المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رنين العزلة .. وتوق الذات .. دراسة نقدية



أمل فؤاد عبيد
15-02-2007, 09:34 AM
قراءة نقديةفي ديوان " رنين العزلة " للشاعرة الفلسطينية / دنيا الأمل إسماعيل

تتراوح الكتابة النسائية ما بين المرأة/ العقل .. والمرأة /الوجدان .. ففي حين توازي المرأة/ العقل في الكتابة منطقة تقاطع مع كتابة الرجل/ العقل .. حيث تبحث عن مطلقها في سديم العلاقة الواقعة بين السماء والأرض .. أو لنقل .. مساحة العلاقة بينها وبين الرجل .. نجد أن المرأة / الوجدان تتفرد في حيز متفرد .. حيث صناعة الشعور تتعالى على إحساس اللحظة .. ومن ثم .. لا تعنيها المطلقات .. بقدر ما تعنيها الجزئيات .. في حين أن المرأة /العقل تكون قد تجاوزت الإحساس بمستوى جزئياتها إلى مناطق ارتقاء الشعور .. بحثا عن علاقات ترابط وتوازي بين مطلق الحس ومطلق القيمة ..
أما المرأة / الوجدان .. تأسرها جزئيات العلاقة القائمة .. بين مواد الرؤية .. وتوق النفس .. لارتفاع ما .. أو تجاوز .. يبقى أسير لحظته .. رغم صور النزوع أو طلب النزوع .. إلى حيث الانفلات ..
في ديوان .. رنين العزلة .. نلتمس هذا التفرد .. نوعا ما .. هي فلسفة بسيطة الحدث .. محدودة الامتداد .. حيث تحاصر اللغة بجزئيات .. تدلنا على التحام ما .. وتقيم لنا كشفا .. فبقدر ما يدفع الفعل إلى كشف الذات .. تقيم الحوارية اللغوية الشعرية بالتوازي .. كشفا عن تصورات الذات .. ومباشرة إحساسها بالأشياء .. والوقائع .. من خلال الإمساك بالتصور والتعقل وترجمته دفقات .. في ديوان رنين العزلة .. وقفة جادة .. تحيل النفس .. إلى مرايا .. لربما إلى منطق ينظم من جديد فوضى التراتب والأولوية .. ليعيد بريق الأشياء .. ولربما هو صنع إمكانا ما من خلال رصد بعضا من الواقعية ذات الشفافية الخاصة ..
.. تقول في قصيدة " يمكن " :
" المحبة التي صعدت .. طموحاتها قمرا .. بخارا يتلوى في سماء الضجيج .. تحولت .. " .. وتقول في قصيدة " ماضي " : " سيد قصائدي .. كنت .. الآن .. ليس باستطاعة جرح القلب .. أن يترك إلا في زمن ماض .. طيفا .. له رعشة العينين .. ويمضي .. "
هنا تستحيل القراءة إمكانا جديدا .. وتشكل مفردة " الماضي .. في القصيدة الأولى ضمنيا .. من كلمة " تحولت " .. أما في القصيدة الثانية .. فصيغة الماضي تدلل مباشرة .. على التحول .. وتفرد الأبيات .. بحسية مباشرة للزمن الماضي .. الذي تحول .. إمكانا جديدا .. وظرفا لحظيا .. هو كشف العمق ودلالة ذلك الماضي ..
ورغم تدليل الديوان على صراع الذات .. ما بين تنقلات ماضي وحاضر .. لا ينتفى مصدر الهمس .. بأصول قوية .. تشير إلى واقعية .. تتحسس من خلالها.. شعور بالعجز .. تقول في قصيدة " طواف " : قيامة تحوس في الشوارع .. تنقط ناسا .. لا مهرب لألمهم .. شارات للموت .. وأخرى للحياة .. .. نساء يخيمن على قلوبهن بالزغاريد .. يزحن البكاء للزوايا .. أعلام تعد للعتمة .. لا تجرؤ سماء على اصطيادها .. فتخفق قلوب الفتيان لموت ٍ.. نستدل هنا على مبلغ الإحساس بكادر هو علامة مسجلة .. لحال الواقع للشعب الفلسطيني .. ومن انكسار الموت .. تخيمن النساء والأمهات على قلوبهن .. هو دلالة .. بإرادة الربط على القلوب بالصبر .. فلا محال .. وركن بكاءهن إلى الزوايا .. وكأنه لم يحن بعد وقت البكاء .. هو الطواف .. وقد جعلت الشاعرة من موقع الأرض .. قبلة طواف لعاشقينها .. ولكنه الظل .. الذي يخيم .. على الذاكرة .. إلى حين .. ولربما هو ظلال الشهداء ..
من ناحية أخرى .. نستلهم من جسد القصيدة عند دنيا الأمل .. ملاذا من قيود العادة .. فهي تجلل القصيدة ببعد اجتماعي .. تثير القلق والسؤال .. تقول في قصيدة " سماء لك .. قفص لي " .. : لا سرية في غزة .. حيث الإشاعة لا تأمن للراحة الأسبوعية .. وحيث الأهلون لا يعترفون إلا بتصوراتهم الصلبة عما يخصك .. " .. هذه الجزئيات التي تتفردها القصيدة .. ينم عن إدراك مباشر .. بصراع اللحظة وتحمل مشاق صراعها .. ولكنه الحال .. حيث تكمل مبررات ما قدمت له فتقول : " الغزة أكبر من أحجية .. وأبسط كثيرا من مرور غيمة على بحر لا سبيل لسكونه .. ستقول سماؤها ذات يوم أن القلوب المجروحة لا سبيل لشفائها .. وستمطر في شتاء حزين كل الرسائل التي لم تكتب والقصائد المشفوعة بوجعنا وشوقنا الصامت .. مقتولة هي الروح .. " لم تترك القارئ قيد الوصف فقط .. فقد تخللت بنية القصيدة مفردات الوجع .. وقتل الروح .. هو السطح المباشرة .. والذي يتفتق عنه جو غزة الموسوم بالبوح .. فلا مفر ..

وعلى ذات الوتر تلعب دنيا الأمل .. عندما تتحدث في قصيدتها " مرايا نافذة " فتقول : " النوافذ عيون البيوت .. فهل كنت بيتي .. لأكون نافذتك .. لكل نافذة مدى .. لكل مدى نوافذ .. المسافة بينهما .. طاقة ما تسكبه الحياة من مخيلتها .. كل امرأة نافذة .. كل رجل بيت .. ولا سبيل للمساواة .. " .. من المفترض أن اللغة الشعرية قد تحتمل معاني الحضور الحسي .. بمثال .. في هذه القصيدة نجد أن الشاعرة .. تحاول أن تطرق أمكنة جديدة .. مطارح تنتقل بالمعنى .. حيث الداخل والخارج .. نوافذ النفس .. ومطلقات الحس المباشر .. معنى الاحتواء في ابلغ معناه .. ومبلغ السوط .. إن النوافذ .. بقدر ما تخفي .. فهي تكشف ..
تكمل فلسفتها الحدثية هذه .. فتقول : " أنغمس في النوافذ .. لأعرف نقصاني .. أبتعد عنها .. لأدرك مقدار اختلافي .. نافذة مخيطة بالانتظار .. تنذر بهاءها للظل .. بين النافذة والمدى .. نوافذ .. ليس دائما النوافذ المغلقة لا ترى .. النافذة المشاع .. تسكن المقاهي .. العيون .. نافذة خاصة .. " .. نجدها هنا وكأنها تلاعب القارئ حيث المضاهاة .. وحيث النظر .. بأبعد من نافذة البصر .. لتعتقل القارئ .. في نهاية القصيدة .. إذ تقول .. : " ألم النوافذ .. أن لا تعرف كيف تدخلها .. لا يدرك حزن النوافذ سوى الجدران .. لم ينته السجال بعد .. بين نافذة النوم .. ونافذة الضجيج .. النوافذ تدل على أصحابها .. فلما لا تلتفت إلي .. " نجد أن اللغة هنا أقامت واجهة مختلفة لمفردة النوافذ .. حيث العيون تبصر ( بضم الصاد ) وليس بصر فقط .. وحيث اختلاف المعنى بين الضجيج والنوم .. قاصدة بها .. المماهاة .. بين الظل والحقيقة .. أو بين الصدق وغيره .. لتختفي نبرة الفروقات هذه .. في لفتة إنسانية .. في بيتها الأخير .. فتقول : " فقط النوافذ المنكسرة .. تعرف قيمة الشتاء .. " هي البيوت وشتوية المقام .. خلف الجدران .. وستار العيون المنكسرة .. لتبوح بصدى آخر .. فتقول " أينما وليت فثمة نافذة خلفي .. " هذه صنعة النوافذ .. واحتلالها .. واحتوائها . وتنظيرها .. ومسافتها .. وكأنما .. تفتح صدى موازيا للبيت الأول .. لتحديد ما كانت تقصده .. فهل كنت بيتي لأكون نافذتك .. .. تطرح سؤال لتتفرد في مغزى وروده .. من ذات قلب القصيدة .. حتى لندرك في النهاية .. وكأنها الأبيات كانت حكما مشروعا .. لعدم التضليل .

ومن ذات الواقعية وحضورها .. تعالج الكاتبة / الشاعرة قصيدتها " ضدان " .. بواقعية شديدة البساطة .. لقطة .. هي وما هي بلقطة .. إنها .. موازاة ذات بديهة سريعة الحضور .. تقول : " للانشغال يتهيأ الصباح .. بينما فنجان القهوة .. لم يتخلص من كل رشفاته بعد .. تقرأ على عجل الجرائد .. الأطفال يغسلون آخر حبات النعاس .. إلى باصاتهم يذهبون .. .. ما بين اللحظات المشحونة ..ودقات الساعة .. تتهيأين للغياب .. " لربما هي فقط تشعر بهذا الضد الموازي لحضورها الشخصي .. حيث .. تتقاسم المرأة/ الأنثى / الكاتبة .. عناصر تضاد في اللون والحضور .. ومساءلة اللحظات .. بكيفية مغايرة تماما عن المعتاد .. للمرأة العادية .. لتشارك القارئ .. كشف حدود ما هي بمنظورة له ..
إلا أنها تأخذنا على مهل .. إلى بواطن أكثر خصوصية .. ولكنها مازالت تنحو ذات المنحى واقعي الصدى .. تقول في قصيدة " قمر .. قصائد " ..: يسحبني النهار إلى مخدة التعب .. فأنهض مفتونة بالمشاكسة .. أبوس لمسة نسيتها قصدا .. على يدي .. .. اقرأ كل الرسائل التي كان بإمكانك أن تكتبها لي ولم تفعل .. " .. هذا التداخل بين اليومي والعقلنة المباشرة له .. يمنح كينونة جديدة .. يقترب حيث تخرج الأدوات عن معقولها العادي .. أو تصبح للأشياء .. حضورا مميزا له مذاق مرتبط .. بما تتوق إليه الكاتبة / الشاعرة من سرد تفاصيلها .. ولتبث من ناحية أخرى .. شجن الأنين .. ومبعث الاندهاش .. حيث السؤال .. تقول في قصيدة " أندهش " ..: كلما تراءيت لي أقول : .. ما الذي يحدث لنظرة شردت من حرصنا .. كيف الحياة تبيض من نهار قائظ .. كيف ببساطة أطيش .. " تراودنا هنا الكاتبة عن لحظة اندهاش .. هي اندهاش ذاتها .. لتركب منها لحظة تفاعلية بينها وبين القارئ .. ولربما هو مبعث الاندهاش .. علامة مثيرة .. عن مدى الحرص والمباغتة .. لنظرة شردت .. وكيف للحياة أن تفقد لونها .. من نهار قائظ .. هذه الصورة .. تمنح سؤالا ما . يتأوله القارئ حيثما يجد ضالته في المعنى .. ولكن .. السؤال .. يمنح بالضرورة مشاكلة مابين المعنى والغاية .. في سؤالها الأخير .. كيف ببساطة أطيش ؟ .. هي تبدأ القول للذات .. وتتخفى بعلامة السؤال .. لتمنح معنى لاعترافها .. المقنع .. وألا مباشر .. لمن تحب .
حتى إذا وقفنا عند بعض القصائد نجد أنها تتنقل لتخطو بنا إلى حيث يتمثل لنا
البعد الثاني والذي يتراءى لنا .. هو البعد الذاتي .. وإن كان يتقاسمه بعضا من واقعية تتواري خلف ظلال الوصف .. بخلاف ما كان في القصائد الماضية .. حيث الواقع ومفرداته هو المسيطر الأول على القصيدة .. متوشيا ببعض النقد تارة .. والمعاناة تارة أخرى .. ولكن هنا نلمح البعد الذاتي .. وقد تلبس .. بشيء من البوح .. أو الكشف والتعري .. تقول في قصيدة " تعرف أكثر " ..: تكاد عينياك تثقبان نومي لأراك .. وأنت هناك تمارس ألوهيتك بتمهل باسم .. ترش فلً عينيك وتذهب .. تاركا لنا عذاب القصيدة .. وطعم الصباح الطازج ليوم يشي بالامتلاء .." نجد هنا الكاتبة تعيان حضورا يخصها شخصيا .. هو حضور وهج القصيدة .. المباغت .. ومعاناة الولادة .. والشعور بالنشوة والامتلاء .. أما في قصيدة " بلا كلل " .. حيث تقول : .. أية ريح وشوشت زهوري بمحبتك .. كيف استطعت التنصل من هذي الجراح المشرئبة .. شهوة الموت تباعدت .. المساءات الحانية .. يعيد ترتيب حاجياته القلب .. في دمي نيلك .. وابتهالات لفرح آت .. حقيقة ..: حاجتي اليومية أن احبك .. " تتفرد هنا الصياغة ببعدها الذاتي الخاص .. وصف يتحمل مساحات من الطيف الجواني .. بعيد المدى .. وعلى قصر القصيدة في أبياتها .. إلا أن الشاعرة طافت .. طواف مكثف الحضور .. ما بين محددات هامة .. شاعرية القوام .. ما بين الزهور وحاجيات القلب والمساءات الحانية .. لتقر حقيقة .. هي حقيقة .. حاجتي اليومية .. هي أن أحبك .. جاءت كخاتمة منطقية ..لما تم سرده من مفردات الحضور الطاغي والاحتواء . والتماس وجوه التغيير والتحول .. وهي باتت مقنعة لتشكل نهاية ما انتهت إليه .
في الختام نقول .. عادة ان يسمى الديوان باسم قصيدة من القصائد .. لكن هنا نجد في هذا الديوان أن الشاعرة قد خرجت في اختيار العنوان عن المعهود .. ولكن لربما كان عنوان الديوان .. دلالة أو إشارة ضمينة بأن النصوص جميعها .. تدخل في حيز الزمكان الواحد .. وهو العزلة .. والتي تعتبر في حقيقة أمرها .. رنين .. يؤرخ بتواريخ القصائد المتناثرة .. والموقوفة على حس موحد .. يجمع شتاتها .. في بوتقة من الإحساس والتميز في الحضور .. في نقطة تقاطع .. يتلاشى عندها .. الشعور بالعزلة .. ومن ثم .. يبقى صداها .. هو رنين متواصل الرنين .



امل فؤاد عبيد
غزة

د. مصطفى عراقي
10-04-2007, 05:55 PM
قراءة نقديةفي ديوان " رنين العزلة " للشاعرة الفلسطينية / دنيا الأمل إسماعيل
تتراوح الكتابة النسائية ما بين المرأة/ العقل .. والمرأة /الوجدان .. ففي حين توازي المرأة/ العقل في الكتابة منطقة تقاطع مع كتابة الرجل/ العقل .. حيث تبحث عن مطلقها في سديم العلاقة الواقعة بين السماء والأرض .. أو لنقل .. مساحة العلاقة بينها وبين الرجل .. نجد أن المرأة / الوجدان تتفرد في حيز متفرد .. حيث صناعة الشعور تتعالى على إحساس اللحظة .. ومن ثم .. لا تعنيها المطلقات .. بقدر ما تعنيها الجزئيات .. في حين أن المرأة /العقل تكون قد تجاوزت الإحساس بمستوى جزئياتها إلى مناطق ارتقاء الشعور .. بحثا عن علاقات ترابط وتوازي بين مطلق الحس ومطلق القيمة ..
أما المرأة / الوجدان .. تأسرها جزئيات العلاقة القائمة .. بين مواد الرؤية .. وتوق النفس .. لارتفاع ما .. أو تجاوز .. يبقى أسير لحظته .. رغم صور النزوع أو طلب النزوع .. إلى حيث الانفلات ..
في ديوان .. رنين العزلة .. نلتمس هذا التفرد .. نوعا ما .. هي فلسفة بسيطة الحدث .. محدودة الامتداد .. حيث تحاصر اللغة بجزئيات .. تدلنا على التحام ما .. وتقيم لنا كشفا .. فبقدر ما يدفع الفعل إلى كشف الذات .. تقيم الحوارية اللغوية الشعرية بالتوازي .. كشفا عن تصورات الذات .. ومباشرة إحساسها بالأشياء .. والوقائع .. من خلال الإمساك بالتصور والتعقل وترجمته دفقات .. في ديوان رنين العزلة .. وقفة جادة .. تحيل النفس .. إلى مرايا .. لربما إلى منطق ينظم من جديد فوضى التراتب والأولوية .. ليعيد بريق الأشياء .. ولربما هو صنع إمكانا ما من خلال رصد بعضا من الواقعية ذات الشفافية الخاصة ..
.. تقول في قصيدة " يمكن " :
" المحبة التي صعدت .. طموحاتها قمرا .. بخارا يتلوى في سماء الضجيج .. تحولت .. " .. وتقول في قصيدة " ماضي " : " سيد قصائدي .. كنت .. الآن .. ليس باستطاعة جرح القلب .. أن يترك إلا في زمن ماض .. طيفا .. له رعشة العينين .. ويمضي .. "
هنا تستحيل القراءة إمكانا جديدا .. وتشكل مفردة " الماضي .. في القصيدة الأولى ضمنيا .. من كلمة " تحولت " .. أما في القصيدة الثانية .. فصيغة الماضي تدلل مباشرة .. على التحول .. وتفرد الأبيات .. بحسية مباشرة للزمن الماضي .. الذي تحول .. إمكانا جديدا .. وظرفا لحظيا .. هو كشف العمق ودلالة ذلك الماضي ..
ورغم تدليل الديوان على صراع الذات .. ما بين تنقلات ماضي وحاضر .. لا ينتفى مصدر الهمس .. بأصول قوية .. تشير إلى واقعية .. تتحسس من خلالها.. شعور بالعجز .. تقول في قصيدة " طواف " : قيامة تحوس في الشوارع .. تنقط ناسا .. لا مهرب لألمهم .. شارات للموت .. وأخرى للحياة .. .. نساء يخيمن على قلوبهن بالزغاريد .. يزحن البكاء للزوايا .. أعلام تعد للعتمة .. لا تجرؤ سماء على اصطيادها .. فتخفق قلوب الفتيان لموت ٍ.. نستدل هنا على مبلغ الإحساس بكادر هو علامة مسجلة .. لحال الواقع للشعب الفلسطيني .. ومن انكسار الموت .. تخيمن النساء والأمهات على قلوبهن .. هو دلالة .. بإرادة الربط على القلوب بالصبر .. فلا محال .. وركن بكاءهن إلى الزوايا .. وكأنه لم يحن بعد وقت البكاء .. هو الطواف .. وقد جعلت الشاعرة من موقع الأرض .. قبلة طواف لعاشقينها .. ولكنه الظل .. الذي يخيم .. على الذاكرة .. إلى حين .. ولربما هو ظلال الشهداء ..
من ناحية أخرى .. نستلهم من جسد القصيدة عند دنيا الأمل .. ملاذا من قيود العادة .. فهي تجلل القصيدة ببعد اجتماعي .. تثير القلق والسؤال .. تقول في قصيدة " سماء لك .. قفص لي " .. : لا سرية في غزة .. حيث الإشاعة لا تأمن للراحة الأسبوعية .. وحيث الأهلون لا يعترفون إلا بتصوراتهم الصلبة عما يخصك .. " .. هذه الجزئيات التي تتفردها القصيدة .. ينم عن إدراك مباشر .. بصراع اللحظة وتحمل مشاق صراعها .. ولكنه الحال .. حيث تكمل مبررات ما قدمت له فتقول : " الغزة أكبر من أحجية .. وأبسط كثيرا من مرور غيمة على بحر لا سبيل لسكونه .. ستقول سماؤها ذات يوم أن القلوب المجروحة لا سبيل لشفائها .. وستمطر في شتاء حزين كل الرسائل التي لم تكتب والقصائد المشفوعة بوجعنا وشوقنا الصامت .. مقتولة هي الروح .. " لم تترك القارئ قيد الوصف فقط .. فقد تخللت بنية القصيدة مفردات الوجع .. وقتل الروح .. هو السطح المباشرة .. والذي يتفتق عنه جو غزة الموسوم بالبوح .. فلا مفر ..
وعلى ذات الوتر تلعب دنيا الأمل .. عندما تتحدث في قصيدتها " مرايا نافذة " فتقول : " النوافذ عيون البيوت .. فهل كنت بيتي .. لأكون نافذتك .. لكل نافذة مدى .. لكل مدى نوافذ .. المسافة بينهما .. طاقة ما تسكبه الحياة من مخيلتها .. كل امرأة نافذة .. كل رجل بيت .. ولا سبيل للمساواة .. " .. من المفترض أن اللغة الشعرية قد تحتمل معاني الحضور الحسي .. بمثال .. في هذه القصيدة نجد أن الشاعرة .. تحاول أن تطرق أمكنة جديدة .. مطارح تنتقل بالمعنى .. حيث الداخل والخارج .. نوافذ النفس .. ومطلقات الحس المباشر .. معنى الاحتواء في ابلغ معناه .. ومبلغ السوط .. إن النوافذ .. بقدر ما تخفي .. فهي تكشف ..
تكمل فلسفتها الحدثية هذه .. فتقول : " أنغمس في النوافذ .. لأعرف نقصاني .. أبتعد عنها .. لأدرك مقدار اختلافي .. نافذة مخيطة بالانتظار .. تنذر بهاءها للظل .. بين النافذة والمدى .. نوافذ .. ليس دائما النوافذ المغلقة لا ترى .. النافذة المشاع .. تسكن المقاهي .. العيون .. نافذة خاصة .. " .. نجدها هنا وكأنها تلاعب القارئ حيث المضاهاة .. وحيث النظر .. بأبعد من نافذة البصر .. لتعتقل القارئ .. في نهاية القصيدة .. إذ تقول .. : " ألم النوافذ .. أن لا تعرف كيف تدخلها .. لا يدرك حزن النوافذ سوى الجدران .. لم ينته السجال بعد .. بين نافذة النوم .. ونافذة الضجيج .. النوافذ تدل على أصحابها .. فلما لا تلتفت إلي .. " نجد أن اللغة هنا أقامت واجهة مختلفة لمفردة النوافذ .. حيث العيون تبصر ( بضم الصاد ) وليس بصر فقط .. وحيث اختلاف المعنى بين الضجيج والنوم .. قاصدة بها .. المماهاة .. بين الظل والحقيقة .. أو بين الصدق وغيره .. لتختفي نبرة الفروقات هذه .. في لفتة إنسانية .. في بيتها الأخير .. فتقول : " فقط النوافذ المنكسرة .. تعرف قيمة الشتاء .. " هي البيوت وشتوية المقام .. خلف الجدران .. وستار العيون المنكسرة .. لتبوح بصدى آخر .. فتقول " أينما وليت فثمة نافذة خلفي .. " هذه صنعة النوافذ .. واحتلالها .. واحتوائها . وتنظيرها .. ومسافتها .. وكأنما .. تفتح صدى موازيا للبيت الأول .. لتحديد ما كانت تقصده .. فهل كنت بيتي لأكون نافذتك .. .. تطرح سؤال لتتفرد في مغزى وروده .. من ذات قلب القصيدة .. حتى لندرك في النهاية .. وكأنها الأبيات كانت حكما مشروعا .. لعدم التضليل .
ومن ذات الواقعية وحضورها .. تعالج الكاتبة / الشاعرة قصيدتها " ضدان " .. بواقعية شديدة البساطة .. لقطة .. هي وما هي بلقطة .. إنها .. موازاة ذات بديهة سريعة الحضور .. تقول : " للانشغال يتهيأ الصباح .. بينما فنجان القهوة .. لم يتخلص من كل رشفاته بعد .. تقرأ على عجل الجرائد .. الأطفال يغسلون آخر حبات النعاس .. إلى باصاتهم يذهبون .. .. ما بين اللحظات المشحونة ..ودقات الساعة .. تتهيأين للغياب .. " لربما هي فقط تشعر بهذا الضد الموازي لحضورها الشخصي .. حيث .. تتقاسم المرأة/ الأنثى / الكاتبة .. عناصر تضاد في اللون والحضور .. ومساءلة اللحظات .. بكيفية مغايرة تماما عن المعتاد .. للمرأة العادية .. لتشارك القارئ .. كشف حدود ما هي بمنظورة له ..
إلا أنها تأخذنا على مهل .. إلى بواطن أكثر خصوصية .. ولكنها مازالت تنحو ذات المنحى واقعي الصدى .. تقول في قصيدة " قمر .. قصائد " ..: يسحبني النهار إلى مخدة التعب .. فأنهض مفتونة بالمشاكسة .. أبوس لمسة نسيتها قصدا .. على يدي .. .. اقرأ كل الرسائل التي كان بإمكانك أن تكتبها لي ولم تفعل .. " .. هذا التداخل بين اليومي والعقلنة المباشرة له .. يمنح كينونة جديدة .. يقترب حيث تخرج الأدوات عن معقولها العادي .. أو تصبح للأشياء .. حضورا مميزا له مذاق مرتبط .. بما تتوق إليه الكاتبة / الشاعرة من سرد تفاصيلها .. ولتبث من ناحية أخرى .. شجن الأنين .. ومبعث الاندهاش .. حيث السؤال .. تقول في قصيدة " أندهش " ..: كلما تراءيت لي أقول : .. ما الذي يحدث لنظرة شردت من حرصنا .. كيف الحياة تبيض من نهار قائظ .. كيف ببساطة أطيش .. " تراودنا هنا الكاتبة عن لحظة اندهاش .. هي اندهاش ذاتها .. لتركب منها لحظة تفاعلية بينها وبين القارئ .. ولربما هو مبعث الاندهاش .. علامة مثيرة .. عن مدى الحرص والمباغتة .. لنظرة شردت .. وكيف للحياة أن تفقد لونها .. من نهار قائظ .. هذه الصورة .. تمنح سؤالا ما . يتأوله القارئ حيثما يجد ضالته في المعنى .. ولكن .. السؤال .. يمنح بالضرورة مشاكلة مابين المعنى والغاية .. في سؤالها الأخير .. كيف ببساطة أطيش ؟ .. هي تبدأ القول للذات .. وتتخفى بعلامة السؤال .. لتمنح معنى لاعترافها .. المقنع .. وألا مباشر .. لمن تحب .
حتى إذا وقفنا عند بعض القصائد نجد أنها تتنقل لتخطو بنا إلى حيث يتمثل لنا
البعد الثاني والذي يتراءى لنا .. هو البعد الذاتي .. وإن كان يتقاسمه بعضا من واقعية تتواري خلف ظلال الوصف .. بخلاف ما كان في القصائد الماضية .. حيث الواقع ومفرداته هو المسيطر الأول على القصيدة .. متوشيا ببعض النقد تارة .. والمعاناة تارة أخرى .. ولكن هنا نلمح البعد الذاتي .. وقد تلبس .. بشيء من البوح .. أو الكشف والتعري .. تقول في قصيدة " تعرف أكثر " ..: تكاد عينياك تثقبان نومي لأراك .. وأنت هناك تمارس ألوهيتك بتمهل باسم .. ترش فلً عينيك وتذهب .. تاركا لنا عذاب القصيدة .. وطعم الصباح الطازج ليوم يشي بالامتلاء .." نجد هنا الكاتبة تعيان حضورا يخصها شخصيا .. هو حضور وهج القصيدة .. المباغت .. ومعاناة الولادة .. والشعور بالنشوة والامتلاء .. أما في قصيدة " بلا كلل " .. حيث تقول : .. أية ريح وشوشت زهوري بمحبتك .. كيف استطعت التنصل من هذي الجراح المشرئبة .. شهوة الموت تباعدت .. المساءات الحانية .. يعيد ترتيب حاجياته القلب .. في دمي نيلك .. وابتهالات لفرح آت .. حقيقة ..: حاجتي اليومية أن احبك .. " تتفرد هنا الصياغة ببعدها الذاتي الخاص .. وصف يتحمل مساحات من الطيف الجواني .. بعيد المدى .. وعلى قصر القصيدة في أبياتها .. إلا أن الشاعرة طافت .. طواف مكثف الحضور .. ما بين محددات هامة .. شاعرية القوام .. ما بين الزهور وحاجيات القلب والمساءات الحانية .. لتقر حقيقة .. هي حقيقة .. حاجتي اليومية .. هي أن أحبك .. جاءت كخاتمة منطقية ..لما تم سرده من مفردات الحضور الطاغي والاحتواء . والتماس وجوه التغيير والتحول .. وهي باتت مقنعة لتشكل نهاية ما انتهت إليه .
في الختام نقول .. عادة ان يسمى الديوان باسم قصيدة من القصائد .. لكن هنا نجد في هذا الديوان أن الشاعرة قد خرجت في اختيار العنوان عن المعهود .. ولكن لربما كان عنوان الديوان .. دلالة أو إشارة ضمينة بأن النصوص جميعها .. تدخل في حيز الزمكان الواحد .. وهو العزلة .. والتي تعتبر في حقيقة أمرها .. رنين .. يؤرخ بتواريخ القصائد المتناثرة .. والموقوفة على حس موحد .. يجمع شتاتها .. في بوتقة من الإحساس والتميز في الحضور .. في نقطة تقاطع .. يتلاشى عندها .. الشعور بالعزلة .. ومن ثم .. يبقى صداها .. هو رنين متواصل الرنين .
امل فؤاد عبيد
غزة



الأديبة الصادقة الأستاذة أمل


شكرا لهذه القراءة المضيئة ولهذا التأمل المخلص ، وهذه الرؤى العميقة


دمت ودام نقدك رؤيةً إبداعا

مصطفى

عبد القادر رابحي
15-04-2007, 08:20 PM
الأخ الكريمة أمل فؤاد عبيد
تحياتي الخالصة

فراءة شفافة و رقيقة لشاعرة رقيقة و شفافة..
رغبتنا يا أخت في قراءة نص شعري لها..
وددت لو أن هذه المقاربة كانت أكثر طولا..
حتى نتعرف أكثر على نصوصه الشعرية..
شكرا لك


عبد القادر رابحي