المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في قصة ( ديمي ... حب أول )



وائل بن يوسف العريني
07-12-2006, 04:08 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
لمن لم يقرأ القصة وضعت نسخة في المرفقات

قراءة في ثنايا ( ديمي ... حب أول )


تلك قصة بقلم د / محمد الحضيف ، تحكي قصة شاب نشط في ميدان الدعوة من المبتعثين إلى أمريكا .
يتعرض لامتحان صعب بلقاء فتاة أمريكية مندفعة ، ولجمالها أحدثت به ميلاً عاطفياً خارجاً عن إرادته .
وتمضي القصة على هذا المنوال ، والمشكلة تكمن في أن الفتاة تسأل عن قضايا في الإسلام ، وهكذا حتى تنتهي القصة ببتر هذه العلاقة النشاز قبل أن يستفحل أمرها .

ومنذ البداية يلمس القارئ كُنه القصة وفحواها ، فالشاب اسمه ( مصعب ) ، مما ينبئ عن قسوة الاختبار وصعوبة الموقف وشدة ما سيمر به .
والفتاة تُسمى ( ديمي ) ، ولعلها إشارة إلى أنها جميلة كالدمية ، وفي هذا زيادة في تشابك الأحداث وتعقيدها .

ويضع الكاتب في هذه القصة عدة قضايا تتجاذب البطل ، وتحيله كالحيران قد ظل طريقه في مفازة كبيرة .

ولعل أول تلك القضايا هي : إشكالية الصراع بين الواجب والواجب ، وهو ما يُلمس من تذبذب الكاتب بين وجوب الدعوة إلي الله حين سئل عن الإسلام ، وبين الهروب من الفتنة التي تمثلها علاقة شاب بفتاة .

والبطل في ذلك قد وقع في اضطراب، فمرة يميل مع واجب الدعوة ، وأخرى يهرب من الحِمى لألا يقع فيه .

وفي أحيان يحاول التوفيق بين الواجبين ، ففي مرة حدثها عن الحب في الإسلام – وهي إحدى القضايا التي سألت عنها – وهو مطرق الرأس لا ينظر إليها ابتعادا عن النظرة المحرمة ، وخوفاً من تطور تلك النظرة فيما إن حدثت .

وتبرز أثناء تلك القضية قضية أخرى تبالغ في حيرة البطل ، وهي وجوب انعكاس الدين على السلوك مع الآخرين ، في مقابل جهل الآخر بخطورته في إشعال الفتنة .

تلك القضية رمت البطل في بحر من الحيرة ، هل يترك مظِنة الفتنة – وهو ما يمليه عليه دينه - ؟ ، أم يجيب السائل الذي يسأل طلباً للفهم – وهذا أيضاً يمليه عليه دينه .

وبين هذا وذاك يزداد توتر البطل / الشاب في معادلة تجعله مشتت الذهن في وقت يحتاج فيه إلى التركيز أثناء فترة امتحاناته .

وتظهر في أثناء ذلك قوى الخير والشر في النفس ، من خلال النفس اللوامة ، والنفس الأمارة ، فإحداهما تزين الشر وتمني باللذة - لاسيما وأن البطل لم يبحث هن الشر وإنما جاءه – ، وأخرى تحذر من مغبة الإثم وأليم العقاب .

وهذه ثنائية أخرى في سلك الثنايات / الصراعات التي تشكل الحدث عند الكاتب .

هذا هو الحدث الرئيس في القصة ، المرأة حين لا تعي خطورتها في إفساد / إصلاح المجتمع ، وهو ما أراد الكاتب إيصاله في هذه القصة متوسطة الطول .

وتبرز في القصة قضايا أخرى مساندة للقضية الرئيسة ، ومن تلك القضايا : محاولة تفسير الكاتب لسر امتداد الانتصار الأمريكي في الوقت الراهن رغم الغطرسة والظلم اللذين يحكمان سياستها .
ويصل إلى أن بعض قيم ذلك المجتمع هي ما أجل السقوط والهزيمة ، من احترام المواعيد ، وعدم الغش ، مما هو أصلاً من قيم المسلمين التي تناسوها وعدّوها – أو يعضهم – هزيمة وضعفاً .

وتشيع في القصة الروح الإيمانية والالتزام في مجتمع منحل ، فمن إشارة إلى المسجد وصلاة الجماعة ، إلى الوتر وقيام الليل وقيمة الدعاء في مواجهة المحن ، وتبرز في تلك القصة قيمة الصيام وروحانية يوم الجمعة ، مما يحمد للكاتب حين استثمر تلك القيم ووظفها في خدمة الحدث .

وتطفو السياسة على السطح ، حين يشير الكاتب بحزن صامت إلى المأساة الفلسطينية ، وحجم التخدير الممارس حين يُنادى بدولتين وشعبين في مكان واحد ، مع اختلاف جوهري وصراع أبدي بين الضفتين .

كما يشير بتهكم إلى الهزيمة المعنوية ، والتطبيع السياسي مع العدو الغادر ( إسرائيل )، وهو تهكم صامت لا يظهر للوهلة الأولى .

وعالجت القصة بأسلوب مباشر موضوعي ( التسامح والحب ) في الإسلام ، إذ كانت الفتاة تسأل عن هذين الموضوعين بالذات .

ولعل الكاتب حين عالج هذين الموضوعين معالجة مباشرة يريد إيصال رأيه صريحا في ذلك ، ولسبب آخر هو حاجة المجتمع إلى هذين الموضوعين بشكل ملح مما لا يقبل معه الإشارة الخفية والمعالجة الإلماحيّة .

وقبل الختام تجدر الإشارة إلى أن الكاتب جعل الوطن العربي وطناً يفخر بالانتماء له في تلك الغربة ، ورابطة العروبة عنوان الصداقة ، ولو وسع دائرة الوطن / الانتماء ليشمل الوطن الإسلامي لكان أبلغ لاسيما وهو في معرض الدعوة لتلك الفتاة وتبيين محاسن الإسلام .

ويصور الكاتب الفراق بين الشاب والفتاة بتعبير شاعري جميل ، صورة حين يستحضرها القارئ يدرك ذلك الألم الذي يشعر به طرفا الفراق .
يقول :

" الدمعتان من خلفهما عيناها الزرقاوان ، بدتا كموجتين انكسرتا على شاطئ لازوردي

وأنا ..

مثل صياد أدركه الغروب ..

شباكه فارغة ..

قلبه فارغ ..

إلا من رحمة الله .. "

وفي التعبير ( شباكه فارغة ) إشارة لطيفة على براءة الشاب وخروجه من الموقف سليما في وقت الغروب الذي هو مظنة الرجوع من البحر بالصيد .

وبهذا ختم الكاتب قصته ختاما مفتوحاً بعض الشيء ، في قصة مبدعة وسرد مبدع لكاتب أبدع كثيراً

وفي الختام أتمنى أن أكون قد وضعت اليد على بعض ما في القصة من قضايا تستحق الوقوف عندها ، والإشارة إليها .
والله تعالى أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبة وسلم





الرياض
16 / 11 / 1427 هـ