المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث لنيل الإجازة في السيرة النبوية ج.2



لطيفة أسير
09-03-2010, 12:55 PM
الفصل الأول :
أضواء على المحبة النبوية :

المبحث الأول:
حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

لقد من الله عز وجل على عباده بنعم شتى من بينها نعمة الحب التي تعتبر أقوى رابطة يمكن أن تربط بين الناس وتؤلف بينهم, فهي " قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون , وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات " (1)
ورغم التعاريف الكثيرة التي قيلت عن المحبة قديما وحديثا فإن الدارسين لم يستطيعوا أن يحددوا لها تعريفا دقيقا لأنها كما قال أبو جعفر الطحاوي –رحمه الله – "لا تحد بحد أوضح منها فالحدود لاتزيدها إلا خفاء وهذه الأشياء الواضحة لاتحتاج إلى تحديد كالماء والهواء والتراب ونحو ذلك " (2)
أو كما قال ابن الجوزية – رحمه الله- "حدها وجودها ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة " (3).
ولذلك دارت تعريفات العلماء لها على ستة أمور: أسبابها , موجباتها , علاماتها , شواهدها , ثمراتها وأحكامها .وقبل الوقوف على آراء بعض العلماء نفتح قواميسنا لنتعرف أولا على المعنى اللغوي لهذا اللفظ الذي صنف في خانة المشترك اللفظي .
.................................................. .......
1- " المواهب اللدنية بالمنح المحمدية "للقسطلاني 2/117
2- "شرح العقيدة الطحاوية " ص.165
3- " مدارج السالكين بين منازل (إياك نعبد وإياك نستعين )" 3/9[/font]

لطيفة أسير
09-03-2010, 12:56 PM
"]- المعنى اللغوي:
الحب نقيض البغض يقال أحبه فهو محب ومحبوب .والحب أيضا الوداد والمحبة .وتدور هذه المادة في اللغة على خمسة أشياء:

أولا : الصفاء والبياض ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان .وسميت المحبة بذلك لما يستلزم قلب المحب من الصفاء والنضارة .

ثانيا :العلو والظهور ومنه حبب الماء وحبابه : وهوما يعلوه عند المطر الشديد لان القلب يغلي ويهتاج ويطفو عليه مثل الحباب إلى من يحبه .

ثالثا: اللزوم والثبات ومنه حب البعير وأحب: إذا برك ولم يقدر على القيام لان المحب لا يبرح بقلبه عن ذكر المحبوب بعد أن وقع في المحبة.

رابعا: اللب ومنه حبة القلب وهي العلقة السوداء التي تكون داخل القلب فاخذ اسمه من محله وهو سويداء القلب .

خامسا: الحفظ والإمساك ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه.قيل الحب الجرة الضخمة .(1(

ا-المعنى الاصطلاحي:

كثرت تعريفات العلماء للمحبة وتعددت حتى أحصاها ابن قيم الجوزية – رحمه الله – في ثلاثين تعريفا عرضها ونقضها وبين خطأ بعضا.واكتفي هنا بذكر هذين النموذجين :
 قيل " المحبة هي موافقة الحبيب في المشهد والمغيب " (2(
فقد تجاوز هذا القول تعريف المحبة بمجرد الميل أو الإيثار ووضع شرط الموافقة الذي يجعل المحبة صادقة وصحيحة وغير معلولة.
 وقيل "المحبة أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب " (3(
وهذا مقتضى المحبة وكمالها إذ يجب أن يتربع المحبوب بمفرده دون أن يزاحمه غيره وهذه لاينطبق إلا على محبة الله تعالى .

.................................................. ...
1- انظر "مدارج السالكين"3/10ومابعدها – "لسان العرب "2/742ومابعدها – "تاج العروس"2/212ومابعدها – " الحب والمحبة الإلهية " 1/334ومابعدها
2- "مدارج السالكين "3/11
3- المصدر السابق " 3/13[/color]
[/COLOR]

لطيفة أسير
09-03-2010, 12:57 PM
ج -المحبة وذات لله تعالى بين النفي والإثبات :
اعتبر جمهور المتكلمين المحبة نوعا من أنواع الإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات وأنه يستحيل تعلق المحبة بذات الله تعالى وصفاته , وبناء على ذلك فسروا محبة الله بمحبة طاعته وخدمته أو محبة ثوابه وإحسانه .(1)
وقد رد ابن قيم الجوزية على هؤلاء المنكرين بقوله بأن من أنكر المحبة فقد أنكر خاصة الخلق والغاية التي وجد لأجلها .إذ الخلق والأمر والثواب والعقاب إنما نشا عن المحبة ولأجلها , وهي الحق الذي به وله خلقت السماوات والأرض والدنيا والآخرة .قال الله تعالى:﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾(2)كما أن القران الكريم والسنة النبوية الشريفة تزخران بذكر من يحبهم الله من عباده المؤمنين وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم .
فلو بطلت المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان ولتعطلت منازل السير إلى الله .فالمحبة حقيقة العبودية ومنكرها ومعطلها من القلوب معطل لذلك كله.(3)
فالحب إذن ليس هو الإرادة بل هو صفة أخرى غيرها, إذ كيف نسوي بين صفتين لم يجعل الله إحداهما عين الأخرى ؟!كيف نسوي بين المحبة والإرادة والله تعالى يقول ﴿قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة﴾(4) وقوله سبحانه ﴿إن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ﴾(5) أو يمكن أن نضع الحب مكان الإرادة في هذه الآيات (6)
................................................
1- انظر " تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان " للنيسابوري 2/101
2- سورة الحجر من الآية 85.
3- انظر " مدارج السالكين " 3/18الى 27.وانظر "روضة المحبين " ص.59وكلاهما لابن قيم الجوزية .
4- سورة الأحزاب من الآية 17
5- سورة يس من الآية 23
6- انظر "الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية " لابن هشام للإمام السهيلي 4/284الى286

لطيفة أسير
09-03-2010, 12:59 PM
أما العارفون فيقولون :إنا نحب الله لذاته لا لغرض آخر فإذا كنا نحب الرجل العالم لعلمه , والرجل الشجاع لقوته وغلبته, والرجل الزاهد لبراءة ساحته من المثالب, فالله تعالى أحق بالمحبة لان كل كمال بالنسبة إلى كماله نقص , والكمال مطلوب لذاته محبوب لنفسه (1).

د- ألقاب المحبة

أطلق الباحثون على المحبة ألقابا وأسماء كثيرة أحصاها ابن قيم الجوزية في حوالي ستين اسما , تتبعها بالشرح والتعليق فتبين له أن بعضها ليس من أسماء المحبة بل من أحكامها أو لوازمها أو ثمارها كالاستكانة والأرق والسهد والكمد وغيرها .
وحتى لا يأخذنا الحديث بعيدا عن محور البحث فقد آثرت الوقوف وقفات قصيرة أمام الألقاب التي اتفق الدارسون على اعتبارها من أسماء المحبة كالهوى والشغف والود والعشق ثم الخلة .
فالهوى :من فعل هوى يهوي هوى ومعناه "ميل النفس إلى الشئ "(2)أو " ميل القلب وسرعة تقلبه لأجل المحبة"(3) وأكثر ما يستعمل الهوى في الحب المذموم قال الله تعالى ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى﴾(4) .وقد يستعمل في الحب المحمود استعمالا مقيدا .
أما الشغف فقد عرفه الجواهري بقوله " الشغاف غلاف القلب وهو جلدة دونه كالحجاب .يقال شغفه الحب أي بلغ شغافه" (5).
أما الود فهو خالص الحب وألطفه وارقه وهومن الحب بمنزلة الرأفة من الرحمة .(6).............................................. ..... ......
1- انظر "تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان " للنيسابوري 2/101.
2- "روضة المحبين ونزهة المشتاقين " لابن قيم الجوزية ص.21.
3- "روضة التعريف بالحب الشريف " 1/338.
4- سورة النازعات الآيتان 40-41
5- "روضة المحبين " ص.23.
6- المصدر السابق ص.30

لطيفة أسير
09-03-2010, 01:00 PM
أما العشق فهو الإفراط في المحبة وقد عد من أمر أسماء المحبة وأخبثها وقل ماولعت به العرب بل هو مرض من أمراض القلب حتى قال بعض السلف " العشق حركة قلب فارغ " وقال ابن قيم الجوزية "العشق شرك في المحبة وفراغ القلب عن الله وتمليك القلب والروح والحب لغيره" (1).ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم لفظ العشق في حديث صحيح البتة وقد ذهب جمهور العلماء إلى منع إطلاق العشق في حقه سبحانه لاتصاف العشق بأمور لا تجوز في حقه تعالى (2)

أما الخلة فخي صفة الخليل وهو مما يستوي فيه المذكر والمؤنث , والخليل هو من يخالك أي يوافقك في خلالك ويسايرك في طريقتك .وقيل الخليل هو المنقطع إلى الله الذي ليس في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال.(3)
وقد حاول مجموعة من العلماء الموازنة بين المحبة والخلة فسوى بعضهم بين المقامين وخص آخرون المحبة بالرسول صل الله عليه وسلم والخلة بإبراهيم عليه السلام .
إلا أن أبا جعفر الطحاوي أبطل هذا الادعاء لان الخلة خاصة بهما والمحبة عامة قال صلى الله عليه وسلم " لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن "(4).أما المحبة فقد ثبتت لغيره كقوله تعالى﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (5)
..............................................
1--"زاد المعاد في هدي خير العباد " لابن قيم الجوزية 4/276.
2-انظر "روضة المحبين " ص.26- " زاد المعاد" ج.4
3-انظر " نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض " لأحمد شهاب الدين الخفاجي 2/350.
4- رواه مسلم في صحيحه 4/1855كتاب "فضائل الصحابة " باب – من فضائل أبي بكر رضي الله عنه - .
*أما الحديث الذي رواه الترمذي ( إن إبراهيم خليل الله ألا وأنا حبيب الله ولافخر) فلم يثبت .
5- سورة البقرة من الآية222.

لطيفة أسير
09-03-2010, 01:02 PM
وقوله سبحانه ( والله يحب المحسنين ) (1) وغيرهما من الآيات التي تؤكد عموم المحبة .

2- حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

عرف سفيان الثوري- رحمه الله - محبة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها " إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم " (2) استنادا لقوله تعالى﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ (3) أي إن كنتم تحبون الله فأطيعوه وافعلوا ما أمركم به ,إذ محبة العبد لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم طاعته لهما وتجنب عصيانهما .ولله ذرالقائل:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع
لوكان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع(4)
وقيل كذلك " محبة الرسول صلى الله عليه وسلم اعتقاد نصرته, والذب عن سنته, والانقياد لها وهيبة مخالفته " (5) .
وإذا كانت المحبة هي الميل والموافقة,أي ميل الإنسان إلى ما يوافقه, فان هذه الموافقة تقتضي وجود أوجه عدة تتمثل في:
أولا: أن يكون المحبوب جميلا وحسنا فيلتذ المحب بإدراكه,كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها .
ثانيا: أن يكون المحبوب متخلقا بأخلاق سامية ومبادئ عالية تميل المحب نحوه كحب الأنبياء.
ثالثا: أن يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه إليه وإنعامه عليه لان القلوب جبلت على حب من أحسن إليها . (6)
وإذا أمعنا النظر في هذه الأسباب الثلاثة الموجبة للمحبة, وجدنا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جامعا لها دون أدني نقص .
فأما جمال الصورة فقد أثبتت الآثار المنقولة أنه عليه الصلاة والسلام حباه الله مطهرا جميلا ،
.................................................. .......1- سورة آل عمران من الآية 134.
2- " الشفا " للقاضي عياض 2/66.
3- سورة آل عمران الآية 31 .
4- قيل بأن قائل هذه الأبيات هو عبد الله بن المبارك كما جاء في الإحياء .وقيل بل رابعة العدوية .وقيل غيرهما.
5- " الشفا " 2/66.
6- " الشفا " 2/67-68 بتصرف

لطيفة أسير
09-03-2010, 01:03 PM
لا مثيل له , مظهرا يوحي بثقة مطلقة لا حد لها , فما وقعت عليه عين إلا وأحبته وارتاحت للجلوس بين يديه , بل لقد اعتبر بعض العلماء أن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يكمل دون التيقن بأنه عليه الصلاة والسلام كان يتمتع بشكل جميل , قال الإمام القسطلاني – رحمه الله – " اعلم أن من تمام الإيمان به صلى الله عليه وسلم الإيمان بان الله تعالى جعل خلق بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا يظهر بعده لخلق آدمي مثله ." (1) .وما أجمل قول حسان بن ثابت – رضي الله عنه –


وأحسن منك لم تر قط عيني
وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءا من كل عيب
كأنك قد خلقت كما تشاء (2)

وقالت أم معبد في بعض ما وصفته به صلى الله عليه وسلم " أجمل الناس من بعيد و أحلاهم وأحسنهم من قريب " (3) .
والأحاديث في بسط صفته صلى الله عليه وسلم الظاهرة كثيرة فلا نطول بسردها, لأن كتب السيرة تتبعتها بالشرح والتعليق , ونحن سنكتفي هنا بما يفيدنا في الموضوع .

أما أخلاقه صلى الله عليه وسلم فقد كان نبينا الكريم دائم البشر , سهل الخلق , لين الجانب, ليس بفظ ,و لا غليظ ,ولا صخاب, ولا فحاش, ولا عتاب ,ولا مداح .قد ترك نفسه من ثلاث : الرياء, والإكثار، و ما لايعنيه .وترك الناس من ثلاث : لايذم أحدا ولا يعيره , ولا يطلب عورته , ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ،يتفقد أصحابه ,ويسأل الناس عما في الناس, ويحسن الحسن, ويقبح القبيح ويوهنه, معتدل الأمر، كان أوفى الناس بالعهود, وأوصلهم للرحم, وأعظمهم شفقة ورحمة بالناس .(4)

وعلى الجملة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محلى بصفات الكمال المنقطعة النظير أدبه ربه فأحسن تأديبه , حتى خاطبه مثنيا عليه في كتابه العزيز ﴿وانك لعلى خلق عظيم ﴾ (5)
وبهذا حاز عليه الصلاة والسلام الحسنين: حسن الخلق وحسن الخلق , قال البوصيري:
.................................................. ........
1 -"المواهب اللدنية بالمنح المحمدية " للقسطلاني 1/324.
2 -"محمد صلى الله عليه وسلم على ألسنة الشعراء"لسعيد رمضان البوطي ص.10.
3- "السيرة النبوية" للذهبي ص.308.
4- انظر "الشفا " للقاضي عياض 1/121الى 126- وانظر " الشمائل المحمدية " للترمذي ص.187الى 189.
5-سورة القلم الآية 4.

لطيفة أسير
09-03-2010, 01:05 PM
أكرم بخلق نبي زانه خلق
بالحسن مشتمل بالبشر متسم(1)
وقال احمد شوقي في همزيته :


زانتك في الخلق العظيم شمائل
يغرى بهن ويولع الكرماء(2)
بهذه الخلال الطيبة السامية عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بين أهله وقومه, ولأجل ذلك فاضت القلوب بمحبته , وتفانى الرجال في حياطته وإكباره حتى أحلوه من قلوبهم مكان الإعزاز والإكرام, ولم يبالوا أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظفر, فحققوا بذلك المعنى الحقيقي لمحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم ألا وهو : إتباعه والانقياد له والتخلق بأخلاقه والحفاظ على سنته
.......................................
1- " محمد صلى الله عليه وسلم على السنة الشعراء " للبوطي ص.22.
2- " محمد صلى الله عليه وسلم على السنة الشعراء " للبوطي ص29.


انتهى بحمد الله المبحث الأول ويليه المبحث الثاني

نادية بوغرارة
09-03-2010, 01:10 PM
ماشاء الله ، هنا دروس كثيرة تستحق الوقوف عندها ،

أرجو ان تواصلي النشر بنفس هذه الصفحات حتى لا يتشتت موضوعك .

بارك الله فيك .

آمال المصري
09-03-2010, 01:17 PM
ماشاء الله ولا قوة إلا بالله
رائع سيدتي حفظته على المفضلة عندي ولي عودة لقراءته كاملا
وإلى مزيد من التقدم
تحياتي

حسن العطية
10-03-2010, 09:50 PM
بارك الله فيك أختي الكريمة .. وزادك الله علما وعملا ..
بانتظار المزيد من فيض يراعك ..
دمت بخير ..

لطيفة أسير
11-03-2010, 12:25 PM
ماشاء الله ، هنا دروس كثيرة تستحق الوقوف عندها ،

أرجو ان تواصلي النشر بنفس هذه الصفحات حتى لا يتشتت موضوعك .

بارك الله فيك .

شكرا جزيلا لك أختي نادية
وسأعمل بالنصيحة وأنشر البحث في نفس الصفحة
بوركت أختي الفاضلة
مودتي

لطيفة أسير
11-03-2010, 12:30 PM
ماشاء الله ولا قوة إلا بالله
رائع سيدتي حفظته على المفضلة عندي ولي عودة لقراءته كاملا
وإلى مزيد من التقدم
تحياتي

الأروع أختي الفاضلة مروركم وتثمينكم للعمل
ممتنة لك أختي رنيم مصطفى
مودتي

لطيفة أسير
11-03-2010, 12:35 PM
بارك الله فيك أختي الكريمة .. وزادك الله علما وعملا ..
بانتظار المزيد من فيض يراعك ..
دمت بخير ..

وفيكم بارك المولى سبحانه أخي الفاضل حسن العطية
تحيتي وتقديري

عبدالصمد حسن زيبار
14-03-2010, 01:24 AM
بلابل السلام
بالتوفيق و السداد الموضوع جميل و ممتع واصلي البحث فالعلم و البحث سلاح العصر
الموضوع للتثبيت
تحياتي

لطيفة أسير
14-03-2010, 11:19 AM
بلابل السلام
بالتوفيق و السداد الموضوع جميل و ممتع واصلي البحث فالعلم و البحث سلاح العصر
الموضوع للتثبيت
تحياتي

كرم منكم اخي الفاضل أن تقوموا بتثبيت الموضوع
بارك الله فيك أخي عبد الصمد ورفع قدرك وأعلى ذكرك
تحيتي

لطيفة أسير
14-03-2010, 11:35 AM
المبحث الثاني
طبيعة المحبة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم :
إن الهدف من هذا المبحث هوالإجابة على التساؤلات الآتية:
ماحقيقة الحب في حياته صلى الله عليه وسلم ؟ وما هي طبيعته؟ هل كان فطرة متأصلة في نفسه الشريفة أم كان كما يدعي بعض المدعين شهوة ؟وما مدى تأثير هذا الحب على سلوكه وأخلاقه صلى الله علي وسلم ؟ وما العلاقة بينالحب والبغض على ضوء السلوك النبوي ؟

أ- الحب والواجب
إن من يقرأ سيرةالرسول صلى الله عليه وسلم سيكتشف أنه كان محبا , وودودا, فقد أطاع الله كثيرا لأنه أحبه كثيرا ..وبر الناس كثيرا لأنه أحبهم كثيرا ..وأقبل على الفضائل والواجبات جذلان مبتهجا لأنه أحبها وأحب معها كل عظائم الأمور, ومارسها في شغف عظيم ممارسة محب مفطور لا ممارسة مكلف مأمور فوراء كل سلوكه ومواقفه وحياته صلى الله عليه وسلم نجدالحب ..إذا سجد وأطال السجود أو سمع وجيب قلبه ونشيج تضرعه وبكائه ..فذاك لأنه في غمرة شوق جارف ومحبة آخذة ولهذا كان عليه الصلاة والسلام ينتظر الصلاة بشوق ولهفة،فإذا جاء ميعادها قال لمؤذنه بلال – رضي الله عنه – "أرحنا بها يابلال " نعم "أرحنابها " وليس "أرحنا منها ".(1)

وهذا يظهر لنا الفرق بين من ينتظر الصلاة بكل شوق وحب ليلقى ربه عزوجل ويقف بين يديه ويرتاح إليه ..وبين من يقوم إلى الصلاة ويعتبرهاواجبا عليه أداؤه دون أن يحس بأدنى شوق أو لهفة للقاء المولى عزوجل .
وبهذا أيضايظهر لنا الفرق بين الحب والواجب .فالواجب قد يؤدى على كره ومضض , أما الحب فيأخذطريقه إلى أشق الأمور وأصعبها في ابتهاج وغبطة , لذا كانت الطاعة عن حب أولى من الطاعة عن خوف وقهر . (2)


..................................................


1- " إنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم " خالد محمد خالد ص.125بتصرف .
2- انظر " فضائل وأسرار لا إله إلا الله " محمد الصايم ص.66.

لطيفة أسير
14-03-2010, 11:36 AM
ب- المحبة والفطرة

المحبة عند الرسول صلى الله عليه وسلم ليست شهوة, إنما هي فطرة جبل عليها منذ كان طفلا ففتى فكهلا..لمتقع عليه عين إلا أحبته وأسلمت قلب صاحبها لهيام شديد حتى ولو كان من أشد المبغضينله.(1) فكم من أعرابي فدم لا أدب له ولا فهم ولا عقل ولا علم ولا كرم ولا حلم قابل جنابهالشريف بما غضب له المكان والزمان وخاطبه بما عبس له السيف واحتد له اللسان فكانجوابه الإغضاء , والعفو عمن أساء ...فتبدل بغضه بالحب وبعده بالقرب ..واستحالإنسانا بعد أن كان ثعبانا وصار حبيبا بعد أن كان ذيبا(2) .
فمن ذلك ما روي عن فضالةبن عمير بن الملوح (3)أنه حدث نفسه بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عامالفتح , فلما دنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يافضالة .فقال فضالة: نعميارسول الله .قال ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال :لاشئ كنت اذكر الله, فضحك النبي صلىالله عليه وسلم ثم قال : استغفر الله" .ثم وضع يده الشريفة على صدره فسكن قلبه .فكانفضالة – رضي الله عنه – يقول والله مارفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إليمنه . (4)

ومثله ما روي عن شيبة الحجبي (5)الذي كان ينوي قتل النبي صلى الله عليه وسلمليثأر لأبيه وعمه اللذين قتلا يوم أحد لكنه عجز عن ذلك حيث قال " لما هممت به حالبيني وبينه خندق من نار وسور من حديد فناداني صلى الله عليه وسلم :ياشيبة ادن مني،فدنوت منه فالتفت إلي وابتسم وعرف الذي أريد منه فمسح صدري ثم قال : اللهم أعذه منالشيطان .قال شيبة فوالله لهو كان


..........................................


1- انظر "إنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم " ص.126 بتصرف .
2- "وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم " للشيخ النبهاني ص.22
3- هو فضالة الليثي بن عبد الله .وقيل بن وهب بن بحيرة بن مالك بن عامر من بني ليث بن بكر بن عبد مناة الليثي .انظر ترجمته في " أسد الغابة " 4/364رقم4227
4- انظر " السيرة الحلبية " لعلي برهان الدين الحلبي 3/56.
5- هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري الحجبي .اسلم يوم الفتح وقيل اسلم يوم حنين .توفي سنة 57هجرية .انظر ترجمته في " أسد الغابة " 2/534-535رقم2466

لطيفة أسير
14-03-2010, 11:37 AM
الساعة إذن أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي وأذهب الله ماكان في .ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذن فقاتل فتقدمت أمامه أضرب بسيفي الله أعلم أني أحب أن أقيه بنفسي كل شئ .ولو كان أبي حيا ولقيته تلك الساعة لأوقعت به السيف(1).

فهذه الوقائع تدل على أن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم مفتوح دائما لكل الناس, ملئ بالحب , فياض بالرحمة, وهذا ما ألان عود كل جبار وجعله يخر صريعا أمامهذا الحب الوديع .فما هو إلا أن تعانقه نظرات عينيه الحانيتين حتى تهدأ ثورته وتطيب نفسه .(2)


ج- الحب وتحمل الأذى
لما كان الحب عند الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم طبيعة وفطرة لاغرضا وشهوة، فقد كان يبذله في سخاوة نفس نادرة النظير،وكان يتحمل لأجله جفاء وغلظة بعض الأعراب وأذى وقساوة بعض سفهاء قريش وأرذالها كأبيلهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط .

ومن صور هذا الأذى مارواه الإمام البخاري عنعبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحابله جلوس، إذ قال بعضهم لبعض :أيكم يجئ بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد.فانبعث أشقى القوم – وهو عقبة بن أبي معيط –فجاء به فنظر حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغني عنه شيئا، لو كانت لي منعة .قال :فجعلوا يضحكون ويميل بعضهم على بعض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لايرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحته عن ظهره(3) "

وروي كذلك أن عقبة جلس مرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فلما بلغذلك أبيا أنبه وعاقبه وطلب منه أن يتفل في وجه رسول صلى الله عليه وسلم ففعل عدو الله ذلك (4)

إلى غير ذلك من أساليب السخرية والتحقير والاستهزاء والتكذيب وإثارةالشبهات والدعايات الكاذبة حول تعاليم الدين الجديد وحول ذاته وشخصه صلى الله عليهوسلم .(5)

.............................................

1- السيرة الحلبية " 3/70-71.
2- " إنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم " ص.128.
3- "صحيح البخاري" كتاب الوضوء باب " إذا ألقي على المصلي قدر أو جيفة "
4- " سيرة ابن هشام " 1/387.
5- انظر " الرحيق المختوم" ص. 94-95.

لطيفة أسير
14-03-2010, 11:38 AM
ورغم هذا الأذى وهذه المحن ،ظل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم دائما ذاك المعين الفياضبالرحمة والمودة والحب .وهذا ما يبرزه رده لجبريل عليه السلام حين طلب منه أن ينتقمله منهم ويطبق عليهم جبلا مكة حيث قال " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبدالله عز وجل لايشرك به شيئا" (1)
وصدق الله العظيم حيث قال ﴿ ولو كنتفظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾(2)

د- الحب والبغض

الحب عند رسول اللهصلى الله عليه وسلم يمثل القاعدة الراسخة لسلوكه، وحين تفرض عليه الظروف القاهرة أنيبغض بعض الناس، فإن هذا البغض لا ينفصل عن قاعدة الحب ذاتها ،بمعنى أنه عليه الصلاة والسلاميبغض حين يكون البغض تعبيرا عن الحب ودفاعا عنه. فهو مثلا يحب الحق وهذا الحب يقتضيهأن يبغض الباطل. ويحب العدل وهذا يتطلب منه أن يكره الظلم .ويحب الجمال وهذا يقتضيمنه أن يكره كل أمر قبيح وهكذا(3).
وهذا أمر طبيعي( فكل بغض فهو لمنافاة البغيضللمحبوب ولولا وجود المحبوب لم يكن البغض. بخلاف الحب للشئ فإنه يكون لنفسه لا لأجلمنافاته للبغيض ) (4)
على أن "بغضاءه " صلى الله عليه وسلم إذا كان موضوعها أناسايستحقونها لم تكن ذات أصالة في طبيعته ولا في سلوكه، بل مجرد سحابة رقيقة عابرةسرعان ما تنجلي
فها هو ذا يلقى من خصوم الإسلام في قريش أشد الأذى وأفدح المؤامرات ..ولكنه ما يكاد يدخل مكة ظافرا مؤيدا بفضل الله وقدرته حتى يقول للذين أخرجوه منهاوكادوا له أعظم الكيد ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: ( "لاتثريب عليكم اليوم" (5).اذهبوا فانتم الطلقاء)(6)


هكذا إذن كان الحب في حياته صلى الله عليه وسلم فطرةوطبعا متأصلا وقاعدة راسخة ومنبعا فياضا ارتوت به الأمة الإسلامية والإنسانيةجمعاء.


.............................................
1- "صحيح البخاري "1/458كتاب"بدء الخلق " باب – ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين –
2- سورة آل عمران من الآية 159.
3- " إنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم " ص.131وما بعدها بتصرف .
4- " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان " لابن قيم الجوزية 2/119
5- سورة يوسف من الآية 92.
6- " الرحيق المختوم " مباركفوري ص.456.

لطيفة أسير
23-03-2010, 09:58 PM
المبحث الثالث
القواعد التي صان بها الرسول صلى الله عليه وسلم المحبة
لما كان الحب فطرة متأصلة وقاعدة راسخة في سلوكه صلى الله عليه وسلم وسيرته فقد دل هذا على أهمية هذا الرباط ودوره الفعال في إقامة صرح كل بناء متين , ولهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالشعور بالحب وحده بل دعا الناس كي يحب بعضهم بعضا ,وجعل الحب آية الإيمان ,فقال عليه الصلاة والسلام "لاتدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا"(1)

وحتى يبقى هذا الرباط قويا ومتينا فقد أحاطه الرسول صلى الله عليهوسلم بسياج يصونه ويقويه ,وذلك من خلال الدعوة إلى مجموعة من الآداب والأخلاق التي توطد العلاقات الإنسانية وتنشر الألفة والأخوة بين الناس .وفيما يلي بيان لبعض هذه القواعد .


1-النهي عن تناجي اثنين دون ثالث

قال صلى الله عليه وسلم"لايتناجى اثنان دون واحد فان ذلك يؤذي المؤمن والله يكره أذى المؤمن " (2) .فهنا يوصي المربي الأول الأصدقاء إذا كانوا ثلاثة ألا ينفرد اثنان منهم بكلمة سر، فان ذلك يسئ إلى شعور الثالث إذ يضعه موضع الظنة وضعف الثقة به ،مما يؤثرسلبا على رابطة المحبة التي جمعت بينهم .

الإعلام بالمحبة

إن مما ينعش عاطفة المحبة بين الناس أن يعلم المرء أخاه بأنه يحبه.فعن أنس –رضي الله عنه –" أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر رجل فقال: يارسول الله إني لأحب هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أأعلمته؟ قال: لا ,قال :أعلمه فقال: إني احبك في الله فقال :احبك الذي أحببتني له "(3).
ووضع بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم تعليما وتوجيها فقال " إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره انه يحبه " (4).


.............................................

رواه مسلم في صحيحه 1/74كتاب " الإيمان " باب رقم 22- ورواه الترمذي في جامعه 4/156باب " ما جاء في إفشاء السلام " .
رواه الترمذي في جامعه 4/02090باب " ما جاء لايتناجى اثنان دون الثالث " .
و4- رواه أبو داود في سننه 2/626 كتاب " الأدب "باب " إخبار الرجل بمحبته إياه " ورواه الترمذي 4/25 باب " ماجاء في إعلام الحب " .

لطيفة أسير
23-03-2010, 10:00 PM
وإنما أمربالإعلام بالمحبة لأن ذلك يوجب زيادة الحب ,فإنه إذا عرف أنك تحبه أحبك بالطبع، فإذاعرفت أنه أيضا يحبك زاد حبك لامحالة، فلا يزال الحب يتزايد من الجانبين ويتضاعف.(1)


-3تحية السلام
إذ يجب على المسلم إذا لقي أخاه أن يسلم عليه , فرغم بساطة هذه القاعدة إلا أنها تقوم بدور مهم في بث روح المحبة ,وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف " لاتدخلوا الجنة حتى تؤمنواولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم افشوا السلام بينكم(2)"


4- دعوته بأحب الأسماء إليه
وهذا في غيبته وحضوره, وقدكان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يدعو أصحابه بكناهم إكراما لهم واستمالة لقلوبهم , ويكني النساء اللاتي لهن الأولاد واللاتي لم يلدن يبتدئ لهن الكنى , ويكني الصبيان فيستلين به قلوبهم .(3)


5- الذب عنه في غيبته
ومما يستميل قلب أخيك إليك أن تذب عنه في غيبته, وتدفع عنه كل سوء أو تعريض بشرفه وأخلاقه, قالصلى الله عليه وسلم " المسلم أخ المسلم لايظلمه ولا يخذله ولا يسلمه "(4) فإن أنت تركت نصرته والذب عنه فكأنما خذلته وظلمته وأسلمته للناس ليأكلوا لحمه وأنت تشهد ذلك .



6- نبذ الخصام والهجران
لما كان الخصام والهجران عدوانا واجتراء على حياة الحب وأواصر الود فقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منه , وأخبر عليه الصلاة والسلام انه لايحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث فقال " لاتقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " (5)بل أخبر عليه الصلاةوالسلام أن القطيعة إذا طال أمدها تكاد تكون جريمة قتل تقتل علاقة الود والمحبة التي كانت بين هؤلاء الإخوة فقال " من هجر أخاه فهو كسفك دمه" (6)





................................................


1- انظر " إحياء علوم الدين " للإمام الغزالي 2/196.
2- رواه مسلم في صحيحه 1/74 والترمذي في جامعه 4/ 156.
3- انظر " إحياء علوم الدين " للإمام الغزالي 2/0396.
4- " صحيح مسلم " 4/1986 كتاب " البر والصلة و الآداب " باب رقم 10.
5- " صحيح مسلم " 4/1986 كتاب " البر والصلة و الآداب " باب رقم 7.
6- "سنن أبي داود " 2/577 كتاب" الأدب " باب فيمن يهجر أخاه المسلم .

لطيفة أسير
23-03-2010, 10:01 PM
- العفو عن الزلات





ومما يدوم به الحب بين الناس أن تكون للمعاذيرعندهم حرمة , وللعثرات من صفحهم نصيب . وهفوة الصديق أو عثرته لاتخلو إما أن تكونفي دينه بارتكاب معصية ,أو في حقك بتقصيره في الأخوة .

فإذا كانت الهفوة فيالدين وجب عليك نصحه وإرشاده فان لم ينتصح فلك أن تقطع صلتك به , وهذا ما ذهب إليهالصحابي الجليل أبو ذر الغفاري.ولك أن تحافظ على عقد الأخوة الذي بينكما أخذا بعينالاعتبار أن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى.(1) وهذا ما ذهب إليه أبو الدرداء وجماعة منالصحابة – رضي الله عنهم – وفي هذا المعنى قال بشار بن برد:


إذا كنت في كلالأمور معاتبا

صديقك لاتلقى الذي لاتعاتبه

فعش واحدا أو صل أخاك فانه

مقارف ذنبمرة ومجانبه(2)

أما إذا كانت الهفوة في حقك فالواجب هو العفو والاحتمال وان تتلمسلأخيك الأعذار قبل أن تعاقبه أو تهجره .وقد قيل ( ينبغي أن تستنبط لزلة أخيكالأعذار قبل أن تعاقبه أو تهجره ) (.3)


8- الوفاء

والوفاء لاينفصل عن المحبةكيف و" الوفاء هو الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت "(4) وقد قدمالرسول صلى الله عليه وسلم أروع صور الوفاء سواء في علاقته بالله عزوجل أو فيعلاقته بمن كان يحبهم من الناس وخاصة زوجته خديجة – رضي الله عنها - .كما حث أمتهعلى التخلق بهذه الخصلة الكريمة بل واعتبر الوفاء بالعهد من الإيمان حيث روي انهصلى الله عليه وسلم أكرم عجوزا دخلت عليه فقيل له في ذلك فقال " إنها كانت تأتيناأيام خديجة وان حسن العهد من الإيمان " .(5)


فهذه إذن قطرات من بحر توجيهاته صلى الله عليه وسلم(6)تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب الحب وأدرك قيمته ودوره في حياة الناس فقال فيه قولا بليغا وعاش حياته محبا ودودا عليه صلوات ربناوسلامه عليه.(7)



.................................................. ..

1- انظر " إحياء علوم الدين " 2/199
2- آداب الصحبة : شروطها –حقوقها – فوائدها " لأبي العباس بن عرضون ص.65.
3- انظر " إحياء علوم الدين " 2/201
4- انظر " إحياء علوم الدين " 2/203
5- " المغني عن حمل الأسفار " للعراقي 2/203.
6- ولمن أراد الإفاضة في هذا الباب فلينظر " إحياء علوم الدين " 2/171وما بعدها وكتاب " آداب الصحبة " ص.63 وما بعدها .
7- انظر " انظر إنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم "ص.136.

لطيفة أسير
30-03-2010, 03:11 PM
المبحث الرابع
علامات محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

لقد وردت نصوص قرآنية وحديثية تحث على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتوضح العلامات الدالة على هذه المحبة وتقف شاهدا على صدق أو كذب من ادعى هذا المقام .واهم هذه العلامات

أولا :
الاقتداء بالرسول وإتباع سنته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه مصداقا لقوله تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) (1) فدلت الآية الكريمة على أن من ادعى محبة الله ولم يكن على الطريقة النبوية فانه كاذب في نفس الوقت حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله . (2)
كما جعل الله سبحانه متابعة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم آية محبة العبد ربه وان جزاء العبد على حسب هذه المتابعة .لكن الإتباع – كما قال الحسن البنا – لن يكون " إلا بمعرفة حال المتبوع وتبين أحواله وأعماله حتى يكون الإتباع إتباعا صحيحا واضحا "(3) وهذا يقتضي الاطلاع على مصدري الإسلام القران الكريم والسنة النبوية وفهمهما والعمل بما فيهما .

كما جعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إحياء سنته من علامات محبته الموجبة لمرافقته إلى الجنة .فعن انس بن مالك – رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل .ثم قال لي يابني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة " (4)……………………………………… .



1- سورة آل عمران من الآية 31.
2- انظر " تفسير ابن كثير " 1/329.
3- نظرات في السيرة " ص.7.
4- " جامع الترمذي " 4/151 باب " الأخذ بالسنة واجتناب البدعة " قال الترمذي ( حديث حسن غريب من هذا الوجه ) .

لطيفة أسير
30-03-2010, 03:13 PM
ثانيا:

إيثار ما شرعه وحض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم على هوى نفسه وموافقة شهواته.وإذا كان الإيثار علامة من علامات المحبة التي تفرض على المحب إتباع هوى محبوبه حتى قال بعضهم :
أريد وصاله ويريد هجري
فأترك ما أريد لما يريد
وقال آخر
وأترك ما أهوى لما قد هويته
فأرضى بما ترضى وإن سخطت نفسي (1)
فان إيثار ما جاء به من لاينطق عن الهوى أولى وأحق بالإتباع والإيثار.
ثالثا :

كثرة ذكره صلى الله عليه وسلم ،فمن أحب شيئا أكثر بالضرورة من ذكره وذكر ما يتعلق به ،ومن هنا يعلم فضل المحدثين ورواة السنة المطهرة لكثرة ذكرهم له صلى الله عليه وسلم في علمهم قال الألباني – رحمه الله –: " فان من وظائفهم في هذا العلم الشريف التصلية عليه أمام كل حديث ولايزال لسانهم رطبا بذكره " (2)
لهذا حث العلماء على الاشتغال بعلم الحديث قال إمام السنة احمد بن حنبل – رحمه الله-
دين النبي محمد أخبار
نعم المطية للفتى آثار
لاترغبن عن الحديث وأهله
فالرأي ليل والحديث نهار(3)



.................................................. .........

1- البيتان معا ذكرهما الغزالي في كتابه " الإحياء " 4/394.
2- " صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم " للألباني ص.139.
3- المرجع السابق ص. 140.

لطيفة أسير
30-03-2010, 03:14 PM
رابعا :
تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره عند ذكره، وإظهار الخشوع والانكسار عند سماع اسمه أو حديثه.قال إسحاق التجيبي(1) " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده لايذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا وكذلك كثير من التابعين منهم من يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه ومنهم من يفعل تهيبا وتوقيرا (2)".
فتوقيره صلى الله عليه وسلم وتعظيمه كما كان لازما في حياته فهو لازم كذلك بعد موته وذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته ومعاملة آل عترته وتعظيم أهل بيته وصحابته .(3)

خامسا :الشوق إلى لقاء المصطفى صلى الله عليه وسلم والحرص على رؤيته وصحبته فمن المعروف أن غاية ما يتمناه المرء أن يحظى برؤية وصحبة من أحبه .فكيف بمن أحب الحبيب الكريم صلوات ربي وسلامه عليه انه يكون اشد اشتياقا إلى رؤيته وأكثر رغبة في صحبته ومرافقته(4).
.ولهذا كان الصحابة الكرام –رضوان الله عليهم – إذا اشتد بهم الشوق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قصدوه وتلذذوا بالجلوس معه والنظر إليه. .وقد روي أن احد الصحابة الكرام ذكر موته وموت الحبيب الكريم صلى الله عليه وسلم فخشي من عدم تمكنه من النظر إلى وجهه الكريم في الجنة – حتى ولو دخل هو إلى الجنة – لرفعت درجته صلى الله عليه وسلم حيث يكون مع النبيين .فجاء إلى النبي فقال " يا رسول الله انك لأحب إلي من نفسي وانك لأحب إلي من ولدي واني لأكون في البيت فأذكرك فما اصبر حتى آتي وانظر إليك .وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت انك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين واني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك ".................................................. ...........

1-هو إمام المحدثين أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التجيبي ( ت. 352) وهو منسوب لقبيلة من كندة تدعى تجيب .
2- " الشفا " 2/024-25.
3- سنعرض – إن شاء الله – بمزيد من التفصيل لتوقير الصحابة والتابعين للرسول صلى الله عليه وسلم في الفصل الثاني .
4- انظر " حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته " فضل الهي ص. 20.

لطيفة أسير
30-03-2010, 03:15 PM
فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل عليه السلام بهده الآية﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾.(1) (2) .
وإذا علم المحب أن لقاءه بمحبوبه لاوصول إليه إلا بالارتحال من الدنيا ومفارقتها بالموت، وجب عليه أن يكون محبا للموت غير فار منه . وقد وقع لبلال – رضي الله عنه – أنه لما احتضر وسمع امرأته تقول " واحزناه " صار يقول "واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه " (3) فكان –رضي الله عنه – يمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء .

سادسا :
امتثال أوامره صلى الله عليه وسلم واجتناب نواهيه: فلا يختلف اثنان في أن المحب لمن يحب مطيع، إنه يسعى إلى فعل ما يحبه حبيبه واجتناب ما يبغضه ،ويجد في ذلك حلاوة ولذة لاتوصفان .وكذلك من أحب المصطفى صلى الله عليه وسلم يحرص أشد الحرص على إتباعه ويسارع إلى تنفيذ أوامره ويبادر إلى اجتناب نواهيه .وكم من مواقف رائعة لأصحابه البررة المحبين الصادقين له صلى الله عليه وسلم تؤكد هذا.(4) من ذلك ما روي عنهم أنهم حينما علموا بتحريم الخمر سارعوا إلى هراقها في سكك المدينة دون تردد أو استفسار ،رغم اعتيادهم عليها مدة طويلة كما يفعله كثير من مسلمي زماننا (5).فعن أنس – رضي الله عنه – قال " كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة وكان خمرهم يومئذ الفضيح فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت " قال: فقال لي أبو طلحة: " اخرج فأهرقها " فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة " (6)
.............................................

1- سورة النساء من الآية 69.
2- نقلا عن "مجمع الفوائد ومنبع الفوائد " كتاب" التفسير سورة النساء "7/7.قال عنه الحافظ الهيثمي :رواه الطبراني في الصغير والأوسط "المرجع السابق"7/7"( انظر : هامش" حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته "ص.32)
3- قيل بأن هذا قاله الأشعريون لما وفدوا عليه صلى الله عليه وسلم وهوفي خيبر .انظر" السيرة الحلبية " 1/479.
4- " حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته"ص.60.
5- المرجع السابق ص.64.
6- " صحيح البخاري " 5/112كتاب " المظالم " باب " صب الخمر في الطريق".

لطيفة أسير
30-03-2010, 03:17 PM
سابعا :
-محبة آل البيت والصحابة وبغض من أبغضهم أو سبهم: وقد وردت عنه صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث تبرز حبه لآل بيته وقومه .منها قوله صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين – رضي الله عنهما – " اللهم إني أحبهما فأحبهما " (1)وقوله صلى الله عليه وسلم في فاطمة – رضي الله عنها – " إنها بضعة مني يغضبني ما أغضبها " (2)وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحابة – رضي الله عنهم – "لاتسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم انفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه "(3) . إلى غير ذلك من النصوص التي توجب محبة آل البيت والصحابة لحب الرسول صلى الله عليه وسلم لهم .

وهذا مقتضى الحب فمن أحب شيئا أحب كل شئ يحبه وقد ورد عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال حين رأى النبي يتبع الذباء ( وهو نوع خاص من اليقطين أو القرع ذو شكل مستدير ) من حوالي القصعة " فما زلت أحب الذباء من يومئذ " (4)

ثامنا:
حب القرآن الكريم الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وهدى به واهتدى وتخلق به .ومحبة القران بمعنى الحرص على تلاوته وفهمه والعمل به . قال الإمام القسطلاني – رحمه الله – "إذا أردت أن تعرف ما عندك وعند غيرك من محبة الله ورسوله فانظر محبة القران من قلبك والتذاذك بسماعه "(5) فحبك للقران دليل على حبك للنبي وكلاهما دليل على حبك لله عز وجل .

فهذه أهم علامات المحبة من اتصف بها فهو كامل المحبة لله ورسوله ومن خالفها أو خالف بعضها فهو ناقص المحبة فليحذر ذهابها عن قلبه وليسعى لاستكمالها .....................................
1-رواه البخاري في صحيحه 5/92 كتاب " فضائل الصحابة " باب رقم 54.
2- رواه البخاري في صحيحه 5/87 ومسلم 4/1903.
3- رواه مسلم في صحيحه 4/1967 كتاب " فضائل الصحابة .باب رقم 54
4- رواه مسلم في صحيحه 3/1615 كتاب " الأطعمة والأشربة " .باب رقم 21.
5- " المواهب اللدنية "2/137

حسن العطية
03-04-2010, 08:54 PM
الذباء ( وهو نوع خاص من اليقطين أو القرع ذو شكل مستدير )

هي الدباء .. بالدال غير المنقوطة ..

- بارك الله فيك أختنا الكريمة ..
- في موازين أعمالك هذه السيرة العطرة ..

لطيفة أسير
04-06-2010, 04:10 PM
هي الدباء .. بالدال غير المنقوطة ..

- بارك الله فيك أختنا الكريمة ..
- في موازين أعمالك هذه السيرة العطرة ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيكم أخي الفاضل حسن العطية
شكرا جزيلا

لطيفة أسير
04-06-2010, 04:20 PM
الفصل الثاني

المبحث الأول:
محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لله عز وجل
ذكرنا في الفصل الأول أن بعض الذين خاضوا في المحبة الإلهية أنكروا أن يحب العبد الله عز وجل لذاته بل هو إنما يحب إحسانه وإنعامه . ووقفنا قليلا مع رد ابن قيم الجوزية على هؤلاء المنكرين ولا أدل على ردنا عليهم من هذا المبحث الذي يقرر محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لله عز وجل .
بيد أن الحديث عن هذا الجانب يستلزم منا الحديث أولا عن محبة الله تعالى : أهميتها , دلالتها, ثمارها ,وغير ذلك من الأمور التي تحدث عنها علماؤنا بإسهاب كابن قيم الجوزية والإمام الغزالي – رحمهما الله- (1)

1-محبة الله تعالى أصل المحاب كلها

إن محبة الله تعالى من أعظم واجبات الدين واكبر أصوله واجل قواعده (2) بل هي "الغاية القصوى من المقامات والذروة العليا من الدرجات فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها ... ولا قبل المحبة مقام إلا وهو مقدمة من مقدماتها "(3).
ومحبة الله تعالى قسمان فرض وندب فمحبة الندب هي أن يواظب على النوافل ويتجنب الوقوع في الشبهات والمتصف بذلك نادر (4)


.................................................. .....................
(1) انظر " إغاثة اللهفان " 119/2وما بعدها – و"روضة المحبين" و"مدارج السالكين "لابن قيم –وانظر " إحياء علوم الدين " 311/4.
(2) كما قال ابن قيم الجوزية في "إغاثة اللهفان " .
(3) "إحياء علوم الدين" 3111/4
(4) " فتح الباري " لابن حجر العسقلاني 61/1

لطيفة أسير
04-06-2010, 04:22 PM
وكما أن الله عز وجل ليس كمثله شئ فكذلك محبته ينبغي أن تكون منزهة عن الشرك ,فلا يحب المرء أحدا كما يحب الله تعالى, لان ذلك يعتبر من الشرك الذي لايغفر لصاحبه ولا يقبل معه عمل (1) قال سبحانه ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين امنوا اشد حبا لله ) .
ولا ننفي بقولنا هذا محبة الإنسان لغيره ولكن القصد أن تكون محبة الله عز وجل هي الأصل وان لايخلو القلب منها , حتى إذا أحب المرء شخصا آخر أو شيئا ما كان معينا له على محبة الله لا مبعدا له عنها .ولهذا قال ابن قيم الجوزية " لاعيب على الرجل في محبته لأهله ...إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما هو انفع له من محبته لله ورسوله وزاحم حبه وحب رسوله فان كل محبة زاحمت محبة الله ورسوله بحيث تضعفها وتنقصها فخي مذمومة وان أعانت على محبة الله ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهي محمودة " (2)

1-دلالة "لا اله إلا الله "
تدل شهادة "لاإله إلا الله " على غاية المحبة وكمالها ,فأنت حينما تشهد أن "لا اله إلا الله " فانك تقر بأنه لامعبود إلا الله ,ولا محبوب إلا الله ,وهذا يقتضي منك خشية الله في العبادة وتقواه في العمل والوقوف عند حدوده وتجنب معصيته , فمن قال لا اله إلا الله ثم فعل ما يكرهه الله فهو غير صادق في إيمانه وفي حبه لله تعالى لان العبادة الحقيقية لا بد أن يلازمها عبادة تقية لاتدنسها شوائب الشرك , فيها الإخلاص لله ,والتوكل عليه وعدم الاستعانة إلا به ,والتيقن بأنه سبحانه هو الخالق ووحده القادر على الإحياء والإماتة, ثم خشيته في السر والعلن وفي العمل والعبادة .فمتى تحققت هذه المعاني السامية تحقق معنى لا اله إلا الله ومتى تحقق هذا اللواء العظيم تحققت محبة العبد لله تعالى . (3)




.................................................. ..............



(1) إغاثة اللهفان 135/2
(2) المرجع السابق 129/2
(3) " فضائل وأسرار لا اله إلا الله " لمحمد الصائم ص.66الى75 بتصرف

لطيفة أسير
04-06-2010, 04:23 PM
- علاقة المعرفة بحب الله تعالى

إن المحب لله يستشعر حلاوة إيمانية يغبطه عليها غيره , قال الرسول صلى الله عليه وسلم " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وان يحب المرء لايحبه إلا لله وان يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " (1) ولهذا قال بعض الواجدين " انه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب " (2) .
غير أن الإحساس بهذه الحلاوة لايعم كل الناس, بل يختلف من إنسان لآخر تبعا لاختلافهم في معرفة الله تعالى, إذ بقدر معرفة الإنسان بربه عزوجل ,بقدر ما يزداد إيمانه وخشيته إياه ومحبته له .يقول النيسابوري – رحمه الله – "كلما كان الاطلاع على دقائق حكمة الله وقدرته وصنعته أكثر كان حبه له أتم .وبحسب الترقي في درجات العرفان تزداد المحبة إلى أن يستولي سلطان الحب على قلب المؤمن فيشغله عن الالتفات لغيره " (3)
وقال الإمام الغزالي – رحمه الله – مؤكدا العلاقة الوطيدة بين المحبة والمعرفة " المحبة ثمرة المعرفة تنعدم بانعدامها وتضعف بضعفها وتقوى بقوتها " (4).



.................................................. ..........
1- "صحيح مسلم "66/1 كتاب –الإيمان-.
2- " إغاثة اللهفان " 194/2
3- " تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان "101/2
4- " إحياء علوم الدين " 318/4

لطيفة أسير
04-06-2010, 04:24 PM
- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لله عزوجل

لسنا هنا بصدد تأكيد محبة الرسول لله عزوجل ,فهذا أمر جلي وواضح ,لكن هدفنا هو الاسترشاد بهديه صلى الله عليه وسلم من خلال الصور التي تفيض بالمحبة في سيرته العطرة.فلنتأملها لعلها تحفزنا إلى حب الله قلبا وقالبا .

أ- المحبة والعبادة

لقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من كل أعمال الحياة عبادة, فكان في كلامه وصمته ,في حركته وسكونه ,في نومه ويقظته, بل في أنفاسه صلى الله عليه وسلم يعبد الله عزوجل لايفترلسانه عن ذكره واستغفاره ,حتى قال عليه الصلاة والسلام "والله إني لاستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة".(1)
وتحدثنا أمنا عائشة – رضي الله عنها - عن عبادته فتقول "كان يقوم حتى تفطر قدماه "(2)وفي رواية أخرى "إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه فيقال له فيقول :أفلا أكون عبدا شكورا "(3)
وعن انس – رضي اله عنه – قال " كان رسول الله يفطر من الشهر حتى نظن أن لايصوم منه ,ويصوم حتى نظن أن لايفطرمنه شيئا, وكان لاتشاء تراه من الليل مصليا إلا رايته, ولا نائما إلا رايته " (4).

فهذا إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ,قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, ورغم ذلك كانت عبادته على هذا المنوال, بل واشد من ذلك ,وهي إن دلت على شئ فإنما تدل على شدة خشيته لربه عزوجل وعظيم معرفته بقدرته سبحانه هذه المعرفة التي انبثق عنها حب تام للمولى عزوجل, مما يؤكد تلازم المحبة والمعرفة من جهة وتلازم المحبة والعبادة من جهة أخرى, وهذا ما جعل سلفنا الصالح يقرر بان العبادة مع الحب أولى وأفضل, فقال يحيى بن معاذ " مثقال خرذلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب " (5)
وقال الباجي " وان أفضل نعم الله سبحانه وتعالى على خلقه ما ألهمهم به من حبه فلو تقربت إلى الله بكل عمل لم يكن فيه محبة لم يقبل " (6) .





.................................................. ..................


1- " صحصح البخاري " 188/7 كتاب – الدعوات –
2- صحيح البخاري 343/1كتاب – التهجد –
3- المصدر السابق .
4- "صحيح البخاري " 608/2 كتاب- الصوم –
5- نقله ابن قيم الجوزية في " روضة المحبين " ص.404.
6- نقله لسان الدين بن الخطيب في "روضة التعريف بالحب الشريف "

لطيفة أسير
04-06-2010, 04:25 PM
ب- المحبة والغضب

تتجلى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لله عزوجل في غضبه عندما تنتهك حرماته أو يتهجم احدهم على ذاته سبحانه .فعن سعيد بن جبير- رضي الله عنه - انه قال " أتى رهط من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه ثم ساورهم غضبا لربه قال فجاء جبريل عليه السلام فسكنه فقال: خفض عليك يا محمد .وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه ( قل هو الله احد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا احد ) قال فلما تلاها عليهم قالوا: فصف لنا يا محمد كيف خلقه ؟كيف ذراعه ؟كيف عضده؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم اشد من غضبه الأول وساورهم. فاتاه جبريل عليه السلام فقال له مثل ما قال له أول مرة وجاءه من الله تعالى بجواب ما سألوه يقول الله تعالى ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) (1)"(2)
فغضبه دليل على غيرته لله وتعبير عن محبته له سبحانه وتعالى " والدين كله في هذه الغيرة بل هي الدين .وما جاهد مؤمن نفسه وعدوه ولا أمر بمعروف ولانهى عن منكر إلا بهذه الغيرة. ومتى خلت من القلب خلا من الدين " (3)

.................................................. .....

1- سورة الزمر الاية67.
2- سيرة ابن هشام 180-279/4.
3- " روضة المحبين " ص.294.

لطيفة أسير
04-06-2010, 04:27 PM
ج - المحبة والصبر

وتبرز هذه المحبة أيضا في صبره صلى الله عليه وسلم وتحمله للأذى في سبيل الله عزوجل ما دام هذه الأذى غير نابع من غضب المحبوب سبحانه .وهنا تطالعنا صور الأذى التي رسمتها الأيادي الآثمة والقلوب الحاقدة لكفار قريش وسفهائها, لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان صابرا متيقنا بنصر الله له .
فها هو صلى الله عليه وسلم يوم الطائف قد أوى إلى حائط يتقي به الحجارة التي قذفه بها بعض السفهاء لم يفتأ يقول " إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي "(1) .فالرسول صلى الله عليه وسلم لايخشى العذاب ولا الألم إلا إذا كان تعبيرا عن تخلي الله عنه, أما إذا لم يكن غاضبا ولا عاتبا فمرحبا بالألم ومرحبا بكل ما يكيد به السفهاء .لكن سرعان ما أدرك عليه الصلاة والسلام انه لاينبغي للمحب الصادق في حبه أن يشغله استعذاب التضحية عن رجاء العافية فيتبع ضراعته السالفة بضراعة أخرى فيقول " ولكن عافيتك هي أوسع لي ".فالحب في غمار التضحية شئ جميل, ولكنه في غمار العافية أوفى وأجمل .فالمصطفى صلى الله عليه وسلم كان موفور الاستعداد لان يلاقي كل آلام الحب, ولكنه أيضا شديد الشوق لمباهج الحب التي لا تتألق إلا في نطاق العافية (2) .
د- المحبة والإخلاص

لما كان الإخلاص هو الرنين الذي يكشف صدق الحب وزيفه, فقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التخلق به وتجنب الرياء الذي يفقدنا الصدق في علاقتنا بالله تعالى ,ويؤدي إلى تدنيس الحب وضياعه .فقال عليه الصلاة والسلام " إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى ,فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (3)
فالرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يكون حبنا لله حبا خالصا, وأعمالنا في سبيله خالصة لا يشوبها رياء ,لان الحب بدون إخلاص لايكون حبا على الإطلاق .

فهذه إذن صور نبوية مقتطفة توضح مدى محبة الرسول لله عزوجل من جهة ,وتعلمنا من جهة أخرى كيف يجب أن نحب الله عزوجل في عبادتنا له ,وفي غضبنا عند انتهاك حرماته ,وفي صبرنا وتحملنا للأذى حتى تبقى كلمة الله هي العليا ثم في إخلاص النية لله عزوجل .



.................................................. ...

1- السيرة الحلبية 53/2
2- إنسانيات محمد الفصل الثالث ص. .136بتصرف .
3- "صحيح البخاري "137/5كتاب – مناقب الأنصار -

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:03 PM
المبحث الثاني:
محبة الرسول صلى الله عليه وسلم للغير
تعج كتب السيرة النبوية بصور شتى لمن كان يحبهم الرسول صلى الله عليه وسلم ولما كان يحبه سواء تعلق الأمر بأهله وذويه ,أو بصحابته وقومه , أو ببعض الأمكنة والبقاع ,
أو بأشياء أخرى كانت تعجبه ويميل إليها من أطعمة و أشربة وألبسة وغيرها .
ولعله من الصعب الإفاضة في الحديث عن كل هذه الجوانب في مبحث واحد ,لذلك سنعمل إن شاء الله على الإشارة إليها بشكل موجز دون التقصير في أي جانب منها .
1-محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهله
أ– محبته صلى الله عليه وسلم لزوجاته

كانت خديجة بنت خويلد- رضي الله عنها -أولى زوجاته صلى الله عليه وسلم ذاق معها طعم الزوجية مريئا, فلم يعرف معها زوجة طوال المدة التي عاشها وإياها وقد نافت على خمسة وعشرين عاما .ويمكن القول أنها الزوجة الوحيدة التي لم يتدخل في زواجها عنصر غير المحبة وإنشاء أسرة مثالية من غير اعتبار لما بينهما من فارق السن, بل لعل هذا الفارق كان ضروريا لمن فقد حنان الأمومة وعطف الأبوة وهو طفل ,وانس الرفيق وهو شاب , (1)ولذلك جاء في الحديث عن عائشة –رضي الله عنها - وقد غارت من كثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة وثنائه عليها فقالت " ما تذكر من عجوز قد أبدلك الله خيرا منها ؟فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: لاوالله ما أبدلني الله خيرا منها ,آمنت بي حين كذبني الناس, وواستني بمالها حين حرمني الناس ,ورزقني الولد منها ولم يرزقنيه من غيرها "(2)
والملاحظ هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم في معرض كشفه عن حبه للسيدة خديجة, لم يعرض لشئ من جمالها أوشبابها ,وإنما ذكر بنبل,ها ومتانة خلقها ,وعظمة وفائها, وسابقة إيمانها ,وهذا ما يفند ادعاءات المغرضين الذين قالوا بان دافع الجنس والشهوة كان واردا في زيجاته عليه الصلاة والسلام .(3)
ومن أجمل ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم في حفظه لحبها وذكره لعهدها انه كان عليه الصلاة والسلام يذبح الشاة ثم يبعثها في صدائق خديجة .(4)
وهكذا ظل هذا الحب النقي الطاهر يصاحب الرسول صلى الله عليه وسلم طول حياته دون أن يعتريه فتور ولانسيان ولاضعف ,حتى بعد وفاتها وتزوجه صلى الله عليه وسلم بغيرها كان لا يفتأ يثني عليها ولا يسام من الاستغفار لها – رضي الله عنها-


.................................................. ...............

1- " حب الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء " لعبد الله كنون ص.31
2- " السيرة الحلبية "3/401وروى البخاري طرفه الأول في صحيحه 5/111كتاب مناقب الأنصار.
3-" النبي محمد صلى الله عليه وسلم إنسان الإنسانية ونبي الأنبياء " لعبد الخطيب ص.354
4- انظر الأحاديث الواردة في ذلك في صحيح البخاري 5/111و112كتاب مناقب الأنصار.

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:04 PM
بيد أن حبه صلى الله عليه وسلم لخديجة -رضي الله عنها - لم يمنعه من أن يحب باقي زوجاته اللواتي تزوج بهن فيما بعد وفي مقدمتهن عائشة بنت أبي بكر-رضي الله عنها - , التي كانت أحب إنسانة إليه بعد خديجة-رضي الله عنها - لما امتازت به من علم وأدب ومعرفة بالشعر وأيام العرب إضافة إلى شبابها وخفة روحها ومقام أبيها منه صلى الله عليه وسلم. فكان هذا مما جعله يتعاطف معها قلبا وقالبا , ناهيك عن ذكائها وفصاحتها وفقهها (1)وقد روت من الأحاديث مالم تروه امرأة غيرها من زوجاته صلى الله عليه وسلم وسواهن وعدت من المكثرين من الرواية عنه صلى الله عليه وسلم (2) .
ومن لطيف ما يروى في إعرابه صلى الله عليه وسلم عن حبه لها وتمسكه بها قوله لها " كنت لك كابي زرع في الألفة والوفاق لا في الفرقة والخلاء "فقالت عائشة " يارسول الله بل أنت خير لي من أبي زرع " (3).

وقد جسدت علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم مع عائشة الصورة المثالية لعلاقة
الزوجين المبنية على الحب المتبادل والانسجام والنشاط في الحضر والسفر.
فذات يوم كانت عائشة مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر فسابقها قالت " فسبقته على رجلي فلما حملت اللحم (أي امتلأ جسمها) سابقته فسبقني فقال هذه بتلك " (4).
وحازت زينب بنت جحش -رضي الله عنها - على محبته صلى الله عليه وسلم بدليل قول عائشة -رضي الله عنها - " وهي التي كانت تساميني في المنزلة عند رسول الله (5)( أي تعادلني وتضاهيني في الحظوة والمنزلة الرفيعة ) " (6).



.................................................. ..................
1- "حب الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء "ص.40
2- فقد بلغ عدد ماروته 2210حديثا اتفق الشيخان على 174وانفرد البخاري ب 54حديثا ومسلم ب58(انظر تراجم الصحابة ص.146) .
3- " بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد" للقاضي عياض ص.11-12
4- السيرة الحلبية 2/602
5- المصدر السابق2/614
6- صحيح مسلم بشرح النووي 15/206

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:05 PM
هكذا إذن كانت معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لأزواجه محبة وتكريما وعشرة طيبة ,ومراعاة لعواطفهن,وحدبا عليهن وحرصا شديدا على العدل والمساواة بينهن (1) في السكن والنفقة والكسوة والمبيت والزيارات والوقت. فكان صلى الله عليه وسلم يخصص لكل واحدة منهن ليلة ,فإذا زارٳحدهن زار بعد ذلك جميعهن ,حتى في مرضه الأخير وهو أحوج إلى الاستقرار في بيت واحد لم يرض صلى الله عليه وسلم أن يستقر في بيت عائشة إلا بعد أن أذن له الجميع بذلك (2) .
ومع هذه الدقة في العدل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستغفر الله من عدم عدله في المحبة فكان يقول " اللهم هذا قسمي فيما املك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (3) .وقد نقل الإمام النووي -رحمه الله -إجماع المسلمين على أن محبته صلى الله عليه وسلم لهن لاتكليف فيها, ولا يلزمه التسوية فيها لأنه لاقدرة لأحد عليها إلا الله سبحانه وتعالى وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال وهذا أمر ثابت (4).

ب- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأولاده

أما محبته صلى الله عليه وسلم لأولاده ذكورا وإناثا فقد حازت فاطمة الزهراء زهرة البيت النبوي وسيدة نساء العالمين –رضوان الله عليها - على محبة عظيمة من والدها حتى قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم " إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها "(5) وبشرها بأنها ستكون أول أهله لحوقا به فعن عائشة – رضي الله عنها -قالت " دعا النبي صلى الله عليه وسلم ابنته في شكواه التي قبض فيها, فسارها بشئ فبكت , ثم دعاها فسارها فضحكت .قالت :فسألتها عن ذلك. فقالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم فاخبرني انه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت, ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته اتبعه فضحكت " (6)
وكون فاطمة – رضي الله عنها -أحب بناته لايعني انه صلى الله عليه وسلم لم يحب باقي بناته: زينب ورقية وأم كلثوم, وإنما بحكم أنها كانت أصغرهن وأكثرهن ملازمة له وأحوجهن إلى حنانه وحبه فقد نالت هذا الفضل العظيم .




.................................................. .....

1- حب الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء ص.65
2- الرسول صلى الله عليه وسلم لسعيد حوى 1/163
3- رواه أبو داود في سننه 2/34كتاب النكاح باب في القسم بين النساء
4- انظر صحيح مسلم بشرح النووي 15/205-206
5- رواه مسلم في صحيحه 4/1903كتاب فضائل الصحابة باب "فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم "
6- رواه البخاري 4/579كتاب "فضائل الصحابة "باب رقم11

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:06 PM
أما أولاده صلى الله عليه وسلم الذكور, فقد شاءت حكمة الله عزوجل أن لايعيش له ولد , فمات أبو القاسم وعبد الله , وقيل مات له قبل البعثة الطاهر والمطهر, وقد ولدا في بطن واحدة, ثم الطيب والمطيب, ثم عبد مناف, وكلهم من خديجة – رضي الله عنها -.ورزقه الله تعالى من زوجته القبطية مارية – رضي الله عنها -.إبراهيم الذي أحبه وتعلق به كثيرا , حتى انه صلى الله عليه وسلم عق عنه بكبشين يوم سابعه , وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره على المساكين .وكان عليه الصلاة والسلام كثيرا ما ينطلق إلى بيت مرضعته خولة بنت المنذر(1)فيأخذه ويقبله ثم يرجع .ولما مات حزن عليه الرسول صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وقال " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب " (2).

ج- حب الرسول صلى الله عليه وسلم لأحفاده

تبوأ سيدا شباب أهل الجنة: الحسن والحسين- رضي الله عنهما - مكانة عظيمة في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم , فكان يلاعبهما ويقبلهما ولا يتوانى عن الإفصاح عن حبه لهما, قال عليه الصلاة والسلام " اللهم إني أحبهما فأحبهما " (3) وروي عن البراء – رضي الله عنه -انه قال " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن على عاتقه يقول اللهم إني أحبه فأحبه " (4) .
ورأى الأقرع بن حابس- رضي الله عنه - النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن فقال "يارسول الله لي من الولد عشرة ما قبلت واحدا منهم "فقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " من لايرحم لايرحم "(5) .
وعمت هذه المحبة الحفيدات أيضا وفي مقدمتهن أمامة بنت زينب - رضي الله عنها -فقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها حبا شديدا وهذا ما يؤكده قول عائشة- رضي الله عنها - " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهديت له هدية فيها قلادة من جذع فقال لأدفعنها إلى أحب أهلي إلي فقالت النساء ذهبت بها ابنة أبي قحافة (أي عائشة) فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب فعلقها في عنقها "(6)


.................................................. .............................
1- هي أم بردة خولة بنت المنذر الأنصاري زوجة الراء بن أوس ومرضعة إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه وسلم .
2- السيرة الحلبية 3/394
3- صحيح البخاري 4/587كتاب "فضائل الصحابة " .
4- صحيح البخاري .نفس الكتاب ونفس الباب .
5- رواه الترمذي في سننه 5/212باب "ما جاء في رحمة الولد" رقم الحديث1976
6- السيرة الحلبية 2/452.

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:08 PM
وبجانب هذا لم يبخل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بحبه عن باقي أهله كجده عبد المطلب الذي كفله ورعاه منذ صباه , وعمه أبي طالب الذي وجد عليه كثيرا حين توفي حتى سمى ذاك العام "عام الحزن " ,ثم عمه حمزة أسد الله الذي كانت فاجعته فيه أكبر حين مثل به كفار قريش في غزوة احد . وابن عمه عقيل بن أبي طالب الذي قال له " يا أبا يزيد إني احبك حبين حبا لقرابتك مني وحبا لما كنت اعلم لحب عمي إياك " (1) وهكذا شانه صلى الله عليه وسلم مع سائر أهله .

2- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة

لقد أثنى الله تعالى على الصحابة عظيم الثناء فقال سبحانه ﴿حمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ﴾ (2)
وقال سبحانه ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ (3)
كما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن سبهم أو التعرض لهم بأذى فقال " لاتسبوا أصحابي فلو انفق أحدكم مثل احد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولانصيفه " (4) وفي حديث آخر "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل الله منه صرفا ولا عدلا " (5)

هذه الأدلة الشرعية توضح مكانة الصحابة من جهة ومحبة الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم لهم وإلا لما حازوا كل هذه الثناء .





..........................................
1- السيرة الحلبية 1/432
2- سورة الفتح /الآية 29
3- سورة الفتح /الآية 18
4- رواه مسلم في صحيحه 4/1967كتاب "فضائل الصحابة " .ورواه أبو داود في سننه 2/518كتاب السنة .
5- رواه أبو نعيم في الحلية عن جابر .

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:09 PM
ومن الصور الدالة على محبته صلى الله عليه وسلم للصحابة وشفقته عليهم, ما حدث في غزوة الخندق , فقد اشتد الجوع بالرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة , حيث لم يتناولوا طعاما مدة ثلاثة أيام , حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ربط بطنه بحجر, فلما رأى جابر بن عبد الله –رضي الله عنه - ذلك رق قلبه وأسرع إلى بيته وأمر زوجته بإعداد بعض الطعام للرسول صلى الله عليه وسلم , ثم ذهب ليدعو الرسول صلى الله عليه وسلم ليطعم هو وبعض من الصحابة على أن لايتجاوزوا اثنين أو ثلاثة نظرا لقلة الطعام, لكن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان أشفق على أصحابه من شفقة الأم على أولادها, و أبى أن يستأثر بالدعوة هو وقلة من الصحابة فدعا كل الصحابة إلى تناول الطعام في بيت جابر- رضي الله عنه -, فكانت المعجزة الإلهية والتأييد الرباني, حيث انقلبت شاة جابر الصغيرة إلى طعام وفير شبع منه مئات الصحابة وبقيت منه بقية كثيرة .
وكانت هذه الخارقة العجيبة تقديرا إلاهيا لمدى محبته صلى الله عليه وسلم لأصحابه وإعراضه عن الأسباب المادية وشأنها في جنب قدرة الله وسلطانه (1).
وقد خص الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بمزيد من الحب كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة وأسامة بن زيد إلى جانب ما عرف عن حبه للأنصار .

أما أبوبكر فكان صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وأحب رفيق له, آمن به وبرسالته , ولم يترك مشهدا من مشاهد الرسول الكريم إلا حضره ولازمه فيه يحميه بنفسه ويقف دونه في وجه الأعداء .
وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لحسان- رضي الله عنه - :هل قلت في أبي بكر شيئا؟ قال: نعم .قال :قل وأنا اسمع. فقال :



وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدو إذ صاعدوا الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا من البرية لم يعدل به رجلا

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وفي رواية فتبسم ثم قال :"صدقت يا حسان هو كما قلت " (2)


.................................................. .........................

1- انظر "فقه السيرة " لمحمد سعيد رمضان البوطي ص.229-230
2- السيرة الحلبية 2/214

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:10 PM
ومن أبرز مظاهر هذه المحبة استبقاؤه له دون غيره من الصحابة كي يكون رفيقه في الهجرة إلى المدينة.وقد أكد الصديق – رضي الله عنه -أنه في مستوى هذه المزية التي أكرمه الله بها .فقد كان مثالا للصاحب الصادق بل والمضحي بروحه وبكل ما يملك من اجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم " إن آمن الناس علي في ماله وصحبته ابوبكر " (1) وقال الرسول صلى الله عليه وسلمأيضا "لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبابكر ولكن أخوة الإسلام ومودته " (1).

أما عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - فلم يقل إيمانا وتضحية وحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ,لذلك كان مقربا إليه ملازما له كأبي بكر قال الإمام علي - رضي الله عنه - وهو يترحم على الفاروق "ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كنت اسمع النبي يقول ذهبت أنا وأبوبكر وعمر ودخلت أنا وأبوبكر وعمر وخرجت أنا وأبوبكر وعمر " (2).


أما علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقد عاش في بيت النبوة وتربى في كنف الرسول صلى الله عليه وسلم وتزوج ابنته فاطمة فلا غرو أن ينال محبة عظيمة من الرسول صلى الله عليه وسلم ,حتى انه كان إذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم لم يكلمه احد سوى علي - رضي الله عنه - (3)ومما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم في حقه " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره وأعن من أعانه واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار " (4)



.................................................. ...........................
1- رواه البخاري في صحيحه 5/62كتاب "فضائل الصحابة "باب " قول النبي صلى الله عليه وسلم سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر "
2- رواه البخاري في صحيحه 5/72كتاب "فضائل الصحابة " باب رقم 36
3- رواه البخاري في صحيحه 5/72كتاب "فضائل الصحابة" باب رقم 36
4- "انظر تراجم إسلامية جليلة لكبار الصحابة والتابعين " محمود أمين النواوي ص.19

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:11 PM
لكن الصحابي الذي استأثر بحب النبي صلى الله عليه وسلم حتى لقب ب"حب الرسول " هو زيد بن حارثة ثم ابنه أسامة "الحب بن الحب ".

فقد بلغ حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد أن اتخذه في البداية ابنا له قبل أن ينزل الوحي بتحريم التبني ,وقد اعترف زيد بهذا الحب العظيم حين سأله والده حارثة " كيف صنع مولاك إليك ؟"(1)فقال:" يؤثرني على أهله وولده ورزقت منه حبا فلا أصنع إلا ما شئت " (2)
وقد كان زيد خليقا بهذا الحب وجديرا به, فوفاؤه الذي لانظير له, وعظمة روحه وعفة ضميره ولسانه ويده ,كل ذلك وأكثر منه كان يزين خصال زيد بن حارثة أو "زيد الحب "(3) .

أما أسامة بن زيد فقد عرف ب"الحب بن الحب" وتلك منزلة فريدة يغبطه عليها سائر المسلمين, حتى انه احتل رتبة الحب بعد ابنته فاطمة وقبل علي بن أبي طالب. ويؤكد هذا ما روي عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما - انه قال " بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد, فطعن بعض الناس في إمارته, فقال النبي صلى الله عليه وسلم :إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة وٳن كان لمن أحب الناس إلي وٳن هذا لمن أحب الناس إلي بعده "(4).وفي رواية أخرى " قد بلغني أنكم قلتم في أسامة وٳنه أحب الناس إلي " (5) .




.................................................. ........................
1- السيرة الحلبية 3/336
2- المصدر السابق1/439
3- " رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم "خالد محمد خالد ص.280
4- رواه البخاري في صحيحه 4/583كتاب "فضائل الصحابة"
5- رواه البخاري في صحيحه5/171كتاب "المغازي " .

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:13 PM
ولما كان الحب الصادق تفانيا في سبيل المحبوب ورعايته والحفاظ عليه في الواقع البارز لافي حدود النظريات والفرضيات أو الشعور العاطفي المجرد فقد سجلت الأيام بعض الحوادث التي تدل على صدق الحب النبوي لأسامة .من ذلك ماروي عن عائشة- رضي الله عنها - أنها قالت " أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسح مخاط أسامة فقلت " دعني حتى أكون أنا التي أفعل "فقال " يا عائشة أحبيه فاني أحبه" (1) .

كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يردف وراءه أسامة مرات عديدة في أثناء السفر(2) ,بل انه عليه الصلاة والسلام أخر الإفاضة من عرفات بعض التأخير من أجل أسامة الذي ذهب يقضي حاجته (3), وكان كذلك يستشيره في بعض الأمور, كاستشارته في أمر عائشة- رضي الله عنها - لما سرى حديث الافك .وكان صلى الله عليه وسلم يقبل شفاعته في بعض القضايا ما لم تمس الشفاعة مبدءا من مبادئ الإسلام الكبرى (4) .

وبهذا أصبح زيد وابنه مثلين رائعين ورمزين خالدين للحب الخالد والعاطفة المخلصة الصافية .فهنيئا لهما بهذا الفضل العظيم (5).

أما الأنصار فنظرا لفضلهم المتمثل في إيوائهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين ,والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم ,فقد استحقوا بذلك أن ينالوا عظيم محبته صلى الله عليه وسلم ,حيث حذر عليه الصلاة والسلام من بغضهم وحث على حبهم ,حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق (6) فقال عليه الصلاة والسلام " آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار" (7)





.................................................. ........................

1- "تهذيب تاريخ دمشق الكبير" لابن عساكر 2/398
2- انظر "فتح الباري "8/81ومسند الإمام احمد 5/207
3- انظر " أسامة بن زيد حب الرسول صلى الله عليه وسلم " للدكتور وهبة الزحيلي ص.34
4- انظر "صحيح البخاري" 4/583كتاب "فضائل الصحابة "
5- "أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم "ص.23
6- انظر "فتح الباري "1/62-63
7- صحيح البخاري 1/71كتاب الإيمان باب "علامة الإيمان حب الأنصار "

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:14 PM
كما أن حديث الجعرانة (1)يقف شاهدا على هذه المحبة, حيث خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم الأنصار حين بلغه أن بعضهم قد وجد على نفسه مما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم حيث خص المؤلفة قلوبهم – وهم أهل مكة – بمزيد من الغنائم والأعطيات يتألف قلوبهم على الإسلام بقوله " ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار " (2) .

إن هذا الخطاب ليفيض بمعاني الرقة والذوق الرفيع ومشاعر المحبة الشديدة للأنصار ,وهو يفيض في الوقت ذاته بدلائل التألم من أن يتهم من قبل أحب الناس إليه بنسيانهم والإعراض عنهم .وقد أحس الأنصار بهاته المعاني الرقيقة الصادقة مما جعلهم يذرفون الدموع فرحا بنبيهم وابتهاجا بقسمتهم ونصيبهم .فأي برهان منه عليه الصلاة والسلام ينطق بالوفاء وخالص المحبة والود أكثر من هذا ؟ثم متى كان المال في ميزان رسول الله صلى الله عليه وسلم دليلا على التقدير والحب ؟ (3) .

1- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض الأمكنة والبقاع

تعتبر مكة المكرمة أحب الأمكنة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ,كيف لا وهي مسقط رأسه ,وبلده الذي نشأ وترعرع فيه, يدل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين اضطر للخروج منها " اللهم ٳنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب البلاد إليك " (4) .
وقد استند إلى هذا الحديث من قال بتفضيل المدينة على مكة لأن الله تعالى أجاب دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم فأسكنه المدينة وهذا رأي جمهور العلماء, ومنهم الإمام مالك – رضي الله عنه -.في حين ذهب الإمام الشافعي- رضي الله عنه - وغيره إلى تفضيل مكة على المدينة اعتمادا على قول الرسول صلى الله عليه وسلم " والله إني لأعلم أنك خير أرض وأحبها إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ماخرجت " (5)



.................................................. ..............................

1- الجعرانة اسم المكان الذي جمعت فيه غنائم المسلمين في غزوة حنين وسمي المحل باسم امرأة كانت تلقب بذلك وقيل هي التي نقضت غزلها من بعد قوة ( انظر السيرة الحلبية 3/75)
2- صحيح البخاري 5/99-100كتاب "مناقب الأنصار باب رقم 63
3- "فقه السيرة "للبوطي ص.397-398بتصرف .
4- السيرة الحلبية "2/196
5- المصدر السابق 2/196-197

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:15 PM
وأحب الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك جبل أحد فقال فيه "أحد جبل يحبنا ونحبه " (1)وقد علق ابن الأثير على هذا بقوله " هذا محمول على المجاز أراد انه جبل يحبنا أهله ونحب أهله وهم الأنصار ويجوز أن يكون من باب المجاز الصريح أي أننا نحب الجبل بعينه لأنه في أرض من نحب (2) .

وقال علي بن برهان الدين الحلبي " لامانع أن تكون المحبة من الجبل على حقيقتها وضع الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال المسبحة مع داود عليه السلام وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال فيها سبحانه (وان منها لما يهبط من خشية الله )"(3).

1- محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض الأطعمة والأشربة والألبسة وغيرها

باستقراء النصوص المبثوثة في كتب السيرة والشمائل والحديث يتضح لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب من الشاة الذراع والكتف, ومن التمر العجوة, ومن البقول الهندباء*والشمرة **وكان يحب الزبد والتمر والحلواء والعسل واللبن والقثاء ***.وكان يكره أكل الكليتين لمكانهما من البول .وكان يحب من الألبسة القميص والحبرة ****
كما كان صلى الله عليه وسلم يحب السواك خاصة ضريع الأرك ,حتى انه طلب أن يستن به وهو على فراش الموت .كما أحب عليه الصلاة والسلام الخيل فكان يوليها عناية كبيرة .وقد روي أنه مسح وجه فرسه ومنخريه وعينيه بكم قميصه فقيل له يارسول الله تمسح بكم قميصك ؟فقال "إن جبريل عليه السلام عاتبني في الخيل (4)





.................................................. ..................

1- رواه البخاري في صحيحه 5/205-206 كتاب المغازي باب "احد يحبنا ونحبه "
2- "لسان العرب 2/743و"تاج العروس"2/215
*الهندباء يقال الهندب والهندبا والهندباء وهو معروف يؤكل
*الشمرة والشماروهونبات أصغر الزهر له حب مخضر مستطيل
*القثاء نوع من النبات ثمره يشبه الخيار
*الحبرة هي ثياب من نوع برود اليمن تتخذ من كتان أو قطن محبرة أي مزينة .
3- السيرة الحلبية 2/487
4- السيرة الحلبية 3/431

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:16 PM
5-أمور حببت للرسول صلى الله عليه وسلم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة "(1)
فقد حبب لنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم النساء ,وهذا الحب له جانبان: جانب طبيعي: وهو الذي ينصب على نسائه أمهات المؤمنين, وجانب إنساني :يتمثل في عطفه على النساء عامة وحثه على إكرامهن وعدم ٳهانتهن (2) قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله لكم عليهن أن لايوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " (3) .

وحب النساء يدل من جانب آخر على " صفاء النفس وكمال السوية واعتدال الطبيعة وتمام الرجولة فما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم " (4)

والحكمة في تحبيب النساء للرسول صلى الله عليه وسلم أن ينقلن محاسنه ومعجزاته الباطنة والأحكام السرية التي لايطلع عليها غالبا غيرهن وغير ذلك من الفوائد (5) .



.................................................. .......

1- رواه الإمام احمد في مسنده 3/128-199-285
2- "حب الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء ص.74
3- "فقه السيرة "للبوطي ص.440
4- "حب الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء ص .22
5- السيرة الحلبية 2/434

لطيفة أسير
14-06-2010, 01:17 PM
أما الطيب فقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يحب الرائحة الحسنة الطيبة ويستعملها ويحض عليها وكان أحب الرياحين إليه الفاغية * (1) وإنما حبب إليه الطيب لملاقاته للملائكة لأنهم يحبونه ويكرهون الريح الخبيث (2) .
وحبب إليه صلى الله عليه وسلم الخلوة فكان يخلو بغار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد (3) وإنما حبب إليه ذلك لما في الخلوة من المزايا فهي تفرغ القلب عن أشغال الدنيا وتوجهه للتدبر في ملكوت الله فيصفو قلبه وتشرق عليه أنوار المعرفة (4) .
كما حبب إليه صلى الله عليه وسلم الجمال فقال عليه الصلاة والسلام " إني رجل حبب إلي الجمال وأعطيت منه ماترى " (5) .وحبب إليه والوضوء الصلاة والدلائل في ذلك كثيرة .
كما كان عليه الصلاة والسلام يدعو الله أن يحبب إليه الإيمان فيقول " اللهم حبب إلينا الإيمان " (6)
والمدينة المنورة فيقول " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو اشد " (7)



.................................................. .......
الفاغية هي نور الحناء وقيل غصن الحناء يغرس مقلوبا فيخرج زهرا أطيب من الحناء وقيل هي نور كل ماله رائحة طيبة
1- " وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم " للنبهاني ص.53
2- انظر السيرة الحلبية
3- صحيح البخاري 1/4كتاب " بدء الوحي " باب رقم 3
4- السيرة الحلبية 1/380
5- رواه أبو داود انظر "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي "1/405
6- رواه الإمام احمد في مسنده 3/424
7- صحيح البخاري 5/149كتاب "مناقب الأنصار " باب " مقدم النبي وأصحابه المدينة " .

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:00 PM
المبحث الثالث
محبة الغير للرسول صلى الله عليه وسلم

لن نغالي إذا قلنا أن أحدا من البشر لم ينل الحب والإعجاب اللذان نالهما الرسول صلى الله عليه وسلم ،بل إن صور المحبة المروية تكاد تبلغ العجب ، لكنها لاتجانب الصدق ولا تنحو نحو الكذب ،بل هي صور مشرقة ساطعة كتبها الصحابة الكرام – نساء ورجالا – بدمائهم وتفانيهم في حب من بعثه الله تعالى رحمة للعالمين .

1- محبة الصحابة للرسولصلى الله عليه وسلم

إن الحب الصادق ليس مجرد حديث عابر أو عاطفة قلبية مجردة ، بل هو عمل وتفان في سبيل إرضاء المحبوب وحمايته وإتباعه ونصرته .وهذا ما أكده الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – في الحرب والسلم ،وفي العسر واليسر ، وفي كل حركة تحركها الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم .مما جعل عروة بن مسعود يقول وقد رأى عظيم التقدير والمحبة التي يحف بها الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم "إني جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه ..وإني ما رأيت في يقوم قط مثل محمد في أصحابه "(1) .

فماذا رأى عروة ؟ بل ماذا رأى غيره ممن قال مثل هذا الكلام وجعلهم يندهشون لهذه العلاقة العجيبة والتي لايمكن أن توجد إلا بين محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه ؟

لقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم إذا توضأ ابتدر الصحابة وضوءه وكادوا يقتتلون عليه، فلا تسقط قطرة إلا في يد إنسان، إن كانت قدر ما يشربها شربها ،وإلا مسح بها جلده .وإذا بصق بصاقا، أو تنخم نخامة، تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم (2) ولاتسقط منه شعرة إلا ابتدروها .فعن أ نس – رضي الله عنه – قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وقد طاف به أصحابه ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل " (3 )



.................................................. .....................

1- "الشفا " 2/88
2- المصدر السابق 2/87
3- "السيرة الحلبية " 3/329

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:02 PM
وأعجب من هذا ماروي أن بعض الصحابة مص دمه صلى الله عليه وسلم كعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير ومالك بن سنان الخذري وأبو طيبة الحجام – رضي الله عنهم أجمعين – فعن عبد الله بن الزبير قال " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهويحتجم ،فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حتى لايراك أحد .قال فشربته .فلما رجعت قال: يا عبد الله ماصنعت ؟ قلت :جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس .قال لعلك شربته .قال نعم .قال ويل للناس منك وويل لك من الناس " (2) فكان بسبب ذلك على غاية من الشجاعة .

وقال صلى الله عليه وسلم لمالك بن سنان حين ازدرد دمه " من مس دمي دمه لم تصبه النار " (3) .أما الحديث الذي ذكره أبو عمر النمري في الاستيعاب " أن رجلا من الصحابة ازدرد دمه فقال له " أما علمت أن الدم كله حرام " فقد ضعفه العلماء وقالوا بأنه غير صحيح لايعرف له إسناد فلا يعارض ما قبله (4) .
كما انه لم ينقل عنه انه صلى الله عليه وسلم أمر من مص دمه بغسل فمه، ولا أنه غسل فمه من ذلك.ويستفاد من هذا أن دم الرسول صلى الله عليه وسلم يخالف دم غيره في التحريم (5)

والمحب الصادق كذلك يترقب بكل شوق وحماس فرصة يتمكن فيها من بذل راحته ونفسه وما ملكت يمينه دون حبيبه ،.والمحبون الصادقون من الصحابة قد سجلوا أروع أمثلة الفداء والتضحية دونه صلى الله عليه وسلم ،والذين جاؤوا من بعدهم من محبيه يجدون في صدورهم حسرة كبيرة لفوات تلك السعادة العظيمة والأمنية الغالية .(6)




................................................

1 -السيرة الحلبية 2/516
2- المصدر السابق 2/516
3- المصدر السابق 2/515
4- انظر "الروض الأنف "3/166- "السيرة الحلبية " 3/516.
5- انظر "الروض الأنف "3/165.
6- انظر " حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته " للدكتور فضل الهي ص.43.

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:03 PM
ولعل ساحات المعركة خاصة ساحة أحد ،قد سجلت أبدع صور التضحية والفداء ،حيث حام الصحابة الكرام حول الرسول صلى الله عليه وسلمفي ذلك اليوم المشهود يحمونه بأجسادهم من نبال المشركين وضرباتهم، يتساقطون الواحد تلو الآخر تحت وابل السهام، وهم في نشوة عارمة وحرص كبير على حفظ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم (1).
فقد ذكر أن أبا دجانة- رضي الله عنه - تترس * دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار يقع النبل على ظهره وهو منحن حتى كثر فيه النبل (2) .

وقاتل مصعب بن عمير- رضي الله عنه - دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتله ابن قمئة لعنه الله وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).

أما طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - فقد شلت يده حيث كان يقي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .فعن قيس بن أبي حازم قال "رأيت يد أبي طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد " (4) .فما أسعد هذه اليد التي شلت دفاعا عن أحب خلق الله تعالى، وما أسعد صاحبها .ولم تشل يده فحسب بل جرح كله حيث كانت به حوالي سبعين جرحة .وهذا ما رواه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - حيث قال " ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار ** فإذا به بضع وسبعون أو اقل أو أكثر بين طعنة ورمية وضربة" (5) .
وقد كان الصديق- رضي الله عنه - إذا ذكر يوم احد بكى ثم قال " ذلك كله يوم طلحة " (6)

.................................................. ...............


1- انظر فقه السيرة ص.248
*تترس أي لبس الترس وهو صفحة من الفولاذ تحمل للوقاية من السيف ونحوه .
2- السيرة الحلبية 2/510
3- المصدر السابق 2/510
4-" صحيح البخاري " 5/85كتاب "فضائل الصحابة " باب – ذكر طلحة بن عبيد الله –
** الجفار جمع جفرة وهي حفرة في الأرض
5-" منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي " لأبي داود2/99- "فتح الباري "7/82-83
6-"منحة المعبود " 2/99.0ذ

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:04 PM
ونشاهد محبا صادقا آخر، وهو من جرحى أحد أصيب بعشرات الضربات مابين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم لم يبق بينه وبين الدنيا وما فيها من أهل ومال ومتاع إلا لحظات.ففيما كان يفكر؟وما الذي كان يشغل باله ؟
لقد كان سعد بن الربيع - رضي الله عنه - في هذه اللحظات الأخيرة لايفكر إلا في الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي سلامته .وحين جاءه زيد بن ثابت - رضي الله عنه -يتفقده بين الجرحى ويبلغه سلام الرسول صلى الله عليه وسلم وسؤاله عنه حمله رسالة شفوية إلى قومه الأنصار يوصيهم فيها بحماية الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال " لاعذرلكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرف "(1).ثم فاضت نفسه الطاهرة .
فهذا ماكان يفكر فيه سعد البطل فهل نحن كذلك ؟ فيم نفكر ؟وماذا يشغل بال كثير منا ؟وبما يوصي بعضنا أصحابه عند توديعهم ؟ (2)

وهاهي ذي صورة أخرى لهذه المحبة الخالدة يقدمها كل من زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي- رضي الله عنهما - .ففي سرية الرجيع*حين أمسك كفار قريش بزيد- رضي الله عنه - وأرادوا قتله قال له أبو سفيان: "أنشدك الله يازيد أتحب محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في اهلك؟" فقال: " والله ما أحب أن محمدا صلى الله عليه وسلم الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني لخالص في أهلي " فقال أبو سفيان " ما رأيت من الناس أحدا كحب أصحاب محمد محمدا "(3) .
ونقل مثل ذلك عن خبيب - رضي الله عنه - وهو مصلوب (4)





.................................................. ..........................


1-" المستدرك على الصحيحين " 3/201 كتاب " معرفة الصحابة " ذكر مناقب سعد بن الربيع
2- انظر "حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته "ص.57
*سرية الرجيع أو بعث الرجيع كانت في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة .
3-السيرة الحلبية 3/164
4-المصدر السابق .

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:05 PM
وعندما اضطر النبي صلى الله عليه وسلم لمغادرة مسقط رأسه مكة، سأل الله عز وجل أن يحبب إليه موطنه الجديد المدينة.ولقد استجاب الحق سبحانه لدعائه .فهاهم الأنصار وقد سمعوا بمقدمه صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى ظاهرة المدينة ينتظرونه تحت لفح الشمس. حتى إذا انقضى النهار وجن الليل، رجعوا إلى منازلهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم التالي.وحينما طلع عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم جاشت العواطف في صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد والأهازيج فرحا لمرآه صلى الله عليه وسلم .وخرجت ولائد بني النجار وهن ينشدن :

نحن جوار من بني النجار ياحبذا محمد من جار

فقال صلى الله عليه وسلم لهن أتحببنني؟ فقلن: نعم .فقال: "الله يعلم أن قلبي يحبكن "(1).

ولما شرف الله عز وجل الأنصار بصحبة حبيبه صلى الله عليه وسلم في ديارهم، كانوا يضنون به خوفا من أن يحرموا من هذه النعمة العظمى والشرف الجليل (2) .ويدل على ذلك أنهم حين رأوا رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مكة وكف القتل عنهم ظنوا انه صلى الله عليه وسلم سيرجع إلى مكة والمقام فيها دائما ، ويرحل عنهم ويهجر المدينة المنورة .فشق ذلك عليهم .فأوحى الله تعالى إليه بذلك فأعلمهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لهم "كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله واليكم والمحيا محياكم والممات مماتكم "

فأقبلوا عليه يبكون ويقولون " والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله " (3).أي ما قلنا ذلك إلا حرصا عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا لنستفيد منك ونتبرك بك وتهدينا الصراط المستقيم (4) .

ومن محبة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم إعظامهم جميع أسبابه وإكرامهم مشاهده ومكنته ومعاهده وكل ما له علاقة به صلى الله عليه وسلم (5)

………………………………………..

1- "فقه السيرة "ص.188
2- " حب النبي وعلاماته "ص.27
3- " صحيح مسلم " 3/1405كتاب "الجهاد" باب - فتح مكة – رقم الحديث 1780
4- انظر "شرح النووي " 12/128-129
5- " الشفا " 2/127

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:08 PM
الفصل الثالث :
المبحث الأول:
محبة الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال العادة
إذا كان حب الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم حبا إيجابيا مثمرا، تجلى في اقتدائهم بمثلهم الأعلى، وبذلهم أنفسهم دونه صلى الله عليه وسلم .فإن حب المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم في العصور الحديثة يتطلب منا وقفة تحليل وتأمل، فهل هناك فعلا حب للمصطفى صلى الله عليه وسلم ؟وإذا كان فأين محله؟ وماهي انعكاساته ؟وإذا لم يكن ماهي الأسباب التي أدت إلى فقده؟

1- واقع المحبة النبوية في الأمة الإسلامية

تعاني صورة الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوب مسلمي اليوم عزلة وجدانية عميقة، حيث أضحى حبهم للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم قابعا في نفوسهم، دون أن يكون له ذاك التأثير العظيم الذي كان للسلف الصالح، ودون أن يتجسد بكل مقوماته في حياتنا اليومية .وقد ساهم في هذه العزلة جملة من الأسباب التاريخية لاحت بعد فترة حكم الخلفاء الراشدين .

ففي عهد أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما - لم يكن هناك حديث عن العزلة ،لقرب العهد بالرسول صلى الله عليه وسلم ،فكانت ذكراه لازالت حية في نفوسهم وتعاليمه وأقواله لازالت دستور حياتهم .فاستمر بذلك إحساس المسلمين بوجود الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم وإن غابت عنهم ذاته الشريفة .

ثم جاء عهد عثمان- رضي الله عنه - فسار على منوال صاحبيه ما استطاع ،لكن سرعان ما أطلت الفتنة منذرة بتمزيق واهتزاز في وسط الأمة، فبدا الناس يشعرون بافتراق الطريق وأخذت الصورة المتكاملة للرسول صلى الله عليه وسلم تنحسر شيئا فشيئا إلى داخل النفوس بعد أن كانت ملء النفوس وملء الحياة في ذات الوقت .


وبتوالي الأحداث وتتابع الفتن، بدأت تتسع الهوة بين واقع الأمة المشهود وبين تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم، وبدأت معها صورة الرسول صلى الله عليه وسلم تبتعد عن واقع المسلمين، وتنحسر في قلوبهم ووجدانهم بشكل سلبي ،وتأبى تغيير الواقع المريض والشرور المتفاقمة .إلا أن العزلة التامة والمخيفة تمت وبسطت سمومها منذ أن بعد الحكم والمجتمع كلاهما عن الإسلام، وصارا تابعين للغرب يسيرا وفق ما شاء .فغدا المجتمع صورة متحللة فاسدة لاهي إسلامية كما كانت ولاهي نسيج واحد متميز، وإنما هي مسخ مشوه لاوحدة له ولاكيان .

وهنا ويا للأسف والضياع الجسيم لم يعد الرسول صلى الله عليه وسلم "موجودا " في واقع الحياة ،لم يعد كيانا شاخصا بتعاليمه وتوجيهاته، وانحصر في مشاعر الناس، وغدا صورة مثالية يطالعها الناس لكن لاينفعلون بها (1) .

فكم من مسلم يسمى "محمد "وهو أبعد عن سلوك محمد صلى الله عليه وسلم أو يسمى "أحمد " وهو ليس له من الحمد إلا اسمه، بل ربما لايعي هو نفسه قيمة الإسم الذي يحمله .

وترى آخر يدعي حب الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان به ،لكن لايلتزم بأبسط متطلبات الإيمان، بل تراه "يستفتح يومه بذبح سنة الحبيب الكريم *" (2)

ووسط هذه العزلة وهذا البعد ،سعى المسلمون لإيقاظ هذا الحب الشريف والتعبير عنه بصور مبتدعة ،بعضها مستحسن والآخر أقرب إلى الضلال منه إلى الهدى .ومن هذه الصور نذكر :




.................................................. ............
1- " قبسات من الرسول " محمد قطب ص.6الى 11بتصرف .
*المقصود بذبح سنة الرسول أي بحلق لحيته .
2- " حب النبي وعلاماته "ص.74.

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:09 PM
1- الاحتفال بعيد المولد النبوي

لقد جعل المسلمون يوم مولده صلى الله عليه وسلم عيدا سنويا، يحتفلون به كل بطريقته تعبيرا عن حبهم للرسول صلى الله عليه وسلم ،وفرحا بنعمة الله تعالى علينا بمبعثه ،وقد اعتبر هذا الاحتفال بدعة حسنة .قال الإمام أبو شامة شيخ الإمام النووي " ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر، بمحبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر الله على ما من به من إيجاد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين " (1)

وكان الفاطميون أول من ابتدع فكرة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، وذلك في عهد المعز لدين الله.ونقل أن الملك مظفر الدين صاحب إربل * كان يحتفل بإحياء ذكرى المولد النبوي احتفالا كان مضرب الأمثال في العظمة والإجلال، وكان يبدي فيه من العناية والبذل ماهو فوق الآمال .وقد استحسن عمله جمع من العلماء كابن كثير في "البداية والنهاية" والسخاوي في " التبر المسبوك " وأبو شامة في" الباعث على إنكار البدع والحوادث" (2) .

غير أن المتأمل في كيفية احتفال المسلمين بهذه الذكرى، ليشعر بالحسرة الكبرى على فقدان المغزى الذي ابتدعت من أجله .إذ يجد أغلب الناس في هذه المناسبة فرصة لشراء الملابس وصنع المأكولات المتنوعة، ولا يفكرون حتى في قراءة جزء يسير من سيرة من يحتفلون بذكراه صلى الله عليه وسلم.فلم هذا الاحتفال إذا كنا لانقوم بواجبنا تجاهه ؟
.................................................. .............................

1- السيرة الحلبية 1/137
* إربل بلدة كبيرة بها قلعة حصينة بالموصل .
2- انظر " تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي "لحسن السندوبي ص.62الى 85 بتصرف .

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:10 PM
2- التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم

التوسل والتبرك كلمتان ذات معنى واحد هو التماس الخير والبركة من المتوسل به (1) .وقد اختلف العلماء في جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو عدم جواز ذلك .
وقبل الخوض في مجال الاختلاف نشير بدءا إلى ماروي عن الصحابة الكرام من تبركهم بآثار النبي صلى الله عليه وسلم والتوسل بها للاستشفاء أو العناية والتوفيق .
من ذلك مارواه البخاري – رحمه الله تعالى - أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها -، كانت تحتفظ بشعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم في جلجل*لها ،فكان إذا أصاب أحد من الصحابة عين أو أذى أرسل إليها إناء فيه ماء فجعلت الشعرات في الماء ثم أخذوا الماء يشربونه توسلا للاستشفاء والتبرك به (2) .
وقد ذكرنا في الفصل الثاني صورا لتبرك الصحابة بشعر النبي صلى الله عليه وسلم ووضوئه وبصاقه ،وهي إن دلت على شئ فإنما تدل على عظيم محبتهم للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

ولذلك أجاز بعض العلماء التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم كالشيخ الدكتور البوطي الذي قال " إذا علمت أن التبرك بالشئ إنما هو طلب الخير بواسطته ووسيلته، علمت أن التوسل بآثار النبي صلى الله عليه وسلم أمر مندوب إليه ومشروع فضلا عن التوسل بذاته الشريفة" (3)

في حين استنكر آخرون التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بحجة أن تأثير النبي صلى الله عليه وسلم قد انقطع بوفاته .

وقد رد البوطي على هذا الاستنكار بأن مناط التبرك والتوسل به صلى الله عليه وسلم أو بآثاره ليس هو إسناد أي تأثير إليه –والعياذ بالله – ،وإنما المناط كونه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلائق عند الله تعالى على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد ،فهو التوسل بقربه إلى ربه وبرحمته الكبرى للخلق، ولا يستطيع أحد من المسلمين أن ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد جل جلاله .(4) .

.................................................. .......

1- انظر "فقه السيرة" للبوطي ص.190
*الجلجل هو ظرف يشبه الجرس يوضع فيه مايراد صيانته .
2- انظر حديث البخاري عن أم سلمة7/74كتاب "اللباس "باب " ما يذكر في الشيب "
3- فقه السيرة ص.326
4- نفس المرجع .

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:11 PM
3القيام عند ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم

من الأمور المبتدعة كذلك في التعبير عن محبته صلى الله عليه وسلم، ما جرت عليه عادة كثير من الناس في القيام عند ذكره صلى الله عليه وسلم تعظيما له .وهذا القيام كما قال برهان الدين الحلبي " بدعة لا أصل لها لكن هي بدعة حسنة " (1) .
وقد وجد القيام عند ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم من الإمام تقي الدين السبكي، وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره .
فقد حكى بعضهم أن الإمام السبكي اجتمع عنده جمع كثير من علماء عصره ،فانشد منشد قول الصرصري (2) في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم:


قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب
على ورق من خط أحسن من كتب
وان تنهض الأشراف عند سماعه
قياما صفوفا أو جثيا على الركب

فعند ذلك قام الإمام السبكي وجميع من في المجلس فحصل أنس كبير بذلك المجلس (3).


وتشهد مجتمعاتنا حاليا صورا مبتدعة تخالف شرع الله ،يدعي أصحابها أنهم يدرسون سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتاريخ الدعوة المحمدية ،وذلك من خلال ما يسمونه" الأغاني الدينية" أو "المسلسلات الدينية "، والتي تعرض في المناسبات الدينية فقط ثم بعد ذلك تنسى لتعرض مكانها أمور تناقضها ومن نفس الأشخاص .وهذا يدل على زيف تلك الأعمال وعدم إيمان أصحابها بها عند تأديتهم لها .وهذا ما يؤكد أيضا ما أثبته محمد قطب سابقا من وجود عزلة رهيبة للحب النبوي في قلوب مسلمي اليوم . فهم يتفوهون به لكنهم لاينفعلون به ولا يجسدونه في سلوكهم وحياتهم .

.................................................. .
1- السيرة الحلبية 1/136
2- هو الشيخ جمال الدين أبو زكرياء يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصرصري الماهر الحافظ للأحاديث واللغة .له ديوان في مدح الرسول .كان ضريرا .قتله التتار ببغداد سنة656( انظر كتاب الشمائل لابن كثير ص.577 ).
3- السيرة الحلبية 1/137

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:12 PM
4- محبة الصوفية للرسول صلى الله عليه وسلم

تتحدد محبة الصوفية للرسول صلى الله عليه وسلم من خلال نظرتهم لشخصيته صلى الله عليه وسلم فهم يعتبرونه" كلمة " الله أو نور الله الذي كان له وجود قبل الخلق، بل كان وجود الخلق من أجله .وتظهر هذه الكلمة الإلهية في كل دورة من الزمان في صورة الأنبياء ،أي أنها أزلية ظهرت بدءا مع الأنبياء ثم اكتملت بظهور الرسول صلى الله عليه وسلم ،ثم تواصلت في شخص الأولياء. (1) ولهذا قال أبو العباس القصاب " لم يمت محمد صلى الله عليه وسلم وإنما الذي مات استعدادك لان تراه بعين قلبك " (2)

وأطلق بعض المتصوفة كمحيي الدين بن عربي وعبد الكريم الجيلاني على رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم " الإنسان الكامل".وفي هذا المعنى يقول عبد الكريم الجيلاني " اعلم أن الإنسان الكامل نسخة من الحق ... ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية والصفات الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضى الذاتي " (2) .

وقال صدر الدين – وهو تلميذ بن عربي – " إن الحق تعالى لما تجلى لذاته وشاهد جميع صفاته وكمالاته في ذاته، وأراد أن يشاهدها في حقيقة تكون له كالمرآة ،أوجد الحقيقة المحمدية التي هي جميع أهل النوع الإنساني "(3).
ولهذا يقول الصوفية أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول " من راني فقد رأى الله " (4 )

ولما كان الحب عند الصوفية هو فناء المحب في المحبوب ،ولما ادعوا الاتحاد بالله والفناء فيه ،فلم يستعص عليهم القول بالاتحاد بالرسول صلى الله عليه وسلم والفناء فيه بدعوى محبته .

فلا يكفي في نظرهم تقليد الرسول صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأخلاقه، بل تاقت نفوسهم إلى دوام حضوره معهم ،لذا يراه المريدون في شتى الصور في النوم واليقظة ..ورؤيته في المنام من الأمور العادية في الحياة الصوفية .فقد حكي عن أبي سعيد الخرازانة انه قال " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت :أرسول الله ،اعذرني فإن محبة الله تعالى شغلتني عن محبتك .فقال :يا مبارك من أحب الله فقد أحبني " (5)

..................................................
1- "انظر التصوف الإسلامي " ألبير نصري نادر ص 28
2- "التصوف الإسلامي "ص.29
3- " رسالة التحقيقات الأحمدية في حماية الحقيقة المحمدية " لأحمد بن إسماعيل بن زيد العابدين بن البرزنجي ص.37
4- " التصوف الإسلامي "ص.29
5- المرجع السابق ص.84

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:13 PM
وللصوفية طرق خاصة في التعبير عن المحبة :كإقامة حلقات الذكر التي يردد فيها اسم "الله" وقراءة بعض الأوراد، مع توجيه القلب توجيها تاما نحو الله تعالى .وقد يصحب هذا التوجه القلبي وسائل أخرى مثل تعذيب البدن أو حبس النفس وغير ذلك من الأمور التي تؤدي إلى محو شعور الصوفي بذاته تدريجيا ،ووقوعه في حالة تشبه الغيبوبة .وأحيانا يصاحب حفلات الذكر الموسيقى والغناء .وتتدرج هذه الطرق حتى تصل إلى درجة الفناء حيث يبطل شعور المتصوف بكل ما حوله ويخيل إليه أنه قد اتحد بمحبوبه .

إن المتأمل في نظرة الصوفية للمحبة بشكل عام ولمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم بشكل خاص؛ ليجد غلوا وبعدا عن عقيدة التوحيد الإسلامية. لأن قولهم أن "الإنسان الكامل نسخة من الخالق " شرك عظيم لما فيه من مخالفة لمبدأ التوحيد الذي أقره الحق سبحانه ﴿قل هو الله احد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا احد ﴾

كما أن قولهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "من رآني فقد رأى الله" افتراء عظيم لان الحديث الصحيح الثابت عند البخاري هو " من رآني فقد رآني فإن الشيطان لايتمثل بي "(1) .

أما طرقهم في التعبير عن هذه المحبة من إقامة حفلات للذكر مصحوبة بالموسيقى والغناء ثم التدرج في ذلك حتى يبلغ الصوفي درجة الفناء؛ فإننا لن نجد ردا عليها أبلغ من قوله عز وجل ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ .أي أن إتباعه صلى الله عليه وسلم والاقتداء به وإحياء سنته والذب عنها هي أبلغ الطرق وأجملها للتعبير عن حبه صلى الله عليه وسلم.

.................................................. ...

1-صحيح البخاري 8/402كتاب "التعبير" باب – من رأىصلى الله عليه وسلم النبي في المنام –

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:14 PM
الإسلام دين شامل، يهتم بالظاهر كما يهتم بالباطن .والإيمان كما هو تصديق بالقلب هو أيضا نطق باللسان وعمل بالأركان .فلا يكفي أن نتذكر عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونتأسف على فواته ؛لايكفي أن نقول نحن نحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ بل يجب أن تكون أعمالنا ترجمانا حقيقا لما في قلوبنا ،وأن نتبع من نحب ونعلم أن طاعتنا للرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله عزوجل ومحبته صلى الله عليه وسلم محبة لله عزوجل ؛لان الحق سبحانه ربط بين الأمرين معا في غير ما آية .


ولندع كلمتنا الأخيرة لمحمد قطب في تأملاته لواقع المحبة النبوية، وصرخته ضد هذا الواقع المرير ،حيث يقول " إن ما حدث ويحدث ليعتبر جرما عظيما وزيغا عما أراده الله عز وجل للبشرية ..إن الله سبحانه وتعالى لما أوجب محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم أراد بها تلك المحبة الايجابية المثمرة التي تخفق بذكر المحبوب، لكن أيضا ترفض سجنه في قفص وجدانها بل تسعى جهد ما تستطيع إلى تشخيص صورة الحبيب ونشر مبادئه وتعاليمه حتى تصبح صورته ملء النفوس وملء الحياة في ذات الوقت " (1)

.................................................. .............

1- قبسات من الرسول صلى الله عليه وسلم " ص.12

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:16 PM
المبحث الثاني
محبة الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال العبادة
يجسد هذا المبحث وجهة النظر الشرعية للمحبة النبوية والتي عليها الاعتماد وبها يجب الاسترشاد .وخلاله سنقف مع النصوص الشرعية التي توضح وجوب محبته صلى الله عليه وسلم وثواب هذه المحبة مع بيان حقيقة إتباعه .

1- وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم :

لقد حثت العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على وجوب محبته صلى الله عليه وسلم أكثر من النفس والولد والوالد والناس أجمعين، قال الله سبحانه وتعالى :" قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين " (1) .فقد قرع الله تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله سبحانه وأوعدهم بقوله: " فتربصوا حتى يأتي الله بأمره " (2).

قال القرطبي- رحمه الله تعالى - : " في الآية دليل على وجوب حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولاخلاف في ذلك وان ذلك مقدم على كل محبوب "(3).

ويؤكد هذا المعنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " (4) .أي لايكمل إيمان من كان أهله وماله أحب إليه من الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد يقال :إذا حصلت هذه المحبة فهل بلزم من هذا أن يكون المحب مؤمنا كاملا وإن لم يأت بسائر الأركان ؟

يجيب الكرماني- رحمه الله تعالى - قائلا " هذه مبالغة كأن الركن الأعظم فيه هذه المحبة، نحو لاصلاة إلا بطهور وهي مستلزمة لها .أو يلتزم ذلك لصدقه في الجملة ،وهو عند حصول سائر الأركان، إذ لاعموم للمفهوم " (5) .

.................................................. .................

1- سورة التوبة الآية 24
2- انظر "الشفا" 2/17
3- تفسير القرطبي 8/95
4- صحيح البخاري 1/69 كتاب "الإيمان "باب "حب الرسول صلى الله عليه وسلممن الإيمان "
5- " الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري "للكرماني 1/95

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:17 PM
فالإيمان إذن يستلزمه إتيان سائر أركانه مع اقتران المحبة بذلك .
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أصناف المحبة وهي ثلاثة: " محبة إجلال وعظمة كمحبة الوالد ،ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد ،ومحبة استحسان واستلذاذ كمحبة سائر الناس " (1) .
واعتبر القاضي عياض- رحمه الله تعالى - المحبة شرطا في صحة الإيمان لافي كماله فقط ؛حيث حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال. إلا أن قوله هذا لم يجد الموافقة لدى بعض العلماء ،لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزما للمحبة ؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شئ مع خلوه من محبته (2) .

فمن لم يجد في نفسه هذه المحبة لم يكمل إيمانه وهذا ما تعلمه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم "لأنت أحب إلي من كل شئ إلا نفسي التي بين جنبي "فقال النبي صلى الله عليه وسلم"لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " فقال عمر-رضي الله عنه - "لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " الآن يا عمر " (3)

وفي الحديث أيضا إيماء إلى فضيلة التفكر، وإلى أحقية الرسول صلى الله عليه وسلم بالمحبة دون غيره من عباد الله .ذلك أننا إذا نظرنا إلى المحبة وجدنا الإنسان لايخلو إما أن يكون نفسه أو غيرها. فأما نفسه فهو يريد لها السلامة من الآفات والعيش في هناء.وأما إذا أحب غيره فهو راجع لما يحصل له من نفع على وجوه مختلفة، فإذا تأمل النفع الحاصل من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي .فكان نفعه بذلك أعظم ومن تم استحق أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره .

............................................

1-هذا قول ابن بطال نقله الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم 1/67.ونقله الكرماني في شرحه 1/99
2- انظر " فتح الباري "1/59
3- صحيح البخاري 7/179كتاب "الأيمان والنذور " باب كيف كانت يمين النبي "

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:18 PM
بيد أن الناس يتفاوتون في الإحساس بهذه المحبة تبعا لتفاوتهم في درجة الإيمان " فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقا في الشهوات محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده ،ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة ... لما وقر في قلوبهم من محبته غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات " (1).

2-حقيقة إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم :

إن إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته تبع لمحبته، إذ لابد من تقدم المحبة ثم بعد ذلك تأتي طاعة من نحب (2). ولولا المحبة العاطفية لما وجد وازع يحمل على الإتباع في العمل .قال القرطبي " محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست في مجرد الإتباع له بل المحبة له هي أساس الإتباع وباعثه " (3) .

وإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجب ديني،إذ إتباعه إتباع لشرع الله عز وجل ،وطاعته طاعة لله عز وجل، ومعصيته معصية لله عز وجل .وكل من أراد أن يحكم في شئ من أمر الدين غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يكون بذلك مخالفا لشرع الله تعالى .لأن ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كان كافيا وكاملا يدخل في كل حق ،فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق مادام الخبر صحيحا موثوقا به .وان لانعارضه بخيال باطل ،أو نحمله شبهة ،أو شكا أو نقدم عليه آراء الرجال، وأن لايوقف بعضنا تنفيذ أمره وتصديق خبره حتى يعرضه على قول شيخه وإمامه، فإن أذن له نفذه وقبل خبره وإلا فلا .بل الواجب هو أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب إتباعه والانقياد له ،(4) قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم "(5) .

.................................................. ...........
1- انظر " فتح الباري "1/59-60
2- انظر " إحياء علوم الدين " 4/311.
3- "فقه السيرة "ص.188.
4- انظر " شرح العقيدة الطحاوية " ص.73-74.
5- سورة الحجرات الآية 1.

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:19 PM
وحين نتحدث عن وجوب إتباعه صلى الله عليه وسلم ؛يتبادر إلى ذهننا السؤال التالي :هل كل أفعاله صلى الله عليه وسلم حجة يجب العمل بها وإتباعها ؟

لقد قسم العلماء أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ثلاثة أنواع وهي:

أولا : أعمال تتصل ببيان الشريعة كصلاته صلى الله عليه وسلم وصومه وحجه ... فإن هذا النوع يكون شرعا متبعا ويجب العمل به ولا يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم بل يكون متمما للكتاب .
ويدخل في هذا النوع ما فعله الرسول ابتداء مما لايكون بيانا لمجمل ورد في القران، وهذا النوع إما أن تعرف صفته الشرعية من الوجوب أو الندب أو لاتعلم، فإن علمت فالأمة مثل الرسول صلى الله عليه وسلم ويجب الاقتداء به لقول الله تعالى﴿﴾ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ (1) .فإن لم تعلم صفته الشرعية فإما أن يظهر فيه قصد التقرب إلى الله عز وجل أو لا .فإن ظهر قصد القربة أفاد استحباب الفعل كصلاة ركعتين من غير مواظبة .وإن لم يظهر قصد القربة كالبيع والشراء كان مفيدا للإباحة على القول الراجح.

ثانيا :أفعال من النبي صلى الله عليه وسلم قامت الأدلة على اختصاصها به :كالوصال والزيادة على أربع زوجات وفرضية التهجد . فهذه الأفعال ليست أمته فيها مثله ولايقتدى به فيها .

ثالثا : أعمال يعملها بمقتضى الجبلة البشرية: كالقيام والقعود والأكل، وما كان يتناول من حلال وطرق التناول، وكذلك ما كان يفعله بمقتضى العادات الجارية في بلاد العرب كلبسه ونحو ذلك .
فحكم هذا النوع أن الأمة ليست ملزمة فيه بالاقتداء والإتباع ،لأنها أفعال صدرت عن الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره إنسانا لا باعتباره رسولا يجب إتباعه .ومع ذلك فقد كان أكثر الصحابة يقتفي آثار الرسول صلى الله عليه وسلم ويحرص على تمام متابعته في مثل هذه الأفعال كعبد الله بن عمر- رضي الله عنه - .ولذا فحكم هذه الأفعال الندب لأن الأخذ بها أخذ بأفضل الحالات وأحسن الأساليب (2) .
.................................................. .

1- سورة الأحزاب الآية 21.
2- " الميسر في أصول الفقه " ص.87-88.

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:20 PM
3- ثواب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم:

من نافلة القول استغناء النبي صلى الله عليه وسلم عن حبنا له، فلا يزيده وجوده منزلة ورفعة كما لاينقصه عدمه مكانة وشرفا .بل نحن الذين في أمس الحاجة إلى حب الرسول صلى الله عليه وسلم .فبهذا الحب ننال حب الله عز وجل ونفوز بسعادة الدنيا والآخرة. كيف لا والله عز وجل يقول ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ (1)
فحب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تبع لحب الله تعالى وسبيل لمحو الذنوب والخطايا والفوز بسعادة الدارين (2).

كما أن حب الرسول صلى الله عليه وسلم من أسباب الحصول على حلاوة الإيمان قال المصطفى صلى الله عليه وسلم" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وان يحب المرء لايحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار "(3) .
وقد اختلف العلماء في الحلاوة المذكورة هل هي محسوسة أو معنوية ،فحملها قوم على المعنى الثاني وهم الفقهاء .وحملها آخرون على المعنى المحسوس وأبقوا اللفظ على ظاهره من غير تأويل وهم أهل الصفة .

وقد صوب ابن جمرة الرأي الثاني واستدل على ذلك بأحوال الصحابة والسلف الصالح وأهل المعاملات.فإنه حكي عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة كما حدث مع بلال- رضي الله عنه - حينما كان يعذب بالرمضاء وهو يقول بصمود وإباء : أحد أحد .فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان (4)
.................................................. ..............

1- سورة آل عمران الآية 31.
2- " حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته " ص.13 بتصرف.
3- " صحيح البخاري " 1/11 كتاب الإيمان باب – حلاوة الإيمان –
4- انظر " المواهب اللدنية 2/124-125

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:21 PM
و جملة ما ذهب إليه العلماء في تفسيرهم لحلاوة الإيمان أنها : استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ويثار ذلك على عرض الدنيا، ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .

والحكمة في الإقتصار على هذه الأمور الثلاثة أي محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة المرء لله وكراهية الرجوع إلى الكفر " أن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى وان لامانح ولامانع في الحقيقة سواه وان ماعداه وسائط وان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقن أن جملة ماوعد وأوعد حق يقينا، ويخيل إليه الموعود كالواقع ،فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة ،وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار "(2) .

وأعظم من هذه الحلاوة الإيمانية، أن محب الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون معه في الآخرة.فعن انس- رضي الله عنه - أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : متى الساعة يارسول الله ؟
قال : ما أعددت لها ؟
قال ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة..ولكني أحب الله ورسوله.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أنت مع من أحببت " (3)

وقد نظم الحافظ ابن حجر معنى الحديث في بيتين فقال :

وقائل هل عمل صالح
أعددته عند الكرب
فقلت حسبي خدمة المصطفى
وحبه فالمرء مع من أحبا(4)

.................................................. .

1- انظر "شرح مسلم "للنووي 1/66 وشرح البخاري للكرماني 1/101.
2- من كلام البيضاوي نقله ابن حجر في فتح الباري 1/61.
3- صحيح البخاري 7/147كتاب الأدب باب علامة حب الله عز وجل
4- " الشفا" 2/46

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:22 PM
وقال الإمام الخفاجي- رحمه الله -في نفس المعنى :
وحق المصطفى لي فيه حب
إذا مرض الرجاء يكون طبا
ولا أرضى سوى الفردوس مأوى
إذا كان الفتى مع من أحبا (1)



ولا أخالك أخي المسلم تأبى دخول الجنة ومرافقة الحبيب الكريم صلى الله عليه وسلم، لذلك إلزم طاعته حتى تفوز بهذا الحظ العظيم واسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم :

" كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى .قالوا : ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " (2)

.................................................. ........................
1- " الشفا "2/46
2- صحيح البخاري 8/489كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله " .

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:23 PM
خاتمة
الحمد لله الذي من على أَمته بإتمام هذا البحث الذي أرجو من العلي القدير أن يتقبله مني .وأهم ما يمكن استنتاجه ما يأتي :
1- إذا كانت حقيقة المحبة بشكل عام أمر استعصى على الدارسين تحديده بدقة ،فإن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن تعددت تعريفات العلماء لها لا تتجاوز حدود طاعته وإتباعه والانقياد لأمره والذب عن سنته .أي أن تحقيق هذه المعاني تحقيق لمحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
2- كانت المحبة في حياته فطرة وطبعا متأصلا ولم تكن شهوة كما يدعي الحاقدون.هذه المحبة جعلته أكثر مسؤولية أمام خالقه أولا وأمام الناس ثانيا .
3- وحرصا على دوام المحبة بين الناس فقد سن الحبيب الكريم صلى الله عليه وسلم جملة من القواعد والآداب لتوطيد العلاقات الإنسانية: كالأمر بالإعلام بالمحبة، ودعوة المسلم أخاه بأحب أسمائه...وغير ذلك من القواعد التي أثبتناها بفضل الله .
4- أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فرض وواجب على كل مسلم، بل إن المسلم مطالب بأن يكون الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين.ولا يحسبن امرئ أن محبة الحبيب صلى الله عليه وسلم ستبعده عن محبة المولى عز وجل لأن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم تبع لمحبة الله تعالى التي هي أصل المحاب كلها .
5- وحتى لايبقى حب النبي صلى الله عليه وسلم ادعاء يدعيه كل إنسان، فقد جعل له الشرع علامات تدل عليه وتكشف المحب الصادق الذي اتصف بهذه العلامات واستكمل إيمانه، والمحب المنافق الذي لايعدو حبه للمصطفى صلى الله عليه وسلم حدود شفتيه .
6- أن صور المحبة والتضحية التي سجلها الصحابة – رجالا ونساء – لتجعلنا نشعر بالخذلان والهوان ونحن نرى واقعنا المرير الذي انقلبت فيه كل الموازين، وغدت فيه محبة الرسول صلى الله عليه وسلم منحصرة في وجدان المسلمين دون أن يكون لها أي صدى ايجابي أو تأثير فعلي ، بل غدا التعبير الصحيح عن هذه المحبة تطرفا وغلوا أما التعبير المنحرف المعوج فهو الذي يصفق له ويتشدق به .

7- أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم هي روح المحبة لها فقهها وأسلوبها ودورها الفعال في إذابة كل حواجز الاختلاف، وبث روح التآلف والتعاضد بين المسلمين بشكل عام والحركات الإسلامية بشكل خاص . فعلينا أن نلتزم بها ونوطدها فيما بيننا .
وأخيرا
أتشرف بإهداء هذا البحث إلى أستاذي الفاضل والمشرف على البحث حسن إزرال الذي شرفني بإشرافه على هذا العمل .وإلى كل أفراد أسرتي والى كل من شرفني بقراءته .سائلة العلي القدير أن يجعلنا من المحبين الصادقين لنبيه الكريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

لطيفة أسير
16-06-2010, 12:26 PM
فهرس المراجع

1- القرآن الكريم برواية حفص .
2- إحياء علوم الدين : للإمام أبي حامد بن محمد الغزالي (توفي 505هجرية )دار الفكر الطبعة الثالثة 1411ه./1991م.
3- آداب الصحبة:شروطها وفوائدها :لأبي العباس بن عرضون .دراسة وتحقيق الدكتور عمر الجندي .منشورات عكاظ الطبعة الأولى 1408ه./1987م.
4- أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه للدكتور وهبة الزحيلي دار القلم دمشق – بيروت الطبعة الأولى 1400ه./1980م.
5- أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري ( ت.630ه.) حققه وعلق عليه كل من :محمد إبراهيم البنة ومحمد عاشور ومحمود عبد الوهاب فايد .دار الشعب ( د. ت.)
6- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان " للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية ( ت.751ه0) تحقيق محمد سيد كيلاني .شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر .الطبعة الأخيرة 1381ه./1961م.
7- أفضل الرسل وخيرة الصحب لمحمد العربي القروي (د.ت.)
8- إنسانيات محمد صلى الله عليه وسلم لخالد محمد خالد .الدار القومية للطباعة والنشر – القاهرة.الطبعة الثالثة 1966.
9- بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد للقاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي ( ت.5444ه.) تحقيق صلاح الدين بن احمد الادلبي ومحمد لحسن اجانف ومحمد عبد السلام الشرقاوي .تاريخ الطبعة :1395ه./1975م.
10- تاج العروس من جواهر القاموس لأبي الفيض مرتضى الحسيني الزبيدي .تحقيق علي هلالي .دار.الجيل –بيروت مطبعة حكومة الكويت 1386ه./1966م.
11- تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي من عصر الإسلام إلى عصر فاروق الأول لحسن السندوبي .مطبعة الاستقامة – القاهرة الطبعة الأولى 1367ه./1948م.
12- تراجم إسلامية جليلة لكبار الصحابة والتابعين لمحمود أمين النواوي .دار الزيني للطباعة والنشر ( د. ت.)
13- التصوف الإسلامي للدكتور ألبير نادر .المطبعة الكاثوليكية – بيروت (د. ت .)
14- تفسير غرائب القران ورغائب الفرقان للعلامة نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري .دار الفكر – بيروت 1398ه0/1978م.
15- تفسير ابن كثير للإمام الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القريشي الدمشقي ( ت.774ه.) المكتبة العلمية : بيروت –لبنان الطبعة الأولى ( د. ت.)
16- تهذيب تاريخ دمشق الكبير " لأبي القاسم علي بن الحسن ابن عساكر .هذبه ورتبه عبد القادر بدران –دار المسيرة بيروت الطبعة الثانية 1979م.
17- جامع الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ( ت.279ه.) مطبعة الذهلي –الهند ( د. ت.)ة
18- الحب والمحبة الإلهية لمحيي الدين بن العربي .جمع وتالفي محمود محمود الغراب .تصحيح وتدقيق محمد ماجد الحناوي – عبد الفتاح العش .دار الفكر –دمشق ساحة الحجاز سوريا 1403ه.
19- حب الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء لعبد الله كنون .مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء 1988م.
20- حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته للدكتور فضل الهي .إدارة ترجمان الإسلام 1413ه.
21- حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في النسوة لمحمد صديق حسن خان القنوجي البخاري ( ت.1307ه.)
حققه وعلق عليه الدكتور مصطفى الخن ومحيي الدين فستو – مؤسسة الرسالة-بيروت . الطبعة الأولى 1396ه.- 1976م.
22- الخصائص الكبرى أو كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب للحافظ جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي (ت.911ه.) تحقيق الدكتور محمد خليل هراس دار الكتب الحديثة – مطبعة المدني ( د. ت.)
23- رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم لخالد محمد خالد دار ثابت للنشر والتوزيع –القاهرة الطبعة الأولى رمضان 1404ه.يونيو1991م.
24- الرحيق المختوم للشيخ صفي الرحمان المباركفوري . دار بن كثير للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة السادسة 1411ه./1991م.
25- رسالة التحقيقات الأحمدية في حماية الحقيقة المحمدية لأحمد بن إسماعيل بن زين العابدين البرزنجي مفتي الشافعية بالمدينة المنورة الطبعة الأولى 1326ه.
26- الرسول لسعيد حوى دار الكتب العربية بيروت – دمشق الطبعة الثالثة 1394ه./1974م.
27- الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام للفقيه المحدث أبي القاسم عبد الرحمان بن عبد الله الخثعمي السهيلي ( ت.581ه.) قدم له وعلق عليه وضبطه طه عبد الرؤوف سعد .دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان .طبعة جديدة منقحة 1398ه./1978م.
28- روضة المحبين ونزهة المشتاقين للشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية (ت.751ه.) صححها وعلق عليها احمد عبيد .مطبعة السعادة – مصر 1375ه.- 1957م.
29- روضة التعريف بالحب الشريف لذي الوزارتين لسان الدين بن الخطيب السلماني ( ت.776 ه.) عارض بأصول وعلق حواشيه وقدم له محمد الكتاني . دار الثقافة ( د. ت. )
30- زاد المعاد في هدي خير العباد " لابن قيم الجوزية . تحقيق شعيب الارنؤوط وعبد القادر الارنؤوط .مؤسسة الرسالة بيروت ومكتبة المنازل الإسلامية الكويت الطبعة الأولى 1979م.
31- سنن أبي داود للإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الاشعت بن إسحاق الازدي السجستاني ( ت.275ه.) شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي وأولاده بمصر الطبعة الأولى 1371ه /1952م..
32- السيرة النبوية لأبي محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري (ت.213او 218ه.) حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها كل من : مصطفى السقا وإبراهيم الابياري وعبد الحفيظ شلبي .دار القلم بيروت (د.ت.)
33- السيرة النبوية للحافظ المؤرخ محمد بن احمد عثمان الذهبي ( ت. 748ه.) تحقيق حسام الدين القدسي دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1401ه /1981م.
34- السيرة الحلبية لعلي برهان الدين الحلبي ( ت. 1044ه.) دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت 1400ه.- 1980م.
35- شرح العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي ( ت. 321ه.) حققها جماعة من العلماء وخرج أحاديثها محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي لصاحبه زهير الشاويش الطبعة الثقافية 1404ه0/1984م.
36- الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض اليحصبي السبتي ( ت .544ه.) حققه مجموعة من العلماء .مؤسسة علوم القران – دار الفيحاء مكتبة الفرابي الطبعة الثانية 1407/1986م.
37- الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى محمد بن سورة الترمذي ( ت.279ه.) خرج أحاديثه وعلق عليه عزت عبيد الدعاس.مؤسسة الزغبي للطباعة والنشر سوريا –حمص / بيروت لبنان .
38- شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته وخصائصه للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير.تحقيق مصطفى عبد الواحد .مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه القاهرة 1386ه./1967م.
39- صحيح البخاري للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري ( ت.256ه.) دار الكتب العلمية –بيروت الطبعة الأولى 1412ه./1992م.
40- صحيح مسلم للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ( ت.261ه.) دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ( د. ت.)
41- صحيح مسلم بشرح النووي.دار الفكر بيروت الطبعة الثانية 1392ه./1972م.
42- عشرة أيام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم خالد محمد خالد .دار العلم للملايين بيروت الطبعة الثانية 1975م.
43- فاطمة هي فاطمة أستاذ علي شريعتي تعريب سعيد علي .دار الأمير للطباعة والنشر والتوزيع .بيروت لبنان .ودار الروضة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان سنة الطبع 1413ه/1992م.
44- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لأبي الفضل شهابي الدين احمد بن علي بن محمد بن محمد بن حجر العسقلاني.المطبعة الكبرى .مصر الطبعة الأولى 1300ه.
45- فضائل وأسرار لاإله إلا الله كلمة التقوى لمحمد الصايم .دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير ( د. ت.) .
46- فقه السيرة لمحمد سعيد رمضان البوطي.دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع .طبعة جديدة ومنقحة 1399ه./1979م.
47- قبسات من الرسول لمحمد قطب .مكتبة وهبة الطبعة الثانية 1962م.
48- قوت القلوب في معاملة المحبوب لأبي طالب محمد علي بن عطية المكي (ت.386ه.) المطبعة المصرية الطبعة الأولى 1351ه./1932م.) .
49- الكواكب الذراري في شرح صحيح البخاري للكرماني المطبعة البهية المصرية الطبعة الثانية 1358ه/1939م.
50- لسان العرب لابن منظور .دار المعارف القاهرة .طبعة جديدة محققة ومشكولة شكلا تاما ومذيلة بفهارس مفصلة ( د.ت.)
51- محمد على السنة الشعراء تقديم الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي .دار المعرفة مطبعة الصباح 1408ه./1988م.
52- مختصر شعب الإيمان للإمام الحافظ أبو بكر احمد بن حسين البيهقي صاحب السنن الكبرى ( ت.458ه.)تأليف الشيخ أبو حعفر القزويني (ت.699ه.)صححه وعلق عليه محمد منير الدمشقي .دار الطباعة المنيرية 1355ه.
53- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أيوب بن قيم الجوزية ( ت.751ه)تحقيق محمد حامد الفقي .دار الكتاب العربي بيروت (د.ت.)
54- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الاتحاد الاممي للجامع العلمي .رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين .نشره داي ونسنك مكتبة بريل في مدينة لندن 1936م.
55- المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار للإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمان العمري أبو الفضل زين الدين المعروف بالحافظ العراقي ( ت.804ه)وقد طبع مع كتاب الإحياء .
56- المواهب اللدنية بالمنح المحمدية لأحمد بن محمد بن أبي بكر الخطيب القسطلاني .نسخة غير محققة 'د.ت .)à
57- موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف .إعداد أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول عالم التراث للطباعة والنشر بيروت .
58- الميسر في أصول الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم محمد سلقيني .دار الفكر المعاصر بيروت لبنان ودار الفكر دمشق سوريا الطبعة الأولى 1411ه/1991م.
59- النبي محمد إنسان الإنسانية ونبي الأنبياء لعبد الكريم الخطيب .دار الفكر العربي الطبعة الثانية 1976م.
60- نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض لأحمد شهاب الدين الخفاجي المصري مطبعة عثمانية 1312ه.
61- نظرات في السيرة لحسن البنا .مكتبة الاعتصام القاهرة الطبعة الأولى 1979م.
62- وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم للشيخ يوسف إسماعيل النبهاني .مراجعة الشيخ حسن تميم .منشورات مكتبة الحياة بيروت 1970م.