المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تيار الوعي - حكاية مدرسيّة



عبد الواحد الأنصاري
31-05-2007, 01:50 PM
تيار الوعي
حكاية مدرسية

بقلم: عبد الواحد الأنصاري


ليس حرا على الإطلاق:
في الفصول الدراسية المتوسطة ثم المتقدمة، ينساب تيار الوعي على طاولة الدرس. كنا نكتب عن أشياء لا نتذكرها، تتدفق أسفل حواسّنا، وتنطلق بحريّة عشوائيّة، غير أنها مع طول الوقت والمراس لا تلبث أن تمتلك صياغات نمطيّة مكرورة، فتجد طالبا مولعا بالنقش، وآخرَ مولعاً بتسطير صفحات دفتره، وآخر مولعا بإحداث حفرة يركز فيها القلم. وآخرين يصغون، ولكنهم يفكرون وتجدهم موجودين في أماكن أخرى. المهم أن هذا التيار مهما بلغت عشوائيّته يظلّ تيارا يمتلك صفاتٍ محدّدة لدى كل شخص بعينه، وسماتٍ قابلة للتعقب، بل لتحديد الوجهة.

أسئلة وتطبيقات:
لا يكاد تيار الوعي في عالم السرد يخطر لنا حتى تبزغ أمامنا شخصيات تيارات الوعي، بدءاً من الراوي العليم في آنا كارنينا تولستوي، ومن بعده صوت ضمير راسكولينكوف في الجريمة والعقاب لدى ديستوفسكي، لكن لا شيء يحدث بالصيغة الحرّة الشعرية كما لدى هملت شيكسبير، الذي يلخصه محفوظ في ثرثرة فوق الليل بعبارة وحيدة (السيّد المهتضم أنيس). لكن هل هناك فصول مستقلّة يتدفق فيها تيار الوعي الحرّ؟ وما علاقة تيار الوعي الحرّ بإيقاع النص، تسريعه أو تبطئته؟ وهل تيار الوعي هو بالضرورة مونولوج عاطفي تعبيري عشوائي بالضرورة؟
تعالوا بنا إلى أقوى شخصيات تدفق تيار الوعي على الإطلاق: بنجامين الصخب والعنف، لدى الأمريكي وليم فوكنر (نوبل 49)، وهو البطل الوحيد الذي يمثل واقع وعيه الخارجي الخط نفسه لواقع تيار وعيه الداخلي، ويمكننا توضيح هذا المعنى برسم تطبيقي لشكل تياري الوعي الداخلي والخارجي لبنجامين الصخب والعنف، بهذه الصورة المبسطة:
(الوعي الداخلي لبنجامين: ـــــــــــ
الوعي الخارجي لبنجامين: ـــــــــ
الداخلي + الخارجي لبنجامين: ___________________).
(يلحظ القارئ أن الخط الثالث أدق الخطوط وأطولها، وأن الأول أطول من الثاني قليلا، لكنهما ينتهيان إلى شكل موحّد لا يمكن الفصل فيه بين التيارين، بل يتداخلان ويمتدّان في سياق دقيق).

ذلك ما جعل جبرا إبراهيم جبرا يقرر أنّ رواية الصخب والعنف هي رواية تيار الوعي بامتياز، وذلك لأن شخصيات أخرى أساسية في الرواية تعيش وعيها الداخليّ مع وعيها الذاتي بالفارق بين الوعيين، وتتلخصُ مهمة الكاتب (فوكنر) في تتبع هذا الوعي وحكايته بحرية تامّة، غير أنّ المسألة لا تتوقف عند ذلك الحدّ لدى بنجامين، بل تحتاج إلى خلقٍ حقيقي يلتزم بشروط نظرية المعرفة لدى شخصية المهووس (بنجامين). الأمر ذاته الذي نشهده في قصة همس الجنون لنجيب محفوظ، وإنْ بصيغة أقل حرفية.

تيار الوعي هو مونولوج داخلي ملتزم:
لسنا الآن في مرحلة رصدٍ للطرق الكتابيّة التي نعرفها لتيار الوعي، بل لنقرّر أن تيار الوعي في الأعمال الكبرى يسجل إيجابا يفرضه هو على نفسه: أن يلتزم بواقعٍ نفسي، بمعنى أوضح: هو مونولوج داخليّ ملتزم، (ومن هنا يمكن لمن يهم بالاستدراك علينا في الفترة السابقة أن يدرك ما عنيناه بضرب المثال بهملت شيكسبير) بدليل أنّ رواية (الورثة) للأمريكي العظيم الآخر الحائز على نوبل، الذي يحمل الاسم الأول نفسه: (وليم غولدينغ). هذه الرواية ترصد تدفق وعي مجموعة من البشر في فترة ما قبل التاريخ، وهم على افتراض الرواية في أولى مراحل الارتقاء إلى الصبغة البشرية، حيث تتشكل الأفكار في الوعي انطلاقا من صور مجردة. وعندئذ وجدنا أن (غولدينغ)، يلتزم بواقع مونولوجي نفسي، فالصور التي تتكون لدى حالة الخوف، وترسم التصرفات النصف حيوانيّة/ نصف بشريّة. تلتزم بالشروط التالية:
1. التصور القاصر لدى إنسان ما قبل التاريخ.
2. الذكاء الغريزي لدى إنسان ما قبل التاريخ.
3. اتخاذ القرارات أو ارتجالها بعيدا عن المحرّك القيمي.
4. ظهور البذور الأولى لتكوّن الخليقة البشرية بشكلها الحالي.

وإذن فإن الواقع النفسي في رواية غولدينغ+ الواقع التاريخي البدائي+ الواقع السلوكي الحيواني+ الافتراضات المنطقيّة. هي ما يتحكم في تسيير الروائي ورصده للتدفق الجماعي لتيار وعيٍ مجرّد في تلك الرواية، إذ لم يتدخل الراوي العليم قط في تفسير أيٍّ من الفروقات السلوكيّة المحيّرة للقارئ.
على هذا الأساس فإن تدفق أي تيار وعي، سواء كان يحمل صبغة المرض النفسي (وهو الغالب في كلاسيكيات هذا النوع من الكتابة) أو غير ذلك، هو خاضع لواقعه النفسي. نشهد ذلك في رواية النفق للأرجنتيني ساباتو، وفي روايته الأخرى أبطال وقبور بخاصة لدى شخصية فرناندو (التي لم تكن سوى تيار وعي موحّد، يمثل نهراً فاصلا بين أحداث الرواية، ممثلة لمرض الرهاب) أو لشخصيّة حارس المرمى المعتزل في رواية بيتر هاندكه (ممثلة شخصية القاتل المزاجي الذي يعاني من التوحّد.

الشرط الفني للوصول إلى كتابة تيار الوعي:
ومن هنا فإن الوصول إلى كتابة تيار وعي فنيّ، تحتاج إلى صدق معرفي وصدق فني معاً، وإلى إتقان لكتابة المونولوج الداخلي أولا، وليس إلى تحرير اللغة والتعبيرات الذاتية لدى الكاتب، لأن النص القصصي يظلّ نصّا ينظر إلى الخارج دائما. وعلى القارئ أن يكون في مأمن من الوقوع تحت سطوة التشعبيّة، أو حتى الافتتان بها.

تفريع على سبيل التطبيق:
كتبت مي العتيبي نصّا بعنوان (حمأ) تلقّى استحسانا (شبه انبطاحيّ) من كثير من القرّاء، غير أنّ أحدا من القرّاء لم يتجاوز حالة اللغة والاستعارة الشعرية (الحالة البشرية التي تعود إلى حالة طينيّة). والذي يعنيني هنا، أن المونولوج الداخلي لبطلة القصة لم يكن يرتقي إلى أن يصبح واقعيّا، إلى درجة أنه لا يمتلك أي مقومات يعيد إليها الحالة سوى الحالة الطينية الموروثة من النص الديني (الحمأ: الطين الداكن المتعفن: أصل البشريّة). وعليه: فإن النص المذكور لم يتعامل مع واقع المونولوج:
1. الكاتبة تصور لنا البطلة في حالة تحوّل، ونصوص التحول مليئة بالمونولوجات التي ترصد الوعي، لكن لا يوجد منها نصّ لم يناقش حالة التحول ماديا وجسديّا. فهي تقدم لنا شخصية شبه مثالية، ومع ذلك فهي تنظر إلى المجتمع الذي تلقت منه تعليمها وتحصل منه رواتبها على أنه مجتمع يأخذ ولا يعطي، فمن أين تلقّت هذه الشخصية تعليمها؟ أمن الفراغ؟ ومن أين تعتاش ماديا؟ من الفراغ؟ إذن فواقعية المثالية لدى الشخصية التي تم تقديمها غير مثالية.
2. لا ترصد الكاتبة الجوانب التي يفترض بوعي يتعرض لحالة تحوّل حسيّة أن يعاني منها، فالشخصية تتحول إلى طين في المساء، وتعود بشرية في النهار، وتفقد جزءا من جسدها كلما أرادت أن تغسل يديها، فهل هذه الشخصية لا تستحم إلا في النهار؟ وإذا استحمّت في الليل وسقط رأسها فما الذي يمكن أن يجري؟ وإذا كانت الوحل يسيل منها فمعنى ذلك أنها تفقد جزءا من جسدها، فهل هي تعوض ذلك بأن تصب على نفسها وحلاً؟ هل تملأ أكياس رمل من حديقة الحيّ وتتوحد بها لتخلق نفسها وتعيد ملامحها مجددا؟ هل تشعر بأنها تخلق نفسها؟ وماذا يمكن أن يجري لهذه لشخصية داخل منزلها؟ هل هي عزباء وحيدة حتى لا يرصد أحد حالتها التحولية؟ وإن كانت وحيدة فكيف تتحرّك؟ إن الحالة الطينية تتدخل في فيزياء الحركة الجسمانية، سوف يتغير شكل الجلوس، وسوف يتساقط الطين على البلاط، ولن تستطيع أن تلتحفَ بملابسها، وسوف تفقد جزءا منها هنا أو هناك. الأمر الآخر: أن بطلة القصة امرأة، فلماذا لم تستغل حالتها (الصلصالية) لتحسين ملامحها؟ لكي تجسّد لنا حالة الهاجس الجماليّ لدى المرأة؟ ولماذا لم تناقش سوى حالة التشقق فقط خارجيا، بصيغة لغويّة استعارية شعرية؟ بعيدا عن شروط الواقع الذي ورّطت فيه شخصيتها. بل تكتفي بأن تذكر مشاكلها مع أبسط وأقل شيء: مشاكلها مع فرشاة الأسنان! ومع المطر، والاستحمام بماء ساخن، وملابسها التي تخلعها، أو معاناتها عندما تشعر أنها تبتلع طينا، فهل معنى ذلك أنها تبتلع نفسها؟ ما حالتها الهضمية؟ وكيف تتقبل أنها تأكل نفسها؟ وكيف تعوض ما فقدته؟ وهل تخلف فضلات طينية مثلا؟ ما الذي يجري لأعضائها الحيويّة أثناء التطيّن؟ كلها زوايا كانت غير مضاءة لدى الكاتبة، لكن ذلك لا يتفق مع واقع الشخصية، ولا يقنعنا ظنّ الكاتبة أن حالة الوعي الداخلي للشخصية هي حالة شعرية مجردة.

مختصرات:
أبرز رواية سعودية اعتمدت أسلوب تدفق تيار الوعي:
ثلاثية المكتوب مرّة أخرى للدويحي. غير أن أسلوبيتها التي تنطلق من ذات الكاتبِ ساهمت في تطويقها بتيار الوعي الشخصيّ، الأمر الذي حولها إلى شهادة محكيّة على ظروف اجتماعية وسياسية وثقافيّة وتجارب متفرّقة عانت منها الذات الكاتب لدى المؤلف، ولولا أنّ الكاتب نظمَ هذه المتناسلات كلّها في رؤية الفقد فلربّما تفتقت عن كتابة حرّة لا عن رواية بالمعنى الذي نفهمه.

الأهداف التقليديّة للجوء إلى أسلوب تيار الوعي:
1. التحرّر من شروط الحبكة الواقعية الاعتيادية.
2. فسح المجال للترميزّ والإسقاط السياسي والاجتماعي والتجريب الجدلي.
3. الاستعراض المهاري.

جوتيار تمر
31-05-2007, 02:08 PM
الانصاري..
لم استوعب الامر هنا..هل انت كنت بصدد طرح نص قصصي، ام انك مزجت الامر بتوجيه دراسة قصصية بمعالم القصة ذااتها، فجاء النص على ما ارى موجها ورسالة ودراسة بشأن تيار الوعي، ومن ثم هوامش ادبية عن القصة ومعالمها وافقها، ومن ثم تسطير لاهم مداخلها وتركيز على الرمزية التي باتت بلاشك المحك الاول في النصوص الادبية لدى الغالبية من الادباء..؟

لقد استمتعت بما كتبت ..بغض النظر عن كنهته.

دمت بالق
محبتي لك
جوتيار

محمد سامي البوهي
31-05-2007, 04:17 PM
الأستاذ القدير الانصاري

نشكرك جزيل الشكر على هذه الدراسة حديثة الشكل ، وعميقة المضمون .

واسمح لي بنقلها في منتدى النقد الأدبي ..

محمد

د. نجلاء طمان
01-06-2007, 02:00 AM
الأديب الأستاذ: عبد الواحد الأنصاري


بداية أشكر لك هذا الجهد الكبير فى عمل الدراسة , واسمح لى بالهمس بجوار عملك الرائع.


"تيار الوعي
حكاية مدرسية
ليس حرا على الإطلاق:
في الفصول الدراسية المتوسطة ثم المتقدمة، ينساب تيار الوعي على طاولة الدرس. كنا نكتب عن أشياء لا نتذكرها، تتدفق أسفل حواسّنا، وتنطلق بحريّة عشوائيّة، غير أنها مع طول الوقت والمراس لا تلبث أن تمتلك صياغات نمطيّة مكرورة، فتجد طالبا مولعا بالنقش، وآخرَ مولعاً بتسطير صفحات دفتره، وآخر مولعا بإحداث حفرة يركز فيها القلم. وآخرين يصغون، ولكنهم يفكرون وتجدهم موجودين في أماكن أخرى. المهم أن هذا التيار مهما بلغت عشوائيّته يظلّ تيارا يمتلك صفاتٍ محدّدة لدى كل شخص بعينه، وسماتٍ قابلة للتعقب، بل لتحديد الوجهة.
أسئلة وتطبيقات:
لا يكاد تيار الوعي في عالم السرد يخطر لنا حتى تبزغ أمامنا شخصيات تيارات الوعي، بدءاً من الراوي العليم في آنا كارنينا تولستوي، ومن بعده صوت ضمير راسكولينكوف في الجريمة والعقاب لدى ديستوفسكي، لكن لا شيء يحدث بالصيغة الحرّة الشعرية كما لدى هملت شيكسبير، الذي يلخصه محفوظ في ثرثرة فوق الليل بعبارة وحيدة (السيّد المهتضم أنيس). لكن هل هناك فصول مستقلّة يتدفق فيها تيار الوعي الحرّ؟ وما علاقة تيار الوعي الحرّ بإيقاع النص، تسريعه أو تبطئته؟ وهل تيار الوعي هو بالضرورة مونولوج عاطفي تعبيري عشوائي بالضرورة؟
تعالوا بنا إلى أقوى شخصيات تدفق تيار الوعي على الإطلاق: بنجامين الصخب والعنف، لدى الأمريكي وليم فوكنر (نوبل 49)، وهو البطل الوحيد الذي يمثل واقع وعيه الخارجي الخط نفسه لواقع تيار وعيه الداخلي، ويمكننا توضيح هذا المعنى برسم تطبيقي لشكل تياري الوعي الداخلي والخارجي لبنجامين الصخب والعنف، بهذه الصورة المبسطة:
(الوعي الداخلي لبنجامين: ـــــــــــ
الوعي الخارجي لبنجامين: ـــــــــ
الداخلي + الخارجي لبنجامين: ___________________).
(يلحظ القارئ أن الخط الثالث أدق الخطوط وأطولها، وأن الأول أطول من الثاني قليلا، لكنهما ينتهيان إلى شكل موحّد لا يمكن الفصل فيه بين التيارين، بل يتداخلان ويمتدّان في سياق دقيق).
ذلك ما جعل جبرا إبراهيم جبرا يقرر أنّ رواية الصخب والعنف هي رواية تيار الوعي بامتياز، وذلك لأن شخصيات أخرى أساسية في الرواية تعيش وعيها الداخليّ مع وعيها الذاتي بالفارق بين الوعيين، وتتلخصُ مهمة الكاتب (فوكنر) في تتبع هذا الوعي وحكايته بحرية تامّة، غير أنّ المسألة لا تتوقف عند ذلك الحدّ لدى بنجامين، بل تحتاج إلى خلقٍ حقيقي يلتزم بشروط نظرية المعرفة لدى شخصية المهووس (بنجامين). الأمر ذاته الذي نشهده في قصة همس الجنون لنجيب محفوظ، وإنْ بصيغة أقل حرفية.
تيار الوعي هو مونولوج داخلي ملتزم:
لسنا الآن في مرحلة رصدٍ للطرق الكتابيّة التي نعرفها لتيار الوعي، بل لنقرّر أن تيار الوعي في الأعمال الكبرى يسجل إيجابا يفرضه هو على نفسه: أن يلتزم بواقعٍ نفسي، بمعنى أوضح: هو مونولوج داخليّ ملتزم، (ومن هنا يمكن لمن يهم بالاستدراك علينا في الفترة السابقة أن يدرك ما عنيناه بضرب المثال بهملت شيكسبير) بدليل أنّ رواية (الورثة) للأمريكي العظيم الآخر الحائز على نوبل، الذي يحمل الاسم الأول نفسه: (وليم غولدينغ). هذه الرواية ترصد تدفق وعي مجموعة من البشر في فترة ما قبل التاريخ، وهم على افتراض الرواية في أولى مراحل الارتقاء إلى الصبغة البشرية، حيث تتشكل الأفكار في الوعي انطلاقا من صور مجردة. وعندئذ وجدنا أن (غولدينغ)، يلتزم بواقع مونولوجي نفسي، فالصور التي تتكون لدى حالة الخوف، وترسم التصرفات النصف حيوانيّة/ نصف بشريّة. تلتزم بالشروط التالية:
1. التصور القاصر لدى إنسان ما قبل التاريخ.
2. الذكاء الغريزي لدى إنسان ما قبل التاريخ.
3. اتخاذ القرارات أو ارتجالها بعيدا عن المحرّك القيمي.
4. ظهور البذور الأولى لتكوّن الخليقة البشرية بشكلها الحالي.
وإذن فإن الواقع النفسي في رواية غولدينغ+ الواقع التاريخي البدائي+ الواقع السلوكي الحيواني+ الافتراضات المنطقيّة. هي ما يتحكم في تسيير الروائي ورصده للتدفق الجماعي لتيار وعيٍ مجرّد في تلك الرواية، إذ لم يتدخل الراوي العليم قط في تفسير أيٍّ من الفروقات السلوكيّة المحيّرة للقارئ.
على هذا الأساس فإن تدفق أي تيار وعي، سواء كان يحمل صبغة المرض النفسي (وهو الغالب في كلاسيكيات هذا النوع من الكتابة) أو غير ذلك، هو خاضع لواقعه النفسي. نشهد ذلك في رواية النفق للأرجنتيني ساباتو، وفي روايته الأخرى أبطال وقبور بخاصة لدى شخصية فرناندو (التي لم تكن سوى تيار وعي موحّد، يمثل نهراً فاصلا بين أحداث الرواية، ممثلة لمرض الرهاب) أو لشخصيّة حارس المرمى المعتزل في رواية بيتر هاندكه (ممثلة شخصية القاتل المزاجي الذي يعاني من التوحّد.


دراسة أكثر من رائعة بحق أجدت فيها .


الشرط الفني للوصول إلى كتابة تيار الوعي:
ومن هنا فإن الوصول إلى كتابة تيار وعي فنيّ، تحتاج إلى صدق معرفي وصدق فني معاً، وإلى إتقان لكتابة المونولوج الداخلي أولا، وليس إلى تحرير اللغة والتعبيرات الذاتية لدى الكاتب، لأن النص القصصي يظلّ نصّا ينظر إلى الخارج دائما. وعلى القارئ أن يكون في مأمن من الوقوع تحت سطوة التشعبيّة، أو حتى الافتتان بها.


أتفق معك فعلا فالكتابة القصصية التى تقوم على تيار الوعى أو تيار الشعور تقتضى موهبة فذة من القاص حتى لا يفلت منه خيط الحبك, وتقتضى فى المقابل تذوق واستقبال جيدين من المتلقى.


تفريع على سبيل التطبيق:
كتبت مي العتيبي نصّا بعنوان (حمأ) تلقّى استحسانا (شبه انبطاحيّ) من كثير من القرّاء، غير أنّ أحدا من القرّاء لم يتجاوز حالة اللغة والاستعارة الشعرية (الحالة البشرية التي تعود إلى حالة طينيّة). والذي يعنيني هنا، أن المونولوج الداخلي لبطلة القصة لم يكن يرتقي إلى أن يصبح واقعيّا، إلى درجة أنه لا يمتلك أي مقومات يعيد إليها الحالة سوى الحالة الطينية الموروثة من النص الديني (الحمأ: الطين الداكن المتعفن: أصل البشريّة). وعليه: فإن النص المذكور لم يتعامل مع واقع المونولوج:
1. الكاتبة تصور لنا البطلة في حالة تحوّل، ونصوص التحول مليئة بالمونولوجات التي ترصد الوعي، لكن لا يوجد منها نصّ لم يناقش حالة التحول ماديا وجسديّا. فهي تقدم لنا شخصية شبه مثالية، ومع ذلك فهي تنظر إلى المجتمع الذي تلقت منه تعليمها وتحصل منه رواتبها على أنه مجتمع يأخذ ولا يعطي، فمن أين تلقّت هذه الشخصية تعليمها؟ أمن الفراغ؟ ومن أين تعتاش ماديا؟ من الفراغ؟ إذن فواقعية المثالية لدى الشخصية التي تم تقديمها غير مثالية.
2. لا ترصد الكاتبة الجوانب التي يفترض بوعي يتعرض لحالة تحوّل حسيّة أن يعاني منها، فالشخصية تتحول إلى طين في المساء، وتعود بشرية في النهار، وتفقد جزءا من جسدها كلما أرادت أن تغسل يديها، فهل هذه الشخصية لا تستحم إلا في النهار؟ وإذا استحمّت في الليل وسقط رأسها فما الذي يمكن أن يجري؟ وإذا كانت الوحل يسيل منها فمعنى ذلك أنها تفقد جزءا من جسدها، فهل هي تعوض ذلك بأن تصب على نفسها وحلاً؟ هل تملأ أكياس رمل من حديقة الحيّ وتتوحد بها لتخلق نفسها وتعيد ملامحها مجددا؟ هل تشعر بأنها تخلق نفسها؟ وماذا يمكن أن يجري لهذه لشخصية داخل منزلها؟ هل هي عزباء وحيدة حتى لا يرصد أحد حالتها التحولية؟ وإن كانت وحيدة فكيف تتحرّك؟ إن الحالة الطينية تتدخل في فيزياء الحركة الجسمانية، سوف يتغير شكل الجلوس، وسوف يتساقط الطين على البلاط، ولن تستطيع أن تلتحفَ بملابسها، وسوف تفقد جزءا منها هنا أو هناك. الأمر الآخر: أن بطلة القصة امرأة، فلماذا لم تستغل حالتها (الصلصالية) لتحسين ملامحها؟ لكي تجسّد لنا حالة الهاجس الجماليّ لدى المرأة؟ ولماذا لم تناقش سوى حالة التشقق فقط خارجيا، بصيغة لغويّة استعارية شعرية؟ بعيدا عن شروط الواقع الذي ورّطت فيه شخصيتها. بل تكتفي بأن تذكر مشاكلها مع أبسط وأقل شيء: مشاكلها مع فرشاة الأسنان! ومع المطر، والاستحمام بماء ساخن، وملابسها التي تخلعها، أو معاناتها عندما تشعر أنها تبتلع طينا، فهل معنى ذلك أنها تبتلع نفسها؟ ما حالتها الهضمية؟ وكيف تتقبل أنها تأكل نفسها؟ وكيف تعوض ما فقدته؟ وهل تخلف فضلات طينية مثلا؟ ما الذي يجري لأعضائها الحيويّة أثناء التطيّن؟ كلها زوايا كانت غير مضاءة لدى الكاتبة، لكن ذلك لا يتفق مع واقع الشخصية، ولا يقنعنا ظنّ الكاتبة أن حالة الوعي الداخلي للشخصية هي حالة شعرية مجردة.


الحقيقة لا أعرف من هى الكاتبة ولا أعرف العمل, وكنت أتمنى ان تعطى مثالا للدراسة من قسم القصة فى الواحة ,إثراءا للقسم من ناحية, وحتى يمكننى الحكم الصحيح على التطبيق من ناحية أخرى.

مختصرات:
أبرز رواية سعودية اعتمدت أسلوب تدفق تيار الوعي:
ثلاثية المكتوب مرّة أخرى للدويحي. غير أن أسلوبيتها التي تنطلق من ذات الكاتبِ ساهمت في تطويقها بتيار الوعي الشخصيّ، الأمر الذي حولها إلى شهادة محكيّة على ظروف اجتماعية وسياسية وثقافيّة وتجارب متفرّقة عانت منها الذات الكاتب لدى المؤلف، ولولا أنّ الكاتب نظمَ هذه المتناسلات كلّها في رؤية الفقد فلربّما تفتقت عن كتابة حرّة لا عن رواية بالمعنى الذي نفهمه.


ليتك تعطينا على الأقل أبرز قصة من الواحة اعتمدت على تيار الوعى.


الأهداف التقليديّة للجوء إلى أسلوب تيار الوعي:
1. التحرّر من شروط الحبكة الواقعية الاعتيادية.
2. فسح المجال للترميزّ والإسقاط السياسي والاجتماعي والتجريب الجدلي.
3. الاستعراض المهاري.


نعم, هى بعض أهداف تيار الوعى , فالحديث عن "تيار الوعى " أو "تيار الشعور"يطول....ويطول.


شذى الوردة لهذا المجهود.


د. نجلاء طمان

عبد الواحد الأنصاري
02-06-2007, 03:18 PM
أشكر كل المتداخلين في الموضوع: جوتيار. البوهي. د. نجلاء
ويسعدني تفاعلهم النبيل جدا، والذي أخجلني حقّا، أما بالنسبة للقصة التي ضُرب بها المثال في النص فهاهي:

حمأ (قصة مي العتيبي)

لم أجف وكلُّ مرةٍ أغسل فيها يديّ ينساب من بينهما وحل، فأنشج وأبكي بمرارة مرعبة لا أدري من أين تجئ، أبكي لكن بكائي يزيد طيني بللاً فينهار فخار وجهي تحت سيل دموعي، وينتج عنها خيطٌ موحلٌ بطول خدي، ومرارة الطين تزيد تحت لساني، وإن استعملت حلوى صغيرة بنكهة النعناع التي أُحبّ يذوب طين فمي قبل أن تذوب الحلوى، كل الحلول لإزالة المرارة حلول فاشلة خاصة استعمال فرشاة الأسنان التي يعقبها بصق مقدار لا بأس به من الطين ممزوجًا ببقايا معجون الأسنان.
لا يحدث هذا إلا ليلاً، أما حين تشرق الشمس وأستعد للذهاب إلى الجامعة ولقاء طالباتي فسأجف تمامًا تحت أشعتها الطازجة أستحم بالشمس كل صباح، كلاهما صعب عليّ: الحياة آناء اللَّيل والحياة أطراف النهار. إذا اشتدت الشمس وقت الظهر لن أستطيع الانتقال إلى مباني الجامعة الأخرى، سيبدأ فخّاري بالتشقق على مساحاتٍ واسعة من راحة كفي وعنقي وجبيني فأهرب من الناس إلى أقرب مخزن رطب أو أفتح باب أقرب ثلاجة في إحدى الكفتريات.
أعرف أن الطالبات يتهامسن من ورائي، وألحظ علامات التعجب الطولية تقفز من عيون زميلاتي الأكاديميات، لكني لا أستطيع أن أعترف أني لم أجف بعد، أنا دونًا عن الجميع لم أجف!
في السنوات الأخيرة بدأت حالتي تزداد سوءًا، وحين ذهبت لطبيبتي أحالتني إلى الطب النفسي، وهناك لا أحد يرى طيني وهو يتشقق أو يوحل، وعندما ظهرت بعض التشققات على صورتي التي التقطتها إحدى الطالبات في حفل تخرجها، أكدت الطبيبة أن هناك عطلاً في الكاميرا نتج عنه ظهور وجهي بهذا الشكل المتشقق.
وعندما سألتها لماذا على وجهي أنا بالتحديد دونًا عن الجميع، لم تجب وراحت تدوّن ملاحظات فارغة في ملفي!
لا أحد يريد - أو ربما يستطيع - أن يصدق أني لم أجف، دونًا عنكم جميعًا، أنا لم أجف!
تصالحت مع طينيتي، ورحت أخبئ ملابسي المتربة بعد يومٍ من العمل المنهك، أنفضها جيدًا قبل أن أضعها في سلة الغسيل.
مرّ العمر وأنا مثل محطة بنزين استقبل الناس في كلِّ وقتٍ أمنحهم مالدي من طاقة من حبّ يعبرني الجميع تمامًا مثلما تعبر السيارات محطة البنزين السيارات الجديدة والقديمة، السيارات الفارهة والأخرى المهترئة وتقدم لهم نفس الخدمات.
لم أفرق أبدًا بين الناس، كنت أتعاطف مع الخاطئين مع اللصوص مع الأفاقين مع الخونة مع الجبناء مع الخبثاء قبل أن أتعاطف مع أهل الصلاح، كنت امرأة الطين المثالية، حتى بدأت تظهر هذه التشققات اللعينة على وجهي وأسفل ذقني، على راحة يدي تحت عيني في المكان الذي تنسرب منه الدموع، تمامًا هناك حيث الدموع والكثير من التشققات اليابسة، حتى بدأ يذوب الطين في فمي وتحت لساني وبين ضلوعي، حتى بدأت تغزوني المرارة الفادحة!
كيف لو أمشي تحت المطر في ممرٍ طويلٍ طويل لا يحده حدّ؟، هل سأصل قبل أن أذوب تمامًا؟، كيف لو أستحم تحت ماء ساخن فيكسو الوحل المترسب على مساماتي أسطح المرايا بين الأبخرة وفقاعات الصّابون؟
كيف لو ألقيت نفسي في موج البحر الصخّاب؟، هذه كلها ليست وسائل قتل لمن جف حمأه، لكنها انتحارٌ حقيقي بالنسبة لي!
إذا رأيتم التشققات تغزو وجوهكم والوحل ينسرب مع الماء في المغسلة بين أيديكم، إذا أصّر البائع في المتجر أو الصيدلية أن يبيعكم كريم مرطب تظهر على غلافه ممثلة حسناء وأخبركم أن هذا الكريم أقوى منتج لمقاومة التشققات الطينية، فاعلموا أنه جاء الوقت الذي طالما هربتم منه، جاء الوقت الذي يجب أن تتصالحوا فيه مع طينيتكم وخسائركم ومع المرارة تحت ألسنتكم وبدأت محطة البنزين تفرغ من السيارات، سيارةً خلفَ سيارةٍ خلفَ سيارة، حتى أطفأت أنوارها الملونة وأغلقت أبواب محلاتها، وانتهى كل شئ موحلاً مُرًّا كما بدأ.