما قد تعهدوا به على خير وجه‏.‏

فلو أن أحدهم تناسى المسؤولية التي أنيطت به‏،‏ إذ أقامه الله سبباً لإحدى الخدمات الكثيرة للحجيج‏،‏ وأمضى أوقاته كلها أو جلّها في البيت الحرام طائفاً ساعياً راكعاً ساجداً يتلو القرآن ويكرر الأذكار والأوراد‏،‏ مهملاً سببيته التي أقامه الله عليها في خدمة المحتاجين وتطبيب المرضى‏،‏ فهو مفتئت على شرع الله عابث بنظام هديه‏،‏ ذلك لأن الله أقامه من الوضع الذي هو فيه‏،‏ في عالم الأسباب‏،‏ فتجاهله وتناساه مصطنعاً لنفسه حالة التجرد التي هو‏،‏ بحكم الشرع الإسلامي‏،‏ بعيد عنها‏.‏

وكم في الناس من يتورط في هذا العبث‏،‏ لدى توجههم حجاجاً إلى بيت الله الحرام‏،‏ يتعاملون مع عناوين الإسلام وألفاظه المضيئة‏،‏ ويتجاهلون مضامينه ومبادئه الإنسانية القويمة‏!‏‏!‏‏.‏‏.‏

المثال الثاني‏:‏ شاب قال له والده‏:‏ سأقدم لك كل ما تحتاج إليه من أسباب المعيشة على اختلافها‏،‏ ولن أكلفك بأي نفقة مما تريد أن تعود به إلى نفسك‏،‏ على أن تتفرغ لدراسة كتاب الله وتعلم شريعته‏.‏ إذن فقد أقام الله هذا الإنسان في مناخ التجريد بمقتضى ميزان الشرع وحكمه‏،‏ والمطلوب منه إذن أن يتعامل مع هذا الذي أقامه الله فيه‏،‏ فينصرف إلى دراسة كتاب الله وتعلم شرعه والتفقه في دينه‏.‏

ولا يقال لمثل هذا الإنسان‏:‏ إن الشرع يأمرك بالتسبب للرزق وينهى عن الركون إلى البطالة‏.‏‏.‏ ذلك لأن الذي يأمره الشرع بأن يغدو إلى السوق فيبحث عن مصدر لرزقه‏،‏ هو الذي ليس له من يتكفل برزقه واحتياجاته‏،‏ كوالد ونحوه‏.‏ أما من قيض الله له متكفلاً لاحتياجاته‏،‏ كهذا الإنسان فلا يخاطب من قبل الشارع بهذا الأمر‏،‏ ولأن الشرع يأمر بالتسبب للرزق كي لا يجنح الإنسان عن ذلك إلى البطالة‏.‏ أما هذا فلم يركن إلى البطالة‏،‏ بل تحول من السعي في سبيل الرزق الذي تكفل له به والده إلى السعي من أجل معرفة الشرع والتفقه في الدين‏.‏ وقد قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ‏:‏ «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»‏(‏1‏)‏‏.‏

وينطبق هذا المثال عليّ في أول عهدي بالدراسة‏،‏ فقد صرفني والدي عما كان من المفروض أن أتجه إليه كسائر أندادي‏،‏ من البحث عن وسائل الرزق وجمع المال‏،‏ وألزم نفسه بكل احتياجاتي المالية والدنيوية‏،‏ وقال لي ‏-‏ ولم أكن قد تجاوزت الخامسة عشر بعد ‏-‏‏:‏ لو علمت أن الطريق إلى الله يكمن في كسح القمامة لجعلت منك زبالاً‏،‏ ولكني نظرت فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله إنما يكون في دراسة دينه وتعلم شرعه‏،‏ فاسلك إذن هذا الطريق‏.‏

وهكذا فقد وضعني الله تعالى من قرار والدي والتزامه‏،‏ في حالة التجريد بمقتضى الشرع وحكمه‏.‏

وقد أقبل إليّ جمع من الرفاق آنذاك‏،‏ يدعونني إلى السير معهم في طريق الكدح والكفاح من أجل الرزق وجمع المال‏،‏ ويحذرونني من أن الاسترسال في النهج الذي دفعني والدي إليه‏،‏ سيجعلني عالة على المجتمع‏،‏ ويزجني في طريق الاستجداء‏!‏‏.‏‏.‏

الحكمة الثانية :إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة الخفية‏،‏ وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية

زاهية
11-07-2006, 09:26 PM
ولكن الله سلّم ولطف‏.‏‏.‏ فصبرت على النهج الذي سلكني فيه والدي بعد أن التزم بكل احتياجاتي‏،‏ وأعرضت عن التحذير والإغراءات اللذين لاحقني بهما الرفاق‏.‏‏.‏ فهل كنت بذلك متنكباً عن الشرع أم مطبقاً لحكم الشرع‏؟‏‏.‏‏.‏ لم أكن أدري أي جواب عن هذا السؤال آنذاك‏،‏ ولكني كنت أعلم أنني أنقاد لأمر والدي وتوجهه‏،‏ وهذا ما يأمر به الله‏.‏

أما اليوم فأنا على يقين بأنني بالإضافة إلى الاستجابة لأمر والدي‏،‏ كنت منسجماً في تلك الاستجابة لشرع الله وحكمه‏.‏ وهيهات أن يرضى والدي بهذا الذي اختاره لي ووجهني إليه‏،‏ لو علم أنه مخالف لشرع الله عز وجل‏.‏

ولا شك أنني لم أتعرض لشيء من المخاوف التي حذرني منها بعض الرفاق‏،‏ بل الذي تعرضت له وانتهيت إليه هو نقيض تلك المخاوف‏.‏‏.‏ سلسلة من المكرمات الإلهية والمنح الربانية لاحقتني من حيث لا أحتسب‏،‏ وغمرني الله منها بنعم ومنن لا تحصى‏.‏

المثال الثالث‏:‏ رجل أقامه الله من عمله الدنيوي في حانوت أو محل تجاري‏،‏ يكدح فيه من أجل الرزق يعود به إلى أسرته التي جعله الله مسؤولاً عنها‏.‏ وهو يعلم أنه إن تعهد متجره هذا كل يوم من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء‏،‏ فلسوف يكرمه الله برزق وفير ونعمة كافية‏.‏ إذن فالشرع يقول له‏:‏

إن الله قد أقامك من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء في عالم الأسباب‏،‏ وإنما واجبك التعامل والانسجام معه خلال هذه المدة من كل يوم‏.‏ وأقامك فيما قبل ذلك من الصباح وما بعد ذلك من المساء في عالم التجريد‏،‏ وإنما واجبك خلال هاتين الحاشيتين من عملك اليومي‏،‏ أن تتعامل مع مقتضى هذا التجرد الذي أقامك الله فيه‏،‏ فتقبل إلى معارفك الإسلامية تنميها وتتعهدها‏،‏ وتقبل إلى الطاعات والعبادات والقربات تستزيد منها‏.‏

إذن فميزان الشرع هو الذي يرسم حدود الزمن الذي يخضع فيه هذا التاجر لعالم الأسباب‏،‏ وحدود الزمن الذي يخضع فيه لعالم التجريد‏.‏ والمطلوب منه أن يتبين هذه الحدود ولا يفتئت على أي من المناخين أو الزمانين لمراعاة الآخر‏.‏

وإني لأذكر عهداً مضى‏،‏ كان أكثر الذين يَصْفِقُونَ في الأسواق من تجار هذه البلدة‏،‏ يطبقون هذه الحكمة التي يقولها ابن عطاء الله‏،‏ بل يقضي بها الشرع والدين‏،‏ كأدق ما يكون التطبيق‏،‏ ولأضرب مثلاً بسوق مدحت باشا الذي كان الملتقى الأول لكبار تجار دمشق‏.‏

لم يكن هذا السوق يستيقظ للحركة التجارية قبل العاشرة صباحاً‏،‏ ولم يكن يستمر إلاّ إلى ما قبل أذان المغرب بساعة‏.‏

في هذه الساعات من النهار كان السوق يشهد نشاطاً تجارياً عالياً‏.‏‏.‏ فإذا دنت ساعة الغروب‏،‏ أظلم السوق‏،‏ وأغلقت الحوانيت‏،‏ وغابت عنه الحركة ودبت فيه الوحشة‏،‏ وتحول أقطاب تلك السوق من التجار وأرباب المال ورجال الأعمال‏،‏ إلى طلاب لعلوم الشريعة تتوازعهم المساجد أو بيوت العلماء‏.‏ وقد تأبط كل منهم كتابه في الفقه أو التفسير أو العقيدة‏،‏ معرضاً عن مشكلات التجارة والمال‏،‏ متجهاً باهتمام ودقة إلى دراسة أكثر من علم من علوم الإسلام‏.‏

فإذا أقبل الصباح بدأ كل منهم نهاره طالب علم مرة أخرى‏،‏ وحضر عدة دروس متتابعة أخرى على أحد الشيوخ الأجلاء في ذلك العصر‏.‏ ثم عاد كل منهم إلى داره يباسط أهله وأولاده ويتناول إفطار الصباح معهم‏،‏ ويأخذ قسطه اللازم من الراحة‏،‏ ليعود في العاشرة تقريباً إلى سوقه التجارية‏.‏

إذن‏،‏ فقد كانت ساعات الليل والنهار في حياة أولئك التجار‏،‏ مقسومة ما بين عالم التجرد وعالم الأسباب‏.‏ وكانوا يعطون كل منهما حقه كاملاً غير منقوص‏.‏ فلم يكن يطغى جانب منهما على جانب‏.‏

ولعلّ القارئ الكريم يتبيّن من كلامي هذا صورة غريبة عن واقع أكثر التجار ورجال الأعمال اليوم‏،‏ أجل‏،‏ هي فعلاً صورة غريبة‏،‏ فلقد خلف من بعد أولئك الرجال خلْفٌ أغرقوا أنفسهم في حمأة الدنيا واستسلموا بشكل كلي ودائميّ لعالم الأسباب‏،‏ غدوّهم ورواحهم حركة دائبة وراء التجارة والمال‏،‏ ولياليهم وسهراتهم مناقشات ومشاورات حول مشكلات التجارة وعثراتها وسبل التغلب عليها‏،‏ فإن فاض لديهم عن ذلك وقت‏،‏ صرفوه إلى الحفلات والمآدب وسهرات الأنس الدنيوي ومتاعب القيل والقال‏!‏‏.‏‏.‏ والله هو المأمول والمستعان أن يجذبهم بتوفيق منه إلى ما كان عليه سلفهم قبل أربعين عاماً لا أكثر‏،‏ من تقسيم أوقاتهم بين عالمي التجريد والأسباب على النحو الذي وصفت والذي لا تزال ذكراه الفواحة العطرة ماثلة في أخيلة الشيوخ بل الكهول من أهل هذه البلدة‏.‏

مثال رابع‏:‏ رجل اتجه إلى إحدى الولايات الأمريكية بقصد الدراسة‏.‏ ولما انتهى من الدراسة طمع بالمال الوفير‏،‏ والحياة الرغيدة‏،‏ فاستمرأ مع زوجته وأولاده العيش هناك‏،‏ واستجاب لمغريات الوظائف ذات المردود المالي الكبير‏،‏ ومرت عليه السنوات سعيداً مبتهجاً بعيشه الدنيوي هناك‏.‏‏.‏ أي إنه استجاب لمتطلبات الأسباب القائمة من حوله‏.‏

ترى أهو في ميزان الشرع وحكمه قائم في عالم التجريد أم في عالم الأسباب‏؟‏‏.‏‏.‏ إن الواقع الذي يواجه هذا الرجل وأهله‏،‏ هو الذي يحدد الجواب‏.‏

وإذا عدنا نتأمل الواقع الذي يتقلب هذا الرجل مع أهله في غماره‏،‏ نجد أن أولاده ينشَّؤون هناك تنشئة أمريكية تامة‏،‏ ربما كان الأبوان مشدودين إلى ماضيهما الإسلامي الملتزم‏،‏ غير أن من الواضح جداً أن الأولاد مشدودون إلى التيار الأمريكي المتجرد عن أي التزام‏،‏ كما قد لاحظت لدى زيارتي الأولى للولايات المتحدة واحتكاكي بكثير من الأسر الإسلامية هناك‏.‏

إذن فشرع الله يقول لهذا الرجل‏:‏ ويحك إن الأسباب التي تتعامل معها هنا‏،‏ غير معترف بها في هدي الله وحكمه‏؛‏ فأنت إنما تتقلب هنا في عالم التجريد‏،‏ وأسبابك الشرعية التي تدعوك للتعامل معها‏،‏ ليست هذه التي تركن إليها هنا‏،‏ بل هي تلك التي تنتظرك في بلدك الإسلامي هناك‏.‏

وآية ذلك أولادك الذين يبتعدون عن نهجك وبقايا التزاماتك رويداً رويداً‏،‏ متجهين سراعاً إلى الأفكار والحياة غيرالإسلامية‏،‏ متعاملين بشغف مع تقاليد الحياة الأمريكية وفلسفتها‏.‏

ومثل هذا الرجل لا بدَّ أن تصكّ أذنه ثم تسري بالتأثير إلى قلبه حكمة ابن عطاء الله‏:‏ «‏.‏‏.‏ وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية» إن كانت لديه بقايا من جذوة الإيمان وهديه‏.‏

والطريقة الوحيدة لتنفيذه مقتضى هذه الحكمة‏،‏ هي أن يرحل إلى عالم الأسباب الشرعية التي تنتظره في بلدته الإسلامية التي رحل منها لسبب الدراسة‏،‏ ثم استمرأ العيش هناك للأسباب المعيشية التي كنت قد ذكرتها‏.‏

فإن قال الرجل‏:‏ ولكني لن أعثر في بلدي على شيء من هذه الأسباب التي تتاح لي هنا‏،‏ والتي غمرتني بكل ألوان الرخاء‏،‏ أجبناه بأن قرار الله تعالى يقضي بأن تضحي بأسباب رزقك من أجل سلامة دينك‏،‏ لا بأن تضحي بسلامة دينك من أجل الحصول على أسباب رزقك‏.‏

على أن الله أكرم من أن يتركك لعواقب الحرمان‏،‏ إن أنت آثرت المحافظة على أوامره والالتزام بشرعه‏،‏ على حظوظك المالية والدنيوية‏.‏ ألم تقرأ قوله تعالى‏:‏ {وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} [النساء‏:‏ 4‏/‏100] ربما ابتلاك ليستبين ثباتك وصدق إيثارك‏،‏ ولكنه لا بدّ أن يكرمك أخيراً بما يسعدك ويرضيك‏.‏

ودعني أحدثك بقصة شاب كان يغشى دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار بدمشق‏،‏ كانت أسباب الدنيا مدبرة عنه وكان يتقلّب من ذلك في حالة شديدة من الضنك‏،‏ أي فكان يمرّ بهذا الذي يســـميه ابن عطاء الله حـــال التجريد‏.‏‏.‏ وزيادةً في الابتلاء من الله عز وجل‏،‏ كانت تواجهه فرص سانحة‏،‏ الواحدة منها تلو الأخرى‏،‏ لمزاولة أعمال من شأنها أن تفيده برزق وفير‏،‏ غير أنها لم تكن أعمالاً مقبولة في ميزان الشرع‏.‏ فكان كلما لاحت له منها فرصة جاء يسألني عن حكم الشرع في التعامل مع تلك الفرصة‏.‏ ولقد كنت أقف من استفتائه بين الإشفاق الشديد على حاله من الضنك الذي يعانيه‏،‏ وبين ضرورة الأمانة مع أوامر الله وأحكامه‏.‏‏.‏ ولكن صدقه مع الله كان يشجعني على أن أقول له‏:‏ إنك تستشيرني والمستشار مؤتمن‏،‏ فلا يجوز أن أخونك من حيث أخون دينك الذي أراه غالياً عليك‏،‏ إن هذا العمل الذي عرض عليك غير شرعي‏.‏‏.‏ فكان يعرض عن تلك الفرصة السانحة ويواصل الصبر على بؤسه وفقره‏.‏

وتمرّ به بعد حين فرصة أخرى‏،‏ ويعود فيسألني عن حكم الشرع فيها‏،‏ وأنظر فأراها هي الأخرى ملغومة ومحرمة‏،‏ فأعيد له الجواب ذاته‏،‏ ويعود هو إلى الصبر ذاته‏،‏ راضياً بحالة التجريد التي أقامه الله فيها بمقتضى ميزان شرعه‏.‏

فماذا كانت عاقبة صبره على تلك الحال‏؟‏

فتح الله أمامه نافذة إلى سبب نقي طاهر لرزق وافر كريم‏،‏ من حيث لا يحتسب‏،‏ انتقل بحكم ذلك إلى المدينة المنورة‏،‏ وتزوج‏،‏ ورزقه الله الأولاد وعاد فاشترى بيتاً فسيحاً في مسقط رأسه دمشق‏،‏ ومن خلال تعامله الشرعي مع الأسباب أصبح يتردد بين مركز عمله في المدينة‏،‏ وموطنه وملتقى أهله في دمشق‏.‏

استسلم للتجريد طوال المدة التي ابتلاه الله بها‏،‏ ثم تقبل كرم الله له‏،‏ عندما نقله من خلال شرعه إلى عالم التعامل مع الأسباب‏.‏

* * *

ألا‏،‏ فلنعاهد الله أن يكون سلوكنا خاضعاً لقانون هذه الحكمة الربانية التي اعتصرها لنا ابن عطاء الله من بيان الله وهدي نبيه‏:‏ «إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية‏،‏ وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية»‏.‏

* * *

الحكمة الثانية :إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة الخفية‏،‏ وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية | 1 - 2 - 3 |

زاهية
29-06-2010, 02:07 AM
وما اعتمادي على فعلٍ أقومُ بـهِ***لأدخلَ الخلدَ لكنْ رحمـةِ البـاري
ياربُّ كنْ لي معينًا كـي تجنِّبَنـي***طبعَ الغرورِ الذي يودي إلى النـارِ
واجعلْ رجائي إلى الإحسانِ يرفعُني***عن زلَّةِ الفكرِ في كبـرٍ وإصـرارِ
الرُّوحُ تسجدُ يامـولاي خاشعـةً***برعشةِ القلبِ ترجو العفوَ ياجاري
شعر
زاهية بنت البحر

عبدالصمد حسن زيبار
30-06-2010, 01:10 AM
مرحبا زاهية
شكرا على تجديد العهد مع هذه الصفحة المشرقة بروح الحكم العطائية
متابعون
تحياتي