المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقل ملك والخصال رعية ...



فؤاد البابلي
23-06-2009, 05:33 AM
نص الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز ومنزل خطابه الوجيز على شرف العقل وقد ضرب الله سبحانه وتعالى الأمثال وأوضحها وبين بدائع مصنوعاته وشرحها فقال تعالى : { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }(النحل 12) وروي عن النبي أنه قال : أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال عز من قائل : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أعز علي منك ، بك آخذ وبك أعطي وبك أحاسب وبك أعاقب وقال أهل المعرفة والعلم : العقل جوهر مضيء خلقه الله عز وجل في الدماغ وجعل نوره في القلب ، يدرك به المعلومات بالوسائط ، والمحسوسات بالمشاهدة ، واعلم أن العقل ينقسم إلى قسمين : قسم لا يقبل الزيادة والنقصان وقسم يقبلهما فأما الأول : فهو العقل الغريزي المشترك بين العقلاء وأما الثاني : فهو العقل التجريبي وهو مكتسب وتحصل زيادته بكثرة التجارب والوقائع ... وباعتبار هذه الحالة يقال أن الشيخ أكمل عقلاً وأتم دراية ، وإن صاحب التجارب أكثر فهمًا وأرجح معرفة ولهذا قيل : من بيضت الحوادث سواد لمته وأخلقت التجارب لباس جدته وأراه الله تعالى لكثرة ممارسته تصاريف أقداره وأقضيته كان جديرا برزانة العقل ورجاحة الدراية وقد يخص الله تعالى بألطافه الخفية من يشاء من عباده .فيض عليه من خزائنه رزانة عقل وزيادة معرفة تخرجه عن حد الاكتساب ويصير بها راجحًا على ذوي التجارب والآداب ويدل على ذلك قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام فيما أخبر الله تعالى به في محكم كتابه العزيز حيث يقول : { وآتيناه الحكم صبيا } ( مريم 12 ) فمن سبقت له سابقة من الله تعالى في قسم السعادة وأدركته عناية أزلية أشرقت على باطنه أنوار وهداية ربانية فاتصف بالذكاء والفطنة قلبه ،وأسفر عن وجه الإصابة ظنه ، وإذا قذف الله تعالى شيئا من أنواره في قلب من يشاء من خلقه اهتدى إلى مواقع الصواب ،ورجح على ذوي التجارب والاكتساب في كثير من الأسباب ... ويستدل على حصول كمال العقل في الرجل بما يوجد منه وما يصدر عنه ، فإن العقل معنى لا يمكن مشاهدته فإن المشاهدة من خصائص الأجسام فيستدل على عقل الرجل بأمور متعددة منها : ميله إلى محاسن الأخلاق وإعراضه عن رذائل الأعمال ورغبته في إسداء صنائع المعروف وتجنبه ما يكسبه عارًا ويورثه سوء السمعة وقد قيل لبعض الحكماء بم يعرف عقل الرجل فقال بقلة سقطه في الكلام وكثرة إصابته فيه فقيل له : فإن كان غائبًا فقال بإحدى ثلاث إما برسوله وإما بكتابه وإما بهديته فإن رسوله قائم مقام نفسه وكتابه يصف نطق لسانه وهديته عنوان همته فبقدر ما يكون فيها من نقص يحكم به على صاحبها، وقيل : من أكبر الأشياء شهادة على عقل الرجل حسن مداراته للناس ويكفي أن حسن المداراة يشهد لصاحبه بتوفيق الله تعالى إياه فإنه روي عن النبي أنه قال : من حرم مداراة الناس فقد حرم التوفيق فمقتضاه أن من رزق المداراة لم يحرم التوفيق وقالوا : العاقل الذي يحس المداراة مع أهل زمانه وقال رسول الله :الجنة مائة درجة تسعة وتسعون منها لأهل العقل وواحدة لسائر الناس وقال علي بن عبيدة : العقل ملك والخصال رعية فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها فسمعه أعرابي فقال :هذا كلام يقطر عسله ،وقيل : بأيدي العقول تمسك أعنة النفوس وكل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه كلما كثر غلا ، وقيل : لكل شيء غاية وحد والعقل لا غاية له ولا حد ولكن الناس يتفاوتون فيه تفاوت الأزهار في المروج ... واختلف الحكماء في ماهيته فقال قوم هو نور وضعه الله طبعا وغريزة في القلب كالنور في العين وهو يزيد وينقص ويذهب ويعود وكما يدرك بالبصر شواهد الأمور كذلك يدرك بنور القلب المحجوب والمستور وعمى القلب كعمى البصر قال الله تعالى : { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور } ( الحج 46 ) وقيل محل العقل الدماغ وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وذهب جماعة إلى أنه في القلب كما روي عن الشافعي رحمه الله تعالى واستدلوا بقوله تعالى : { فتكون لهم قلوب يعقلون بها } ( الحج 46 ) وبقوله تعالى :{ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } (ق 37) أي عقل وقالوا التجربة مرآة العقل ولذلك حمدت آراء المشايخ حتى قالوا : المشايخ أشجار الوقار لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم فهم وعليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع فقد أفادتهم الأيام حيلة وتجربة ، قال الشاعر :
ألم تر أن العقل زين لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب
وقال آخر :
إذا طال عمر المرء في غير آفة أفادت له الأيام في كرها عقلا
ويقال لا شرف إلا شرف العقل ولا غنى إلا غنى النفس ،وقيل :يعيش العاقل بعقله حيث كان كما يعيش الأسد بقوته حيث كان ، قالوا : العاقل لا تبطره المنزلة السنية كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدت عليه الريح والجاهل تبطره أدنى منزلة كالحشيش يحركه أدنى ريح وقيل لعلي رضي الله عنه صف لنا العاقل قال : هو الذي يضع الشيء مواضعه ، قيل فصف لنا الجاهل قال قد فعلت يعني الذي لا يضع الشيء مواضعه ، وقال المنصور لولده :خذ عني ثنتين : لا تقل من غير تفكير ، ولا تعمل بغير تدبير وقال : أدرشير أربعة تحتاج إلى أربعة : الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن ، والقرابة إلى المودة ، والعقل إلى التجربة ، وقال كسرى أنو شروان :أربعة تؤدي إلى أربعة : العقل إلى الرياسة ، والرأي إلى السياسة ، والعلم إلى التصدير ، والحلم إلى التوقير ، وقال القاسم بن محمد : من لم يكن عقله أغلب الخصال عليه كان حتفه من أغلب الخصال عليه ، وقيل أفضل العقل معرفة العاقل بنفسه ، وقيل من أُعجب برأي نفسه بطل رأيه ، ومن ترك الاستماع من ذوي العقول مات عقله .
وعن عمرو ابن العاص رضي الله تعالى عنه أنه قال : أهل مصر أعقل الناس صغارًا وارحمهم كبارًا ، وقيل :العاقل المحروم خير من الأحمق المرزوق ، وقيل : لا ينبغي للعاقل أن يمدح امرأة حتى تموت ، ولا طعاما حتى يستمرئه، ولا يثق بخليل حتى يستقرضه ، وقيل : غضب العاقل على فعله وغضب الجاهل على قوله : وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه : قال لي رسول الله : يا عويمر ازدد عقلاً تزدد من الله تعالى قربا قلت : بأبي وأمي ومن لي بالعقل قال : اجتنب محارم الله تعالى وأد فرائض الله تعالى تكن عاقلاً ، ثم تنقل إلى صالح الأعمال تزدد في الدنيا عقلاً وتزدد من الله قربًا وعزا ، ويروي عن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه أنه كان ينشد هذه الأبيات ويترنم بها :
إن المكارم أخلاق مطهرة فالعقل أولها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها والجود خامسها والعرف ساديها
والبر سابعها والصبر ثامنها والشكر تاسعها واللين عاشيها
والعين تعلم من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
والنفس تعلم أني لا أصدقها ولست أرشد إلا حين أعصيها
وقال بعض الحكماء : العاقل من عقله في إرشاد ورأيه في إمداد فقوله سديد وفعله حميد والجاهل من جهله في إغراء فقوله سقيم وفعله ذميم ، ولا يكتفي في الدلالة على عقل الرجل الاغترار بحسن ملبسه وملاحة سمته وتسريح لحيته وكثرة صلفته ونظافة بزته ، وقد قال الأصمعي : رأيت بالبصرة شيخًا له منظر حسن وعليه ثياب فاخرة وحوله حاشية وهرج وعنده دخل وخرج فأردت أن اختبر عقله فسلمت عليه وقلت ما كنية سيدنا فقال أبو عبد الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ، قال الأصمعي : فضحكت منه وعلمت قلة عقله وكثرة جهله ولم يدفع ذلك عنه غرارة خرجه ودخله وقد يكون الرجل موسومًا بالعقل مرموقًا بعين الفضل فيصدر منه حالة تكشف عن حقيقة حاله وتشهد عليه بقلة عقله واختلاله ...
من كتاب المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي الجزء الأول

د/ الماسة نور اليقين
24-06-2009, 02:55 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الاستاذ الكريم فؤاد البابلي بوركت طرحك طيب مشاء الله جزاك ربي الجنة وسعادة الدارين

[ وسمى العلم المستفاد منه روحا ووحيا وحياة فقال تعالى: ]وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا[ وقال سبحانه ]أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس[ وحيث ذكر النور والظلمة أراد به العلم والجهل كقوله ]يخرجهم من الظلمات إلى النور[.
وقال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه واعلموا أنه ينجدكم عند ربكم واعلموا أن العاقل من أطاع الله وإن كان دميم المنظر حقير الخطر دنىء المنزلة رث الهيئة وأن الجاهل من عصى الله تعالى وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر شريف المنزلة حسن الهيئة فصيحا نطوقا فالقردة والخنازير أعقل عند الله تعالى ممن عصاه ولا تغتر بتعظيم أهل الدنيا إياهم فإنهم من الخاسرين)[200] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn200)
وعن أنس رضي الله عنه قال: ( أثنى قوم على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى بالغوا فقال صلى الله عليه وسلم كيف عقل الرجل فقالوا نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله فقال صلى الله عليه وسلم إن الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور الفاجر وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات الزلفى من ربهم على قدر عقولهم)[202] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn202). وعن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله)[203] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn203).
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه وأطاع ربه وعصى عدوه إبليس)[204] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn204).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته أما سمعتم قول الفجار في النار: ]لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير[(الملك: 10) ))[205] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn205).
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لتميم الدارى: ما السودد فيكم؟ قال: العقل، قال: صدقت، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتك فقال كما قلت، ثم قال: (( سألت جبريل عليه السلام ما السودد؟ فقال: العقل ))[206] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn206).
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال كثرت المسائل يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس إن لكل شيء مطية ومطية المرء العقل وأحسنكم دلالة ومعرفة بالحجة أفضلكم عقلا)[207] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn207).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة أحد سمع الناس يقولون فلان أشجع من فلان وفلان أبلى ما لم يبل فلان ونحو هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما هذا فلا علم لكم به قالوا وكيف ذلك يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل وكانت نصرتهم ونيتهم على قدر عقولهم فأصيب منهم من أصيب على منازل شتى فإذا كان يوم القيامة اقتسموا المنازل على قدر نياتهم وقدر عقولهم)[208] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn208).
وعن البراء بن عازب أنه صلى الله عليه وسلم قال: (جد الملائكة واجتهدوا في طاعة الله سبحانه وتعالى بالعقل وجد المؤمنون من بني آدم على قدر عقولهم فأعملهم بطاعة الله عز وجل أوفرهم عقلا)[209] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn209). وعن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله بم يتفاضل الناس في الدنيا قال بالعقل قلت وفي الآخرة قال بالعقل قلت أليس إنما يجزون بأعمالهم فقال صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم عز وجل من العقل فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم وبقدر ما عملوا يجزون)[210] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn210). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل شيء آلة وعدة وإن آلة المؤمن العقل ولكل شيء مطية ومطية المرء العقل ولكل شيء دعامة ودعامة الدين العقل ولكل قوم غاية وغاية العباد العقل ولكل قوم داع وداعى العابدين العقل ولكل تاجر بضاعة وبضاعة المجتهدين العقل ولكل أهل بيت قيم وقيم بيوت الصديقين العقل ولكل خراب عمارة وعمارة الآخرة العقل ولكل امرىء عقب ينسب إليه ويذكر به وعقب الصديقين الذيينسبون إليه ويذكرون به العقل ولكل سفر فسطاط وفسطاط المؤمنين العقل)[211] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn211). وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أحب المؤمنين إلى الله عز وجل من نصب في طاعة الله عز وجل ونصح لعباده وكمل عقله ونصح نفسه فأبصر وعمل به أيام حياته فأفلح وأنجح)[212] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn212). وقال صلى الله عليه وسلم: ( أتمكم عقلا أشدكم لله تعالى خوفا وأحسنكم فيما أمركم به ونهى عنه نظرا وإن كان أقلكم تطوعا)[213] (http://mmogy.lvcne.com/vb/#_ftn213).

خليل حلاوجي
27-06-2009, 09:04 AM
العقل سلاح فاعل بشكل استراتيجي لكل إنسان جاد وشامل التفكير على مستوى بلادالارض قاطبة

به يتم فهم الواقع ،على وجه الدقة.

وبه يتم تحديد نوع الصراع الذي نعاني فواجعه وبه يتحدد من نحن ؟ ومن هم الخصوم؟.

\

ومن هنا سيكون للعقل الدور المهيمن في مسيرة النهوض ..

جمال محمد صالح
03-02-2010, 12:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بوركت أخي في فتح هذا الموضوع.. وعلينا جميعاً ان نعمل عقولنا.. فإن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالتفكر والتدبر، {أفلا يتدبرون القرآن} {سنريهم آياتنا في الآفاق}.. سنرى الآيات ولابد ان نتفكر فيها.. ونتدبر معانيها..