المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة انطباعية في نص مراسم الزفاف للقاص خليل النابلسي بقلم حسين الهنداوي - حاتم قاسم



حاتم قاسم
02-02-2007, 07:42 PM
العناق المصيري بين فضاءات النخيل و مدارات البرتقال
قراءة انطباعية في نص مراسم الزفاف للقاص خليل النابلسي
بقلم الدراسان : حسين الهنداوي – حاتم قاسم
القصة : مراسم الزفاف
==============
قد يضيق الأفق الرحب بصغار النمل ، لكنه جعل من زنزانته مجـــرة تحــــوي آلاف الكواكب 0 تعلّم كيف يطعم الجرح جرحاً ، و كيف ينثر الملح على جراحه كي تتأجج نارا 0 آلاف الخواطر تتجاذبه و تعصف به ، اكتشف أن المشاعر لها أقدام تتســـلّق الهضاب و الجبال ، و أن الوطن زنبقة تنمو و تكبر كلما التصــق بتراب الزيتـــــون و البرتقال 0
- ها أنت يا ولدي أدميت جسدك و أرهقت روحك !!
- لا يا أبتي : فالخنادق الحمراء تجتاحها زوارق الفولاذ ، و الأمـــــواج العاتيــة تتحطّم و تتلاشى على صخور الشاطئ 0
- علام عزمت إذاً يا كاظم ؟
- على دراسة الكيمياء في بغداد 0
- لكن الماء البارد لا يمدّد جناح بعوضة !!
- قد يتسلق المرء شرايينه فيصل إلى قمة ( افرست )
- لكنك تبدو عاري الجسد ، حافي القدمين !!
- الإرادة الثائرة المتمرّدة ككرة إســفنجية كلما ضغـــطت عليها أكثر كلما قفزت و تحرّرت أكثر 0
- ألا ترى أن صاحب الحائط يستمتع بقطف الأعذاق كلما كانت النخلة شــــاهقة سامقة ؟
كانت بغداد آنذاك تستعر بجحيم البرابرة و أتون المغول ، و النخيل العراقـــي محاط بالنار و البارود ، و غراس الذل و الخنوع تدوسها أقدام الثائرين 0
عندما أصبح كاظم و فاطمة عاشقين ، تعانق البرتقال و النخيل ، تعانـــقت السنابل و الأعشاب و الينابيع و الجداول و الأزاهير و الأفلاك 0
- إنها فاطمة الفتاة التي أحببت يا أبتي 0 إنها نخلة عراقية أصــــــلها ثابت في دجلة و الفرات و فرعها و جريدها في سماء القدس و بيسان و الخليل 0 ولدت منذ آلاف السنين في حضن الشمس ، و ترعرعت في سهوب المجد و الكبرياء ، و تأرجحت في حدائق بابل ، و استحمت في بحيرة المتوكل 0 إنها ابنة المرأة الزبطرية التي أنفت الذل و الهوان ، و أطلقت صيحتهــــا التي ما زالت تجلجل في أرجاء الأرض و السماء 0
- عذراً يا أبتي 0 لقد وعدتك ألا أعشق إلا تراب الوطن 0 لكن الحب يحاصرني هنا في ما بين النهرين ، اخترق الجلد و العظم و استقرَّ في شــــغاف القلـــب و خالط وجيبه 0
- لقد أعلنّا خطوبتنا في الذكرى الثانية و الثلاثون لحصـــــــار جنين 0 أما حفل الزفاف فربما يكون قريباً 0
أما أنت يا أماه فإنني استميحك عذراً بقدر الحب الذي يطفح به قلبك 0 كان
بودي ، بل كم كنت أرغب أن تملأ زغاريدك الشوارع و الحقول ، و تلامـــــس
أمواه دجلة و الفرات ن و سعف النخيل و الأزاهير 0
- باركا لنا يا والديّ ، و سيكون يوم الزفاف أجمل و أبهى 0 و في طريقهما إلى الجامعة ، و عندما اقتربا من دورية للغزاة المحتليــن ســـــمعا كلمات عبــرية ترجمها كاظم همساً ، ابتعد ، وقفا تحت نخلة 0
أردفت فاطمة قائلة : أيها القتلة أيها الأوغاد !!!!
ألم يكفهم القتل و التدمير و الإبادة اليومية هناك ، و جاؤوا هنا ليدنسوا أرض الرافدين أيضاً ؟
لم يكونا جذابين مثل تلك الليلة 0 تعانقا طويلاً ، أحلامهــما رماح تخــترق الزمان و المكان 0 وما أجمل أن ينــــام المرء يقطف نجمـــاً و يزرع زيتوناً
و نخلاً !!
نضج الزيتون و البرتقال و النخـــيل الممتد من بغــــداد إلى الــقدس و تألقــت الأرض بأكوام النجوم ، نظما قلادتيــــــن منها ، و طفقا يخصفــــان من ورق البرتقال و جريد النخل طريقاً أخضر يتلألأ بالنجوم ، و ما زالا ينتظران اللون الأجمل و موعد الزفاف 0
تحسّسا الحزامين الناسفين اللذين يلتصقان بجسديهما كما يلتصق الوشم جبين الفلاح ، أو كما تلتصق ذرات الغبار على سواعده السمراء 0
سارا جذلين كعروسين ينتظران اللقاء الخالــد ، و يرددان أنشـــــودة الحــــياة و المجد ، الأعشاب تتهامس ، و ســعف النخيل يتراقص ، و الطبيــعة جذلى مفعمة بالفرح الأخضر 0
و بعد الانفجار تدفّق الأحمر القاني فارتوى النخيل و البرتقــــال ، و ازداد المكان ألقاً و بدأت مراسم الزفاف 0
الدراسة النقدية :
=========
حين يضيق الصمت بالمتكلمين و تتعاور الكلمات بحثاً عن نظارات شمسية تبصر من خلالها أفق العودة تنقبض الروح و تتراقص الآف الخواطر بحثاً عن تجاذبية تعصف بالموت المجاني الذي حول فلسطين و العراق إلى حدود مفخخة بالموت 0
الوطن زنبقة و الليمون يكبر و يلتصق بتراب الزيتون و البرتقال و الموت بينهما حنظلي الطعم
النخيل و البرتقال يلتفان جسداً واحداً لينبثق فجر جديد يتسلق به المجاهدون قمة أفرست الجهادية 0
نص يتأرجح كاتبه بين الشاعرية و السردية و تتملكه الحيرة في أن يرسم نصه مشاعر دفاقة أو أن يؤرخ لمضمونه العروبي في قصة تبدو و كأنها عذراء ترهل صمتها طويلاً فمشت خطواتها على جنائز الموت محملة بالدحنون و التراب المخضب0
و أما نص سردي يحمل توقيع مراسم الزفاف ذلك العنوان الذي يعكس على مرآته المحدبة صورة الموت الفلسطيني و العراقي من خلال استخدام رمزية النخيل و البرتقال إنه زفاف من نوع أخر 0000 انفجار 000 تدفق الأحمر القاني 000 صعقة الزواج 000 ارتواء النخيل و البرتقال 00 و ازدياد المكان ألقاً و حسناً 000 إنها صورة الشهادة بأبعادها الحقيقية اللون لون الدم و الريح ريح المسك 000
و إنك و أنت تطالع نص مراسم الزفاف تكتشف الكيمياء العربية التي يمثلها كاظم و فاطمة 000
( لإنها نخلة عربية أصلها ثابت في دجلة و الفرات و فرعها و جريدها في سماء القدس و بيسان ) 0 ينزاح لدى القاص الصوت القصصي باتجاه الشعر حيث يصـــــف لنا حقيقة المضمن العربي الذي يمثله هذا الدم المتدفق شلالاً دفاعاً عن الأرض و الوطن ( عذراً يا أبتي لقد وعـــــدتك ألا أعشق إلا تراب الوطن ) ثنائية من الموت و القتل و الخراب و الدمار يرســـمها القاص بصورة مقالية و كأنه يستصرخ النخوة العربية لتوقف هذا الدمار و ذلك الخراب المكتنز بالموت اليومي و كأننا بالقاص يريد أن يقول إن حدود فلسطين و العراق مسيجة بالموت 0

د.إيهاب النجدي
02-02-2007, 09:17 PM
أجئ هنا لتقديم موفور التحية والتقدير

لجهودكما المباركة في تقديم النصوص الإبداعية في سياق من العرض والتحليل والقراءة المفيدة بالتأكيد على كل صعيد

وإن كنت أود دائما تقديم التعريف الموجز بالأديب صاحب النص المقروء


أجدد التحية والشكر



إيهاب

حاتم قاسم
04-02-2007, 07:00 PM
أشكرك أخي العزيز الدكتور : إيهاب النجدي
شكرأ لمرورك 00 و لكلماتك السامقة
و فيما يلي نبذة عن الكاتب الأديب : صاحب النص المقروء ( القاص خليل النابلسي )


- خليل صالح النابلسي
- فلسطيني الهوى و المولد
- تولد عام 1943
- يحمل إجازة في الأدب و دبلوم التأهيل التربوي
- قاص و له مجموعتان
- المجموعة الأولى : ما زال حيّاً ( مطبوعة )
- المجموعة الثانية : دموع في منعطف جليدي ( مطبوعة )