المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلاقة بأهل الكتاب: من سورة (المدثر) إلى سورة (المائدة)



خليل حلاوجي
05-01-2008, 11:34 AM
العلاقة بأهل الكتاب: من سورة (المدثر) إلى سورة (المائدة)


بقلم : زين العابدين الركابي
جريدة الشرق الأوسط \ السبـت 27 ذو الحجـة 1428 هـ 5 يناير 2008 العدد 10630



هذا مقال مؤجل!.. كان المفترض أن يُنشر في الأسبوع الماضي، لكن مقتل بي نظير بوتو قطع (السياق الزمني) لقضية واحدة.. وإذ قُطع السياق زمنيا، فإنا نصله الآن موضوعيا.

والمبتدأ: شكر جم نسديه للكبار عن تقديرهم النبيل لمقال الأسبوع قبل الماضي: (بمناسبة أعياد الميلاد: تعالوا (نتبادل المعرفة) عن محمد والمسيح). فليس يعرف قيمة الفكر إلا نبيل الفكر، متيقظ الذهن دوما لمثل هذه الموضوعات. كما نشكر للقراء بعامة ـ مسلمين ومسيحيين ـ الذين تفاعلوا مع المقال تفاعلا يتعين أن نستنبط منه: حقيقة أن الناس الأسوياء يفرحون أيما فرحة بمنازع التسامح واتجاهاته، ويودون لو أن معايير العدل والمودة سادت العلاقة بين أتباع الأديان: في غير جفاء أو تدابر ناشئ عن الظلم أو التظالم في فهم أو نظرة أو حكم أو سلوك أو فعل.

وهذا المقال كله: امتداد منهجي وموضوعي لمقال الأسبوع الماضي. فالقضية كبيرة: جد كبيرة.. ومثلها يتطلب بسطا يجتنب الاختزال. ويتطلب تأصيلا مشبعا مرويا: في المفهوم، وفي البرهان.

كنا نحاور سيدة أمريكية ـ أكاديمية ومثقفة ـ. وقد سألناها: ان روما أو (الروم): مصدر حضاري للغرب ـ بما في ذلك الولايات المتحدة ـ.. مصدر تاريخي وحضاري للغرب ـ دينا وثقافة وفلسفة وقانونا وسياسة وقيادة وأرومة جينية أو نسبا ـ، فهل تعلمين: أن في القرآن سورة كاملة تحمل اسم مؤسسي حضارتكم الأوائل، تحمل اسم (الروم)؟!. ذهلت المرأة الأمريكية وطفقت تدون هذا المفهوم في أجندتها.. ولم يكن في الوقت متسع لنقول لها: إن الموضوع ليس مجرد (اسم)، بل هو اسم ومحتوى.. فقد كانت الحرب دائرة بين فارس التي كانت تعبد الأوثان، وبين روما التي كانت (أهل كتاب). وكان المسلمون ـ في مكة ـ يتابعون المعركة باهتمام شديد، وكانوا يحبون أن ينتصر الروم على فارس، حيث إن الروم أهل كتاب - وهم أقرب ـ من ثم ـ الى دين المسلمين: كونهم أهل كتاب.. ولقد سجل القرآن هذه الأحوال النفسية، والمواقف السياسية عند المسلمين: في نبأ هو من معجزات القرآن لأنه يتحدث عن نصر الروم على الفرس في (المستقبل المغيَّب) الذي لا يجزم بحقيقة وقوعه إلا علاّم الغيوب، منزل القرآن، تقدس في علاه: «الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم».. إنها قصة (الانحياز الإسلامي المبكر) لأهل الكتاب، والتبشير والفرحة بنصرهم على عدوهم الوثني.

والنموذج الآخر ـ في العلاقة الطيبة ـ بأهل الكتاب: نشاهدها في وقت مبكر أيضا، أي في مكة.. فقد قصت أم سلمة: زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قصة الهجرة إلى الحبشة، وكانت ممن هاجر الى الحبشة مع مسلمين أوائل، (وهذا من الأدلة الحاسمة على أهلية المرأة لرواية السنة).. قالت أم سلمة: «لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار (النجاشي)، آمنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه» ـ وكانت بين النجاشي وبين عدو له معركة ـ قالت أم سلمة: «فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بخبر، فقال الزبير بن العوام: أنا، وكان من أحدث القوم سنا، فنفخنا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها الى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، فوالله أنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير بن العوام يسعى ويلوح بثوبه ويقول: ألا أبشروا قد ظهر النجاشي، وقد أهلك الله عدوه، فوالله ما علمت فرحنا فرحة مثلها قط». ثم قالت أم سلمة ـ في سياق آخر ـ: «فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته «أي عندما سمع القرآن». ثم قال: «ان هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة». ثم قال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟. فقال له جعفر بن أبي طالب: «نقول فيه الذي جاء به نبينا هو: عبد الله ورسوله وروح منه وكلمته ألقاها الى مريم العذراء البتول» فضرب النجاشي يده على الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: «ما عدّى عيسى بن مريم ما قلتَ هذا العود».

إننا أمام نماذج مضيئة من الاستواء البشري، ونقاء الفطرة، والتدين الصدوق، وكمال العقل، والرغبة المكينة في العلاقة والوداد. فالمسلمون المهاجرون إلى الحبشة ينحازون الى ملكها النجاشي في صراعه مع عدوه، ويدعون له بالنصر والتمكين، ويفرحون فرحة منقطعة النظير ـ كما تقول أم سلمة ـ بنصره على عدوه، حين جاءهم الزبير بأنباء النصر!!.. وملك الحبشة ـ الصالح العاقل النبيل من جهة أخرى ـ يصغي ـ في رشد وتقى وحب للحقيقة ـ للمسلمين وهم يعرّفونه بحقائق عقائد الاسلام في عيسى بن مريم وأمه البتول الصديقة.. ولم يتردد الملك المسيحي العظيم في الجهر بأن ما نزل على محمد: مصّدق لما جاء به موسى وعيسى: صلى الله عليهم جميعا وسلم.

ذلك كله كان في مكة، أي في وقت مبكر جدا من تاريخ الاسلام. وإذ تدل النماذج الآنفة على العلاقة المبكرة السمحة بين المسلمين وأهل الكتاب، فإن هذه النماذج ليست (مفردة)، وإنما هي جزء من (منهج تأصيلي كلي) يؤصل للعلاقة الحسنة مع أهل الكتاب في القرآن المكي. ولذا يُضم الى النماذج السابقة.

1 ـ سورة (مريم) وهي مكية.. وفي هذه السورة تعريف بمعجزة حمل وميلاد عيسى عليه السلام وتأصيل عقدي منهجي لها: «واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا. قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا. قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا. قال كذلك قال ربك هو عليّ هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا. فحملته فانتبذت به مكانا قصيا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا. وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليها رطبا جنيا. فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا. فأتت به قومها تحمله».. الى قوله تعالى: «ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون».. وفي ثنايا تأصيل معجزة حمل المسيح وميلاده: براءة قاطعة لأمه مريم البتول، وشهادة بطهرها. فالمعجزة كلها: بحكمة الله وعلمه وإرادته وقدرته المطلقة.. وفي ذلك نقض تام لافتراءات المفترين عليها.. ولنذكر أن سورة مريم: مكية.. ولنذكر - كذلك -: ان من خصائص (القرآن المكي): تأسيس العقائد وتأصيلها. ومن هنا، فإن معجزة حمل المسيح وميلاده: عقيدة أسسها القرآن وأصّلها في صدور المسلمين: بادئ ذي بدء.

2 ـ سورة (الكهف): مكية، وفي صدرها قصة أصحاب الكهف، وهم فتية نصارى تعرضوا للأذى والاضطهاد فدافع القرآن عنهم، وكرمهم واحتفى بهم، وانتصر لمنهجهم، وقد سميت السورة نفسها باسم كهفهم: «أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا. إذا أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا. فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا. ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا. نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى».

3 ـ وسورة (البروج): مكية.. ولقد انتظمت شأن جماعة من النصارى خلّد القرآن ذكرهم، وقبّح مضطهديهم ومعذبيهم: «قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد. الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد. إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق».

4 ـ بل نستطيع القول ـ باطمئنان معرفي ـ: إن التنويه بالعلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب: سطع في بدايات تنزيل القرآن.. فسورة (المدثر) هي السورة الثانية ـ في ترتيب النزول ـ، أي نزلت بعد سورة (العلق) أو (اقرأ).. وفي سورة المدثر هذه نقرأ: «وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون».. وفي هذا النص (إيمان مشترك) بين المسلمين وأولي الكتاب: إيمان وتسليم بـ (الغيب) الذي جاء القرآن ليثبته ويزيده: عند أولي الكتاب، وعند المسلمين.

وتمام المقال حقيقتان:

أ ـ الحقيقة الأولى: ان اهل الكتاب، وصف يطلق فيعم اليهود والنصارى، كما في قوله تعالى:«يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون».. ويستعمل الوصف فيراد به النصارى ـ مثلا ـ كما في قوله جل ثناؤه:«قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله».. وهذه الآية نفسها هي التي تضمنتها رسالة النبي الى هرقل عظيم الروم وهو نصراني.

ب ـ الحقيقة الثانية: ان القرآن المكي الذي أسس لعلاقة طيبة مع المسيحيين لم يُنسخ، بدليل ان القرآن المدني قد وكّد القرآن المكي وعززه. فمن المقطوع به ان سورة (المائدة) هي آخر القرآن نزولا.. وفيها نقرأ: «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون».

خليل حلاوجي
05-01-2008, 11:36 AM
بمناسبة أعياد الميلاد.. تعالوا (نتبادل المعرفة) عن محمد والمسيح

دعا كبير أساقفة كانتبري في بريطانيا المسلمين إلى معرفة (الثقافة المسيحية).. والدعوة مبنية ـ بدبلوماسية ـ على افتراض ان المسلمين (جهلة) بالثقافة المسيحية، أو أن معرفتهم بها جد ضئيلة.

ويتوجب ـ في مبتدأ الأمر ـ: الترحيب، بل يتوجب التهلل بكل دعوة تحفز على الثقافة والمعرفة من أي نوع. أولا: لأن المعرفة مطلب دائم في حياة العقلاء المحترمين. وثانياً: لأن منهج الإسلام انتدب اتباعه إلى (التعارف) مع الأمم والشعوب الأخرى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا».. والتعرف على (ثقافة) أي أمة: رصيد أساسي في أرصدة هذا (التعارف الإنساني العام).

ولقد أرجأنا التعقيب ـ بضعة أسابيع ـ على دعوة كبير أساقفة كانتبري ابتغاء أن يتزامن التعقيب مع مناسبة (ميلاد) النبي الجليل سيدنا المسيح عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، وهي مناسبة يحتفل المسيحيون في العالم بتجدد ذكراها في هذا الإبّان.

والحقيقة المعرفية الكبرى التي نسديها ونهديها إلى كبير أساقفة بريطانيا ـ في مطلع التعقيب أو الحوار ـ هي: ان معرفة المسيح عيسى ابن مريم والإيمان به ـ من ثم ـ (ركن) من أركان إيمان المسلم: لا يصح إيمانه ولا يقبل إلا به.. وهذا هو البرهان من القرآن ومن السنة:

1 – البرهان من القرآن: «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون».. فالإيمان بالله وكتبه: مقترن أو مشروط بالإيمان بالمسيح وبإنجيله في سلسلة أركان الإيمان هذه.

2 – البرهان من السنة. فقد صح عن نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: «من شهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله، وان عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».

وهذه الحقيقة المعرفية الإيمانية الكبرى أثمرت معرفة أو (ثقافة) عميقة وواسعة بالمسيح والمسيحية: لدى المسلمين.. ومن مضامين هذه الثقافة: ان المسيح العظيم ـ عليه السلام ـ قد بشر بمنظومة من القيم والتعاليم والمفاهيم والفضائل والأخلاق: بشر بها، وثابر على أن تنساب في ضمير الإنسان، وحياة المجتمع.. وفيما يلي نماذج من هذه القيم والمفاهيم والمضامين التي (يتثقف) فيها المسلمون من خلال تلاوتهم للقرآن:

أ ـ قيمة (الرحمة).. وهي الخاصية الأولى والأبرز في شخصية المسيح وفي رسالته: بنص القرآن: «ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضيا». وكانت هذه الخاصية شديدة الوضوح في ذهن المسيح وضميره، ولذلك نفى التجبر ـ النقيض للرحمة ـ عن نفسه: «وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا».

ب ـ قيمة (السلام). فالقرآن (يثقف) المسلمين تثقيفا معرفيا إيمانيا بأن المسيح كان داعية سلام، بل هو سلام كله: من الميلاد الى البعث: بنص القرآن: «والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا».

ج ـ قيمة (الإيمان الحق الصحيح): «وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار».

وبتصعيد السجال أو الحوار أو التثاقف: (يتدفق) المزيد من (المعرفة المستفيضة) أو (الثقافة الموثوقة) التي يحملها المسلمون عن المسيح ودينه:

1 ـ معرفة المسلمين بمعجزة الميلاد: «فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا. يا أخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا. فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا. قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا. وبراً بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا. والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا».

2 ـ المعرفة بشخصية المسيح الجميلة (الوجيهة): «إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين».

3 ـ المعرفة بالإنجيل الذي أنزل عليه: «وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين».

4 ـ المعرفة بإعجاز نبوته ورسالته: «إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني».

5 ـ المعرفة بأمه الصديقة الطاهرة البتول مريم – عليها السلام -:

أ ـ «واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا. قال انما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا. قالت أنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا. قال كذلك قال ربك هو عليّ هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا».

ب ـ «وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين».

6 ـ المعرفة بـ «حواريي» المسيح: رضي الله عنهم:

أ ـ «فلما أحسّ عيسى منهم الكفر (أي مبغضوه) قال من أنصاري الى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون. ربنا آمنا بما انزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين».

ب ـ «يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله».

7 ـ المعرفة بـ (نزول عيسى ابن مريم).. روى البخاري ـ بسنده ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ليوشكن ان ينزل فيكم ابن مريم عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد».

8 ـ المعرفة بـ (ملامح) المسيح، ومعالم شخصيته. فقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا نائم أطوف بالبيت، فإذا رجل آدم سبط الشعر يهادي بين رجلين ينطف رأسه ماء، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مريم».. وفي البخاري أيضا أن نبينا وصف المسيح فقال: «ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس».. أي حمام: كناية عن النقاء والإشراق والوضاءة والنضرة.

هذه (روائع) من المعرفة الساطعة الموسعة التي يحملها المسلمون عن سيدنا المسيح، وعن ستنا مريم، وعن الانجيل، وعن الحواريين المكرمين.. وفي ضوء هذا يمكن القول ـ باطمئنان معرفي ـ: ان المسلمين ليسوا (جهلة) بالثقافة أو المعرفة المسيحية. وإذا سطعت تلك الحقيقة المعرفية في هذه الصورة الحية البهية، فإن على الطرف الآخر (أي اتباع المسيح) ان يتعرفوا على المزيد من (المعرفة) أو (الثقافة الاسلامية).

لماذا؟:

أولا: لكي يتحقق (التبادل المعرفي) بين الأمتين ـ المسلمة والمسيحية ـ عن النبيين العظيمين: محمد بن عبد الله، وعيسى ابن مريم صلى الله عليهما وسلم.

ثانيا: لقد تعرض الإسلام، وتعرضت ثقافته للقذف والتشويه والتقبيح والتحقير على يد شرائح في العالم المسيحي.. وبافتراض حسن الظن: يتوكد ـ بلا ريب ـ: ان سبب هذه الحرب على الاسلام ومعارفه وثقافته هو (الجهل). وليس يرفع الجهل الا بأنهار رائقة من المعرفة بالاسلام: كتابا وسنة.. عقيدة وشريعة.. ثقافة وحضارة.

ومن هذه المعارف والثقافات التي ينبغي ان يتزود بها الرأي العام المسيحي في العالم:

1 ـ ان الاسلام اشترط ـ في إيمان المسلم ـ: ان يؤمن بالمسيح عيسى بن مريم: نبيا ورسولا.

2 ـ ان الاسلام مجّد المسيح عليه السلام تمجيدا عظيما، في أكثر من آية في القرآن، وفي أكثر من حديث من أحاديث نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

3 ـ ان الاسلام دافع عن مريم البتول، ودحض مقولات شانئيها الطاعنين في عرضها الطاهر المطهر: «وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما».

4 ـ ان الاسلام أثبت حقيقة ينبغي ان يَعدّها العالم المسيحي (جسرا متينا) للتواصل مع العالم الاسلامي: حقيقة ان النصارى هم (أقرب الناس) مودة للمسلمين، وذلك بنص الآية 82 من سورة المائدة: «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون».

5 ـ ومن هذه المعارف والثقافات التي يتوجب ان يتبادلها العالم المسيحي مع العالم الاسلامي: ان الاسلام قد أعلن وأصَّل الاعتراف بالوجود (المسيحي) من خلال الاعتراف بنبيهم وكتابهم، ومن خلال المصطلح الموضوعي اللطيف الذي يوصف به المسيحيون، وهو مصطلح أو وصف (أهل الكتاب).. فهذا الوصف يحمل التشريف، اذ من المحال أن يُقصد بهذا الوصف: الحط من مكانتهم!!.. وهذا الوصف ـ من جهة أخرى ـ يحمل التقرير العقدي بأنهم (أهل كتاب).. وهذا قمة الاعتراف (بوجودهم المعنوي) الذي ينبني عليه (وجودهم المادي) ـ بصفتهم ـ .. لا جرم أن (الجهل) بهذه السماحة الندية يؤدي الى كوارث معرفية وسلوكية، مثل الكارثة التي تبدت في موقف النائب البرلماني الاسترالي ـ فريد نيل ـ الذي قال ـ يوم الخميس الماضي ـ: «إن الإسلام يحرم حق المسيحية في الوجود»!!

ربما يكون المعوّل في (محو هذه الأمية): على كبير أساقفة كانتبري وأمثاله من عقلاء المسيحيين.

زين العابدين الركابي

خليل حلاوجي
14-01-2008, 08:34 AM
للرفع ... بغرض الانتفاع

عبدالصمد حسن زيبار
16-01-2008, 12:01 PM
خليل
بوركت أخي
المقالين غنيين
تحياتي

خليل حلاوجي
20-06-2013, 09:44 PM
شكرًا عبد الصمد ... انتظر ثراء تعليقكم .. أيها الحبيب .

لانا عبد الستار
21-06-2013, 07:25 AM
مسلمين ومسيحيين ـ الذين تفاعلوا مع المقال تفاعلا يتعين أن نستنبط منه: حقيقة أن الناس الأسوياء يفرحون أيما فرحة بمنازع التسامح واتجاهاته، ويودون لو أن معايير العدل والمودة سادت العلاقة بين أتباع الأديان: في غير جفاء أو تدابر ناشئ عن الظلم أو التظالم في فهم أو نظرة أو حكم أو سلوك أو فعل.

نماذج مضيئة من الاستواء البشري، ونقاء الفطرة، والتدين الصدوق، وكمال العقل، والرغبة المكينة في العلاقة والوداد. فالمسلمون المهاجرون إلى الحبشة ينحازون الى ملكها النجاشي في صراعه مع عدوه

أ ـ الحقيقة الأولى: ان اهل الكتاب، وصف يطلق فيعم اليهود والنصارى، كما في قوله تعالى:«يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون».. ويستعمل الوصف فيراد به النصارى ـ مثلا ـ كما في قوله جل ثناؤه:«قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله».. وهذه الآية نفسها هي التي تضمنتها رسالة النبي الى هرقل عظيم الروم وهو نصراني.

ب ـ الحقيقة الثانية: ان القرآن المكي الذي أسس لعلاقة طيبة مع المسيحيين لم يُنسخ، بدليل ان القرآن المدني قد وكّد القرآن المكي وعززه. فمن المقطوع به ان سورة (المائدة) هي آخر القرآن نزولا.. وفيها نقرأ: «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون».


ويتوجب ـ في مبتدأ الأمر ـ: الترحيب، بل يتوجب التهلل بكل دعوة تحفز على الثقافة والمعرفة من أي نوع. أولا: لأن المعرفة مطلب دائم في حياة العقلاء المحترمين. وثانياً: لأن منهج الإسلام انتدب اتباعه إلى (التعارف) مع الأمم والشعوب الأخرى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا».. والتعرف على (ثقافة) أي أمة: رصيد أساسي في أرصدة هذا (التعارف الإنساني العام).
والحقيقة المعرفية الكبرى التي نسديها ونهديها إلى كبير أساقفة بريطانيا ـ في مطلع التعقيب أو الحوار ـ هي: ان معرفة المسيح عيسى ابن مريم والإيمان به ـ من ثم ـ (ركن) من أركان إيمان المسلم: لا يصح إيمانه ولا يقبل إلا به..
وهذه الحقيقة المعرفية الإيمانية الكبرى أثمرت معرفة أو (ثقافة) عميقة وواسعة بالمسيح والمسيحية: لدى المسلمين.. ومن مضامين هذه الثقافة: ان المسيح العظيم ـ عليه السلام ـ قد بشر بمنظومة من القيم والتعاليم والمفاهيم والفضائل والأخلاق: بشر بها، وثابر على أن تنساب في ضمير الإنسان، وحياة المجتمع

ـ ومن هذه المعارف والثقافات التي يتوجب ان يتبادلها العالم المسيحي مع العالم الاسلامي: ان الاسلام قد أعلن وأصَّل الاعتراف بالوجود (المسيحي) من خلال الاعتراف بنبيهم وكتابهم، ومن خلال المصطلح الموضوعي اللطيف الذي يوصف به المسيحيون، وهو مصطلح أو وصف (أهل الكتاب).. فهذا الوصف يحمل التشريف، اذ من المحال أن يُقصد بهذا الوصف: الحط من مكانتهم!!.. وهذا الوصف ـ من جهة أخرى ـ يحمل التقرير العقدي بأنهم (أهل كتاب).. وهذا قمة الاعتراف (بوجودهم المعنوي) الذي ينبني عليه (وجودهم المادي) ـ بصفتهم ـ .. لا جرم أن (الجهل) بهذه السماحة الندية يؤدي الى كوارث معرفية وسلوكية، مثل الكارثة التي تبدت في موقف النائب البرلماني الاسترالي ـ فريد نيل ـ الذي قال ـ يوم الخميس الماضي ـ: «إن الإسلام يحرم حق المسيحية في الوجود»!!

مقالتين من أجمل وأغنى ما قرأت في شأن الحوار الثقافي بين الأديام السماوية
اختيارك عقلاني جدا
أشكرك

بهجت الرشيد
22-06-2013, 03:14 PM
كثر الحديث عن علاقة الإسلام بأهل الكتاب ، وخاصة بعد الثورات ووصول الإسلاميين إلى الحكم ..
اسئلة كثيرة تُطرح ..
أرى أن نقوم بإعادة قراءة لهذه العلاقة على ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، ونغربل التراث ، ففيه فتاوى صدرت لظروف معينة أو كانت متأثرة بالعرف القائم آنذاك ، والفتوى كما نعلم تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد ..

للدكتور راغب السرجاني كتاب عنوانه ( مستقبل النصارى في الدولة الإسلامية ) ، أنصح بقراءته فهو كتاب مفيد ..
وأيضاً كتاب ( الإسلام والآخر من يعترف بمن ، ومن ينكر من ؟ ) للدكتور محمد عمارة ..


تحياتي ودعائي ..

خليل حلاوجي
08-07-2013, 10:51 PM
مقالتين من أجمل وأغنى ما قرأت في شأن الحوار الثقافي بين الأديام السماوية
اختيارك عقلاني جدا
أشكرك


مرورك معطر برضا الله أختاه.