المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العوضي والرؤية الشعرية بين الوعي والمكبوتات في "ليلة النصف"



أحمد حسن محمد
29-08-2006, 07:24 PM
إحدى قصائد الدكتور إبراهيم أراد أن يتقدم بها في مسابقة بالشباب والرياضة
وجهة نظر بقلم: أحمد حسن محمد حسن
مراجع الدراسة
- فلسفة الشعر الجاهلي
دراسة تحليلية في حركية الشعر العربي
د/ هلال الجهاد
- الطب النفسي
د/إريك بيرن
- دلائل الإعجاز
عبد القاهر الجرجاني
- قيم من التراث
زكي نجيب محمود
- الله
العقاد
- التذوق الأدبي
محمود ذهني
- في نظرية الرواية
د/ عبد الملك مرتاض
- مصادر حادثة تحويل القبلة
القرآن الكريم السنة "كتاب الرحيق المختوم" وتفسير.
في البدء نود أن نرسخ أحد المبادئ المهمة... مبدأ التذاوب حيث يحدث الاتصال بين المبدع والمتلقي، ويصبح المتلقي فاعلاً للشعر تماماً كمبدعه.
ومعنى ذلك أن أنا الخطاب الشعري تتحول عند كل ممارسة للقصيدة إلى أنا المتلقي؛ فالشاعر يخلق القصيدة إبداعاً، والمتلقي فهماً ودراسة..
جماليات متفرقة..
ودراسة افتتاحية
إنه من البدهي معرفته عند أحد أن الرسول كان خاتم الرسل، وأنهم كرام، وأنه بلغ الكمال في إبلاغ هدي الله عز وجل.. وأن هدي الناس بما يتواءم مع قوله عز وجل "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. فهل كانت تلك الكلمات لتصريف حبر زائد عند الشاعر إبراهيم العوضي؟!
من ناحيتي أعتقد –وبالرغم من اعتراضي على إيراد تلك المعاني بالنهج المعجمي- أن عدم وجود هذه المعاني كان سيسبب خللاً، واضطراباً وفجوة كان لابد من سدها ففي القصيدة ذكر أهل التكذيب. وأبو ادعاءاتهم أنْ ليس محمد من عند الله وإنما جاء مضلاً عن اليهودية السماوية.
ووصف الرسل بالكرام.. لعل من أسباب إيراده زيادة التنكيل بأهل الكتاب المعاندين وانتصاراً للرسول حيث يبين ما في كتبهم من خروج عن الحق إذ جرحت فيه رسل كثرٌ.
كان الشاعر الجاهلي في مدائحه الواعية الحضارية باحثاً عن القيم التي يستمر بها مجتمعه متحركاً، والشاعر هنا يظهر وعيه الحضاري كالشاعر الجاهلي المادح؛ فإنه نادى بـ"يا" التي تدل في إحدى حالاتها على علو المنزلة محاولاً بذلك تأصيل قيمة الاحترام، ووصف الرسل بالكرامة ووصف صلى الله عليه وسلم بالهدى. وفي ذلك دعوة "نقول إن التشبه بالكرام فلاح"، وتعيد على أسماعنا الحديث" عليكم بسنتي ...". لكن لماذا اختار إبراهيم صفة "الهادي" بعد "خاتم الرسل" لعله يود القول لليهود والكفار والمسلمين على السواء: إن من آمن بأن الرسول خاتم الرسل فقد اهتدى.
ولكن على احتمال ما، فإبراهيم لم يوفق في محاولته تعظيم رسول الله؛ فإنه حقاً أثنى عليه بصالح، لكنه حيز هذا الثناء بالحال "معطراً"، فكأنه قال: أنت المديح حال أن يعطره فؤادي... والسؤال إن كان المديح معطراً بغير فؤاد الشاعر، أو لا يكون معطراً أبداً.. أفلا يكون الرسول إذن أهلاً لما مدح به..!
والشاعر بالتأكيد لا يقصد هنا معنى الجنس في قوله"أنت المديح" على الإطلاق لأن مدح شاعر لإنسان يحكم مادته مبادئ ذلك الإنسان. ومن الناس من كانوا طغاة ظالمين لشعوبهم، وكان يعجبهم أن يمدحوا بذلك؛ ومدحوا به. وكيف تقنعني أن أية أة ألّهت ملكها لم يمدحه شاعر بهذه الصفة المدعاة.؟.؟.
وأنا –بناء على السالف- لا أحسبه قصدبالمديح إلا ما كان في الشطر الأول. وأتت "أنت المديح" على سبيل التأكيد الذي يفوح من تركيب الجملة الاسمية.
ومن ثم فأنا أعتقد في عهدية الأف واللام في "المديح" أي الذي أعرفه أنا وأنت يا رسول الله والحاويه الشطر الأول. ونتفادى مشكلة الحالية التي جعلت الثناء محيزاً بتزمن وتمكن .. بأن نتفهم البيت كالآتي:
أنت المديح الذي مدحت به يا رسول الله حال أن تتعطر هذه الصفات باعتقاد وولاء كالذي في قلبي. ولم يخطئ حينئذ فهناك من فسر خاتم الرسل بغير معنى آخرهم، فضلاً عن أن من يدعو ولا حواريين فليس أحد بمادحه.. ومن ثم لا يكون من يمدحه بصفة ما؛ لأنه لن يمدحه إلا من صدقه في هذه الصفة.
وسؤال: هل للمباشرة في ذلك البيت دور !
بداية إن إبراهيم العوضي كان ولا زلتُ أحتفظ بمنزلة أستاذيته لي؛ وأنا أعتقد فيه وعياً شعرياً لا بأس به، ولكن افتراقنا لفترة.. هو ما حداني للنقد السلبي..
إن المباشرة هنا تفوح بالإشارة إلى موقف شعوري ثائر، والمباشرة وضوح لا يحتاج إلى تعب في فهمه حيث يقوم الشاعر كتابته؛ حيث يقدم الشاعر كتابته على طبق ذهبي، وفي هذه الحال يكسل الشاعر عن القيام بعبء تنمية وعي القارئ الشعري فينهدم الاثنان.
ولكن الأمر مختلف فوضوح وانكشاف هذه الكلمات بالذات هو من قبيل الرمزية بعض الشيء، والمباشرة هي المعادل الموضوعي هنا.
فاستخدام الدوال اللغوية بالمعاني المعجمية هو تعبير عن ثقافة وفكر المجتمع؛ والفرد من هذا المجتمع، وفكره من فكرهم وكأن الشاعر هنا يقول: هذه الصفات باعتراف ثقافة المجتمع فلماذا الرفض؟ وبالرغم من أن تماشيه ذلك يعد موقفاً فكرياً فردياً حيث هناك في مجتمع الدنيا من يرفض هذا المديح بتلك الصفات. فالشاعر بذلك المديح المباشر يرفض من يرفض. ولحماسته المتفجرة أتى بعد ذلك بجملة اسمية مؤكدة ومحققة لوقوع الصفات على ممدوحها حقيقة خوف أن يظن القارئ معنى الإنشائية والنداء الذي يدل في ناحية من مدلولاته على أن النبي إن أجاب فموجود، وإن لم يجب فمنفي عن الوجود على غرار قوله تعالى"مالك يوم الدين" فقد كفّر البعض من قرأ "مالك" بالفتح.
البيت الثاني
وفيه لو فكر الشاعر في أن يتعب نفسه في إيراد معناه لكانت صياغةٌ أرقى وأحبّ إلى النفس؛ ففعل الإهداء هنا يشعرني بمادية الهدية كأنما يمسكها رسول الله بيده. وكان في إمكانه زرع الفضيلة أو مزجها مزج ذاته به بالنبي بدل الإهداء الذي لا أحس فيه بعمق وتأصل الفضيلة في النبي. وإن كان للفظة "الإهداء" مبررات: فإن المهديِ هو رب العرش والعرش تثير بوجود ملك وملك. ويماً قال علماء الأديان: لو سئل الفرس.. كيف إلهك لأجاب: على هيئة فرس [مثال ليس صادقاً وإنا يوفي المراد هنا].
ومع المسافة المتسعة بين المثل السابق وبين موقع تطبيقه لأن إلا أنني أفهم بعض الغيبيات لعملي بالمعلومات المشهودة.. فالملك في عرف البشر هو من يحكم في أملاكه. فهل تتصور معي حين يعطيك ملك بلدك شيئاً –وخاصة فإن بلاد العرب ملأى بالملوك- كيف يزداد تصورك لذاتك هيبة!
وأكثر من اسالف قال لك هذه هدية.. هدية! ممن؟ من ملك؟ والهدية رمز التحاب والمحبة.. الله!. إنها من ملك. فكيف بها إذا كانت من الملك؟!؟!؟!؟؟!؟!؟؟!؟؟!؟!؟!؟!؟! !

أحمد حسن محمد
29-08-2006, 07:25 PM
إذاً أبرز الفعل "أهدى" في طياته حب الله الذي أولاه نبيه وتكريمه إياه؛ ومن ثم إرساء بعد آخر لقيمة هيبة واحترام النبي. ولكن احتجاجي على العلاقة التي أنشأها الشاعر بين الإهداء والفضيلة. فضلاً عن شهرتها في حديث العوام.
إن هذا البيت أحدث لي ارتباكاً حينما حاولت فهمه بدقة: كيف يكون الله أهدى النبي كل فضيلة وهال: "كل" لفظ يفيد الشمول لجميع أفراد جنس ما بعده، و"فضيلة" نكرة للتعميم والشمول، أو للتعظيم... ، وأهدى ماضٍ. أي تم إهداؤك كل الفضائل فكيف يكون بعد ذلك صعود ورقي سلم الأمجاد واصطفاءٌ!؟ أليست هذه بفضائل! نعم، إنها لكذلك..
ولو كان الكلام لا يكون فيه حرف العطف "الفاء" "فصعدت"، حتى اصطفاك" لما كان ارتباكي...؛ حتى فهمت أن فعل الإهداء قد تم في علم الله أولاً، ثم أورد الشاعر ما حصل على وجه الأرض من تفسير وتوضيح وتفصيل لمجمل.. وذلك إجمال وتفصيل أو تفسير لا أحسبني وقعت على مثل عبقريته إلا عند أستاذي الرائع إبراهيم العوضي.
فالإجمال له موقعه في علم الله، والتفصيل موقعه في الأرض حسبما كان في علم الله الغيبي وكذلك يقع حديث التفصيل موقع النتيجة.. وهذا تفرد للشاعر.
كأن لحرف "الفاء" في "فصعدت" دوياً ينقر أنسجة دماغي: كيف تأتّى لشاعر معاصر كسب شرف كهذا.. إن الله قرر في علمه إهداء النبي كل فضيلة فحدث ذلك مترتباً على علم الله دون تراخي.. إن هذه الفاء في موقعها هذا تقول للقارئ: انظر أيها الغافل قدرة الله وإن أقداره لسريعة النفاذ.
"فصعدت ترقى سلم الأمجاد" إن الحال من هذا النوع يسبب لي في أغلب أمثلته قرفاً فأنا أحسبه زيادات لفظية لا أكثر إلا إذا شفع له مقام تهيج المشاعر فيه تلك المقامات التي تؤثر في الأغلب لا بمعنى اللغة، لكن بنبرة الصوت الثورية.. فكل الذي يلقيه خطباء الثورة له معنى واحد "إننا –أبناء البلد الذين يجب أن يحموه"؛ ومع أنهم يظلون شهوراً وربما سنوات يخطبون إلا أن المعنى هو ما كان ولا يكون غيره.. وشأنه في ذلك شأن الأفلام العربية التي تظل تعيد قراءة مشكلة ما حتى نمل من فنيات الفيلم المعروض ولكن يبقى أن الفيلم هو مشاكلنا التي لن تتغير أو لا تتغير.. وأعتقد أن ذلك ليس له مكان في قصيدة شعرية.
ثم هاتيكم "سلم الأمجاد" تضربني بكفيها الملوثتين بابتذال تلك الصورة التي أكره مستواها الانزياحي.. ولذا ألوم شارنا في إيرادها.. إنها أصبحت مواضعة لغوية لا تخرج عن قول الفارابي في المجازية "إذا استقرت الألفاظ على المعاني التي جعلت علامات لها وصارت راتبة صار الناس بعد ذلك إلى التجوز والنسخ في العبارة والألفاظ"
قال الفارابي "الناس" فكيف الأمر مع الشاعر الذي يهدر في جنبيه إبراهيم العوضي!
الناس تنسخ العلاقات القديمة يبن الكلمات بعلاقات جديدة: أي تحول اللغة وتعمل فيها خاصية الانزياح. فيا أستاذي الدكتور انتبه.
وهل يقبل أستاذي العزيزي من شاعر معاصر يصف ممدوحه بإقدام فيقول "انت أسد" أنا أؤكد عدم قبوله كما فعل شيخنا عبد القاهر الجرجاني. و"الـ"" في الأمجاد قد تكون عهدية أو تحمل معنى الجنس وقد يكو لها معنى آخر لم أسطع الوصول إليه.
(حتى اصطفاك فكنت نعم المصطفى)
أنا لم أستطع استيعاب جميع تلك الأبيات كشعر يستحق أن يقال إن فيه رؤية أو مجازية حتى أو أي وجود للشاعر أو أي معرفة حاسية.
ماعدا بعض الشطور وبتحفظ شديد في بعضها مثل:
-يا عزتي وحصانتي وعتادي
- يا سيداً يعلو على الأسياد
في ليله النصف التي من ذكرها
تهوي قواي ويقشعر فؤادي
فإن فيها رؤية وذاتية إلى حد ما. إن لم تكن في تشكيل الوعي الشعري للشاعر في لغته، فعلى الأقل إنها تدور حول بؤرة انبثاق الرؤية في شعر أجداده العرب في الجاهلية من رثاء الذات.
فهو حين يقول "يا عزتي وحصانتي وعتادي" فإنه يستخدم ضمير المتكلم ثلاثة مرات. إنني مجود؛ ولذا فبكل وجوده اختار رسول الله عزة وحصانة وعتاداً لهذا الوجود.
وفي (يا سيداً تعلو على الأسياد) رثاء للذات التي اندثرت في جو هذه الآونة الكئيبة من تسلط أصحاب السيادة؛ فالجملة وإن لم يشعر برهبتها الشاعر علنياً فهي تعويض نفسي وانتقام غير مصرح به ورؤية تشكلت لهذا العالم.
أما البيت.. ففيه وعي شعري نابض حيث أنه صب فيه كلماته على معنى الموضوع وليس على ماهيته.
على علاقته بالموضوع، وليس على عقلانية الموضوع.
وفي الشطر "هذا مراد الله خير مراد"
فإنه هنا وبرغم صعوبة الموضوع الذي يكتب فيه وكذلك شوكانية الدرب الذي سلكه في التعبير عن هذا الموضوع من حيث المباشرة الكاسحة لبنيان الشعر/ اللغةالوعي/ والرؤية والمجازية- المعرفة الحدسية والخيال- يظهر وجهه من خلال نظرته في الأمر بتحويل القبلة.. أنه خير مراد.
ولكنه لمسافة خمسة أبيات أخرى يختفي وكأنما هو غريق ثم طفا ليقول إني أغرق ثم غطته اللجة.
أسباب الرفض..
"حتى اصطفاك فكنت نعم المصطفى"
فالمعاني التي في البيت هي اصطفاء النبي.. إمكانية تحقيقه صلى الله عليه وسلم لوظيفة وهدف الاصطفاء..
وأنا علمت باصطفاء النبي في الشطر الأول، وكذلك لهدف الاصطفاء من جمع الأمجاد بـ"ال" وإهدائه كل فضيلة..
أتاك ربك بالصلاة معالياً
أنا لا أجد أي مبرر لوجود مثل هذا المعنى في القصيدة؛ فأمر الصلاة ليس غريباً أو بعيداً عني كمسلم أصلي في اليوم خمس مرات وأعرف أن التحويل كان للقبلة والقبلة التي نؤمها في حين نصلي والصلاة فرضها الله على الرسول، وقال الرسول "جعلت قرة عيني في الصلاة"..
...
للأسف هنا تدخل الوضوح بما لا يخدم وجود الشاعر في قصيدته.
وأحسب أن المبرر الوحيد هنا وهو من وجهة نظر الشاعر وليس يصلح من وجهة نظري هو رغبة الشاعر في التعبير عما يجيش في صدره وعقله من إحساسه بالخضوع والإمداد في الصلاة. لكن الشاع بسبب قلة إنتاجه في هذه الفترة حسب القصيدة بحراً وقد نزل ليصطاد نوعاً من السمك.. فوجد سمكاً آخر سانح الصيد فاصطاده ولا فائدة في وجوده إذ من سيأكل السمك لا يحب غير النوع الذي طلبه في الأول.
وقصدي أنه لو لم يكن البيت ما كان من خلل..
للقدس وجهك/ شطر الحرام-
والمسلمون – لا والمسلمين..
إن الشاعر هنا أغفل قواعد التقديم والتأخير الواجبة؛ وليته ما فعل هذا بغير سابق إنذار، ولكنه فعل وقد أنذره القرآن ذاته.. حيث قال الله" فول وجهك شطر المسجد الحرام.." فالقرآن قدم فعل التولية وفاعله على ذكر ما قبل التولية. إني لأسأل: لم كان هذا! ولم يكن مثل فعل الشاعر هنا. والإجابة أحسبها في قيمة الأرض والإنسان في تقدير الله. هل خلق الأرض للإنسان أم لق الإنسان للأرض! إنه خلق الأرض ليجعل له خليفة فيها... ولذا قدم ذكر رغبة سيدنا محمد (ص) وتنفيذ تلك الرغبة على ذكر المكان، ثم هنالك تعليل آخر تتضمنه آية سابقة "قل لله المشرق والمغرب" فهذان مكانان أما سيدنا محمد فواحد، والإسلام كذلك واحد.. وكذلك قال الدكتور بعدُ:
فالقدس يفخر أن تصلي نحوه
فهو نفسه يقرر شرف محمد على القدس
هذا اختبار من عليّ قادر
والذي أعرفه ان الاختيار المطهر المسلمين من المنافقين كان عند تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؛ ولم يكن اختباراً تطهيرياً حين كان القبلة لا تزال للمسجد الأقصى.
ولكنني أشهد للدكتور إبراهيم بالبراعة إذ أتى بالحقد(والحقد أبو المنافق وأصل أعماله) فالحقد غالذي كان قبل تحويل القبلة لم يتغير بعد تحويلها؛ لكن قيل ف المثل: "عدو عاقل خير من صديق جاهل" والمنافقون حاقدون على المسلمين المخلصين وقربهم منهم قبل الحويل كان يسهل على المنافقين المهام التنفيذية للحقد الكامن في قلوبهم. أما حين يبتعد الفريقان وتبدو السرائر فذكل أدعى لخبو نار الحقد التي كانت تحرق في الخفا..
ولكنني أعتب عليه في إيراده لفظ "الدنيا" بمعناه الشامل؛ وذلك يشعرني أنه أراد بالإنقاذ إنهاء نار الحقد وذلك لم يكن وإنما خبوها وقلة قدرتها على المحرقة.. فإنها ظلت موجودة بعد تحويل القبلة.
ولو كان قال المسلمين أو ما يدل عليهم وحدهم لكان خبراً ..
ولكن يظل هناك الجسر الذي لم يبنه الشاعر بعد؛ فالشاعر يظل يتحدث عن اختبار لا أحسبه كان حين كانت القبلة للمسجد الأقصى، وإنما أحسبه حين تحولت فقط وإلا انهدم كل ما بنيته من تحليل!
فالقدس يفخر أن تصلي نحوه
الشاعر هنا يقرر حكماً لا أحسبه يستند إلى دليل علمي يناسب لهجته.. ولا أسطيع أن أحمل معنى البيت بشكل مجازي؛ لأن القصيدة تكاد تخلو من المجازية والرمزية.
ولمرة أخرى يصب الشاعر وعيه على الموضوع لا على علاقته بموضوع.. كان لابد أن ينشئ علاقة بينه وبين القدس أولاً فيكون نتيجتها مثل الكلام الآتس
لأحس فخر القدس حين تؤمه. فإن قال كذلك فقد أثبت فخر القدس بدون أن يسأله أحد كيف يكون ذلك!؟ لأنك أثبته في إحساسك، وليس لأحد أن يراجع أحداً في صحة ما يتصوره اعتباراً لمشاعره أو خطئه.
وكذلك لكان ذلك أنسب للإسقاط والتعويض النفسي في الشطر الثاني حيث يسود جو الإحساس المنطقي لا يتأرجح بين الاتلاف بين واقع أو شبيهه وبين نفسي. ومن المعروف اتساع فجوة الختلاف بين الواقع الذي نعيشه والنفس حين ترغب.
إنه بدءاً من البيت "آتاك ربك بالصلاة" تطالعني كثير من الكلمات بوجه سريالي. وكان السريالي يضع في قبعته بعض الألفاظ التي تكاد تتسق مع بعضها ثم يرجها ويقلبها فتكون القصيدة السريالية.. وليس هذا ما فعله الدكتور .. إنه كان في نيته الاقتصاد اللغوي والنظم الذي يناسب موضوعه "ليلة النصف" ولكنه لم يستطع أن يسيطر بوعي على قلمه ولس هذا معناه أن فقد السيطرة، ولكن أنه سيطر بلا وعي ولهذا عندي تفسيره؛ فأنا أعرف إبراهيم أخاً وصديقاً وأباً قبل أن أعرفه شاعراً.. أعر ف حدود مشاعره وإن لم يكن لانفجارها حدود.. فالبادي من القصيدة أن شعوراً آخر طغى عليه من غير أ يعي وهذه عادته أنه يتعامل بمشاعره.. حاول الشاعر أن ينظم القصيدة باعتبار شروط المسابقة وهذا يتطب أعمالاً عقلية قبل إعمال إحساسه، إن كنت رجحت لا شعورية في أبياته الأولى إلا أن عقله تتضح آثاره في
1- الاستحدام اللغوي المعجمي
2- إقامة علاقات تميل نحو الاعتماد على العقل أكثر من الروح مثل
أهداك رب العرش كل فضيلة
3- محاولة التواصل مع الآخرين بلا اعتبارية للغة الوعي / الشعر. ولكن باعتبارية اللغة المجتمع. والدليل هو في النقطتين سالفتي الذكر.
إن خلخلة السيطرة الواعية أو دعنا نقل العقلية بدأت بوادرها منذ البيت
"آتاك ربك بالصلاة معالياً"
حيث قلنا إن مبررات وجود بيت كهذا هو رغبة الشاعر في التعبير عن إحساسه في صلواته.
...........
ولكنني –واسمحوا لي- بعد أن قدمت اعتراضاتي على البدء بالمكان قبل التوجه أو التولية.. وكون الاخبار قبل التحويل لا بعده..
اسمحوا للي أن أقول: إنك قد تتذكر أمك التي ماتت من سنوات حين يحكي صاحبك لك أنه تأخر في النوم حين نسيت أمه أن توقظه. وبالرغم من أمك عودتك ألا توقظك هي، ولكن كان يوقظك أبوك مثلاً؛ في تلك اللحظات تتذكر أمك مع أن التشابه حاصل بين الدوال( لفظ الأم) ولس على المدلول، فأية مشاعر هي تجربة شخصية إلى حد ما.
.............
والتطبيق للسالف على القصيدة هو أن الشاعر حين يكتب في موضوع ما فإنه يحدس، والحدس هو معرفة ذاتية "ذاتية" محضة قائمة على الجهد العقلي والعاطفي الذي ينفذ إلى باطن الموضوع؛ لكي يعرفه من الدال.
وباعتبار أننا لا نفكر إلا باللغة، والعكس صحيح وهكذا فشاعرنا أتى يكتب السيرة النبوية وقلب صفحات حتى عثر على مكان الموضوع وراح يقرأ، وكتب السيرة ليست شعرية اللغة، إنما لغتها معجمية إلى حد كبير جدا
حتى أنها أثرت على وجود، فحولته إلى كاتب لا شاعر..
ولكن ذلك فقط أمام أصحاب انواظر الكليلة الفاترة التي لا تعرف كيفيات أو ذوقيات الغطس في بحور الكلمة بحثا عن دورها وحالاتها...
...........
كان للشاعر لغته المبدعة في الأبيات الثلاثة الأولى، وإن ابتعدت كما قلنا عن صفة مهمة في تكوين الوعي الشعري الكامل..تلك الصفة المعتمدة في تكوينها على ميزة اللغة التحولية...
فلماذا إذن تجد ارتباكاً واضحاً بدءاً من البيت الذي حددته سلفاً وذكرت فيه اعتراضاتي وفيما بعده. وذلك الارتباط لا يتمثل في إلغاء الصورة فقط، ولكن أيضاً النظم او الاقتصاد اللغوي الشعري. وحقاً ذلك الارتباط يتسع بقدر يحس ثم يكان يرى؛ ولذلك تتفسيره كذلك فإنه الصراع بين الوعي العقلي الذي كان واتخفى وبين اللاوعي الآني الذي لا يختفي..
اللغة الآن ابتعدت عن ذات الشاعر –ظاهرا- وليس ذلك بسبب قصور في قدرات الشاعر كما ثبت في البداية..
إذن هناك خفي مكبوت هناك مدلولات تذكرها أو هجمت على وعي الشاعر.. فأصمته تلك المدلولات التي تتشابه دوالها مع دوال حادثة النصف من شعبان. فإنك إذا أجبت صاحبك وقلت له: يا صاحبي، إن أمك كذا وكذا.. وكذا فالطبعي أن تعبيراتك ومدلول الأم الخاص بك الذي يتفجر في ذهنك لن يكون بنفس أسلوب تعبيراتك إن لم يكن لها مدلول مكبوت بداخلك ويحس ذلك بالتأكيد من يستطيع أن يحس والمبرر..
أن ذهنك مشغول بالذكرى
أن ذهنك مشغول بالذكرى
والأمر يختلف مع شاعرنا اختلافاً يسيراً فمكبوت الأم عندك ينخفض تأثيره المقلق شيئاً فشيئاً بسبب أن الأم ماتت والذي أمر بموتها الله عز وجل. وتلك سنة حياتية، ويعرف الجميع أننا نولد وبعد حين نموت.. إن الأم صارت ماضياً وللحاضر شواغله. أما مكبوت إبراهيم فإن له مثيرات طاغية في "الآن- وهنا" إنها مكبوت القدس... ولقد قرأت في القرآن كلمة "المسجد الأقصى" أما إبراهيم العوضي فيجعلها القدس ولذلك دليل على صدق تكهني في غبلبة المكبوتات على وعيه الكامل..
وهنا نستطيع أن نجد لإبراهيم العذر بل ونستميحه عذرا. وأن يعفو عن نقدنا السابق لتقديم المكان.؛ فاللاوعي يفكر في القدس، ومثيرها المؤرق الآن هو الماضي وهو الحاضر. وهو المستقبل إن شاء الله؛ ولذا قدمها على التولية. ولكن قد يسأل سائل إن كان ذلك سببا في تقديمه ذكر المكان على ذكر فعل التولية فلماذا كان تقديمه كذلك على ذكر كاف الخطاب للنبي!
لعله خجل من رسول الله وكأنما الشاعر حين يقدم المكان/القدس –وفي ذلك تأكيد على اهتمامه بها- يستعين بذلك التقديم ومعانيه على وحشية أرقه وشعوره بالذنب جاه الدين ورسوله.
فهو يؤخر النبي خشية التقائه به فأي عذر للشاعر أمام النبي وأنت إذا أخطأت في حق من تحب خفت لقاءه ومن ثم عتابه أو عتابه ومن ثم لقاءه.
وفي التقديم للاهتمام ما يشبه دفاعاً أو عذراً كامنين في الاهتمام بالقدس يحاول أن يدبرها ويفكر فيهما جيداً حتى إذا التقى بالنبي كان معه عذره في قضية مثل القدس.
فإن سأل آخر: إذا كان سبب التقديم ما قلت فلماذا قدم ذكر المسجد الحرام على التولية هو الآخر؟
إننا قلنا إنه حدث هجوم للاوعي على عقلانية وإدراك الشاعر وليس في ذلك ما يقول بموت الوعي فهو أشبه بالمقاتل الذي يتداوى فترة من الزمن ليعود لميدان القتال ولعودته أسباب؛ ولعل أسبابه تقع على صعيدين: وطني وعالمي، والوطني بسبب الكيت السياسي في البلد، وعالمي بسبب امتلاك العدو للأسلحة المادية المتفوقة عن أسلحة الشاعر في المعارك. ولعل ما يؤيد أنه لا زال العراك بين الوعي وبين اللاوعي دائراً.. ذلك الاضطراب الحادث في تركيب الجملة "شطر الحرام تول وجهك أحمد" فالشاعربرغم قدرته على ألا يصرف ممنوعاً من الصرف فقد صرف. ولم يقل "ول" وهو الفعل الأصح بل قال "تول" ولا أدري هل يقصد به فعلا مضارعاً عادياً بدون جزم أم مجزوماً أم فعلاً أمراً.
فإن كان مضارعاً عادياً بغير جزم ففي ذلك حياد عن لغة الأمر التي وردت في القرآن. وليفكر في تلك المفارقة من يستطيع التفكير.
وإن كان مجزوماً بلام الأمر التي حذفت مثلا فإن إحساسه بقيمة القدس والمكان لم يندثر بعد. إنه إحساسه مكانة هذا المكان طاغ عليه، ولكن وعيه الذي يحاول أن يفيق من الهجمة الألى حين أفاق شيئا ماحاول أن يقول شيئاً يعيه، ولكن تأثير الدوخة والنوم وأحلامه كانت لا تزال عالقة في أنسجته، فلم يستطع وإن نجا من بعضها أن ينجو منها كاملة.
وإن كان فعل أمر فانظر إلى مفعوله. وفي هذا إن كان الشاعر واعياً تماماً وأنت تعتقد ذلك فأنا لن ألومك على فهمك وقدراته، ولكن سأشدد تقريعي إياك إذا لم تنتفض من مكانك حالاً متبرما وترم القصيدة تحت أقدام باعة متجولين بعد أن تحذف منها أسماء الله والرسول.
.*****-
ونعود إلى "للقدس وجهك" فالشاعر في نسخة أخرى للقصيدة والتي حرص على ضبط كلمات كثيرة فيها بالشكل إلا أنه لم يشكل "وجهك" هنا وأنا استكمالا للسابق أؤكد أنني لو سألته الآن لن يستطيع إخباري بأنه فكر في إشكاليتها ذات لحظة؛ لأنه كان غائباً ذلئباً في لاوعيه، وكثير من مكبوتاتنا التي تظهر في أحلامنا لا نتذكرها أو نتفحصها إذا تذكرناها حين نصحو.
هل الكلمة منصوبة فتغرينا أم مرفوعة فتخبرنا.!؟ والفارق مشهور بين أسلوب الإغراء وبين مجرد الإخبار الكافي في العقل.
كان من الواعي أن يقرن ذكر الرسول بالزمان أو لا يقرنه، ولكن لا يقرنه بـ"حيث" المكانية أو المتمكنة؛ حيث أن للرسول جسده الذي لا يمكن أن يكون يف المدينة وفي بلد آخر في نفس الوقت، ولكني أشم رائحة اللاوعي تترق أنفي؛ ففي ذكر المكان قصدية لاواعية تماماً.
قد يكون ذكر الرسول في القصيدة هنا في اعتبار اللاوعي قد غدا كمالياً؛ لأن القصيدة أخذت تحل في لاوعيها مدلولات أخرى، ذكريات أخرى غير تلك الملابسة لحادثة التحويل، فكان ذكره من تأثير الوعي الذي فرضته طبيعة المسابقة، فأي مقصود إذن من ذكر المكان! إن الطاب للمسلمين وعن المسلمين، وذلك تماساً مع الآية الكريمة التي اختصت المسلمين في البقاع المختلفة "وحيثما كنتم فيولوا وجوهكم شطره"
* * *
ولكن كيف يكون خطاب للمسلمين وعن المسلمين! إنني لا اجد لهذا اللاوعي حلا؛ فإن مكبوتاته لا تنسحب مهما حدث. إنها المؤثر الحقيقي وراء كل فعل لنا. إن الوعي أفاق فكتب خطاباً للرسول، ولكن اللاوعي سبق ووجه الخطاب بحيثية المكان –ذلك الخطاب الذي وجهه القرآن للمسلمين، وليس للرسول ولي للرسول فاللاوعي قصد الخطاب للمسلمين ولكن الوعي خدع بسطحيته المعروفة في الشعر حين رضي بأنه كتب الخطاب لمفرد.. فأي تحليل لهذا يكون!
التحليل كما قلت خطاب للمسلمين، والشطر الثاني خطاب عن المسلمين؛ حيث عن أخبرت عن أبطاله قلت: هم أطاهر الأجساد، وليس أنتم.
أما الخطاب للمسلمين والذي جاء في بعض ملامحه أنه خطاب للنبي فإنما قصد اللاوعي التفريق بين فريقين من المسلمين: فريق لا يختلف عن رسول الله في هديه نحو القدس وبلاد المسلمين، والرسول طاهر روحا وجسدا، ومن ثم فمسلمو فريقه طهراء روحا وجسدا كذلك.
فإن كان ذلك كذلك فكيف بالمسلمين الذين تحدث عنهم اللاوعي؟! إنهم أولئك الذين قصروا في واجباتهم تجاه القدس، ولكن كيف وهم طهراء أيضاً.. نعم إنهم كذلك، ولكن حيلة أنا/ الواقع التي تحاول أن تكبح من جماح المكبوت فتحاول التغيير في خططه قدر المستطاع. بيد أن اللاوعي كان سيخبر عن هذا الفريق بما يخدم بؤره الفكرية، ولكنه مع ذلك لم ينسحب كذلك؛ فإنه لم يطلق الطهر فيكون ثوباً يلبسه من شاء، ولكنه جعله جسداً هو رمز الخارج، وروحا رمز الداخل وقصر محاولة أنا الواقع في تجميل ذلك الفريق على طهر الخارج. والله أعلم ببواطنهم وأفعالهم دالة في أمر كأمر القدس.
أو قد يكون ذلك بفعل الوعي أو اللاوعي الذين تكسوهما أخلاق العوضي الكريمة في تعاملاته .
الفريق الأول يقع موقع الفاعل "كنت مصلياً" فالفعل عند العوضي رمز لتمسكهم بهدي النبي وقوام الدين والدفاع عن مقدساتهم، بينما كلمة "والمسلمين" منصوبة، وأنا أحسب الشاعر لم يفكر في إعراب تلك الكلمة، وإن فكر فلن يفلح لنفس السبب السالف ذكره. المهم أنها منصوبة –بالياء- ومعنى نصبها أنها تقع مسنداً إلى غيره. ويوضح ذلك أنها جمع وعلامة نصبه كما اتضح الياء، والياء حرف علة، ولفظ "علة" دال أثار مدلولا مختلفاً عن مدلوله في النحو –أثار مدلول المرض.. ويا سوءة الفادحة إذا حل مرض بقوم كثيرين، ويا خفة الرزء إذا كان المصاب فرداً واحداً..
ولكن أي داء ذلك؟؟ إنه المرض الذي كان المكبوت سيكشفه صراحة فيما بعد، ولكن أنا الواقع راحت تجمل المظهر فلم تذكر أي مرض، وإنها وصفتهم بالطهر، وذلك شأن الإعلام الذي يرفع من شأن الحكام حين يذكرون علاقاتهم بالقضية، ولكن اللاوعي استطاع بمهارة الخبير

أحمد حسن محمد
29-08-2006, 07:26 PM
أن يقصر ذلك الطهر المزعوم على الجسد(رمز الخارج) البادي كالسطح الرملي خفي من تحته بحراً أو السطح الثلجي تجري من تحته حيتان البحر.
ولم يكتف المكبوت بالقدح في طهارة روح ذلك الفريق، وإن ظل واقفاً وقفة الملمح من بعيد وكأنه مقيد خشية الاقتراب..
والتهديد بالفضيحة ظاهر في كلمة "اختبار"، والتي يعنى بها معرفة الشيء على حقيقته، وممن يكون هذا الاختبار؟؟ إنه من عليم. والعليم قادر يعلم الدواخل، يعلم جلاء الأجساد حين اتساخ الأرواح، قادر على النيل من هذه الفرقة، ولكن يظل الأمر تلميحاً من بعيد. إن من مزايا المكبوت أنه قد يشعرك بخضوعه لوعيك، ثم يفجؤك بهجمة كالتي حدثت لشاعرنا، وتحدث الآن في كلمة "الأحقاد"، فلعد التلميح خلال بيتين يصرّح بأنهم أطهار الجسد، ولكنهم بردود أفعالهم تلك التي على صعيد واحد هم ومن يحقدون على الإسلام والقدس رمزه..
وبعدُ..
يهر باللاوعي كعادته حتى يدخل في نفس أنا واقع الموضوع/ المسابقة. إن الأمر يتم كما يشاء، فنجد الحديث عن ليلة النصف خلال الأبيات الآتية، حتى يصطاده اللاوعي في |شطر الحرام تول وجهك أحمد" وقلنا فيه ما قلنا، ولاوعي الشاعر الداعي المحب لدينه ومقدساته يبث بعض نصائحه لحاملي الدعوة للفريق الأول المتمثل في الخطاب للنبي..
- "إن أنا حدثت عن القدس فليس رغبة مني عن العتيق، ولكن أكثر من أشعر به في أولادي المريض، وإن كان حبه لا يزيد عن حبي للآخرين في الأصل..
- "لكن قلبك بالعتيق معلق" وكيف تعترض.
- وجوب تغذية القلب بالإسلام
"تهوي قواي ويقشعر فؤادي"
- كنتم خير أمة أخرجت للناس:
"أنتم العظيم وقائد القواد"
- ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى..
" أهل الكتاب.... "
- الالتزام بسنة رسول الله وطاعته وتقديمه حباً على النفس:
"ولئن سئلت فيا حبيبي.."
- افعل ما عليك في الدعوة وكفى؛ فالله وكيل بهم، وإنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء:
"إني خلقتهم وإني الهادي.."
-عالمية الدعوة الإسلامية وأستاذيتها للعالم
"كل البلاد مواقعي وبلادي"
- لا تواد من حاد الله ورسوله، ولست أدري هل يقصد بهذا: "المسلمين أطاهر الأجساد" أم غيرهم؟؟
"لا تتبع من بعد ذلك غيهم"
- تذكروا الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا
"ما زاد ذلك في قلوب المؤمنين..
- تذكروا كل وقت عذاب الآخرة..
وما أود الحديث حوله، وظللت أسأل نفسي بالرغم من أني قلت إن الوعي بدأ يفيق إلا أنني مجبر على التراجع، ولعل في سيطرة اللاوعي هنا ما يفسر..
فأين الشاعر من النص النقدي السالف؟ إنه بين بين، وإن دل ذلك فإنما يدل على عدم نضج تجربته الشعرية: ففي فترة اللاوعي في القصيدة لا يحمل أسلوب التشكيل الواعي أية إشارات إلى وجود تجربة شخصية مع الحادثة "التحويل" ولولا حركية المكبوت تحت سطح اللفظ ما كنت لأعتبر ذلك الجزء إبداعاً على الإطلاق؛ فاللاوعي دل على تجربة شعورية واعية وفردية: ففي الوقت الذي كان الجميع وأولهم ناشرو المسابقة يتحدثون على المسجد الأقصى وتحويل القبلةمنه للمسجد الحرام كان لا وعيه يحترم المسجد الحرام ولكنه يهيب بالمسلمين ليتحولوا إلى المسجد الأقصى.
أما الجزء الأول فلنحس فيه بزمانية الوعي الشعري أو زمانيته غير المشروطة، فهو يحدث رسول الله "ص" وفي أي زمان؟ كان رسول الله (ص) في الماضي والشاعر الآن. وهذا هو الزمانية أو التزمن الشعري حيث الوعي الشعري جاعل الحاضر زمانا مطلقاً بما هو استمرار متصل للتزمن، وبذلك يصبح وجوداً مطلقاً في الزمان.. وجوداً ديموميا متزمنا حرا، والحرية في علاقتها بالزمان هي الشعور بالديمومة، والشاعر هنا حر دائم؛ فحاضره اتسع لماضيه وزادت حركته بينهما: فهو يبلغ مدحه رسول الله، ورسول الله يبلغه بوجود عزة وحصانة وعتاد للمسلم، وهذا خلق وإبداع كذلك، فإنه في حدود العلاقات التي اكتشفناها من قبل بين تراكيبه فهو مبدع، ولكن بوصفه كاتباً ولي شاعراً، فكيف يكون ذلك؟؟!؟!؟!؟!؟!؟!؟!؟!؟؟!؟!؟!؟؟!
إن الشاعر في تلك الأبيات الأولى اكتفى بما حصل عليه من لذة النقاش والعقلانية الطاغية على استخدام مفرداته، ولم يعتمد وعياً شعريا ناضجاً بل قصقص جناحيه "الإبداعية و والتحولية"
وجناح الإبداعية في تركيب الجملة، وإني لا أشم رائحة العرق تحت إبطي القصيدة بسبب جهد بذل في نظم أو غيره.. إنه اكتفى باللغة الفكر.. اللغة المعجمية، ومن ثم قص الجناح الآخر للوعي الشعري الذي يعتبر في الصورة.. ولم الصورة جناح للوعي الشعري؟؟ إنها كذلك لأن الوجود الذي يخلقه الشاعر ذو فاعلية صائرة لا يخلقها واقع بقدر ما تخلقه، وتوجه حركته بحركتها.. إن اللغة هنا استخدمت الشاعر في قصيدته ففرضت سكونية علاقاتها الذي لا يسعى إلى توجيه حركة العالم بقدر ما يخضع لها مقدما بذلك النظام على الذات، وأي ذات هنا في القصيدة؟؟ هل الذات المفكرة؟ إن س. كيركجور قالها واضحة: "أنا أفكر إذاً أنا غير موجود"
والقصيدة معركة مع الواقع الذي نعيشه وشاعرنا هنا حاول استخدام اللغة كسلاح، وذلك منذ حاول أو بدأ يكتب شعراً، ولكنه كان سلاحاً فاروقيا في فلسطين من وجهة نظر الشعر ..
إنني لا أقع على تشكيل هنا..
لم يحاول الشاعر أن ينتبه هنا إلى أن معنى ان مفردات اللغة إذ قبلت مشاركته كشاعر فمعناه أنه كانت لديها رغبة في التحرر من سكونية اللغة.. فلماذا يون الشاعر تلك المفردات التي وضعت فيه آمالها فيوفر لها وطناً خصباً كالميت الذي ينتظر بعثه إلى مقعده في الجنة..
ولعل طغيان الفكر والمناقشة العقلية من خلال التليمح هي السبب .. الشاعر هنا يحسُّ.. وذلك إن دل فإنما يدل على نفعية عقلية الشاعر في حياته العملية حيث جارى وعي اللغة السكوني في التطابق الحاصل بين الشيء والعقل، ولكن هذه الحقيقة السكونية ليست حقيقية بما هي وليدة عقل مجتمع نفعي يقصر حقيقة أي شيء على مدى نفعيته، وهذا العقل –كما يرى برجسون- هو مجرد طريقة للمعرفة أساسها التدرج المقولي "المنطقي وهو يقتطع الواقع إلى أجزاء تدل عليها ألفاظ عامة مجردة يجمعها بإرشاد التجربة، ولعملية الإرشاد والجمع هدف أساسي واحد هو المعرفة.. فهل كان ينوي الشاعر هنا تعريف رسول الله بمدحيته وتعريف أهل الشرك ببعض الصفات الدالة على حقيقية رسول الله.. إن كان ينوي ذلك فقط وصرح بذلك، فاللوم لماذا علق في ذراعيه جناحين فنيين برغم أنه لا ينوي الطيران..
إنني أعيش تجربة قاصرة إن لم تكن في شعوريتها ففي شعريتها.. إنني أعيش تلك الأبيات إحساساً ليس إلا.. فأين هو العالم الذ وعدني الشاعر بأني سأكون أحد سكانه حين قال لي إن تلك قصيدة..
إن الدكتور إبراهيم اعتمد صورة الشعر القديم الذي تفجر من عيني الشعر الجاهلي، ولكن الدراسات الحديثة في الشعر الجاهلي أثبتت أن المجازية كانت في الشعر الجاهلي لها وجود، بل كان ما نجري وراءه نحن –شعراء الحداثة- اليوم وهو المعادل الموضوعي الكامل- كان للقصيدة عالم، وإن يختلف في مفرداته عن مفردات العالم الذي عاشه الشاعر إلا أنه كانت علاقات جديدة بين تلك المفردات ووجهة نظر في تسيير تلك المفردات ومن ثم علاقاتها..
وزادت المجازية حين تعقدت حضارة الحجازيين بهجرة الحضارة اليمنية إلى القبائل العربية الصحراوية تلك الهجرة التي سببت أن صار هناك مجتعمان أحدهما رعوي سكوني لا يدري للحياة إلا لونين أبيض وأسود، والآخر مجتمع حضاري وللحضارة جناحاها فلا تطير بغيرهما، وهما الفكر والحرية اللذين يبدعان حركية الحضارة.. وكلا المجتمعين كان له قيمة تجتذب الناس، ومن هنا بدأت حدة الصراع بين السكونية والحركية تزيد أكثر وأكثر على كل الأصعدة، ومنها صعيد اللغة فانوجدت المجازية، فالمجازية وجودها في الشعر إن لم يكن في نشأتها ففي تكاثرها وجودها سببه وجود نوعي المجتمع ، وأنا أسأل شاعرنا ألا يدري الآن هذين النوعين وفي حدود أعقد من عصر ما قبل الإسلام بين الشباب والكهول –بين المرأة ومن يرفض كينونتها، بيت الأب وابنه، بين الدول الطامحة والدول الكبرى التي تحافظ على سكونية الدول الصغرى حتى تظل تحت سيطرتها، بين الحكومات بأواعها السكونية الحالية وحركية الحكم الإسلامي المنتظر..
لم يهتم إبراهيم في قصيدته –لماذا؟- لعله فهم الشعر بوجهة من نظروا إلى اشعر على أنه متعة وإقناع، وليس رؤية للعالم وحرباً وتأسيس قيم كما هو عند أجدادنا العرب قبل زهير وجيله..
وأنا على هذا السالف تقريره أقرر أنني لا أرى شاعراً هنا على مستوى اللغة؛ فإن هناك فجوة بني سكونية اللغة التي تفترض خضوع منجز اللغة وبين تجربة المرء وجوده المتفرد، وهي تتسع باطراد في الإبداع كلما زادت التجربة عمقاً وثراء ووعياً ضاقت اللغة المؤسسة وعجزت عن التعبير ما دامت تتصل أصلا بتعميمية مختزلة..
تتحدد أبعاد هذه الفجوة أكثر من خلال العلاقة الصميمة بين الفكر واللغة فكل تفكير يتضمن لغة والعكس صحيح، .. ولكن...
منجز اللغة لا ينجز فكراً وإنما يجتر فكراً سائداً وشاعرنا فكر بما تتضمنه اللغة السائدة وليس لغته الخاصة، ويعيد إنتاجه "الفكر" سلبياً فهو إذا يجتر اللغة، وغالباً ما يقوده ذلك إلى إنجازات لغوية فارغة ويسقط فيما يسمى وجوديا بالثرثرة، ويزداد تماهياً في سكون بيئته وبذلك تصبح اللغة التي استخدمها شاعرنا إبراهيم تكريساً ما لمحض التواجد أو الحضور السلبي في النظام..
من جانب آخر فالإنسان الذي يفكر تفكيراً موضوعياً مجردا مستخدما اللغة المؤسسة في نطقيتها يكف عن الوجود بوصفه ذاتاً متعينة بذاتها؛ لأنه حينئذ يتعين بغيره ويتحول إلى فكر خالص محايد، وقال س. كيركجور" أنا أفكر إذن أنا غير مجود"،
ولكني أعود فأقول إن كان سقوط على مستوى اللغةشعرياً، فإن الشاعر في المضمون يحمل رؤية وهي لا تقل ع رؤية أي شاعر حداثي، ولعل البؤرة الأولى والأساسية المنفجرة في القصيدة هي رثاء الذات المسلمة المندثرة ومحاولة استمداد الروحانيات المقوية في وجه لك الاندثار..
وهنا تتكشف القصيدة عن شخصية شاعر بحق، والشاعر فيها يبدو باحثاً عن قيم وفي البحث حركة ومن ثم وجود..
وأنا أحس أن الشاعر تفادى المدح الباحث عن شخص فالروسل هنا لا يمثل عزة الشاعر وحصانته وعتاده بجسديته التي لا تختلف من إنسان لآخر، ولكن بقيمته كمصطفى صاعد في سبي الدعوة وتأسيس قيمة شيء..
وزيادة حرص على ألا يفهمني أحد أني أشجع الفن من أجل الفن، ولكني حريص على القول بأن التشكيل وظيفة المضمون وكذلك مضمون ما قررته أن:
- في اللغة/ الوعي تثبت ذاتاً ووجوداً
- تتطور الحدسية المعرفية التي تقدمها اللغة الوعي أكثر وأكثر لتكون رؤية للعالم .. يقول سخلوفسكي: كان الفن دائماً متحررا من الحياة ومحررا لها، فهو يعيد صياغتها بطريقة مختلفة

أحمد حسن محمد
29-08-2006, 11:44 PM
رجااااااااااء يا دكتور إبراهيم أن تنزل القصيدة على المنتدى لأني فقدتها.. وآسف جدا..

مجدي محمود جعفر
30-08-2006, 09:41 PM
وتكشف عن وجه نقدي جميل لا أدري لماذا خبأته طويلا ؟ دراسة جيدة وعميقة ، شكرا لها الوجه النقدي الجميل الذي سقط مؤخرا من رحم فجر أحمد حسن المبدع الجميل .

أحمد حسن محمد
16-09-2006, 02:45 PM
أشكرك يا أستاذ مجدي لهذه المجاملة التي عهدتك ملازمها ..

بندر الصاعدي
16-09-2006, 09:37 PM
الأستاذ أحمد حسن
السلام عليكم
دراسة نقدية شيقة جديرة بالقراء تتضح من خلالها مدى دقة آليات الناقد والنقد , فليت القصيدة تدرج ضمنها ليكتمل لدينا وضوح هذه الدراسة .

لي عودة بعد إدراج القصيدة

دمت بخير

أحمد حسن محمد
25-09-2006, 07:55 AM
أستاذنا الحبيب..
لتشريفكم صفحتي مكانته ومعناه المثر في نفسي
ولقد طلبت من الدكتور إبراهيم القصيدة، ولكن أنا ظرفا ما منعه من الدخول حتى الآن..
في انتظاره، وأشكر لكم هذا المرور الطيب

مجذوب العيد المشراوي
17-11-2006, 09:56 PM
توقعنا حدك بصيرتك وكان ذلك الحمد لله..

سأقرأها على مهل مستقبلا

أحمد حسن محمد
22-11-2006, 09:17 PM
ينتظر الحمام على الشجرة عودة المسافرين...

أحمد حسن محمد
05-03-2007, 08:52 PM
هذه هي القصيدة حصلت عليها بعد عسر... من كاتبها..



يا خاتم الرسل الكرام الهادي=أنت المديح معطراً بفؤادي
أهداك رب العرش كل فضيلة=فصعدت ترقى سلم الأمجاد
حتى اصطفاك فكنت نعم المصطفى=يا عزتي وحصانتي وعتادي
ومضيت في حفظ الإله ونوره=للـه تدعو رائحاً أو غادي
آتاك ربك بالصلاة معالياً=فيها الخضوع وغاية الإمداد
للقدس وجهك حيث كنت مصلياً= والمسلمين أطاهر الأجساد
هذا اختبار من عليم قادر=كي ينقذ الدنيا من الأحقاد
فالقدس يفخر أن تصلي نحوه=يا سيداً يعلو على الأسياد
لكن قلبك بالعتيق معلق=فرفعت وجهك للسماء تنادي
واللـه أعلنها إليك صريحة=سل ما تشاء فأنت خير عبادي
في ليلة النصف التي من ذكرها=تهوي قواي ويقشعر فؤادي
لنولينك قبلة ترضى بها=أنت العظيم وقائد القواد
شطر "الحرام" تولٍّ وجهك أحمد=هذا مراد اللـه خير مراد
لا يشغلنك ما يثار ألا ترى= أن اليهود منابت الحساد
أهل الكتاب سيضربون كفوفهم=ما بين سخرية وبين عناد
ولئن سئلت فيا حبيبي قل لهم=إني خلقتهم وإني الهادي
القدس بيتي والعتيق صنيعتي=كل البلاد مواقعي وبلادي
لا تتبع من بعد ذلك غيهم=ولئن تبعت فلست من عبادي
ما زاد ذلك في قلوب المؤمنــ=ــ، سوى الفضيلة من هدى ورشاد
وقلوب أهل الكفر زاد فسادها= فقلوبهم فطرد على الإفساد
ما بين زنديق وبين مكذب=عجباً لأهل الشرك والإلحاد
واللـه ربي قد أعد لمن طغى=باب الجحيم عليه بالمرصاد