المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دروس في " الإستقامة " متجدد



نادية بوغرارة
02-05-2010, 11:57 PM
== منقول ==


الاستقامة


"قل آمنتُ بالله ثم استقم"


الاستقامة، وما أدراك ما الاستقامة، ثم ما أدراك ما الاستقامة، إنها أس الديانة، وسبيل السلامة،
إذ هي أكبر كرامة في الدنيا، المفضية إلى الكرامة الأبدية وهي الجنة: "فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة"، فلو مشى المرء على الماء،
أوطار أوتربع في الهواء، ما دل ذلك على قبول الله له حتى يستقيم على أمر الله ونهيه،
إذ هو الضابط الوحيد للكرامة.

حُكِي للإمام الشافعي رحمه الله ما قاله الليث بن سعد، فقيه مصر ومفتيها في زمانه:
"لو رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تعتدوا به ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله
وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقال: "لقد قصَّر الليث، لو رأيتم الرجل يمشي
على الماء، أويطير في الهواء، فلا تعتدوا به ولا تغتروا به حتى تعرضوه على كتاب الله
وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الشيطان يطير من المشرق إلى المغرب".

أمر بهذه الخطورة والأهمية فيه فلاح الدنيا والآخرة، ينبغي لكل مسلم عاقل
أن يسعى لتحقيقه في نفسه، ويحرص على أن ينال منه حظه، فما لا يدرك كله لا يترك جله،
فالكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها
وتمنى على الله الأماني، كما أخبر الصادق المعصوم، والعاقل من حاسب نفسه
قبل أن تُحاسب، ووزن أعماله بميزان الشرع قبل أن توزن عليه، وتزيَّن ليوم العرض الأكبر،
كما قال عمر بن الخطاب، الناصح البصير.
وبعد..
فما حقيقة الاستقامة؟ وما دليلها؟ وبِمَ تنال؟ وما ثمرتها؟


تعريف الاستقامة

لأئمة الدين في تعريف الاستقامة وحدها ألفاظ وأقوال مختلفة، ذات دلالة واحدة، والأقوال هي:

1. سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة، فقال: "أن لا تشرك بالله شيئاً".

2. وقال عمر رضي الله عنه: "أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب".

3. وقال عثمان رضي الله عنه: "إخلاص العمل لله".

4. وعرفها علي رضي الله عنه: "بأنها أداء الفرائض".

5. وقال الحسن البصري رحمه الله: "استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته".

6. وقال مجاهد رحمه الله: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله".

7. وقال ابن زيد وقتادة رحمهما الله: "الاستقامة على طاعة الله".

8. وقال سفيان الثوري رحمه الله: "العمل على وفاق القول".

9. وقال الربيع بن خيثم رحمه الله: "الإعراض عما سوى الله".

10. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "الزهد في الفانية، والرغبة في الباقية".

11. وقال ابن تيمية رحمه الله: "الاستقامة على محبة الله وعبوديته، وعدم الالتفات عنه يمنة أويسرى".

12. وقال شيخ الإسلام الهروي رحمه الله: "الاجتهاد في اقتصاد".



مفاد هذه التعريفات، وحقيقتها، ومدلولها

الاستقامة من الكلمات الجامعة المانعة، كالبر، والخير، والعبادة، فلها تعلق بالقول، والفعل، والاعتقاد.

قال الإمام القرطبي رحمه الله
: (هذه الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها: اعتدلوا على طاعة الله، عقداً، وقولاً، وفعلاً، وداوموا على ذلك.

وقال ابن القيم رحمه الله
: فالاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء.

والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال، والأحوال، والنيات، فالاستقامة فيها، وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله).

فحقيقة هذه التعريفات تُتَرجم في الآتي

أولاً: الإيمان الصادق بالله عز وجل.

ثانياً: الاتباع الكامل والاقتداء التام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: "خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً"

، قال: أخلصه وأصوبه؛ قيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: أن يكون العمل خالصاً لله عز وجل،
وموافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أوكما قال.

ثالثاً: أداء الواجبات: "ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه" الحديث،
وفعل الواجبات أفضل من ترك المحرمات.

رابعاً: الانتهاء عن المحرمات والمكروهات.

خامساً: الإكثار من النوافل والتطوعات: "لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه،
فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" الحديث.

سادساً: المداومة على أعمال الخير: "أحب العمل إلى الله أدومه" الحديث، وقالت عائشة
رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان عمله ديمة".

سابعاً: التوسط والاعتدال، فخير الأمور الوسط، وعمل قليل في سبيل وسنة خير من كثير في بدعة، والاعتدال لا يعني التسيب والانفلات، فبين التشدد، والالتزام، والتفلت فروق دقيقات.

ثامناً: حفظ الجوارح وسجن اللسان.

تاسعاً: السعي لتزكية النفس: "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا".

عاشراً: الاجتهاد في طاعة الله عز وجل، وفي نيل مرضاته قدر الطاقة، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.


أدلة الاستقامة

لقد حث الله على الاستقامة، وأمر بها عباده،
وكذلك حض عليها نبيه صلى الله عليه وسلم، من ذلك:

قوله تعالى: "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ".

وقوله: " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ".

وقوله: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".

وقال مخاطباً الرسول وأمته: "فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ".

وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلتُ:
يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: "قل آمنتُ بالله ثم استقم".

زاد الترمذي: قلت: يا رسل الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، وقال: "هذا".

ما الذي يعين على تحقيق الاستقامة؟

الاستقامة على أمر الله نعمة عظيمة، ودرجة رفيعة، ومنة عالية، فتحقيقها يحتاج إلى جد،
واجتهاد، وصبر، واحتساب، ودعاء، وتضرع، وإخبات، وتوفيق، واحتراز.

أهم المعينات على تحقيق ذلك بعد توفيق الله عز وجل ما يأتي:

أولاً: الدعاء والتضرع، وسؤالها بجد وإخلاص، ولأهمية ذلك أمرنا بقراءة الفاتحة في كل ركعة،
لما فيها من سؤال الصراط المستقيم المخالف لأصحاب الجحيم.

فالدعاء هو العبادة، وهو سلاح المستضعفين، وعدة الصالحين، ولا يعجز عنه إلا المخذولين،
فالله سبحانه وتعالى مالك الهداية والاستقامة، فلا تُطلب إلا من مالكها.

ثانياً: الاشتغال بالعلم الشرعي، فالعلم قائد والعمل تبع له: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ"،
فأمر بالعلم قبل العمل.

وينبغي أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره، ويشرع في الأهم ثم المهم، وأن يتلقى من مشايخ
أهل السنة الموثوق بدينهم وعقيدتهم وعلمهم، "إن هذا العلم دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم"،
كما قال مالك وغيره.

ثالثاً: الحرص على التمسك بالسنة، فهي سفينة النجاة، والحذر كل الحذر من البدع والاقتراب من المبتدعين، فإن ذلك هو الداء العظيم، والضلال المبين، بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ"،
وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"،
كما جاء في الصحيح، فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

رابعاً: مراقبة الله في السر والعلن.

خامساً: مجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، وعدم الغفلة عن ذلك، ومحاسبتها في كل وقت وحين،
وعلى الجليل والحقير.

سادساً: الإكثار من تلاوة القرآن، ومحاولة حفظه أوما تيسر منه، والمداومة على ورد ثابت.

سابعاً: الإكثار من ذكر الله عز وجل، والمداومة على أذكار الصباح والمساء،
وأذكار وأدعية المناسبات المختلفات، فمن لم يوفق للغزو والجهاد، ولا لصيام الهواجر وقيام الليالي،
فلا يفوتنه أن يعوض عن ذلك بلسانه.

فقد روي مرفوعاً وموقوفاً كما قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
"من فاته الليل أن يكابده، وبخل بماله أن ينفقه، وجبن عن عدوه أن يقاتله، فليكثر من
"سبحان الله وبحمده"، فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب أوفضة ينفقه في سبيل الله عز جل".

ويغني عنه ما في الصحيح: "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله".

ثامناً: الحرص على سلامة القلب، والحذر من أمراض القلب المعنوية، كالحسد، والرياء، والنفاق،
والشك، والحرص، والطمع، والعُجْب، والكِبْر، وطول الأمل، وحب الدنيا، فإنها أخطر
من أمراضه الحسية، وهي سبب لكل رزية.

تاسعاً: التقلب بين الخوف والرجاء، في حال الصحة والشباب يغلب جانب الخوف،
وعند المرض ونزول البلاء وعند الاحتضار يغلب جانب الرجاء.

عاشراً: مزاحمة العلماء بالركب، والقرب منهم، والحرص على الاستفادة منهم،
واقتباس الأدب والسلوك قبل العلم والمعرفة.

أحد عشر: دراسة السيرة النبوية، وتراجم الأصحاب والعلماء، يعين على تزكية النفوس والترقي بها،
"فإن التشبه بالرجال فلاح".

الثاني عشر: الحرص على معاشرة الأخيار، فالمرء على دين خليله، والطيورعلى أشكالها تقع،
"الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ".

الثالث عشر: الإكثار من ذكر الموت وتوقعه في كل وقت وحين، فهو أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.

الرابع عشر: القناعة بما قسم الله، والرضا بذلك، والنظر إلى من هو دونك وليس
إلى من هو أرفع منك في شأن الدنيا، أما في شأن الدين: "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ".

الخامس عشر: الخوف والحذر من سوء الخاتمة.

السادس عشر: سؤال الله والاستعاذة به من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

السابع عشر: الاستفادة من الوقت، والحرص عليه، فما العمر إلا أيام، وساعات، وثوان.

الثامن عشر: تجديد التوبة والإنابة، مع تحقيق شروطها والحرص على أن تكون توبة نصوحاً.


ثمار الاستقامة ونتائجها

ما أكثر ثمار الاستقامة، وما أجل نتائجها،
وما أفضل عقباها، نسوق منها ما يلي، إذ العبرة بالخواتيم:

1. السعادة في الدنيا.

فلستُ أرى السعادة جمع مال == ولكن التقي هو السعيــد

2. نزول ملائكة الرحمة على المستقيمين عند الموت مطمئنة ومثبتة لهم، ومبشرة إياهم:
"أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا"14، أي لا تخافوا الموت، ولا تحزنوا على أولادكم.

3. وكذلك تبشرهم في القبر بالقول الثابت.

4. وعند القيام للبعث والنشور.

5. دخول الجنة دار الكرامة والمقامة: "لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ".

اللهم ارزقنا الاستقامة، وأدخلنا دار الكرامة، وأجرنا من الذل، والخزي، والمهانة.

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، واحشرنا في زمرة الرسل، والأنبياء، والشهداء،
والصالحين، اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء، والنصر على الأعداء،
والعصمة من الفتن العمياء، وصلى الله وسلم على إمام المتقين، وسيد الغر المحجلين،
الداعي إلى خيري الدنيا والدين، وعلى آله، وصحبه، والتابعين.

سالم العلوي
03-05-2010, 06:00 AM
اللهم آمين ..
اللهم آمين ..
طيب الله أنفاسك أيتها الأخت الكريمة الفاضلة ..
فقد أثرت موضوعا يستحق الإثارة .. ويتطلب التنبيه عليه دوما .. فهو خلاصة الدين بعد الإيمان.
أقترح لو تجعلين السطور تبدأ من اليمين ففي تقديري أن التوسيط لا يناسب المواضيع الطويلة، وإنما يناسب العناوين أو الفقرات القصيرة.
دمت بخير وعافية وألق.

نادية بوغرارة
03-05-2010, 10:52 AM
اللهم آمين ..
اللهم آمين ..
طيب الله أنفاسك أيتها الأخت الكريمة الفاضلة ..
فقد أثرت موضوعا يستحق الإثارة .. ويتطلب التنبيه عليه دوما .. فهو خلاصة الدين بعد الإيمان.
أقترح لو تجعلين السطور تبدأ من اليمين ففي تقديري أن التوسيط لا يناسب المواضيع الطويلة، وإنما يناسب العناوين أو الفقرات القصيرة.
دمت بخير وعافية وألق.

===========
شكرا لك أخي الكريم ،

معك حق ، قد أعدت تنسيق النص .

عبدالصمد حسن زيبار
03-05-2010, 10:28 PM
===========
وقال ابن القيم رحمه الله
: فالاستقامة كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء.



أختي الكريمة نادية
موضوع مهم يستحق وقفات و وقفات
للتثبيت للأهمية
ننتظر المزيد
تحياتي

نادية بوغرارة
03-05-2010, 10:45 PM
أختي الكريمة نادية
موضوع مهم يستحق وقفات و وقفات
للتثبيت للأهمية
ننتظر المزيد
تحياتي

====
شكرا لك أخي عبد الصمد ،

أرجو أن يضيف كل من يرغب في ذلك ما يجده مناسبا لهذا الموضوع .

نادية بوغرارة
03-05-2010, 11:18 PM
مقتطفات من مؤلف/ أسباب الاستقامة و الانحراف

للشيخ : عبد الله الجلالي .

===

أسباب الاستقامة والانحراف

إن أعظم كرامة لزوم الاستقامة، وهناك أسباب للاستمرار في طريق الاستقامة، وهي تعتبر
كالسياج للمحافظة على السير في هذا الطريق المستقيم، كما أن هناك
أسباباً تدعو للانحراف والعدول عن هذا الطريق، والتخلف عن السير في هذا
السبيل المبارك، فعلى المسلم لزوم أسباب النجاة، والحذر من أسباب
الهلاك.

.....والاستقامة هي الالتزام، مِن (قام الشيء) بمعنى: اعتدل. والانحراف معناه الاعوجاج،
وهذان دليلان على أن الأصل في الأشياء كلها الاستقامة، وأن الانحراف إنما هو حادث وطارئ،
كما عرفنا من خلال الآية الأولى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:172]،
كما أن الله عز وجل أشار إلى أن الاستقامة هي الأصل في قوله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً
[البقرة:213] أي: على ملة واحدة فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213]
أي: فانحرفوا فبعث الله مبشرين ومنذرين.
إذاً الاستقامة هي الأصل، والانحراف هو الذي يتنافى مع الفطرة ومع الأصل،
ولذلك فإننا نقول: إن الذين يأخذون بهذا الحق وبهذا الدين
هم الذين يسيرون على الطريق المستقيمة، لا شك ولا ريب في ذلك، وإن الذين ينحرفون
عن هذه الطريق المستقيمة هم الذين تذهب بهم شياطين الإنس والجن هنا وهناك إلى مذاهب شتى.
ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه:
(قرأ قول الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[الأنعام:153] ثم خط خطاً طويلاً معتدلاً مستقيماً وقال: هذا صراط الله.
ثم خط عن يمينه وعن شماله طرقاً متعددة وقال: هذه هي السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان،
وعليها سُتُر مرخاة، فإذا أوشك الإنسان أن يفتح واحداً من هذه السُتُر المرخاة ناداه مُنادٍ:
ويحك -يا عبد الله- لا تفتحه؛ إنك إن تفتحه تَلِجْه، وإن تلجه لا تخرج منه إلى يوم القيامة)
أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ......


أسباب الاستقامة

التربية الصالحة

أولاً: التربية الصالحة. والتربية الصالحة تبدأ من اختيار الزوجة الصالحة؛
لأن الزوجة الصالحة تعتبر تربة طيبة لبذور صالحة، فإذا وضعنا هذه البذور الصالحة
في تربة صالحة نضمن بإذن الله عز وجل وجود أولاد صالحين،
ولذلك لا نعجب من اهتمام الإسلام باختيار الزوجة، فقد قال تعالى:
وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة:221]،
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
(فاظفر بذات الدين) فيجب أن تكون التربة صالحة لتكون بيئة صالحة للذرية الصالحة.
ثم بعد ذلك يأتي دور التربية ابتداءً من سن الطفولة التي يقول علماء النفس وعلماء الاجتماع عنها:
إن السن السابعة هي السن المناسبة لتربية الأولاد في البيت وفي المسجد أيضاً.
ويؤيدهم الحديث الصحيح: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع)،
ثم لا يزال يلزم الرجل أن يتعاهد هذه الذرية تربية وإعداداً وتجهيزاً وإصلاحاً حتى يأتي سن العاشرة،
فلا بد من أن يزيد في أمره لأولاده بالصلاة حتى يعيشوا مع الصالحين في المساجد،
حتى إذا بلغ أحدهم الحلم فلا بد من أن يكون هناك المعيار الواضح بين الإيمان وبين الكفر.
إذاً التربية الصالحة لا بد منها، وهذه التربية أول من يبدأ بها الأم، ثم الأب، ثم المدرسة،
ثم الجهات الأخرى التي لها دور في إصلاح هذه الذرية، ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم
أخبرنا فقال: (كل مولود يولد على الفطرة).
إذاً أنت -أيها الأب- وأنتِ -أيتها الأم- لستما مسئولين عن أن توجدا الفطرة في قلب هذا الإنسان،
ولكنكما مسئولان عن المحافظة على هذه الفطرة حتى لا تعتريها أشياء تخلّ بها،
ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) أي:
بسوء التربية.
ثم إن هذه التربية أول من يستفيد منها ذلك الأب الذي ربى أولاده على طاعة الله،
أو تلك الأم التي ربت أولادها على طاعة الله، وهذه الفائدة تكون في الدنيا بالبر
والاستقامة والمحبة والتعاطف والتآلف، وفي حياة البرزخ يقول عليه الصلاة والسلام:
(إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده،
أو ولد صالح يدعو له)
وتكون أيضاً في الحياة الآخرة،كما قال الله تعالى:
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ *
سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد:23-24].
بل إن الله عز وجل أخبرنا في آية أخرى أن الأب الصالح إذا خلف أولاداً صالحين صلاحهم
لا يصل إلى درجة صلاح الآباء فإن الله بكرمه يرفع الأبناء درجة إلى درجة الآباء،
ولا يخفض الآباء درجة إلى مستوى الأبناء، وذلك من أجل أن تقرّ العين،
ولا يكون هناك ظلم ولا هضم، قال سبحانه وتعالى:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[الطور:21] .....
إذاً حينما نقول: (التربية) فإننا نعني أكبر وسيلة من وسائل الاستقامة،
ونقول: كل من استطاع أن يقدم جهداً في سبيل استقامة الناس فإنه يؤجر بمقدار ما يقدمه
من هذا الجهد، وكل من أراد أن يقدم ضرراً وانحرافاً إلى الناس في المجتمع
فإنه سيتحمل المسئولية بين يدي الله عز وجل.
....

التفكر في ملكوت السماوات والأرض


العامل الثاني: النظر في ملكوت السماوات والأرض.
هذا النظر الذي ينشأ عنه إيمان كالجبل الأصم الثابت الذي لا يستطيع أحد أن يزحزحه عن مكانه،
وهناك فرق بين الإيمان الوراثي -الذي سنتحدث عنه إن شاء الله مع السلبيات-
والإيمان الذي نشأ عن تفكير ورويةّ، وحينما نقول: (تفكير وروية)
لا نقصد التفكير في ذات الله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى فوق ذلك كله،
وإنما تفكير في قدرة الله عز وجل، وفي آثار صنعه الذي وضعه في هذا الوجود وفي هذا الكون
حتى يكون ذلك سبيلاً للإيمان. هذا التفكير الذي يقول الله عز وجل عنه:
قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [يونس:101]،
أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف:185]،
والله سبحانه وتعالى دائماً يخاطب العقول؛
لأن هذه العقول هي التي تنظر إلى هذه الأشياء نظرة تفكير، يقول الله تعالى:
فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ
[الملك:3-4].
...
ولذلك تجد فرقاً شاسعاً بين الإيمان الوراثي الذي يأخذه الإنسان عن أبيه وأمه وأسرته ومجتمعه
وبيئته والإيمان الذي يكون وليد البحث والتفكير والقراءة والنظر في ملكوت السماوات والأرض،
حينئذٍ يصبح هذا الإيمان كالجبل. فلا بد من هذا النوع من الإيمان، سيما في فترة الامتحان
التي يعيشها العالم الإسلامي، أو الشبيبة الناشئة التي أصبحت الآن بين الجاهلية والإسلام،
بين دواعي النفس والشهوات والمغريات العظيمة التي يسيل لها لعاب كثير من الناس
وبين داعي الإيمان والجنة الذي ينادي هؤلاء الناس إلى جنة عرضها السماوات والأرض

حرية الكلمة
العامل الثالث من عوامل الاستقامة: حرية الكلمة.
وماذا نقول عن حرية الكلمة؟ حرية الكلمة التي يجب أن يُفتح لها المجال، سيما في البلاد الإسلامية،
ونحن لا نتخيل وجود حرية الكلمة كما كان في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
يخطب فيتكلم في تحديد المهور، فتقوم امرأة وتقول: يا أمير المؤمنين!
كيف تحدد المهور والله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا [النساء:20].
قد يكون هذا من الصعب بمكان، ومثله ما كان من عمر رضي الله عنه حينما كان يخطب فقال للناس:
(اتقوا الله) فقام رجل فقال له: يا أمير المؤمنين!
عليك ثوبان ولنا من ثوبٍ واحد! ومثله كذلك حين قال عمر رضي الله عنه:
(إذا رأيتم مني اعوجاجاً فقوموني) وكان هذا في أول خطبة خطبها،
فيقوم رجل في المسجد يهز سيفه ويقول: يا أمير المؤمنين! والله!
لو رأينا منك اعوجاجاً لعدلناه بسيوفنا هذه. فلم يقل رضي الله عنه:
أين السلطات الأمنية؟! وإنما قال: (الحمد لله الذي جعل في هؤلاء الناس من يعدّل عمر بسيفه).
....
وحينما لا تكون هناك حرية للكلمة الصالحة ولا حرية للدعوة الصحيحة، وحينما لا يتمكن الخطباء أن يقولوا للناس: اتقوا الله بملء أفواههم، وحينما يكون في أفواه الناس والخطباء ما لا يستطيعون أن يبوحوا به، أو إذا بدأ أحدهم يتحدث فإنه يتحدث وكأنه في مزالق، حينما يكون ذلك فإنها لا تقوم الدعوة إلى الله عز وجل. ولذلك فإننا ننصح لمن يملك أمر المسلمين في كل مكان من الأرض أن يعطي الدعوة الإسلامية حريتها الكاملة حتى يختفي دعاة الباطل؛ ....

الجليس الصالح

العامل الرابع من عوامل الاستقامة: الجليس الصالح.
الجليس الصالح الذي شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كبائع المسك، إما أن يحذيك،
وإما أن تبتاع منه، وإما -على الأقل- أن تجد منه رائحة طيبة، هذا هو الجليس الذي
أُمر كل واحد من المسلمين أن يحسن اختياره،
وأخبر الله عز وجل بأن أي صديقين في الدنيا سيكونان عدوين يوم القيامة،
إلا إذا كانت هذه الصداقة والصلة في الله عز وجل، كما قال تعالى:
الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الزخرف:67].
والرجل الصالح قد يغتر بصديقه الفاسق أو الملحد أو المجرم أو المنافق فيأخذ من سلوكه وأخلاقه وانحرافه فينحرف معه، ولَكَمْ نرى في دنيا الناس اليوم من الشباب الصالحين الذين أساءوا اختيار الأصدقاء والجلساء فكان ذلك سبباً في انحرافهم،
ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)
ونهى الله عز وجل عن موالاة الكافرين؛ لأن موالاة الكافرين سوف تحدث ذلك الانحراف، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ
[الممتحنة:1]،
وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ
مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة:13]،
...
فالجليس الصالح هو الذي يصلح به جليسه ويطمئن إليه ويثق باستقامته وبخلقه ودينه وإيمانه, وحينئذٍ يكتسب منه استقامة إذا كان أقل منه استقامة.
العلم

العامل الخامس: العلم.
إنَّ لنا مأخذ على بعض أفراد هذه الصحوة الإسلامية المباركة، وهو أن طائفة منهم لم يتزودوا
بشيء من العلوم التي تنفعهم، لاسيما وأن هذه الصحوة عمت أصحاب العلم الشرعي وأصحاب العلوم الأخرى العصرية، وهذا كله خير، لكن المجال واسع لمن أراد أن يتعلم، فهناك المكتبات،
وهناك العلماء، وهناك كل وسائل التعليم والإصلاح، فعلينا أن نأخذ بها، وحينما نقول:
(العلم) لا نحصر ذلك على العلم الشرعي فقط. والله تعالى قال:
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]
...
فهذه العلوم بجميع أنواعها تعتبر وسيلة من وسائل الإيمان بالله عز وجل، وطريقاً من أبرز طرق الإيمان ومعرفة الله سبحانه وتعالى، ولذلك نقول: إن العلم هو أكبر وسيلة للاستقامة، ونخصّ بصفة خاصة العلم الشرعي الذي يُعرفّ الإنسان بربه سبحانه وتعالى، فيعرف ربوبية الله عز وجل من خلال مخلوقاته وآياته الكونية، ويعرف وحدانية الله عز وجل من انتظام هذا الكون، قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، ويعرف الله عز وجل من خلال ما في نفسه من الآيات، وحينئذ يكون مؤمنا فّذاً يعرف الله عز وجل بآياته فيؤمن به حق الإيمان.

نظافة البيئة
من العوامل التي تسبب الاستقامة نظافة البيئة.
والمراد بنظافة البيئة: أن لا تكون متلوثة بالمعاصي، ولربما يعيا علماء الاجتماع وعلماء التربية والمحبين للإصلاح والتوجيه والتربية بأن يقوموا بمهمتهم في بيئة متلوثة بالمعاصي والأقذار،
ولذلك فإن المسلمين أُمروا بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر من أجل أن يكون ذلك طاعة لله
سبحانه وتعالى من ناحية،
ومن ناحية أخرى من أجل أن يكون تنظيفاً للبيئة التي يعيش عليها المؤمنون حتى لا يتلوث
إيمانهم بشيء من هذه المغريات أو شيء من هذه المحرمات.
...

تلاوة القرآن الكريم

ومن أسباب الاستقامة: تلاوة كتاب الله عز وجل بتدبر وتفهم.
والقرآن هو الذي يقول الله عز وجل عنه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]،
ومعنى: لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] أي: أصلح في الدنيا والآخرة. ولذلك فإن في تلاوة القرآن
تعريفاً لهذا الإنسان بربه سبحانه وتعالى، وربطاً له بالحياة الآخرة، وتنظيماً له -أيضاً-
في الحياة الدنيا، وفيه أيضاً تعريف بدين الله عز وجل تعريفاً حقاً حينما يتدبره هذا الإنسان
تدبراً يتناسب مع عظمة هذا القرآن. ولذلك فإننا ندعو الشباب إلى حفظ القرآن
ما داموا في أول الشباب، وحينما يعجزون عن هذا الأمر فإننا نطالبهم بأن يقرءوه قراءة صحيحة
بتدبر وتفهم مع معرفة شيء من معاني هذا القرآن؛ لأن هذا القرآن هو الذي أنزله الله عز وجل
ليكون شفاءً لما في الصدور وليكون وسيلة استقامة لهذه الأمة،
وبمقدار إعراض الناس عن هذا القرآن تكون الشقاوة في الدنيا والآخرة،
ولذلك يقول الله عز وجل عن هذا القرآن: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى *
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:123-124].
...
تذكر الحياة الآخرة

من عوامل الاستقامة: تذكر الحياة الآخرة.
وتذكر الحياة الآخرة ينغص على الطغاة عيشهم ولذتهم, وإن كان كثير منهم في غفلة لا يفكر
ولا يتذكر الحياة الآخرة، وكثير منهم -أيضاً- لا يؤمن بالحياة الآخرة مطلقاً، لكن المؤمنون
حينما يتذكرون الحياة الآخرة وما أعد الله عز وجل للمؤمنين من سعادة خالدة لا تنقضي أبداً:
خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [هود:108]
يزيد ذلك في إيمانهم وفي إقبالهم على الله عز وجل وفي تمكنهم من دين الله سبحانه وتعالى
وفي استقامتهم. ولذلك أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن نكثر دائماً من ذكر هاذم اللذات،
وهو الموت، والقرآن في كثير من آياته يحدثنا عن الموت وعن الحياة الآخرة،
وعن البعث، والنشور، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، وما أشبه ذلك من أمور الآخرة.
ولذلك فإن المؤمن حينما تقع هذه الأشياء في سويداء قلبه ويؤمن بها إيماناً كاملاً
وكأنه ماثل بين يدي الله عز وجل للحساب، أو كأنه على حافتي الصراط،
أو كأنه بين كفتي الميزان، أو كأنه يأخذ صحيفته بيمينه، حينما يتذكر هذه المواقف
تهون في طريقه هذه الحياة الدنيا، وحينئذ يكون ذلك سبباً من أسباب استقامته بإذن الله عز وجل.

.....

سؤال الله عز وجل الثبات

كل ما ذكرنا كله يعتبر من أسباب الاستقامة،
وآخر وأول سبب من أسباب الاستقامة هو سؤال الله عز وجل التثبيت.
والتثبيت يكون بنصر دين الله عز وجل، فإن من نصر دين الله صادقاً ثبّت الله أقدامه عند الفتن
والمحن، كما قال تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]
والتثبيت هو الذي يجب على المسلم أن يسأله الله دائماً، فعلى المسلم أن يلح على الله بالدعاء
أن يثبت قلبه على الإيمان حتى لا تضل به الأهواء، وحتى لا تنحرف به الفتن عن الطريق المستقيمة، والرسول صلى الله عليه وسلم خير البرية -وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي هدى الله البشرية على يديه- كان كثيراً ما يقول: (اللهم! يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على طاعتك)، وقال: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).
...ولذلك نقول: نسأل الله تعالى أن يثبتنا وأن يثبت المسلمين على هذا الطريق المستقيم.
-- يتبع --

وائل الهجرسي
06-05-2010, 12:45 AM
ما شاء الله لا قوة إلا بالله
جزاك الله خيرا الأستاذة نادية،مجهود رائع مشكور،جعله الله في ميزان حسناتك.
ورزقنا وإياك الاستقامة. اللهم آمين.

د عثمان قدري مكانسي
11-05-2010, 01:49 AM
اللهم - بفضلك ومنّك وكرمك - اجعلنا من أهل الاستقامة
وفقك الله تعالى يا أختُ

احمد حمود الغنام
11-05-2010, 09:01 PM
جزيت خيرا أخية على موسوعة الاستقامة ، نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه آمين ..

وقال ابن القيم - رحمه الله -: "الذي شيب من هود - صلى الله عليه وسلم - {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}7؛ لأن الاستقامة لا تكون عن هوى وإنما تكون الاستقامة على حسب ما أمرت، ولا يستطيع الإنسان أن يستقيم كما أمر إلا بعد أن يعلم بماذا أمر، ثم بعد ذلك يستقيم عليه، والاستقامة عزيزة، ولذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: "استقيموا، ولا تروغوا روغان الثعلب".

عبدالله بن سالم
11-05-2010, 09:44 PM
بارك الله في قلم هذا نزفه الأخضر المهتدي بهدى الحق

نادية بوغرارة
18-05-2010, 01:40 AM
ما شاء الله لا قوة إلا بالله
جزاك الله خيرا الأستاذة نادية،مجهود رائع مشكور،جعله الله في ميزان حسناتك.
ورزقنا وإياك الاستقامة. اللهم آمين.
=========
و إياك أخي الكريم .
مرحبا بأية إضافة تجدونها مناسبة للموضوع .

نادية بوغرارة
18-05-2010, 01:42 AM
اللهم - بفضلك ومنّك وكرمك - اجعلنا من أهل الاستقامة
وفقك الله تعالى يا أختُ
==========
آمين آمين
يسعدني مروركم الكريم ،
و ستسعدني أكثر مشاركتكم في مواده بما حباك الله به من علم و فهم .

حنان المغربية
02-06-2010, 10:31 AM
الله ارزقنا الاستقامة والثبات

وانصرنا على من ظلمنا

بارك الله فيك أختي نادية

نادية بوغرارة
12-06-2010, 10:06 AM
جزيت خيرا أخية على موسوعة الاستقامة ، نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه آمين ..

وقال ابن القيم - رحمه الله -: "الذي شيب من هود - صلى الله عليه وسلم - {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}7؛ لأن الاستقامة لا تكون عن هوى وإنما تكون الاستقامة على حسب ما أمرت، ولا يستطيع الإنسان أن يستقيم كما أمر إلا بعد أن يعلم بماذا أمر، ثم بعد ذلك يستقيم عليه، والاستقامة عزيزة، ولذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: "استقيموا، ولا تروغوا روغان الثعلب".

========
بارك الله فيك أخي أحمد .

شكرا على الإضافة القيمة .

نادية بوغرارة
12-06-2010, 10:07 AM
بارك الله في قلم هذا نزفه الأخضر المهتدي بهدى الحق

==========
نسأل الله أن يعفو عنا و يغفر لنا تقصيرنا .

بوركت أخي عبد الله .

نادية بوغرارة
12-06-2010, 10:09 AM
الله ارزقنا الاستقامة والثبات
وانصرنا على من ظلمنا
بارك الله فيك أختي نادية
==========
اللهم آمين .
شكرا لحضورك غاليتي حنان .

د. نجلاء طمان
16-06-2010, 11:55 PM
أعزكِ الله وجعلكِ ممن قام وأقام فاستقام !

سأكون هنا كثيرًا غاليتي


تقديري

نادية بوغرارة
06-08-2010, 10:52 AM
ومضات قرآنية : الاستقامة

الدرس الأول :

http://www.nabulsi.com/video/nadwat/wamadat/wamadat.php

نادية بوغرارة
27-03-2012, 07:25 PM
أعزكِ الله وجعلكِ ممن قام وأقام فاستقام !

سأكون هنا كثيرًا غاليتي


تقديري

=========


بارك الله فيك يا أختي العزيزة نجلاء .

دمتِ بكل خير .

ربيحة الرفاعي
28-03-2012, 08:17 AM
اللهم ارزقنا الاستقامة، وأدخلنا دار الكرامة، وأجرنا من الذل، والخزي، والمهانة.

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، واحشرنا في زمرة الرسل، والأنبياء، والشهداء،
والصالحين، اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء، والنصر على الأعداء،
والعصمة من الفتن العمياء، وصلى الله وسلم على إمام المتقين، وسيد الغر المحجلين،
الداعي إلى خيري الدنيا والدين، وعلى آله، وصحبه، والتابعين.

جهد طيب وموضوع كريم

جزاك الله خيرا
وأهلا بك في واحتك

تحيتي

د عثمان قدري مكانسي
03-04-2012, 09:47 PM
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة"، فلو مشى المرء على الماء،
أوطار أوتربع في الهواء، ما دل ذلك على قبول الله له حتى يستقيم على أمر الله ونهيه،
إذ هو الضابط الوحيد للكرامة.
وهذا ما أمر الله تعالى به رسوله الكريم ( فاستقم كما أُمرت)،
فالكرامة في الاستقامة فعلاً

نادية بوغرارة
03-04-2012, 11:37 PM
جهد طيب وموضوع كريم
جزاك الله خيرا
وأهلا بك في واحتك
تحيتي
========

ألف شكر على المرور .

بوركت .

نادية بوغرارة
03-04-2012, 11:40 PM
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة"، فلو مشى المرء على الماء،
أوطار أوتربع في الهواء، ما دل ذلك على قبول الله له حتى يستقيم على أمر الله ونهيه،
إذ هو الضابط الوحيد للكرامة.
وهذا ما أمر الله تعالى به رسوله الكريم ( فاستقم كما أُمرت)،
فالكرامة في الاستقامة فعلاً
========


الدكتور عثمان مكانسي

شكرا لك على الإضافة القيّمة .

بارك الله فيك .

عايد راشد احمد
11-04-2012, 12:18 AM
السلام عليكم ورحمة الله

استاذتنا واديبتنا الفاضله

موضوع رائع ومميز وجهد يستحق منا الاشاده

بارك الله لك وفيك

وجعله في ميزان حسناتك

تقبلي مروري وتحيتي

نادية بوغرارة
11-04-2012, 02:43 AM
السلام عليكم ورحمة الله
استاذتنا واديبتنا الفاضله
موضوع رائع ومميز وجهد يستحق منا الاشاده
بارك الله لك وفيك
وجعله في ميزان حسناتك
تقبلي مروري وتحيتي

=========


و عليكم السلام ورحمة الله و بركاته .

الأخ أحمد عايد الراشد ،

شكرا لك على المرور و على التعقيب الطيب .