المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الارهاصات والبشائر والمعوقات



حاتم ناصر الشرباتي
05-08-2010, 08:57 PM
الارهاصات والبشائر والمعوقات


بسم الله الرحمن الرحيم

( هذا بيانٌ لِلناس وَهُدىً وَرَحْمَةً وَمَوْعِظَةٌ للمُتقين * ولا تهِنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعْلَوْنَ إن كنتم مُؤمنين * إن يَمْسَسْكم قَرْحٌ فقد مَسَّ القومَ قَرْحٌ مِِثلُهُ وتلكَ الأيام نُُداوِلُها بينَ الناس ولِيَعْلَمَ الله الذينَ آمنوا وَيَتخِذً مِنْكُم شُهَداءَ وَالله لا يُحبُّ الظالمين*وليمحص الله الذين آمنوا وليمحَقَ الكافرين * أم حَسِبْتُم أن تدخلوا الجنة ولمّا يَعْلمِ الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين )
*****
( مِنَ المؤمنونَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهدوا ألله عَلًيْه فمِنهُمْ مِنْ قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبْديلا * ليجزيَ الله الصادِقينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبِ المُنافقينَ إن شاءَ أو يَتوبُ عًلَيْهِم إن الله كان غفوراً رحيما * وَرَدَّ الذينَ كفروا بغيظَهَمْ لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنون القتال وكان الله قوياً عزيزاً )
*****
( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنَنَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يُشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاؤلئك هم الفاسقون )

حاتم ناصر الشرباتي
05-08-2010, 09:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



مقدمة وتمهيد


نحن في هذا الوقت العصيب في حاجة ماسة للأمل بنصر الله أولا، والتمسك بحبل الله والتقيد بما تمليه علينا عقيدتنا من انتهاج طريقة توقيفية لا يجوز العمل بخلافها أو اجتهاد غيرها، وإلا نكون قد تهنا في متاهات السُبُل المُبعدة عن سبيل الله، ومن مستلزمات الطريقة أنها أوكلتنا الإبداع في اجتهاد الوسائل والأساليب المناسبة لكل أمر وحادث وعمل يطرأ على أن تكون من جنسها، لذا اقتضى أن يتمتع حامل الدعوة الساعي للتغيير بعقلية سياسية واعية ومستنيرة، وأن لا يتوانى طرفة عين عن تحليل سياسي واعٍ لكل ما يستجد من وقائع وأحداث، رابطا إياها بمعلوماته الدقيقة عن واقع الخارطة السياسية والمواقف الدولية والتغيرات التي قد تطرأ عليه من تعديلات لسبب أو آخر ووجهة نظره المتبناة.
وبناء عليه فإن من لوازم الاعتقاد وصحة التحليل السياسي وسلامة القرار: إقران الأمَل بقاعدة ربط الأسباب بمسبباتها، والأمل إذا زاد عن حده أو كان في غير موضعه انقلب إلى ضده، فلزم أن نعود إلى دراسة وإعادة نظر في واقع الإرهاصات والبشائر، وعليه أرى من الضرورة التفريق بين الإرهاصات والبشائر، من منطلق تعريفيهما وواقع كل منهما، إذ أن الإرهاصات تعني الدعائم، والبشائر هي الأدلة وما يستأنس به. ومفهوم ذلك أن الأولى تؤثر تأثيراً مباشراً على العمل ودعمه ونجاحه، والثانية نفسية لا تؤثر تأثيراً مباشراً على العمل.
وهذا يعني أن على حملة الدّعوة العمل الجاد لإيجاد الإرهاصات التي لا يتحقق حُسن العمل إلا بالعمل على إيجادها، ولا يتحقق الهدف إلا بالعمل الجاد لإيجادها. في حين أن البشائر يُستأنس بها فقط وقد تتحقق، وممكن أن لا تتحقق، وغالبها ـ أي البشائر ـ أتى في ظلال أحاديث تتناول الإخبار عن علم الغيب، وأحاديث علم الغيب لم يحدد منطوقها لها زمناً محدداً. أو أتت من خلال استنتاجات سياسية قد تتغير معطياتها أو نتائجها.
علاوة على أن الاستنتاجات السياسية قد تؤدي إلى نتائج خاطئة إن استندت إلى قواعد أو معطيات خاطئة أو تحليل سياسي غير دقيق. مثال ذلك أن البعض يرى في مشاكل الاقتصاد الأمريكي من البشائر، في حين يرى آخر أن مشاكل الاقتصاد الأمريكي نذير سوء، إذ هو أحد عوامل تطلعهم إلى حرب المسلمين لتحسين اقتصادهم باستيلائهم على موارد البلاد وتحكمهم المباشر بها.
.قد يقال أن البحث جدلي أي بحث عقيم لا يؤدي إلى نتائج، ولكني أرى فيه خِلافَ ذلك، فأرى فيه نقاشاً هادفاً لا بد منه لضمان حُسن العمل، وللحيلولة دون تأخر النصر والانتكاس، خاصة وأن المؤشرات تنبئ بمصائب وكوارث قد تلحق بالأمة نتيجة الحروب الصليبية القادمة التي يستعد لها الكفار يُساندهم جميع حكامنا في العالم الإسلامي لضرب الإسلام والمسلمين والعمل الإسلامي بدءً بأرض العراق وأفغانستان، نسأل الله تعالى أن يجنبنا الشرور والمكارة والأهوال، وأنبه في هذا المقام أن من الانتحار السياسي أن نكونَ كالنعامة تدفن رأسها بالرمال مظنة ألا يراها الصياد، فلا نعطي هذا الموضوع حقه من النقاش الهادف البعيد كل البعد عن الجدل العقيم الذي نسأل الله تعالى أن يجنبنا انتهاجه، وأن نكون من الباحثين عن الحقيقة، الممتثلين بما يمليه علينا واجب الامتثال للشرع، الذين يصفهم شوقي في قصيدة " الخلافة الإسلامية ":
وَمِنَ ألرِجالِ إذا انبريت لَهَدْمِهِم هَرَمٌ غليظَ مَنـــاكِبِ الصفاحِ
فإذا قذفتَ الحَقَ في أجــلادِهِ ترَكَ الصًِراع مُضَعْضَعَ ألألواحِ
وبالرغم من كل البشائر ـ سواء البشائر النقلية أو البشائر الحسابية ـ فإن لم تستوف الشروط المطلوبة في العاملين وعملهم وإعدادهم فلن يتحقق الهدف بالرغم من كل البشائر، والبشارات.ودليل ذلك مفهوم آية: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يُشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ومفهوم المخالفة للآية أن الوعد ليس لغير الذين أمنوا وعملوا الصالحات حقيقة، فأتى وصف الجماعة الموعودة شرطاً لازماً لتحقق الوعد، فلا يكون الاستخلاف والتمكين وتبديل الخوف بالأمن إلا لمن يستحقه، والاستحقاق مشروط صراحة في سياق الآية.
.لذا يجب أن تقرن دراسة الإرهاصات والبشائر بدراسة " العقبات والموانع " ونتبحر في دراستها، ونواصل إعادة النظر في عملنا وفي تركيبية تكتلنا، وفي أفكارنا المطروحة وتنقيتهم من الشوائب لاتصالهم المباشر لا بل تحكمهم في الإرهاصات والبشائر، ونحول بين المعوقات والموانع وبين تأثيرهم السلبي على العمل، وأن يُقرن البحث بالمعوقات والموانع بالبحث في الإرهاصات والبشائر، والعمل على الحيلولة بين الأولى وبين أن تؤثر على عملنا، بنفس القدر الذي نبحثه في إيجاد الإرهاصات والإستأناس بالبشائر.
أرى في مسألة " إعادة النظر " الحرص المطلوب للمحافظة على التكتل ونقاء أفكاره وقيمه الذاتية، علاوة على أنها حكم شرعي نبه الله تعالى رسوله الأمين لإعمالها في مناسبات عدة في القرآن الكريم، منها: ( عَبَسَ وَتوَلّى أن جاءهُ الأعمْى، وما يُدريك لعله يزكى، أو يَذكرُ فتنفعه الذكرى، أمّا من استغنى، فأنت له تصدى.) وقوله تعالى: ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.) وقوله تعالى ( ولا تقولن لشئ إني فاعلٌ ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا. ) وقوله تعالى( عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين.)
كما أنها قد جاءت في إجماع الصحابة في مواقف عدة: منها طلب أبي بكر من عمر إعادة النظر في موقفه من نفيه لموت الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبا عمر والمسلمين: ( من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.) وحين خاطب عمر أيضا في واقعة الردة بعد ذلك :( أجبارٌ في الجاهلية، خوارٌ في الإسلام يا عمر؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يٌؤدونهُ لرسول الله لجاهدتهم فيه. ) وما ذلك إلا طلب إعادة النظر في مواقف وآراء.
في أحد معارك المسلمين وعندما لم يتمكنوا من فتح أحد الحصون، طلب قائد الجيش البحث عن سنة مغيبة ربما غفلوا عنها، وبسببها ربما تأخر النصر، وعندما ظنوا أنه ربما يكون ترك السواك، وعندما بدأوا بالتسوك آذن الله بالنصر ودك الحصن.... ليس مرادي في ذلك الدعوة إلى التسوك أو إطلاق اللحى ولبس الدشداشة وتغطية الرأس بالعمامة، بل إعطاء كل ما يمكن أن يكون معوقاً حقه من الدراسة والتمحيص وتحاشي ما نراه معوقاً، والعمل على إيجاد ما نراه داعماً وبذلك نكون قد أخذنا بقاعدة " ربط ألأسباب بمسبباتها "، وأخذنا الحيطة لأي أمر مهما صغر كان المفروض أن نأخذ به، أو أي أمر يقتضي اجتنابه وتحاشيه، وكل عقبة في طريقنا تعطل العمل أو تأخر الوصول إلى الهدف يجب تحطيمها، وذلك من دعاوى الكياسة والفطنة والوعي السياسي المستنير الذي ألزمنا بها الحكم الشرعي، والذي أوجبه علينا كوننا حملة دعوة ساعون للتغيير.جاء في الحديث الشريف: ( المؤمن كَيّسٌ فطِن.) وجاء أيضا: ( أنت على ثغرة من ثغر اٌلإسلام فلا يُأتين بها من قبلك.)، فعدم توفر الوعي السياسي والكياسة والفطنة في حملة الدعوة يُؤدي إلى سلبية العمل، وربما فشله وتأخر وإعاقة الوصول للهدف.
منقول عن كتاب : الارهاصات والبشائر والمعوقات
حاتم ناصر الشرباتي – أبو ناصر –

عبدالصمد حسن زيبار
05-08-2010, 09:22 PM
سيدي الكريم حاتم ناصر الشرباتي
مرحبا بك شيخا و معلما نستنير من نوره و نبتهج بإشراقه.
الموضوع للتثبيت إحتفاء و إبتهاجا
تحياتي

حاتم ناصر الشرباتي
06-08-2010, 06:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الفاضل " عبدالصمد حسن زيبار "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أتقدم منكم بالشكر والامتنان بحُسن الاستقبال مثمنا لحضرتك المبادرة الطيبة

وبارك الله فيك

:noc:

حسن العطية
07-08-2010, 10:13 PM
وجاء أيضا: ( أنت على ثغرة من ثغر اٌلإسلام فلا يُأتين بها من قبلك.)


فعلا هذا الحديث عليه نور النبوة !!
- وفي ظني من يؤمن به يقينا لا يعود بحاجة إلى إرهاصات ولا بشائر .. نعم المؤمنون يختلفون في إيمانهم قوة وضعفا لهذا صار من الحكمة الحديث عن الارهاصات والبشائر بعض الأحيان شريطة ألا يكون الحديث عنها من الشروط اللازمة ..
- سرني ما قرأته هنا أستاذنا الكريم .. وبانتظار المزيد من الفائدة ..وأهلا وسهلا بك بيننا أستاذي الكريم ..

حاتم ناصر الشرباتي
08-08-2010, 08:01 AM
أستاذنا الفاضل ألأخ حسن العطية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد:

كوننا قبلنا حمل دعوة الاسلام مشعل نور يبدد دياجير الظلام فينير للناس الدروب فنحن بالتأكيد على المحجة البيضاء ليلها كنهارها،فيكون موقعنا دائما على ثغور الاسلام الجغرافية وعلى ثغور الاسلام الحدودية نذود عنه كيد الآعداء وشرهم ونذود به شرّ أنفسنا بالتقيد التام بأمر الله فنحمل دعوته آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، كيف لا ونحن خير أمّة أخرجت للناس، لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون‏}‏ 1 ] وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر‏}‏ ‏[2 ] وقال تعالى‏:‏ ‏{‏خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين‏}‏ ‏‏‏[3 ]‏وقال تعالى‏:‏ ‏{‏والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‏}‏ [ 4]
نعم أيها الأخ الفاضل بارك الله فيك:

إنَّ قصة الفتية الذين فروا بدينهم من بطش وجبروت الطغاة، هي قصة تتكرر كل يوم وفي كل مكان، وفي كل الأمم والشعوب والأقوام. (إنَ أصحاب المبادئ والمعتقدات الصحيحة في كرب وشدّة وبلاء دائم، منذ أن خلقَ اللهُ الخلقَ إلى يومنا هذا، وذلك أنّه ما من أمة أو شعب أو قوم إلآ ولهم عقائد يعتنقونها، وأفكار يحملونها، وأحكام ينظمون بها أمورهم، إرتضوا لأنفسهم هذه العقائد والأفكار والأحكام وألفوها على مرور الزمن، واستعدوا للدفاع عنها، وذلك أنها غدت جزءاً من حياتهم، وهذه سنة الله في خلقه لم تتخلف في الأمم والشعوب والأقوام، لــــذا فإنّه ما من نبي أو رسول جاء لقومه بعقائد وأفكار وأحكام جديدة مغايرة لما هم عليه إلا ورفضوه وما يدعوهم إليه، وكذبوه وآذوه، فنال كل نبي أو رسول من صنوف الأذى وألوان العذاب ما نجده في كتاب الله تعالى: (وَلقدْ كذِبَتْ رُسُلٌ مِنْ قبْلِكَ فصَبَروا عَلى ما كذِبوا وأوذوا حَتى أتاهُمْ نصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكلِماتِ اللهِ وَلقدْ جاءَكَ مِنْ نبَإى المُرْسَلينَ)[5 ] وحيث أنَّ أتباع الأنبياء والرُّسُل يحملون الدعوات من بعدهم، فهم كذلك يتعرضون للأذى والتعذيب)[ 6] قال تعالى: (وَالسَمآءِ ذاتِ البُروجِ  وَاليَوْمِ المَوْعودِ  وَشاهِدٍ وَمَشْهودٍ  قتِلَ أصْحابُ الأُخدودِ  النّارِ ذاتِ الوُقودِ  إذ هُمْ عَليْها قعودٌ  وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلونَ بالمؤمنينَ شُهودٌ  وَما نقموا مِنْهُمْ إلآ أنْ يُؤمِنوا بِاللهِ العَزيزِ الحَميدِ  الذي لَهُ مُلكُ السَمَواتِ والأرْضِ واللهُ على كُلِ شَئٍ شَهيدٌ  إنَّ الذينَ فتنوا المؤمِنينَ والمُؤمِناتِ ثمَّ لمْ يَتوبوا فلهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلهُمْ عَذابَ الحَريقَ )[7 ] (ولما جاء في الحديث الشريف عن خباب بن الأرت : (... قال: كان الرجل قبلكم يُحفر له في الأرض، ويجعل فيه فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق بإثنتين، وما يصدّه ذلك عن دينه، ويمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه... )[8 ] فحامل المبدأ الصحيح مشعل هداية للناس من رسل وأنبياء أو من أتباعهم ومن إهتدى بهديهم وسار على نهجهم، فإنه لا يهادن ولا ينافق، ولا يخضع لضغوط الإمتحان والفتنة.)[9 ]

(وقد نال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونال أصحابه من أذى قريش وقبائل العرب ماهو معروف ومشهور، لكنّ الأنبياء والرُّسُل وكذلك أتباعهم من بعدهم ما كانوا ليتركوا حمل الدّعوة وتليغ الشَّرائع والأحكام خضوعاَ للعذاب والأذى، بل كانوا يصبرون ويصبرون على ما يلاقونه حتى يحكم الله بينهم وبين أقوامهم، وما عُرفَ أنّ نبياً أو رسولاً أو أتباع نبي أو رسول تركوا حمل الدّعوة وتخلوا عن حمل الأمانة خضوعاً للإمتحان والتعذيب، فالصبر على العذاب والأذى سنة لا تتخلف في كل من يحمل الدّعوة الحق من أنبياء ورسل واتباعٌ على مر العصور والدّهور).[10 ]

(إنَّ حمل الدّعوة يعني بالتأكيد ضرب العقائد والأفكار والأحكام المألوفة لدى الناس، واستبدال عقائد وأفكار وأحكام أخرى بها، كما يعني التعرض للأذى والعقاب والإمتحان والفتنة، وما يجب حياله من التحلي بالصبر وتحمل المكاره، وانتظار الفرج من رب العالمين. فالبلاء والعذاب أمران لا بد من حصولهما أثناء حمل الدّعوة، كما أنّ الصبر والتحمل أمران لا بد من وجودهما لدى حامل الدّعوة، وعندما تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم للتعذيب من أهل الطائف توجه إلى ربه داعياً مبتهلاً، كما روى محمد بن كعب القرظي):[11 ]

(اللهم إليك أشكوا ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين: أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى قريب يتهجمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل علي غضبك..)[ 12]
وفي منتهى هذا الحال العصيب وفي خضم الظلام والصد عن الدعوة مما لقي فيه من الكرب ما لقي من الفتنة والامتحان، حتى أتته البشرى بأنّ الله لا بُدّ ناصره، فكانت بشارة الاسراء التي أذهبت عن نفسه الاستيئاس وقوت عزيمته فنشط في الاتصال مع رؤساء القبائل يُسند عمله بارهاصات تسهل الوصول للغايات بطلبه النصرة من القبائل.
(إنّ الفتنة والإمتحان التي يتعرض لها حملة الدّعوة كانت وتكررت وستكون وتتكرر، فما دام تعاقب الليل والنهار فسيكون هناك جلادون ومن يجلدون، وحامل الدّعوة يتحدى ولا بد الجلادين العُتاه، يتحدى المجتمع "وقادته والناس كافة" بعقائده وأفكاره ومفاهيمه وأحكامه وأعرافه وتقاليده، كما يتحدى الحكام والجلادين، ثابتاً على المبدأ، مسفهاً العقائد والأفكار والأحكام والمفاهيم والعادات والأعراف، صابراً على الأذى والعذاب والبلاء الذي سيتعرض له نتيجة ثباته على المبدأ. لذا فقد صنفه الرسول صلى الله عليه وسلم في صف واحد مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، مصداقاً لقوله تعالى: (كُلُ نَفسٍ ذائِقةُ المَوْتِ وَإنّما توَفونَ أُجورَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَاُدْخِلَ الجَنَّةَ فقدْ فازَ وَما الحَياةُ الدنيا إلآ مَتاعُ الغُرورِ)[ 13]

وحتى يتم أمر الله تعالى فإنّ الأعداء يفتحون السجون والمعتقلات، ويشهرون العصي والسياط، ويحاربون حملة الدعوة بقطع الأرزاق وحتى بقطع الأعناق، يعلنون الحرب على حملة الدعوة في كل المجالات، ليحولوا بينهم وبين حمل الدعوة والثبات عليه والإستمرار فيه ، فَمَنْ فتِنَ ومن ترك حمل الدعوة استجابة للضغوط فقد سقط، وحقق المفتون والساقط لأعداء الدعوة وأعداء الله ما يصبون إليه ويطمحون فيه.)[14 ]

(وكما ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدعوة وعلى حملها، فقد ثبت صحابته رضوان الله عليهم ثباتاً لا نظير له، والأمثلة على ذلك كثيرةً ومعروفة ومشهورة، وما قصة تعذيب بلال في بطحاء مكة وثباته على الحق، وما قصة آل ياسر وتعذيبهم برمضاء مكة وصبرهم بخافية على أحد، وكتب السيرة تقص علينا قصص ثباتهم على حمل الدعوة، كما تقص علينا أساليب التعذيب التي استعملها طغاة مكة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع صحابته من بعده.)[ 15]

وكما ثبت الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته على المبدأ فلم يهنوا ولم يضعفوا، فكان منهم بلال وآل ياسر وسمية وخبيب وغيرهم صابرين محتسبين، فقد ثبت قبلهم فتية الأخدود كما أعلمنا الله في سورة البروج، الذين صبروا على العذاب وثبتوا على المبدأ حتى فاضت أرواحهم الطاهرة إلى بارئها مستبشرة بلقائه، وقد أعطانا الرسول صلى الله عليه وسلم نماذج صادقة من الثبات على الحق، وهم أصحاب عيسى بن مريم عليه وعليهم السلام الذين نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، فلم يهنوا ولم يُفتنوا، بل صبروا وثبتوا.

كما أن ممن ثبت على المبدأ أخوة لنا عذبوا حتى الموت فلو يهنوا ولم يضعفوا، لا بل صبروا وصمدوا محتسبين حتى فاضت أرواحهم الطاهرة الزكية إلى بارئها مستبشرة بلقائه، كما حصل مع العلامة "سيد قطب" ومن سبقه من قتلى الثبات على المبدأ الحق ومن لحقهم بعد ذلك من إخوانهم الذين استشهدوا على يد عبد الناصر وخلفائه من حكام مصر. وكما حصل مع قتيل الثبات على المبدأ الحق "عبد الغني الملاح" الذي استشهد عام 1963 في بغداد تحت تعذيب حكام البعث له. وكذلك "ناصر سريس وبديع حسن بدر" ورفاقهم من شهداء الثبات على المبدأ الذين قتلهم وسحلهم في الشوارع طاغية ليبيا معمر القذافي. والمهندس "ماهر الشهبندر" ورفاقه من الشهداء الذين قتلهم طاغية العراق صدام حسين.. كل هؤلاء وغيرهم كثير ممن سبقهم ومن أتى بعدهم، لقوا ربهم وهم على عهدهم لم يتزعزع لهم إيمان، ولم تلن لهم قناة، ولم يحنوا هاماتهم للطغاة، لم يُفتنوا بل اختاروا الثبات على المبدأ والتحدي به. اليست كل نفس ذائقة الموت؟ أليس لكل أجل كتاب؟

كما أنّ اخواناً لنا كانوا ولا يزالوا متعرضين للفتنة والإمتحان، يلاقون كل أصناف الفتن والعذاب في سجون الطغاة في اوزباكستان، وفي سجون رعاة البقر الأمريكان في معتقلات غوانتنامو في كوبا، وفي كل مكان، فمنهم من قضى نحبه شهيداً صابراً محتسباً، ومنهم من ينتظر ثابتاً على المبدأ متحدياً الطغاة. وأخيراً إخواننا الملتجئون للكهوف والمغر في أفغانستان الصابرة، والحرب الصليبية الغاشمة التي تصب عليهم حمم الموت والعذاب والإبادة، صابرين محتسبين غير مفتونين متحدون أصحاب الفيل وحلفائهم من شرار الناس، لم يخضعوا ولم تلن لهم قناة. قال تعالى: (مِنَ المُؤمنونَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا الله عَليْه فمِنْهُمْ مَن قضى نحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتظِرُ وَما بَدّلوا تبْديلاً)[ 16]

لقد إلتجأ نفر من الصحابة حملة المبدأ رضوان الله عليهم إلى الحبشة فراراً بدينهم وعقيدتهم، وهرباً من ظلم الطغاة وفتنتهم، وحديثا هرب فتية آمنوا بربهم من المسلمين إلى الكهوف في أفغانستان هرباً من ظلم وجبروت الطغاة الصليبيين الكفرة وأحلافهم الشيطانية. وقصة الفتية الذين التجئوا للكهف هي قصة المؤمن صاحب العقيدة الذي فر بدينه وعقيدته من الطغاة ثابتاً على المبدأ، فاراً من الفتنة والظلم والطغيان، قال تعالى: (نَحْنُ نقصُّ عَليْكَ نبَأهُمْ بالحَق إنَّهُمْ فِتيَة آمَنوا برَبهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً  وَرَبَطنا عَلى قلوبِهِمْ إذ قاموا فقالوا رَبُنا رَبُّ السَمَواتِ وَالأرْضِ لنْ نَدْعوا مِنْ دونِهِ إلهاً لقدْ قلنا إذاً شططاً  هَؤلآءِ قوْمُنا إتَخذوا مِنْ دونِهِ آلِهَةً لّوْلا يَأتونَ عَليْهِمْ بسُلطانٍ بَيَِنٍ فمَنْ أظلَمُ مِمَنْ إفترى عَلى اللهِ كَذِباً  وإذ اعْتزَلتُموهُمْ وَما يَعْبُدونَ إلآ اللهَ فأوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَئ لكُمْ مِنْ أمْركُمْ مِرْفقا )[17 ]


[1]آل عمران 104
[2 ]آل عمران 110
[3]3. الأعراف 119
[4]التوبه 71
[5] الأنعام: ( 34 ).
[6] عويضه – محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة – واجبات وصفات -، الصفحات (100-101)، بتصرف.
[7] البروج: ( 1 – 10 ).
[8] رواه البخاري وأحمد و النسائي و أبو داوود.
[9] المصدر السابق، بتصرف.
[10] المصدر السابق، الصفحات ( 102 – 106 )، بتصرف.
[11] عويضه – محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة – واجبات وصفات -، الصفحات (102-106)، بتصرف.
[12] رواه أبن هشام في السيرة، ورواه البغوي في التفسير، ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن طريق عبد الله بن جعفر.
[13] آل عمران: ( 185 ).
[14] المصدر السابق، صفحه ( 109 )، بتصرف.
[15] المصدر السابق، صفحه ( 113 )، بتصرف.
[16] الأحزاب: ( 23 )
[17] الكهف: ( 13 – 16 ).
.

عبدالله المحمدي
08-08-2010, 11:46 AM
نتابعك شيخنا الجليل ....وان كنت ارغب في تعريف صحيح ومبسط لكلمة ارهاصات

جزاك الله خيرا ....

حاتم ناصر الشرباتي
08-08-2010, 11:19 PM
الأخ الفاضل : عبدالله المحمدي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبارك الله فيك.

الفعل أرهص له عدة معان :أرهص على الذنب : أصر عليه
أرهص : بنى مراهص والمراهص جمع مرهصة وهي الدرجة والداعمه
أرهص البناء : أقام له مراهص ترفده لئلا يميل أي ثبته ودعمه، وأرهص الحائط : دعمه
:أرهص الشيء :أثبته وأسسه .أرهص الله فلانا للخير : جعله معدنا له ومأتى،..( .أرهص)على الذنب:أصر عليه.وفى الحديث:(إن ذنبه لم يكن عن إرهاص)..............انتهى
لذا فالارهاصات تعني الدعائم.

ونتابع سوية ان شاء الله

حاتم ناصر الشرباتي
08-08-2010, 11:24 PM
1
.في التكتلات وحملة الدّعوة والمعوقات



قال تعالى من سورة الفتح:( مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ وَالذينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تراهُمْ رُكعاً سُجَّداً يَبْتغونَ فضلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سيماهُمْ في وُجوهِهِم مِنْ أثرِ السُّجود.) وقال تعالى من سورة لقمان: (وإذ قال لقمان لابنهِ وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم *) . ( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور* ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إنّ الله لا يحب كل مختال فخور* واقصد في مشيك واغضض من صوتك إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير*)
من مفهوم الآيات الكريمات والتي فصلت وبينت وحددت شكل وهيئة التكتل الهادف وفصلت وحددت بصورة حصرية شكل ونوعية القائمين عليه المشمولين بصلاحيتهم لعملية التغيير المستحقين نصر الله دون سواهم من البشر، بل حتى دون سواهم من جماعة المسلمين:
01. أوصاف حملة الدعوة كما ورد في خطبة أبي حمزة الشاري: (يا أهل مكة، تعيروني بأصحابي تزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول ألله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً ؟ نعم الشباب عمية عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في آناء الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه.). وفي خطبة أخرى له يقول: (ألا وان لله بقايا من عباده لم يتحروا في ظلمها، ولم يشايعوا أهلها على شبهها، مصابيح النور في أفواههم تزهو، وألسنتهم بحجج الكتاب تنطق، ركبوا منهج السبيل، وقاموا على العلَم الأعظم هم خصماء الشيطان الرجيم، بهم يصلح الله البلاد، ويدفع عن العباد، طوبى لهم وللمستصبحين بنورهم، وأسأل الله أن يجعلنا منهم.)
02. وردت أحاديث عدة في الصحاح يذم الرسول صلى الله علية وسلم المتنطعين والمتفيقهين والمختالين والمنافقين....... ويبشرهم بالهلاك وسوء الحال، وكذا فقد ذمّ الله تعالى من يُخالف سلوكه ما يحمل ويدعو له من فكر في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كَبُرَ مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) لذا فإن وجود أمثال تلك النوعيات بين حملة الدعوة يكون من المعوقات والموانع، ووجب أن يُحال بين تلك النوعيات وبين الانتظام في التكتل، لأنهم سَيَكونونَ عالة عَليه ما داموا على فسادِهِمْ وانحِرافِهم، معوقين للنصر والوصول إلى الهدف، ووجب أن ينقى التكتل منهم كما ينقي الكير الحديد.
03. من المعلوم من الدين بالضرورة أن العقوبات جوابر وزواجر في الحياة العملية، أما في التكتل فبها ينقى التكتل مما علق به من الأدران والشوائب، ومن البديهي أن التقاعس في ذلك يكون من معوقات الوصول للهدف، لذا وجب أن يُحاسِب حامل الدعوة نفسه بعرض سلوكه على ألأحكام الشرعية وتصحيح المُعوَج منها، وإلا فعلى التكتل أن يعالج ذلك بالتنبيه أولاَ، وإلا فيعاقبه بما يستحق من أنواع المحاسبة، بما في ذلك الحرمان من الثواب بالطرد من التكتل، وبهذا يتم المحافظة على دوام أن يكون شبابه الصفوة المختارة والشامة التي لا تغيب عن البصر.
04. من البديهي أن أي تكتل سيكون وبالاً على الأمة إذا وصل إلى قيادتها وبينه وخاصة في قياداته من يشك في إخلاصه وتقواه وورعه، لذا فأرى الحذر الشديد في اختيار الأفراد والمسؤلين على السواء، ومراجعة وضع كل من ينبه لمخالفاته وسلوكياته، وقد عزل الرسول والخلفاء من بعده الولاة لمجرد الشكوى منهم. وهو ما يسمى بالخطر الطبقي الذي يتسرب إلى رجال الأحزاب، لا الأمة.
05. يجب التفريق بين الشخصية الإسلامية وبين حامل الدعوة، إذ الثاني حامل لواء تغيير، فلا يسري عليه ما يسري على الأول، بمعنى أن الثغرات في السلوك غير مستهجن وجودها في الأول لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: " كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون " ولقوله تعالى: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً " أما في الثاني فيُستهجَنُ وُجودها لمفهوم آية لقمان الواردة، ولأن فاقد الشئ لا يُعطيه، فلا يكون بين حملة الدعوة كاذب ولا منافق ولا خائن أمانة ولا من لا يراعي تقوى الله في سلوكه الشخصي، ولا مرتكب أي نوع من أنواع المخالفات الشرعية مهما كان نوعه، والناس لا يستهجنون المخالفات الشرعية أو السلوك المنحرف في أي شريحة من شرائح المسلمين: لا يستهجنوها في المشايخ ولا في أفراد التكتلات الجمعية حتى في تلك المنتسبة اسماً للإسلام، بل يستهجنون ذلك في أفراد الأحزاب السياسية .
06.في قول لأحد الفقهاء " إذا رأيتموني أنازع جاراً أو قريباً فاشهدوا لي بالجنون واكووا رأسي بالنار " وهذا القول يعني مدى فهم ذلك الفقيه لمعنى الجوار في الإسلام، ولمعنى صلة الرحم في الإسلام، ويعكس لنا مدى تقدير ذلك الفقيه لمركزه كفقيه ينظر إليه الناس بتلك ألصفه ألمميزه، فكيف يأخذ الناس علمهم من فقيه دَعِيٌ منحرف أو صاحب مشاكل؟. وبناء عليه فلا مكان في التكتل لدائم الخلاف مع أهله وجيرانه وزبائنه، ولا مكان في التكتل لصاحب المشاكل مع المتعاملين معه، ثبتت عليه المخالفة أم لم تثبت، لأن كثرة مشاكله تعني انحرافه بتواتر المعنى، وتعني بالتالي أن أمثال هذا يشكل مسبة في جبين التكتل.
07. ليس المقصود بالحالات التي سقتها شخصاً بعينه أو أشخاص مشخصين، بل حالات وجدت أو أمكن وجودها بين البشر، بعد دراسة مستفيضة لنفسيات البشر، وباستعراض بعض الحالات التي مرت في تاريخ التكتلات،
08. أنه من البديهي أن عمل حامل الدعوة الأول والأهم هو أعمال الدعوة، لذا وجب أن يبرز الشباب في المجتمع بصفتهم الحزبية، من الامتثال والتقيد التام بالأحكام الشرعية وكل ما يفرضه بالضرورة انضمامه لهذا التكتل، فيكون حكمه على الوقائع الجارية في مجتمعة منسجماً مع ما يحمل من فكر، ومن البديهي أن أعماله جميعاً ستكون منطبقة ومتوافقة مع فكره، ويجب أن يبرز ذلك فيه، وأن يبرز الشاب في مجتمعة بصفته حامل دعوة وليس بأي صفة أخرى. ومما هو معلوم بالضرورة حتمية أخذ كل شاب الدور القيادي الرائد في تبني مصالح الوسط الموجود به من عائلته إلى الحي القاطن به وصولاً للبلد والولاية التي هو بها، وأن يُراعى في ذلك أن يكون هذا الدور منسجما مع فكره، وأن يعطى الانطباع لدى الناس أن تحرك هذا الشاب هو بصفته الحزبية وليس بصفته الشخصية، وينطبق ذلك على أعمال " رجال الإصلاح " من الأفراد الحزبيين الذين يتبنون حل المشاكل العشائرية بين الناس، فهم أولى الناس في تحري الحق والحق وَحدَه في حلّ المشاكل، وعدم مخالفة طريقة الإسلام بتاتاً في ذلك مهما كانت الظروف، ولا ينسوا بتاتاً من أنهم كحزبيين يجب عليهم العمل على تغيير الواقع بما يحملون من أفكار لا أن يكونوا من جنسِ الواقع، فيقومون بتغيير قوانين وأعراف وعادات المجتمع الفاسدة بفكرهم لا العكس، وأن يَبرُزَ بين الناس أن توجههم هذا هو بصفتهم الحزبية وليس الشخصية. ومن البديهي أن حامل الدعوة متحدٍ سافر يتحدى أفكار المجتمع المغلوطة، وعاداته الفاسدة، وشرائعه وعقائده الكافرة، لا يُداجي في ذلك ولا يُهادن، وليس من طريقته التدرج في تطبيق الأحكام أو التكيف مع المجتمع وواقعه المخالف لفكره، وخلاف ذلك يكون غير أهل للانتظام في تكتل حزبي انقلابي، وحبذا لو جلس في بيته فأراح واستراح.والمراد من ذلك كثرة الإنتقادات التي توجه لبعض رجال الاصلاح من انتهاج أساليب خاطئة وممجوجة في أثناء قيامهم بحل مشاكل الناس، من ضغط على الضعيف لصالح القوي، مع القناعة بأن الضعيف هو صاحب الحق، وأحيانا سكوت عن منكر وكذب ونفاق بحجة إسكات فتنة. سالكين طريق " نبل الغاية يبرر نوع الوسيلة " مخالفين قاعدة " الوسيلة إلى الحرام حرام ".

يتبع بعون الله

حاتم ناصر الشرباتي
11-08-2010, 03:05 PM
إنّ الفتنة والإمتحان التي يتعرض لها حملة الدّعوة كانت وتكررت وستكون وتتكرر، فما دام تعاقب الليل والنهار فسيكون هناك جلادون ومن يجلدون، وحامل الدّعوة يتحدى ولا بد الجلادين العُتاه، يتحدى المجتمع "وقادته والناس كافة" بعقائده وأفكاره ومفاهيمه وأحكامه وأعرافه وتقاليده، كما يتحدى الحكام والجلادين، ثابتاً على المبدأ، مسفهاً العقائد والأفكار والأحكام والمفاهيم والعادات والأعراف، صابراً على الأذى والعذاب والبلاء الذي سيتعرض له نتيجة ثباته على المبدأ. لذا فقد صنفه الرسول صلى الله عليه وسلم في صف واحد مع سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، مصداقاً لقوله تعالى: (كُلُ نَفسٍ ذائِقةُ المَوْتِ وَإنّما توَفونَ أُجورَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَاُدْخِلَ الجَنَّةَ فقدْ فازَ وَما الحَياةُ الدنيا إلآ مَتاعُ الغُرورِ)[ 13]

وحتى يتم أمر الله تعالى فإنّ الأعداء يفتحون السجون والمعتقلات، ويشهرون العصي والسياط، ويحاربون حملة الدعوة بقطع الأرزاق وحتى بقطع الأعناق، يعلنون الحرب على حملة الدعوة في كل المجالات، ليحولوا بينهم وبين حمل الدعوة والثبات عليه والإستمرار فيه ، فَمَنْ فتِنَ ومن ترك حمل الدعوة استجابة للضغوط فقد سقط، وحقق المفتون والساقط لأعداء الدعوة وأعداء الله ما يصبون إليه ويطمحون فيه.)[14 ]

(وكما ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدعوة وعلى حملها، فقد ثبت صحابته رضوان الله عليهم ثباتاً لا نظير له، والأمثلة على ذلك كثيرةً ومعروفة ومشهورة، وما قصة تعذيب بلال في بطحاء مكة وثباته على الحق، وما قصة آل ياسر وتعذيبهم برمضاء مكة وصبرهم بخافية على أحد، وكتب السيرة تقص علينا قصص ثباتهم على حمل الدعوة، كما تقص علينا أساليب التعذيب التي استعملها طغاة مكة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومع صحابته من بعده.)[ 15]

وكما ثبت الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته على المبدأ فلم يهنوا ولم يضعفوا، فكان منهم بلال وآل ياسر وسمية وخبيب وغيرهم صابرين محتسبين، فقد ثبت قبلهم فتية الأخدود كما أعلمنا الله في سورة البروج، الذين صبروا على العذاب وثبتوا على المبدأ حتى فاضت أرواحهم الطاهرة إلى بارئها مستبشرة بلقائه، وقد أعطانا الرسول صلى الله عليه وسلم نماذج صادقة من الثبات على الحق، وهم أصحاب عيسى بن مريم عليه وعليهم السلام الذين نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، فلم يهنوا ولم يُفتنوا، بل صبروا وثبتوا.

ربيحة الرفاعي
16-08-2010, 09:51 AM
نتابعك شخنا
جزاك الله عنا خيرا

حاتم ناصر الشرباتي
16-08-2010, 01:07 PM
2

09.بالرغم من كل ما سبق من ضرورة تنقية التكتلات السياسية القائمة على أساس الإسلام، والسائرة نحو هدف إجتثاث الفساد من المجتمع وقيام مجتمع اسلامي خلاق ومبدع على أنقاضه، تنقيتهم من كل الأفراد الذين يشكل وجودهم فيه ضررا على التكتل ونقائه، إلا أني أرى أن واجب التكتل هو المعالجة والتقويم قبل الكسر، وكما أن الكي آخر العلاج، فالبتر هو آخر الطرق التي ينبغي أن يسبقها محاولة التقويم والمثابرة عليها، فتكتل يسعى لإصلاح أوضاع مجتمع لا نسفه، أحرى به أن يقوِمَ اعوجاج أفراده لا كسرهم وتعقيدهم وإعانة الشيطان عليهم، وتحويلهم إلى خصوم وأعداء. وكما أن الله تعالى قد جعل التوبة ماسحة للذنوب، فوجب علينا أن نقبل من أكثر الشباب اعوجاجا توجههم نحو الصلاح وانصلاح الأحوال، لا بل من واجبنا دفعهم لذلك ومساعدتهم فيه. فغير مقبول من التكتل أن من كان مظنة اعوجاج أو انحراف أو سوء سلوك أن يُعْمَلَ على بتره وتعقيده وإبقاء المجهر مسلط عليه والسيف مشهر في وجهه والنطع جاهز لاستقبال رأسه، إن أبدى الرغبة في إصلاح حاله وتقويم اعوجاجه. وأشير هنا أنه حتى كل من كان مظنة سوء من أفراد التكتل بقي في صفوف التكتل ولم توقع عليه عقوبة ما لأي سبب من الأسباب فانه محسوب على التكتل ما دام فيه، له عليه واجب الاحترام والرعاية الكاملة ما دام في التكتل، فلا تلصق على ظهره يافطة المتهم طيلة حياته، ولا يجوز بأي حال من الأحوال النظر إليه كمشبوه ومعاملته من هذا المنطلق، ليبقى بين صفوف التكتل قلقا طريدا منبوذا خائفا مرعوبا يشكو إلى الله ظلم مَن مِنَ المفروض أنهم أهله وإخوانه ورعاته وأمرائه !!!!!! فإما فرد من الأفراد له كامل الحقوق والاحترام، وإما ليس من التكتل وخارج صفوفه ليس له عليه الواجب المكتسب. أما العضو الناقص العضوية فهي حالة نشاز معيبة في ذاتها وغير مسموح بها في التكتلات.
10.إن من المخالفات ما لا ينطبق عليها البند السابق ولا تندرج في نطاقه، فالشباب الذين تمردوا على التكتل أو عملوا على هدمه أو الإساءة إليه أو عملوا أو تبنوا أو حملوا خلاف متبنياته، لا مكان لهم في التكتل، وبالتالي الاحترام الواجب، وكذا مرتكب المخالفات الشرعية التي تخرج الشاب عن صفة الشخصية الإسلامية من شباب التكتل أو تبعده عنها أو تخالف صفته كحامل لواء التغيير وأصحاب السلوك المعوج الذين لا أمل في صلاحهم ومرتكبو الفواحش.
11.إن من الخطورة البالغة قيام المسئول بألكيل بمكيالين، بالتفريق في التعامل بين الشباب، بحيث يتم التهاون في التعامل مع مخالفات نوعيات وتبرير مخالفاتهم، مع التشديد في معاملة مخالفات شباب آخرين، وهذه الحالة توجدُ في الحزب مراكز قوى وأتباع ومحاسيب، وتحرف العمل الحزبي عن مساره. وقد عانينا من هذه المسألة سابقا أشد المعاناة قبل عاصفة النكث، وربما كانت تلك المسألة بالذات من عوامل شدة تأثير النكث.... كما يفضل انتهاج آليــــــة سليمة ودقيقة في التعامل مع المخالفات وطريقة التحقيق فيها بحيث يراعى فيها الكياسة والفطنة والرغبة في الوصول إلى الحقيقة بغض النظر عن وجهة نظر المتحقق في الشخص المحقق معه والتجرد التام من قناعته الشخصية، وحتى التجرد من المعلومات السابقة.
12.قال تعالى:( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم )، ومن مفهوم الآية الشريفة نرى أنه يُحظر على المسئول معاملة الشباب بفوقية وتعالي أو بفظاظة مهما كانت الحالات، وذلك أكثر ما يباعد بين الشباب وبين المسئولين ويخلخل الثقة والود بينهم ، ويبعد التعاون المنتج ويشكل حائلا أمام المصارحة المطلوبة المنتجة للتعاون. وقد يحول المسئول إلى شخص مرعب مرهوب الجانب، في حين أن المفروض أنه أخ وراعٍ ومقوم، مما يعيق العمل ويحرفه عن اتجاهه الصحيح. وأرى في مثل تلك الحالة أحد مقاصد ما ورد في كتاب التكتل الحزبي صفحة 53 : بالخطر الطبقي الذي يتسرب إلى رجال الحزب لا الأمة . كما أِشير إلى أن ثقة الأمة بالحزب وتقديرها له، ومدى الكسب الذي كسبناه على مدى سنين بما في ذلك كسب ثقة الناس واحترامهم وتأييدهم لنا ولفكرنا قد تحقق على يد أناس أشداء على الكفار رحماء بينهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود.
13. لدى استعراض الأحكام الشرعية نجد أن الشرع قد خطّ معادلة دقيقة في كيفية التعامل بين الأفراد ومسئوليهم عموما في المجتمع والتكتل، وبيّن أن فساد المسئول أو انحرافه أو أخطائه في معالجة الأمور تشكل خطورة في سير الدعوة، لذا فيجب تمكين أفراد التكتل من محاسبة المسئول وتنبيهه إلى ما قد يصدر عنه من أخطاء في معالجاته أو طريقة تعامله مع شبابه، مع انتهاج أسلوب الأدب البالغ في التخاطب، بحيث تكون المحاسبة بقصد تقويم الاعوجاج وتصحيح الأخطاء، ويحظر أن يكون ذلك بالأسلوب الفظ وبغاية كسب المواقف والاحراج، أي يجب أن يكون ذلك من واجب النصيحة والحرص على الدعوة وسيرها، والاخلاص يوجب الطاعة الكاملة غير المنقوصة، ولا يجوز لأي من أفراد التكتل نزع يدٍ من طاعة أخذ برأيه ونصحه أم لا. رأى أن المسئول قد أحسن إليه أم أساء، أكرم أخوته أم جلد ظهره بالسياط، فرش له النمارق أم أعد له النطع، فله عليه واجب الرعاية والأخوة وتمكينه من المحاسبة، ولهم عليه واجب الطاعة الكاملة، فإن الله سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم وعما ائتمنهم عليه.

حاتم ناصر الشرباتي
16-08-2010, 01:10 PM
الأخت الفاضلة " ربيحة الرفاعي "

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية وأعطر سلام

ونتابع ان شــــــــ الله ـــــاء على خير

:noc:

حاتم ناصر الشرباتي
22-08-2010, 03:20 PM
2. في التكتل وخطر الطبيقية



قال تعالى من سورة عبس:
( عَبَسَ وَتَوَلى. أن جاءَهُ الأعمى. وَما يُدْريكَ لَعَلَّهُ يَزّكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى. أما من استغنى. فأنت لهُ تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأمّا من جاءك يسعى. وَهُوَ يخشى. فأنت عنه تلهى. )
إنَّ القاعدة الأساسية في عمل التكتلات السياسية المستهدفة تغيير المجتمعات الحرص الشديد من قبل قادة وزعماء كافة التكتلات على التركيز على كسب أصحاب النفوذ ومشاهير القوم وأصحاب التأثير في مجتمعاتهم لجسم تكتلاتهم، أو لكسب تأييدهم ونصرتهم لتكتلاتهم وأفكارهم وتطلعاتهم. تلك هي القاعدة في كل التكتلات الذي ظهرت في الحقب التاريخية المتعاقبة على مر الأيام، لم يشذ عن ذلك إلا بعض التكتلات الباطنية التي قامت لأهداف آنية بعيدة عن غايات إحداث التأثير لانقلاب جذري في المجتمع. وسيبقى ذلك طريقاً وسبيلاً لكل تكتلات مستقبلية. وينبه هنا إلى أن ذلك ليس من لوازم طريقة التغيير الحصرية، بل هي رغبات مفضلة لدى أصحاب التكتلات للإسراع في بلوغ الغايات عن طريق أصحاب النفوذ والنصرة، حيث نصرتهم هي أقرب الطرق لذلك، فعن طريقهم في الأعم الأغلب تحدث النصرة، وبدونهم يكون العمل شاقــاً مُضنياً متعثر الخطى، غير مأمون الوصول بالسرعة المتوخاة.
لقد ركّز الرسول صلى الله عليه وسلم على كسب سادة القوم في مكة لتأييد دعوته ولحمل مبدأه ونصرة دعوته، فركز على الوليد بن ألمغيره وأمية بن خلف وأبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان وغيرهم من سادة القوم. وبعدها ركز على طلب النصرة والمنعة له ولدعوته من رؤساء القبائل من العرب من غير قريش كغطفان وثقيف وبني كندة وسليم وأخيراً يثرب. إلا أنه لم يحصر تركيزه عليهم فقط بل قد دعا عامة الناس من كل طبقات المجتمع وفي كل المواقع لاعتناق الفكر وحمل الدعوة. ومع أنه قد أفلح في اكتساب قلة من سادة المجتمع كعمر وأبي بكر وعثمان ومصعب، إلا أنّ الغالبية ممن أسلم في العهد المكي كان من المستضعفين بما في ذلك العبيد المسترقين. وذلك أمرٌ طبيعي وبديهي، فالحاجة للتغيير تقوى لدى المحرومين المستضعفين والمظلومين المضطهدين، وتقل وتضعف لدى السادة المترفين.
وتبين لنا سورة ( عبس ) كم كان تركيز الرسول صلى الله عليه وسلم ولهفته على كسب سادة القوم وأصحاب الفعاليات والنصرة شديداً. لذا جاء لفت النظر والتوجيه من الله تعالى في تلك السورة للتشديد على حتمية عمومية الدعوة والطلب إلى العمل لكسب جميع الناس لجسم الدعوة بغض النظر عن المواقع، وعدم حصر الجهد لكسب طبقة أصحاب الشهرة والنفوذ على حساب إهمال أمر العامة من الناس، فإيجاد القاعدة الشعبية الصالحة للتغيير يكون عن طريق إيجاد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام لدى أفراد المجتمع عامة: سادتهم وعامتهم، مترفوهم ومستضعفوهم.
ومع أنه مع أن البديهي أن أصحاب النفوذ في المجتمع وسادته وكبراءه هم أسهل وأنجح في العمل لإحداث التغيير لأنَّ فيهم تكون النصرة ولأنهم هُم أهل المنعة والنصرة الحقيقية المانعة والفاعلة، إلا أن استعراض تاريخ حركات التغيير في العالم ترينا أن الثورات وحركات التغيير قد قادها وتزعمها أو في حالات أخرى كان وقودها وعناصر نجاحها ممن عانى من الحرمان والضياع والظلم والاضطهاد من الأمة وعامة الناس. ففي الثورة البلشفية عام 1918 كانت مراهنات البلاشفة على العمال والطبقات الكادحة، حيث استغلوا جوعهم وحرمانهم لتأجيج نار ثورتهم، فأججوا بهم وبأجسادهم نار الاضطرابات وباستغلال دمائهم واضراباتهم أقاموا دولتهم ودكوا حصون وقصور الإمبراطورية الروسية البائدة. وقبلها الثورة الفرنسية كانت قد استغلت جوع الجياع وحرمان المحرومين لتأجيج نار الثورة وبالتالي إحداث التغيير. كما أنَّ كلُّ ثورات التغيير أو التحرر الأفريقية في القرن العشرين التي قامت في الكنغو والنيجر ونيجيريا وروديسيا وزنجبار وجنوبي أفريقيا كان وقودها المأجج أوار نارها عامة الشعب البسطاء. وفي القديم الغابر لم يتمكن " بروتس " من إحداث ثورته وانقلابه على " يوليوس قيصر " وقتله إلا بالاستعانة بعامة الشعب وبسطائه، وهم نفس الفئة الذين استغلهم خصوم بروتس السياسيين في الثورة المضادة التي قادوها ضده وبهم تمكنوا من بروتس وحركته.
كما أنّ بعض العملاء المستوزرون من صنائع الكافر المستعمر في العالم الإسلامي قد عمدوا لاستغلال القاعدة الشعبية باستمالة عامة الناس وضمهم في صفوف أحزابهم من أجل الضغط بواسطتهم لتحقيق مكاسب آنية لهم. كما حدث في مصر في سنوات الأربعينيات من القرن الماضي (القرن العشرين )، حيث قام الباشاوات الإقطاعيون أصحاب الطرابيش الحمراء بضم عامة الناس لحزب النحّاس وفؤاد سراج الدين ( حزب الوفد ) مستغلين إياهم كورقة ضغط فاعلة عند الملك والإنجليز لتحقيق مكاسبهم الشخصية عن طريق تحريك الشارع المصري بالمظاهرات وغيرها، في حين قامت زوجاتهم من خلال الهالة من الإعجاب والتأييد التي أحدثها ضم عامة طبقات الشعب لحزب أزواجهنَّ من استغلال ذلك لتمرير لمؤامرة " حركة تحرير المرأة " ولمســاندة دعوات الناعق " قاسم أمين " والقيام بتحدي مشاعر المسلمين ودينهم بقيامهم بتمزيق الحجاب علناً في حشد شعبي آثم في ميدان الأزبكية بالقاهرة الذي استبدل باسم " ميدان التحرير " تخليداً لهذه المناسبة المجرمة من يومها وليومنا هذا ..... كما أن عملاء الإنجليز في الأردن سليمان باشا النابلسي وعبد الحليم النمر قد لجئا في مرحلة معينة في أوائل الســتينات بتوجيه من المخبرات الإنجليزية لتأسيس " الحزب الوطني الدستوري" ذلك الحزب الذي أداره وأدار جريدتيه ( الميثاق والصريح ) من خلف ستار سكرتيرة الباشا اليهودية الإسرائيلية ( سارة عمرام ). وكان من المقاصد الخفية وراء تشكيل هذا الحزب تمكين وزارة الباشا من استغلال الشارع لتمرير مخططات رهيبة لصالح النظام الحاكم ولأسيادهم الكفار المستعرين بعد هالة من الشعبية الزائفة التي أحاطوها بذلك الزعيم المستوزر والتي منحته 59 صوتاً من مجموع أصوات نواب المجلس البالغة ستون صوتاً. وقد كشف نائب حزب التحرير في مجلس النواب الأردني عن منطقة طولكرم سماحة الشيخ أحمد الداعور ذلك المخطط الإجرامي الرهيب في جلسة الثقة لحكومة الباشا العميل حيث جاء في مقدمة كلمته: ( أتقدم إليكم ببياني هذا لأكشف البرقع الشفاف الذي يخفي سحنة الاستعمار في هذه الحكومة...) انتهى
ودعوة الإسلام في مكة رفضها وقاومها وحال دون اعتناقها سادة القوم من زعماء وقادة عشائر ومفكرين وأدباء وشعراء وحكماء وتجار وأصحاب النفوذ والتأثير وأصحاب رؤوس الأموال. واعتنقها وقاوم من أجلها وبذل الغالي والرخيص من أجلها أفراد من عامة الناس من المحرومين والمغمورين، ومع أنه كان من مشاهير المسلمين في الدعوة في العهد المكي تجار وقادة وزعماء وأدباء وأصحاب نفوذ وتأثير وأصحاب رؤوس أموال، إلا أن الغالبية العظمى من المسلمين كانت من عامة الناس البُسَطاء ومن المحرومين والعبيد، وبهؤلاء المضطهدين الحفاة العراة الجياع انطلق الرسول صلى الله عليه وسلم ينشر دعوته ويقيم دولته في المدينة المنورة، لينطلق منها بهم لنشر الدعوة بالجهاد داكا الحصون والقلاع وفاتحاً الأمصار والبلاد فتحول العبيد والمحرومين إلى قادة وأسياد وأمراء.
وفي تكتل حزب التحرير العامل لاستئناف الحياة الإسلامية والذي قام في أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم ركز قائد التكتل وخليتها الأولى على كسب أصحاب الفعاليات والتأثير من أدباء وعلماء وفقهاء ومفكرين وحملة شهادات جامعية وقادة مجتمع، وكسب العديد منهم، بل قد كانت الحلقة الأولى التي حملت الدعوة منهم، ومن تلك الحلقة الأولى انبثقت القيادة الأولى، إلا أنه نسأل الله له الرحمة لم ينس الركيزة الثابتة من غيرهم، فكان من مشاهير حملة الدعوة الأوائل تجار وعمال وصناع وأجراء، وكان منهم الجزار والبقال والفكهاني والاسكافي والفران والترزي والمزارع والطالب. فاختلط الجامعي الأزهري والمهندس والأمي الذي يمهر الوثائق ببصمة إبهامه في تكتل فريد لم يشهد التاريخ له مثيلا يعملون سويةً ويداً بِيَـدٍ لمحاولة تغيير الأوضاع بمحاولة دخول المجتمع وإحداث القاعدة الشعبية والرأي العام المنتج للتغيير بالفكر الذي حملوه وتنبنوه، الفكر الذي جمع وساوى بين حامل الشهادة الجامعية والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وبين العالِـمُ والتاجر، وبين المهندس والعامل، وبين الأديب والطالب. لم يُفاضل بينهم لطبقاتهم المتغايرة، بل كانت المفاضلة بينهم على ضوء المتفاعل مع الدعوة أكثر كائناً من كانت طبقته، فتقدَّمَ أحياناً الطالب على الأديب، وتقدم في حالات أخرى الفران الأمي على العالِم......
حتى الحلقة الأولى التي نشرت الدعوة والتي ضمت جمعاً خيّراً من أفاضل العلماء والمثقفين وحملة الشهادات الجامعية، ناء كاهل بعضهم وفترت همته ونكل عن مواصلة الطريق فتخلف وترك المسيرة، في حين استمر غيرهم في العمل بهمة ونشاط، منهم العمال والأميين والتجار والصُّناع استمروا في العمل سوياً مع إخوان لهم من العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والمهندسين والوجهاء ورؤساء العائلات ومدراء الشركات والمؤسسات وأصحاب المصانع وضباط الجيش. والرابط الوحيد بينهم وهم يشكلون جميع ألوان طيف هذا المجتمع أنهم حملة دعوة وأنهم جميعاً وبلا استثناء مفكرون وسياسيون وأنهم النخبة الصالحة من الأمة لأنهم حملوا أرقى فكر منبثق عن المبدأ الوحيد الصالح للتغيير، وبهذا الفكر وبه وحده يعملون للتغيير وسيصلون للغاية إن شاء الله قريباً ويومئذ سيفرح المؤمنون.
أما حركة النكث التي استهدفت الحزب ووجوده وعملت جاهدة بتحريك خفي لهدمه وإلحاقه بالماضي، وكانت من أخطر المراحل في تاريخه، فقد قادها وأشعل أوار فتنها نفر من حملة الشهادات الجامعية والألقاب البراقة، جمح بهم الغرور حين ظنوا في أنفسهم القادة والسادة والطبقة التي يجب أن تقود وتأمر فتطاع، فانبرى لهم المخلصون من أفراد التكتل من كل الطبقات المشخصون بقوة فكرهم وسلامة عقيدتهم وتقواهم فوأدوا الفتنة في مهدها: فتنة أصحاب القمصان البيضاء والياقات المنشاة وربطات العنق، ليثبتوا أنّ الفكر هو الرابط الذي لا تنقصم عراه في التكتل مقروناً بالتقوى وإخلاص النية لله تعالى.

يتبع

حاتم ناصر الشرباتي
22-08-2010, 03:22 PM
2


وفي الندوات والنقاشات ودروس المساجد والمحاضرات رأينا الغلبة والفوز للأمي السياسي حامل الفكر المستنير على العالِم حامل أرقى الشهادات الجامعية. فقد كان حملنا للدعوة ودخولنا للمجتمع بفكرنا الذي حملناه، كائناً من كان حامله، وربما كان حملة الدعوة من بٌسَطاء الناس أنشط وأقوى أثراً وتأثيراً في ذلك من المثقفين حملة الشهادات الجامعية، سواء منها الأكاديمية أو الشرعية أو الأدبية. فلم نحمل الدعوة أبداً ولم نصل لإحداث العملية الصهرية بالمثقفين أصحاب القمصان البيضاء والياقات المنشاة وربطات العنق، لا بل قد حملنا الدعوة بهم وبإخوانهم ممن يمهرون الوثائق ببصمة إبهامهم الأيسر من العمال والصناع من بُسَطاء الناس وعامتهم.
ويجب التنبيه هنا أننا لم ولن ننشر الدعوة بين الناس ونكسبهم لها بطبقة أصحاب ربطات العنق حملـة الألقاب والشهادات الجامعية، وإن كان من الطبيعي والبديهي والضروري أن يكون في صفوفنا الكم الهائل من هؤلاء الناس بصفتهم من شرائح المجتمع، ولأنهم من أصحاب التأثير في أوساطهم وفي غير أوساطهم إن أحسنوا حمل الفكر وتفاعلوا معه وأخلصوا النية لله تعالى... كما أن التركيز عليهم دون غيرهم من طبقات المجتمع يفرغ العمل من محتواه ويغير مسار العمل حيث يركز على الطبقيــة الجوفـــاء والشعور بالرقي المظهري، وهذا الشعور هو - إن حصل لا سمح الله - أول طريق انهيار التكتل، لأنه يضعف حرص التكتل على كسب ثقة البسطاء من الأمة، ومتى تحول التكتل إلى تكتل عنوانـه وواجهته أصحاب الياقات المنشاة وربطات العنق متجاهلاً الذخيرة الهامة وهي بسطاء الناس المأهلون للتفاعل مع الفكر ونشر المبدأ فقد عمل على صرف الأمة عنه مما يُنتج انهياره، وبعدها يحتاج إلى جهود مضنية لمعاودة كسب ثقة الأمة وإقناعها للعمل معه.
وذلك بالتأكيد هو من مقاصد التحذير الوارد في كتاب التكتل الحزبي حيث يقول: (وأمّا الخطر الطبقي فإنّه يتسرب إلى رجال الحزب، لا إلى الأمة. وذلك أنه حين يكون الحزب يمثل الأمة أو أكثريتها، تكون له مكانة مرموقة، ومنزلة موقرة، وإكبار تام من قبل الأمة والخاصة من الناس. وهذه قد تبعث في النفس غروراً، فيرى رجال الحزب أنهم أعلى من الأمة، وأن مهمتهم القيادة، ومهمة الأمة أن تكون مقودة. وحينئذ يترفعون على أفراد الأمة، أو على بعضهم، دون أن يحسبوا لذلك حساباً. وإذا تكرر ذلك صارت الأمة تشعر بأن الحزب طبقة أخرى غيرها، وصار الحزب كذلك يشعر بالطبقية. وهذا الشعور هو أول طريق انهيار الحزب، لأنه يضعف حرص الحزب على ثقة البسطاء من الجمهور، ويضعف ثقة الجمهور بالحزب، وحينئذ تبدأ الأمة تنصرف عن الحزب......) انتهى
وأضيف على ما تقدم أن أخطر من ذلك هو أن يفقد الحزب ثقـة أفراده العاديين حين يرون أن حزبهم قد تحوَّل عنهم من حزب قوامه وذخيرته الفكر وحملتة إلى حزب الأطباء والمهندسين أصحاب ربطات العنق بدل أن يكون حزب الفكر ومن حمله كائناً من كان.
أننا في هذه المرحلة بالذات وقد تمكن التكتل من كسب مكانة مرموقة، ومنزلة موقرة، وإكبار تام من قبل الأمة والخاصة من الناس، حيث يتوافد الناس على حضور مؤتمراتنا ومحاضراتنا بالآلاف المؤلفة، ويتلهفون على سماع آرائنا السياسية فيما يستجد من أحداث تهمهم، وينظر الناس بإعجاب شديد لحسن ترتيبنا وأدائنا في ذلك، وينظر الناس إلى تحركنا المنظم في المناسبات العامة وبأعداد هائلة نسبياً من شبابنا أكثر مما ظنوا، وحين يرى الناس أننا لسنا شرذمة صغيرة لا وَزنَ لها ولا يُحسب لها حساب كما يروج الخصوم ووسائل إعلامهم. في هذه المرحلة بالذات نحن أحوج للتواضع وعدم الغرور. فمهما كثر عددنا ومهما وصل ثقلنا في المجتمع، فإن هذا الصرح الشامخ ممكن أن ينهار إذا وصل إلى صفوفنا فيروس الغرور ومرض الطبقيـــة، والشعور بأننا حزب أصحاب القمصان البيضاء والياقات المنشاة وربطات العنق حملة الألقاب البراقة والشهادات الجامعية. لا بل نحن حملة الإسلام فكرة وطريقة، نحرص أن يكون فينا العالِم والفقيه والمجتهد والمهندس ورجل الأعمال والأديب والحكيم والشاعر والمعلم والطبيب، ونحرص بنفس القدر على أن يكون فينا أيضاً وقبل ذلك القصاب والترزي والمزارع والفران والاسكافي والفكهاني والبقال وسائق الجرار وطالب العلم والتاجر وكل طبقات المجتمع، وبهم جميعاً في تكتل عنان فريد سنقيم دولة الخلافة الراشدة التي ستدك حصون الظالمين وتفتح البلاد أمام الدعوة إن شاء الله.
وبناء عليه فلا ضير أبداً أن يصل إلى المراكز القيادية والإدارية أقوى الأفراد لتحمل ذلك باعتبار التمكن الفكري والإداري فقط بغض النظر عن طبقاتهم، وأن يصل إليها أقوام من بُسطاء الناس وعامتهم، وأن تكون الأولوية في توكيل المهمات والأعمال الحزبية لجميع الأفراد من كل الطبقات من هذا المنطلق، فيفاضل في انتقاء الأفراد لهذه الأعمال بالصلاحية الفكرية والإدارية ليس إلا، وتعتبر عملية انتقاء الأفراد لتلك الأعمال والمهمات على أساس طبقـي كنوع من الغــرور القاتل والانتحار الموصل للطبقية الجوفاء الموصلة بالتأكيد للتصدع وبالتالي للانهيار والفشل.
وحتى نكون على بينة من الأمر وعواقبه المحتملة فإن من الخطورة المستقبلية للنظرة الطبقية تلك أنه إن وصل التكتل لقيادة الأمة برغم ما تقدم وبذلك الشعور من الطبقية الجوفاء في قياداته فسيكون وبالاً على الأمة التي سيقودها، إذ سيبرز الظلم وتتحول الدولة إلى دولة طبقات ومحاسيب وأتباع، مما يظهر الفساد بانعدام المساواة والعدل، ويتسبب ذلك ببروز الهوة السحيقة بين الحاكم والمحكوم، ويشعر الناس أن حكامهم ليسوا منهم مما يُضعف القاعدة الشعبية لهؤلاء الحكام عند الأمة، وهذا يعني الانحراف عن المبدأ والتخلي عن الفكر والمتبنيات، والتحول إلى المُلك العضوض.
على أن ذلك لا يعني أن يُهمل التركيز على حملة الشهادات والألقاب وعليَّـة القوم وأصحاب النفوذ والتأثير، والعكس هو الصحيح فكما ورد في بداية البحث يجب التركيز عليهم بصفتهم أفراد يعيشون في هذا المجتمع، كغيرهم من بقية طبقات الناس وبنفس القدر، ومحاولة كسبهم ما استطعنا لذلك سبيلنا استئناساً بهدي المصطفى s وتقيداً بطريقته وخط سيره، كما أنَّ بهـم ومعهم إن صلحوا وتفاعلوا مع الدعوة وأفكارها نختصر الطريق ونصل للغايات بأقصر الطرق وأسلمها إن شاء الله.

حاتم ناصر الشرباتي
10-10-2010, 12:48 PM
في الأزمات*1




أنه من المفهوم بداهة أن الأمة الحية تسعى في طريقها للنهضة للعمل على إيجاد الإرهاصات التي تساعد وتدعم وتسهل الوصول للهدف، وتستبشر بالبشائر، وتعمل جاهدة على تحطيم العقبات التي تعيق الوصول للهدف، أو تمنع تحققه.أي تربط وتوازن بين الأسباب والمسببات، وقد كان هذا هو حال الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته والخلفاء من بعده، وكان هذا حال كل الرسل والأنبياء، وكذلك كل الحركات التي عملت على تغيير أوضاع مجتمعاتهم.

في السيرة النبوية الشريفة كان كل عمل الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة منصب على العمل لإيجاد الإرهاصات الداعمة للعمل، من عمله لتثقيف المسلمين، إلى العمل لإيجاد الوعي العام والعملية الصهرية، إلى الاتصال بوفود العرب في موسم الحاج لتحقق النصرة، وذهابه إلى الطائف لدعوة ثقيف ومحاولة الحصول على نصرتهم، كل ذلك كان من وسائل وأساليب الوصول للهدف، وايفادة مصعب بن عمير إلى يثرب كذلك.... وتلقى البشائر وأذاعها بين المسلمين، منها فتح القسطنطينية وروما والقدس، ومنها بشائر زوال كيان فارس، ومنها آيات النصر والفتح.وعمل على تحطيم كل العوائق والعثرات التي تحول بينه وبين الوصول للهدف. إلا أنه لم يكن من طريقته أبداً الاعتماد على الآمال والأوهام والأحلام، لا بل قد حارب ذلك وحال بين أتباعه وبين ألأخذ بها، رابطاً بين الأسباب ومسبباتها.

في حرب الخليج الثانية ( غزو العراق ) كانت مشاعر المسلمين ملتهبة، وكان الأمل يعصف بهم أن يخسف الله الجيش الصليبي المستهدف المسلمين ومقدراتهم وأعراضهم. منهم من توجه لله تعالى تائباً مستغفراً مستعيناً بالصبر والصلاة، رابطاً الأسباب بمسبباتها، متلبساً بالعمل الجاد لعودة صادقة للمسلمين لأوامر الله ودعوته، مستبشراً ببشائر النصر التي وعد الله ورسوله، ملتمساً التقيد بالحكم الشرعي في كل تصرفاته، نادماً مستنجداً وضارعاً لله آملاً نصراً من عنده، وما ذلك على الله بعزيز إن شاء، وهؤلاء هم الفرقة الناجية الذين أنعم الله عليهم بالسداد والتوفيق. ومنهم فربق استسلم للأحلام والأماني، ومنهم من عقد الجلسات الطويلة مع الجان لأخذ البشرى منهم أن الله سيرسل على الجيش الغازي سخطا من السماء يأخذ أولهم وأخرهم، ومنهم من استعان بالمنجمين والكهان والعراف وكتب التنبؤات. وكان أكثرهم قد ذهب بعيدا في تناول أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المحتوية على البشائر مثل أحاديث: الرايات السود والعمائم السود، وأحاديث إهلاك الجيش الغازي للكعبة، وأحاديث المسيح المنتظر قدومه والمهدي المنتظر...... ومنهم من تناول سورة " الفيل " وحاول تطويعها لتتوافق مع المناسبة....... وحاولوا تطويع تلك الأحاديث والآيات الشريفة بما يتفق مع المناسبة، وطفقوا يقلبون كتب الأحاديث صحاحها وضعافها والكتب القديمة ذات الصفحات الصفراء علهم يجدون بها البشائر التي يفسرونها على هواهم وحسب أوهامهم، وقسم التجأ للإسرائيليات وتنبؤات التوراة وكتب الكفار مثل " تنبؤات فوستر أداموز". وكان أتفههم قسم ادعى المعرفة والعلم وعلم الجبر والحساب فاستنجد بالأرقام والرقم 19 بالذات لاستلهام البشائر منه بإعماله في عمليات حسابيه ساذجة على آيات القرآن الكريم ليصل من خلال ذلك إلى ما افترضه من نتائج مُسْبَقة 2. ويحضرني في هذا المقام قول الشاعر:


وما هو إلا كفارغ بندقٍ = خلِيٌ من المعنى ولكن يُفرْقِعُ


كل هؤلاء وأولئك لم يأخذوا الأسباب بمسبباتها، ولم يتنبهوا إلى ضرورة تحقق شرط الصلاح فيمن يمن الله عليهم بالنصر، مما ورد صراحة في آيات القرآن الكريم، فخالفوا طريقة الإسلام في التفكير والعمل، وضلوا السبيل وأضلوا عباد الله ممن انبهر بمعلوماتهم وظنهم رسلاً وملائكة مبشرين، لذا فعندما وضعت الحرب أوزارها بهت وصعق هؤلاء وأولئك وظهر غباؤهم، ولم يبقى إلا إرسالهم للمصحات النفسية، وقسم قلب يديه مطلقاً الآهات والزفرات والسباب واللعنات والكلمات الجوفاء التي ربما قادته للكفر أو كاد، والسبب في ذلك أنهم أعموا أنفسهم عن الالتزام بطريقة الإسلام الوحيدة في التفكير والعمل، وأطلقوا لأوهامهم وأحلامهم وأرقامهم الحسابية العنان.

الآن والحرب الصليبية على أرض السواد قادمة لا محالة 3، وتعاون حكام المسلمين العملاء مع الصليبيين قد ظهرت للعيان بأبشع وأحط صورها، فالنتيجة محققة لا تحتاج إلى بحث. وقد بدأ استنجاد البعض بالبشائر والتنبؤات والأرقام بدون إعمال نظرية الأخذ بالأسباب والمسببات والإرهاصات، وقسم يدعي استلهام البشائر من أحاديثه مع ملائكة الرحمن هذه المرة وليس مع الجان!!! فما يغلب على الظن أن النكسة النفسية التي ستلحق بالأمة نتيجة الحرب ستكون بالغة، لأن نتيجة المعركة محتومة بحيث ستصل إلى ما يقارب وصف القارعة 4، لذا وجب أن ينبه المسلمين لذلك، وأن يتقيدوا بطريقة الرسول في التفكير والعمل، وفي موضوع الإرهاصات والبشائر والمعوقات بالذات. وأنبه هنا إلى ما يلي بما يتصل بالموضوع بصورة مباشرة أو غير مباشرة:

01.أن كلمة ( يا مسلم، ياعبد الله ) الواردة في حديث ( ستقاتلون اليهود وتقتلونهم ) لا تعني إلا خليفة المسلمين وخليفة المسلمين فقط، لذا لن يتأتى قتال يهود وقتلهم إلا بوجود الخليفة المسلم الذي يطبق شرع الله ويقيم حدوده، والذي سيعلن الجهاد لقتال الكفار وتحرير البلاد والعباد وللانتقام لحرمات الله.

2.واقع الأحلام الجاري حدوثه هذه الأيام أن الشخص عندما يرقد في فراشه، يكون تحت تأثير أفكار وتنمنيات بحيث ستتحكم سلفاً في نوعية ونتيجة أحلامه التي ستأتي، لذا فإنّ تلك الأحلام ستكون متطابقة مع ما استولى عليه من رُغبات وتمنيات واستمرار لها، وتلك الأحلام في غالبها أتت لتثبيت ما تمنى ذلك الحالم من أماني ورغبات في يقظته، ومنها آمال ورغبات ايجابية ممكنة التحقق، في حين أن معظمها خيالية صعبة التحقق أو مستحيلة التحقق، مع ملاحظة أن قسم من الناس يقوم بالأحلام حتى وهو يقظ.

3..أرى في منع الرسول صلى الله عليه وسلم أجرة العراف والكاهن، وتحريمه تصديق العراف والكاهن، أرى في ذلك تحريماً لقراءة واقتناء كتب التنجيم والتنبؤات وتصديقها.

4..احتوت بعض كتب البشائر المطبوعة في مصر، تثبيتاً لآيات الله وأحاديث رسوله بمقارنتها بنصوص وردت في كتب الديانات الأخرى مثل نصوص التوراة وأقوال أشعيا، وأرى في ذلك مخالفة شرعية، فنحن لسنا بحاجة لإثبات صدق الله ورسولة بطريقة مقارنتهم بأقوال الديانات الأخرى، وأرى أن أمثال تلك المخالفات الشرعية قد تصل لدرجة الكفر والعياذ بالله تعالى. 5

05.بالنسبة لكتاب ( انجيل برنابا ) فقد جرى تهريبه من مكتبة بابا الفاتيكان عن عمد، بهدف إيصاله للمسلمين لأن به ما يوافق عقيدتهم من إنكار صلب السيد المسيح عليه السلام، والبشرى بإرسال رسول من العرب، ومرادهم من ذلك تصديق هذا الكتاب في الأمور الأخرى، علماً بأن الكتاب هو أحد الأناجيل المزورة والمعتمدة من كنيسة روما، فوجب الحذر من الانسياق وراء هذا الكتاب أو غيره من الكتب، وقد منع رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة كتب النصارى واليهود حين قال لعمر بن الخطاب مستهجناً قراءته صحيفة من التوراة بقوله: ألم آتِ بها بيضاء ناصعة يا عمر!!

06.أما بالنسبة لكتاب ( بروتوكولات حكماء صهيون ) فقد كتبه شياطين وحاخامات يهود، وتعمدوا تسريبه خلسة
للمسلمين، بهدف تخويفهم وإرعابهم وليروا في يهود قوة خفية خارقة، وكان ما كان حيث انطلت الخديعة على نفر من بسطاء المسلمين، الذين طفقوا يطبعون ويوزعون الكتاب، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً، أو أنهم أحضروا رأس كليب!!!!! ومما يعزز ما ذهبت إليه أن تلفزيون مصر وفضائيات عربية أخرى قامت بأعداد حلقات تمثيلية تلفزيونية عن الكتاب وعن طريقة الحصول عليه باسم ( فارس بلا جواد ) بطولة محمد صبحي، وقبل إذاعة الحلقات أقامت المخابرات ووسائل الإعلام اليهودية والأمريكية زوبعة حول الحلقات متهمة إياها بمعاداة السامية، على أن فضائية مصر وبعض الفضائيات الأخرى أصرت على إذاعة الحلقات في حين تراجعت فضائيات عربيه أخرى عن ذلك نتيجة الزوبعة اليهودية الأمريكية!!! في حين أننا نعلم أن فضائية مصر والفضائيات العربية الأخرى التي أذاعته لا تحتاج إلى أكثر من أمر من مخابرات يهود أو المخابرات الأمريكية لو كان الاعتراض عليها حقيقياً، مما يؤكد أن الزوبعة في فنجان، والقصد من الحملة على التمثيلية هي لدفع المشاهدين لمشاهدتها، وللفت الأنظار ثانية لقراءة الكتاب في هذا الظرف بالذات، وبنادق يهود تقتل المسلمين في فلسطين، وآليات يهود تدمر بيوتهم على رؤوسهم، وتقتلع أشجارهم، لزيادة الرعب بين المسلمين، ولإعطاء يهود وكيانهم صورة القوم المتحكمون في العالم أجمع، والكيان الذي يصعب الوقوف أمامه، خاصة وقد أعلنها أبو جهل وأبو لهب وأبو رغال من حكام المسلمين في مؤتمر بيروت أن السلام خيار استراتجي!!!!

07.أما كتاب ( تنبؤات فوستر أداموز ) فأداموز هو كاهن صليبي كافر يعتمد على نصوص ما يسمى ( الكتاب المقدس ) وينشرها ويبشر بها، وهو من عداد الكتب الدينية الكافرة المعتمدة على التنبؤات المحرمة شرعاً، فوجب التنبيه على خطورة الإنجرار واللهث على اقتناء تلك الكتب الدنسه، وان ما ورد ذكره في الكتاب المذكور وتركيزه على النصر الآتي بقيادة الآشوري، والكتب الأخرى المشابهة التي تذكر أن النصر آتٍ بقيادة السفياني، المقصود من أمثال تلك التنبآت هو لتحويل المسلمين للهث وراء ما يسمى بالآشوري أو السفياني أو أو أو... بدل التوجه الصحيح المطلوب منهم في مفهوم حديث: ( ستقاتلون اليهود وتقتلونهم.. ) وهو العمل على إيجاد خليفة المسلمين الذي يتحقق به وبه وحده مفهوم الحديث الشريف من انتصار المسلمين على الكفار سواء اليهود أو غيرهم، ولا يمكن بحال تحققه على يد غيره من المسلمين، علاوة على أن من يُشير إليه أداموز وغيره سواء الآشوري أو السفياني هم كفار.
﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنَنَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يُشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاؤلئك هم الفاسقون.﴾
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ ــــــــــــ الهامش ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ ـــــ


*1 - - كتب هذا البحث قبل حرب الخليج الأولى.
2 - بسام جرار – عجيبة تسعة عشر بين تخلف المسلمين وضلالات المدعين.
3 - كتب هذا البحث قبل حرب الخليج الأولى.
4 - هذا القسم من البحث تم كتابته قبل الغزو في أوائل شهرآذار سنة 2003م.
5 - د. عبد الناصر مدبولي الخضري ـ الحرب العالمية الثالثة بين الاسلام والغرب.
ـ أنظر أيضا : د. فاروق الدسوقي. البيان النبوي بدمار إسرائيل وتحرير الأقصى. طبعة الولى 1418هـ/1198م.



وللبحث بقية بحول الله تعالى. >>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

حاتم ناصر الشرباتي
17-10-2010, 08:46 AM
- الجان والإستعانة بهم -




بالنسبة لقيام بعض المسلمين باستحضار الجان، لاستخدام قدراتهم في تحقيق بعض الخدمات الخاصة، من تطبيب وغيره، أو لمعرفة بعض العلوم منهم، أو لاستخدامهم في معرفة أخبار الناس وحوادثهم والقيام بالتجسس عليهم، أو لمعرفة واقع معين، أو لمعرفة علوم المستقبل منهم، وقد جرى ذلك وكثر خلال الحرب الصليبية السابقة على العراق لاستلهام البشائر منهم حول نتائج تلك الحرب:

ـ واقع الجن أنهم موجودون، منهم المُسلمون ومنهم الكافرون. ورد في سورة الجن: ﴿ قل أوحيًَّ إليّ أنه استمع نفرٌ من الجِّنِ فقالوا أنا سمعنا قرآناً عجباً* يهدي إلى الرّشد فأمنا به ولن نشرك بربنا أحداَ* وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا* وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا* وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا* وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا* وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا* وأنا لمسنا السماء فوجدناها مُلِئت حرسا شديدا وشهبا* وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا* وأنا لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا* وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا* وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا* وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا* وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فاؤلئك تحروا رشدا* وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا* ﴾
ومفهوم الآيات السابقات يُعلمنا أن من الجان المسلم ومنهم الكافر كما في الإنسان، لا بل أن استعانة الإنسان بالجان تقوده إلى متاهات وضلالات لا يعرف سوى الله تعالى نهايتها، ربما تصل أحيانا إلى الكفر والعياذ بالله تعالى.
ـ إن أمكن اتصال البشر بالجان وإجراء المحادثات معهم ـ وأظنه ممكن بغاية السهولة ـ فلا يوجد ما يمنع مجرد الاتصال شرعا، فهو من المباحات، ويتعلق في مثل هذا الاتصال الأحكام الشرعية المختلفة حسب نوع ذلك الاتصال. ومن الملاحظ أن معظم المتصل بهم من الجن هم من الكفار، وهؤلاء لم يحققوا للمتصل بهم رغبات إلا بعد قيامه بإجابة طلبات معينة لهم ( على قاعدة خدمة مقابل خدمة )، ومعظمها أعمال مخالفة للشرع، فمثل تلك الاتصالات وما يتبعها هي من المحرمات شرعا.
ـ واقع الجان أنهم موجودين منذ بدأ الخلق، وقد استعملهم سليمان في بعض الأعمال، وبما أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، فلا يُلزِمُنا استخدام سليمان لهم، وقد كانوا موجودون زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يستخدمهم لا في أعمال الدعوة ولا في غيرها، ولم يستعملهم في استطلاع أخبار العدو في المعارك، ولا في معرفة علوم الغيب كما يفعل الناس اليوم، كما لم يلتجئ إليهم صحابته ولا الخلفاء وقواد الجيوش بعده، مما يُرشدنا لعدم جدوى وتفاهة ذلك، ومما يوجهنا إلى أن أعمال الدعوة تتم بوسائل بشرية فقط.
ـ بعد استقراء واقع اتصال الناس بهم، وُجِدَ أن قدرات الجن محدودة، وأن ما يرويه الناس عن قدراتهم مُبالغ به، حتى لقد ثبت فشلهم الذريع في مجال الطب، وان نجحوا في علاج البشر أحيانا، فأرى من هذا المنطلق أن الاستعانة بهم هي مضيعة للوقت، خاصة بعد تقدم العلوم الطبية لدى البشر.
ـ ممكن أن تكون علومهم ومعلوماتهم فيما حصل من أعمال غزيرة، إلا أن من الكذب الادعاء بمعرفتهم علوم الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله تعالى، لذا فمن الخطورة الشديدة الاستعانة بهم لمعرفة علوم الغيب واستلهام البشائر، ويحرم شرعا القيام بذلك.
ـ لقد ثبت اتصال واستخدام بعض أجهزة المخابرات الكافرة بهم، وأنا على قناعة أن من يتصل بهم الناس في منطقتنا هم من المجندين لدى مخابرات يهود، وهؤلاء كفار ومنافقون يَدََّعونَ الإسلام لتحقيق غايات مُسْتخدِميهم، حتى أن بعضهم قد أوهم السذج من المتصلين بهم أنهم من حملة الدعوة، وأنهم يخدمونهم لمنفعة الدعوة وضد الكفار، ولم ينطلي هذا على من أنعم الله عليهم بالوعي والاستنارة.
ـ مع قرب حلول الغزو الصليبي للعراق، سمعنا بمن يدعي أن ملائكة الرحمن يتصلون به، وبناء عليه ينشر البشائر بين الناس بأن الله سيدمر الجيش الغازي أوله وآخرة.....، ومع أننا نأمل أن يتم ذلك، أسأل: أليس من الممكن أن من يتصل به من منافقي الجن عملاء المخابرات الكافرة ؟ خاصة وأنه لم يرد اتصال الملائكة بأي من البشر ـ بما فيهم الصحابة رضوان الله عليهم ـ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يرد أي نص أو دليل شرعي يوحي بإمكانية حدوث مثل ذلك، والملائكة هم مبلغون عن الله تعالى للبشرـ الرُسُل والأنبياء ومن اختارهم الله تعالى وفضلهم عن العالمين لأمر عظيم كمريم بنت عمران أم السيد المسيح ـ . وبعد نزول آية: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ لم يبقَ ضرورة لتبليغ البشر غير ما ورد في القرآن الذي لم يفرط الله به من شئ لقوله تعالى: ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شئ ﴾
ـ حديثا قرأت كتابا أهداني مؤلفه نسخة منه، يركز به كاتبه على أن عدم التعوذ بالله من الشيطان هي خطيئة، بل أولى خطايا الإنسان التي يعقبها باقي الخطايا، ويسرد فيه محاولة قام بها المؤلف ـ تحت تأثره برواية توفيق الحكيم "الشهيد" التي ينعتها فيما بعد بالكفرـ بما لم يسبقه إليه أحد وهو إجراء حوار مع إبليس لمحاولة هدايته !! حيث يقول: ( لقد وصل بي الغباء إلى محاولة هداية إبليس، فاتبعت طريقة تغري إبليس بالقدوم إلي....) وبعد عدة جلسات مع أبي مُرّة كما يدعي مؤلف الكتاب أو يتوهم ذلك، كانت النتيجة المحتومة التي يرويها مؤلف الكتاب نفسه: ( قد لا يصدق أحدكم أن ذلك قد تم، لذا أخبركم أن هذه المغامرة قد أدت إلى دخولي مستشفى الأمراض النفسية.... وهي مغامرة غير محمودة العواقب، ودفعت لها الثمن غاليا ولا أزال أدفع.)
ولمعرفتي الشخصية وصداقتي الحميمة لمؤلف الكتاب وتقواه وورعه وعلمه الغزير ـ وهو يحمل شهادة أكاديمية محترمة ـ وكان له أبحاث واعية في إثبات وجود الله تعالى، ونقاشات هادفة مع مشاهير العلماء في الصحف، وغيرها من الأبحاث الهادفة، وقام بمحاولته تلك أثناء الغزو الصليبي الأول للعراق، وتحت تأثير الأمل الزائد، المقرون بالأوهام والخيالات، قام بمحاولته الغير مسئولة والغير محمودة النتائج، مما أوقعه فيما نوه إليه من مشاكل عانى منها كثيراً ولا يزال يعاني، مما لم يحسب له حساب حين أقدم على مغامرته الطرزانية.
فأنصح كل مُسلم يؤمن بالله ورسوله أن يتقيد بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وَحْدَها في العمل، التي يعلمنا أنها المحجة البيضاء التي تركها لنا، ولن نضل أبداً إن تمسكنا بها وعضضنا عليها بالنواجذ، وربط الأسباب بمسبباتها، وعدم اللجوء للوسائل الخفية غير البشرية، مثل الاتصال بالجن واستلهام البشائر منهم والتي لم ترد بطريقة شرعية، وخلاف ذلك فأدعو الله تعالى أن يُجنب كل مكابر نتيجة جهله وعناده.

طالب عوض الله
04-11-2010, 07:50 AM
إعادة نظر في الارهاصات والواجبات
نحن في هذا الوقت العصيب في حاجة ماسة للأمل بنصر الله أولا، والتمسك بحبل الله والتقيد بما تمليه علينا عقيدتنا من انتهاج طريقة توقيفية لا يجوز العمل بخلافها أو اجتهاد غيرها، وإلا نكون قد تهنا في متاهات السُبُل المُبعدة عن سبيل الله، ومن مستلزمات الطريقة أنها أوكلتنا الإبداع في اجتهاد الوسائل والأساليب المناسبة لكل أمر وحادث وعمل يطرأ على أن تكون من جنسها، لذا اقتضى أن يتمتع حامل الدعوة الساعي للتغيير بعقلية سياسية واعية ومستنيرة، وأن لا يتوانى طرفة عين عن تحليل سياسي واعٍ لكل ما يستجد من وقائع وأحداث، رابطا إياها بمعلوماته الدقيقة عن واقع الخارطة السياسية والمواقف الدولية والتغيرات التي قد تطرأ عليه من تعديلات لسبب أو آخر ووجهة نظره المتبناة.

وبناء عليه فإن من لوازم الاعتقاد وصحة التحليل السياسي وسلامة القرار: إقران الأمَل بقاعدة ربط الأسباب بمسبباتها، والأمل إذا زاد عن حده أو كان في غير موضعه انقلب إلى ضده، فلزم أن نعود إلى دراسة وإعادة نظر في واقع الإرهاصات والبشائر، وعليه أرى من الضرورة التفريق بين الإرهاصات والبشائر، من منطلق تعريفيهما وواقع كل منهما، إذ أن الإرهاصات تعني الدعائم، والبشائر هي الأدلة وما يستأنس به. ومفهوم ذلك أن الأولى تؤثر تأثيراً مباشراً على العمل ودعمه ونجاحه، والثانية نفسية لا تؤثر تأثيراً مباشراً على العمل.
وهذا يعني أن على حملة الدّعوة العمل الجاد لإيجاد الإرهاصات التي لا يتحقق حُسن العمل إلا بالعمل على إيجادها، ولا يتحقق الهدف إلا بالعمل الجاد لإيجادها. في حين أن البشائر يُستأنس بها فقط وقد تتحقق، وممكن أن لا تتحقق، وغالبها ـ أي البشائر ـ أتى في ظلال أحاديث تتناول الإخبار عن علم الغيب، وأحاديث علم الغيب لم يحدد منطوقها لها زمناً محدداً. أو أتت من خلال استنتاجات سياسية قد تتغير معطياتها أو نتائجها.

علاوة على أن الاستنتاجات السياسية قد تؤدي إلى نتائج خاطئة إن استندت إلى قواعد أو معطيات خاطئة أو تحليل سياسي غير دقيق. مثال ذلك أن البعض يرى في مشاكل الاقتصاد الأمريكي من البشائر، في حين يرى آخر أن مشاكل الاقتصاد الأمريكي نذير سوء، إذ هو أحد عوامل تطلعهم إلى حرب المسلمين لتحسين اقتصادهم باستيلائهم على موارد البلاد وتحكمهم المباشر بها.

حتى يكون العمل الحزبي هادفا ومستوفيا شروط تحقق الغاية لا بد منه لضمان حُسن العمل، وللحيلولة دون تأخر النصر والانتكاس، خاصة وأن المؤشرات تنبئ بمصائب وكوارث قد تلحق بالأمة نتيجة الحروب الصليبية القادمة التي يستعد لها الكفار يُساندهم جميع حكامنا في العالم الإسلامي لضرب الإسلام والمسلمين والعمل الإسلامي بدءً بأرض العراق وأفغانستان، نسأل الله تعالى أن يجنبنا الشرور والمكارة والأهوال، وأنبه في هذا المقام أن من الانتحار السياسي أن نكونَ كالنعامة تدفن رأسها بالرمال مظنة ألا يراها الصياد، فلا نعطي هذا الموضوع حقه من النقاش الهادف البعيد كل البعد عن الجدل العقيم الذي نسأل الله تعالى أن يجنبنا انتهاجه، وأن نكون من الباحثين عن الحقيقة، الممتثلين بما يمليه علينا واجب الامتثال للشرع، الذين يصفهم شوقي في قصيدة " الخلافة الإسلامية ":



وَمِنَ ألرِجالِ إذا انبريت لَهَدْمِهِم هَرَمٌ غليظَ مَنـــاكِبِ الصفاحِ



فإذا قذفتَ الحَقَ في أجــلادِهِ ترَكَ الصًِراع مُضَعْضَعَ ألألواحِ

وبالرغم من كل البشائر ـ سواء البشائر النقلية أو البشائر الحسابية ـ فإن لم تستوف الشروط المطلوبة في العاملين وعملهم وإعدادهم فلن يتحقق الهدف بالرغم من كل البشائر، والبشارات.ودليل ذلك مفهوم آية: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يُشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون )[1] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftn1) ومفهوم المخالفة للآية أن الوعد ليس لغير الذين أمنوا وعملوا الصالحات حقيقة، فأتى وصف الجماعة الموعودة شرطاً لازماً لتحقق الوعد، فلا يكون الاستخلاف والتمكين وتبديل الخوف بالأمن إلا لمن يستحقه، والاستحقاق مشروط صراحة في سياق الآية.

.لذا يجب أن تقرن دراسة الإرهاصات والبشائر بدراسة " العقبات والموانع " ونتبحر في دراستها، ونواصل إعادة النظر في عملنا وفي تركيبية تكتلنا، وفي أفكارنا المطروحة وتنقيتهم من الشوائب لاتصالهم المباشر لا بل تحكمهم في الإرهاصات والبشائر، ونحول بين المعوقات والموانع وبين تأثيرهم السلبي على العمل، وأن يُقرن البحث بالمعوقات والموانع بالبحث في الإرهاصات والبشائر، والعمل على الحيلولة بين الأولى وبين أن تؤثر على عملنا، بنفس القدر الذي نبحثه في إيجاد الإرهاصات والإستأناس بالبشائر.

إنّ من المؤكد أنّ مسألة " إعادة النظر " الحرص المطلوب للمحافظة على التكتل ونقاء أفكاره وقيمه الذاتية، علاوة على أنها حكم شرعي نبه الله تعالى رسوله الأمين لإعمالها في مناسبات عدة في القرآن الكريم، منها: ( عَبَسَ وَتوَلّى أن جاءهُ الأعمْى، وما يُدريك لعله يزكى، أو يَذكرُ فتنفعه الذكرى، أمّا من استغنى، فأنت له تصدى.)[2] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftn2) وقوله تعالى: ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.)[3] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftn3) وقوله تعالى ( ولا تقولن لشئ إني فاعلٌ ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا. )[4] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftn4) وقوله تعالى:( عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين.)[5] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftn5)

كما أنها قد جاءت في إجماع الصحابة في مواقف عدة: منها طلب أبي بكر من عمر إعادة النظر في موقفه من نفيه لموت الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبا عمر والمسلمين: ( من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.) وحين خاطب عمر أيضا في واقعة الردة بعد ذلك:( أجبارٌ في الجاهلية، خوارٌ في الإسلام يا عمر؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يٌؤدونهُ لرسول الله لجاهدتهم فيه. ) وما ذلك إلا طلب إعادة النظر في مواقف وآراء.

في أحد معارك المسلمين وعندما لم يتمكنوا من فتح أحد الحصون، طلب قائد الجيش البحث عن سنة مغيبة ربما غفلوا عنها، وبسببها ربما تأخر النصر، وعندما ظنوا أنه ربما يكون ترك السواك، وعندما بدأوا بالتسوك آذن الله بالنصر ودك الحصن.... ليس المراد في ذلك الدعوة إلى التسوك أو إطلاق اللحى ولبس الدشداشة وتغطية الرأس بالعمامة، بل إعطاء كل ما يمكن أن يكون معوقاً حقه من الدراسة والتمحيص وتحاشي ما نراه معوقاً، والعمل على إيجاد ما نراه داعماً وبذلك نكون قد أخذنا بقاعدة " ربط ألأسباب بمسبباتها "، وأخذنا الحيطة لأي أمر مهما صغر كان المفروض أن نأخذ به، أو أي أمر يقتضي اجتنابه وتحاشيه، وكل عقبة في طريقنا تعطل العمل أو تأخر الوصول إلى الهدف يجب تحطيمها، وذلك من دعاوى الكياسة والفطنة والوعي السياسي المستنير الذي ألزمنا بها الحكم الشرعي، والذي أوجبه علينا كوننا حملة دعوة ساعون للتغيير.

أنّ من المفهوم بداهة أنّ( المؤمن كَيّسٌ فطِن.) وكما جاء وجاء في الحديث الشريف: ( أنت على ثغرة من ثغر اٌلإسلام فلا يُأتين بها من قبلك.)، فعدم توفر الوعي السياسي والكياسة والفطنة في حملة الدعوة يُؤدي إلى سلبية العمل، وربما فشله وتأخر وإعاقة الوصول للهدف.




[1] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftnref1) - النور 55.


[2] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftnref2) - عبس : ( 1-6)


[3] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftnref3) - الاسراء : ( 85)


[4] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftnref4) - الكهف 22 – 23 .



[5] (http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/#_ftnref5) - - التوبه 43 .

حاتم ناصر الشرباتي
07-11-2010, 06:39 AM
للرفع

يوجد خلل في تقبل المشاركات

طالب عوض الله
07-11-2010, 07:02 AM
في المعوقــــات


من المفهوم بداهة ومشاهدة بواقع الحال وكما ورد بمصادر مراقبة (1) أن الكافر لن يُقاوم الدعوة مباشرة، بل سيستعين بذلك بعملائه من الحكام والظلاميين والمضبوعين بثقافته المنبهرين بحضارته، حيث يقول: ( والكفاح السياسي يقتضي أن نعلم أن الاستعماريين الغربيين ولا سيما البريطانيين والأمريكان يعمدون في كل بلد مستعمر إلى مساعدة عملائهم من الرجعيين والظلاميين، ومن المروجين لسياستهم وقيادتهم الفكرية، ومن الفئات الحاكمة، فيهرعون إلى إسداء المعونة لهؤلاء العملاء في مختلف الأقاليم، لوقف هذه الحركة الإسلامية، وسيمدونهم بالمال وغير المال، وبجميع القوى التي تلزمهم للقضاء عليها .....) -2-وهذا يصدق على الوضع في سنوات العقود المنصرمة وحتى الآن، إلا أن الوضع قد تغير جذرياً، فمع اعتماد الكفار على هؤلاء، فقد أصبح الكفار يقومون بمحاربة الدعوة بأنفسهم صراحة بالإضافة لما ذكر. فبعد الحرب الصليبية الأولى التي استهدفت المسلمين في أفغانستان تبدّل الحال، وأصبح رئيس دولة الولايات المتحدة يتدخل بشكل سافر حتى في مناهج التدريس لدينا بما في ذلك تفسير القرآن والأحكام ألشرعية، وفي مدارس تحفيظ القرآن، وحتى في طريقة توزيع الزكاة.
صاحب ذلك بروز نوع من " مشايخ السلطان " أصحاب الفتاوى التي تساعد الحكام والكفار وتساعدهم في حربهم على الإسلام، فمن فتوى تبيح للمسلمين الاشتراك في حرب المسلمين وقتلهم من خلال الإنتظام في الجيش الصليبي، إلى الفتاوى التي تحل ما حرم الله وتحرم ما أحل، مثل فتاوى إباحة الربا وفتاوى حل أكل الميتة... والمناداة بنوع نشاز من أنواع الفقه وهو " الفقه التوفيقي " وهو ما لم نسمع به في الأولين ولا في حتى في من سبق من الضالين !!!! والمراد من ذلك هو تمييع فهم الإسلام، أو فقل إسلام عصري علماني على منهج بوش والعولمة.
قال مقدم أحد البرامج الدينية في قناة تلفزيونية محلية: إن القاعدة لدينا أنه إذا واجهنا اجتهادين مختلفين لمسألة واحدة، نختار الأسهل منهما !!! فتجاهل بذلك وألغى قوة الدليل وضعفه حين أخذ الأسهل، وممكن أن يكون ألأسهل قد أتى بدليل ضعيف أو بشبهة دليل، وأن الرأي الآخر الذي سيتركه قد أتى بدليل أقوى.
وفي جواب عن سؤال حول شراء سكنة في أوروبا بقرض ربوي من البنك، أجاب "الدكتور القرضاوي" في فضائية الجزيرة: كنت قد حرّمت ذلك سابقاً !!!! وبعد مشاهدتي لحال المسلمين في أوروبا، أقول بجواز ذلك!!!! ودليلهُ في ذلك أن أيجار الشقة السكنية الذي يدفعونها أكثر من القسط الذي يُدفع للبنك !!! ألم ينصب الشيخ نفسه مُشرعاَ يُعمل عقله في المسائل الشرعية غاضا النظر عن الدليل الشرعي، لا بل مُخالفاّ له مجترئا على دين الله ؟.
وسألت سائلة: هل النصارى كفار؟ فأجاب الدكتور القرضاوي على هذا السؤال في حلقة يوم الأحد 22 جمادى الأولى 1419 موافق: 13 / 09 / 1998 من برنامج (الشريعة والحياة) التي تبثه قناة الجزيرة، بما يمكن أن نجد له وجهاً من الحق وإن كان في كلامه ما يتعب المسلم الموحد. إلا أنه بعد ذلك تدخل مقدم البرنامج أحمد منصور بشبهة أفسدت على الشيخ كل شيء: [يعني هنا .. هم كفار بديننا وليسوا كفاراً بالله … هذه القضية ينبغي أن توضح لأن هناك فهماً لدى كثير من الناس .. بأنهم كفار بالله] وهنا استأنف الشيخ القرضاوي كلامه متأثراً بتوجيه أحمد منصور قائلاً: [ليسوا كفاراً بالله… ويؤمنون بالله، ويؤمنون باليوم الآخر، ويؤمنون بعبادة الله سبحانه وتعالى، ويؤمنون بالقيم الأخلاقية، ولذلك نحن دعونا إلى الحوار الإسلامي المسيحي لأن هناك أرضية مشتركة بيننا وبينهم. { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (…) وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [العنكبوت:46] [وقد أسقط من الآية قوله تعالى: { إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } ومكانه بين القوسين. ولعله مجرد سهو، ثم أردف قائلاً:] فنحن نؤمن بالله، ونؤمن بالفضائل، ونؤمن بالعبادات، ونؤمن بالآخرة. هذه قواسم مشتركة بيننا وبينهم. إنما ليسوا مسلمين يقيناً. هم يعتبروننا كفاراً، ونحن نعتبرهم كفاراً. هذا أمر طبيعي ... نحن كفار بدينهم، لا نؤمن بالمسيحية الموجودة. وهم كفار بديننا لا يؤمنون برسالة محمد وأن القرآن كلام الله. هذا أمر طبيعي يجب أن (...) ومع هذا ... الإسلام يدعو إلى التسامح مع هؤلاء الناس، وأباح مؤاكلتهم ومصاهرتهم والتزوج منهم ... رابطة اجتماعية نسباً وصهراً (...) المصاهرة إحدى الروابط الأساسية، هذا هو الذي ... ]
وذكرت مجلة "الوعي" -3- أن " الدكتورالقرضاوي" قدم بحثاَ إلى مؤتمر " مجمع الفقه الإسلامي" الذي عُقِدَ في الدوحة مؤخراَ، ونشرت صحيفة " الحياة " مقتطفات منه. وكان عنوان البحث " خطابنا الإسلامي في عصر العولمة " ولخص القرضاوي رأيه في كيفية " ترشيد الصحوة " الإسلامية في عشر نقاط، أبرزها " الانتقال من العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية، ومن التعسير والتنفير إلى التيسير والتبشير.ومن الجمود والتقليد إلى الاجتهاد والتجديد، ومن التعصب والانفلاق إلى التسامح والانطلاق، ومن العنف والنقمة، إلى الرفق والرحمة، ومن الاختلاف والتشاحن، إلى الائتلاف والتضامن.) وقالت " الحياة ": وفي خطوة ذات دلالات قال في إطار تشديده على أهمية الجدال بالتي هي أحسن في الخطاب الإسلامي، ودعا إلى عدم مخاطبة المخالفين لنا باسم الكفار، وإن كنا نعتقد بكفرهم، ولا سيما المخلفين من أهل الكتاب، ودعا إلى مخاطبة الآخرين وفقا لما جاء في القرآن الكريم: يا أيها الناس. وتضيف " ألحياة " ( وكان لافتا أن البحث تضمن دعوة القرضاوي إلى " مواطنون بدل أهل الذمة " وقال: ( إنّ هناك كلمات لم تعد مقبولةً لدى إخواننا من الأقليات غير المسلمة ...... لا أجد مانعا من استخدام كلمة المواطنة والمواطن فالفقهاء يتفقون على أن أهل الذمة من أهل دار الإسلام........ إن من التعبيرات المطلوبة في عصر العولمة التعبير بالأخوة عن العلاقات بين البشر ..... والمراد بها ألأخوة الوطنية أو القومية وليس الأخوة الدينية، وهي الأخوة الوحيدة بين البشر.) -4-.

1 - مفاهيم حزب التحرير ، صفحة 71 .
2 - المرجع السابق.
3 - مجلة " الوعي " – عدد 191 - ذو الحجة 1423 هـ
4 - المصدر السابق.

حاتم ناصر الشرباتي
14-01-2011, 05:41 PM
2


......وكأني بالشيخ العصري المبهور بالعولمة لم يقرأ القرآن الكريم في حياته، ألم يقرأ وصف القرآن لأهل الكتاب بالكفر؟ لذا فأذكره ببعض آيات من سورة " المائدة ": ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسـيح ابن مريم) ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) ( لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة ) ( لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ) وفي مخاطبتهم قال تعالى في سورة " الكافرون " مُعَلِمُناً وآمراً إيانا كيف نخاطبهم بالأمر الصريح: " قل " حين قال:( قل يا أيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون* ولا أنتم عابدون ما أعبد* ولا أنا عابد ما عبدتم* ولا أنتم عابدون ما أعبد* لكم دينكم ولي دين* ) وحدد مصيرهم المحتوم في قوله تعالى من سورة " البينة ": (إنّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شَرُّ البرية*)

فهل يا شيخنا الفاضل نقوم بحذف سـورة " الكافرون " ومئات الآيات التي تصف النصارى واليهود بالكفر، وذلك في طريقه لاستحداث قاموس فقهي عصري للمصطلحات الشرعية ولألفاظ القرآن الكريم، لكي يتفق القرآن والفقه مع حداثة وعولمة أهل الصليب الكفار شر البرية كما يصفهم القرآن، الذين لم يتورعوا في وصف الإسلام والمسلمين بأوصاف الشر والإرهاب....(1)، ووصف رسولنا وديننا بأحط الأوصاف، وأشهروا سيوفهم في وجه ما يصفونه أنه الإرهاب الإسلامي والإرهابيين المسلمين والأصولية الإسلامية، وأوسعوا المسلمين في أقصى العالم وأدناه قتلا وتشريدا، واستباحوا حُرُمات وأموال المسلمين وأعراضهم في فلسطين والعراق والبلقان والفلبين وأفغانستان والعراق وكشمير والهند وأوزباكستان وفي كل بقاع الدنيا.

وأنصح الشيخ الفاضل والنصيحة من الايمان أن يرجع لدراسة أبحاث وكتب : الشافعي وأبي حنيفة وتلميذاه أحمد وأبي يوسف، وابن تيمية ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وحسن البنا وعبد القادر عوده وسيد قطب ومحمد قطب وتقي الدين النبهاني وعبد القديم زلوم وابن كثير والفخر الرازي والطبري والقرطبي والجلالين وابني قدامة وابن قيم الجوزية وابن الجوزي والماوردي وابن حزم والخطيب البغدادي والنووي والآمدي والذهبي والسرخسي وأبو نعيم والعسقلاني والشهرستاني والفيروز أبادي وابن خلدون والصحاح الستة والمساند.... وغيرهم من أمهات كتب أعلام الإسلام التي تصفهم: ( أهل الذمَّة والكفار ) بما لا يتفق مع عصر العولمة، والتي لم تعد مقبولة مع إخوانه وليس إخواننا من الأقليات الكافرة، مع التنبيه إلى أن الإسلام يفرض علينا أن لا نتخذ غير المسلمين كإخوان لنا، فأخوتنا الوحيدة هي أخوة الإسلام، أما القومية والوطنية فهما رابطتان فاسدتان لا تصلحان للربط بين البشر والأخوة معهم، وقد نبهنا رسولنا لفسادها وعدم الأخذ بها في أحاديثه الداعية لذم وتحريم دعاوى العصبية القبلية النتنة في قوله: " دعوها فإنها جيفة منتنة "، و لا مجال لاستعراض الأحاديث المتعددة في ذلك هنا، وأنبه أن الكافر الصليبي المستعمر قد تمكن من القضاء على دولة الخلافة بإثارة دعاوى ونعرات القوميتين العربية والطورانية، فتخلى كل من العرب والأتراك عن أخوة الإسلام، أخوة بعضهم للآخر حين حُمِّلوا دعاوى ونعرات الجاهلية أي القومية فتحولوا من أخوة متحابين إلى أعداء متناحرين مما سهل للكافر الصليبي المستعمر القضاء على دولة الخلافة، ونحن كمسلمين نرفض ونحتقر الدعوة إلى القومية والوطنية ونحتقر الداعين لها، والرابط الوحيد بيننا هو اعتناق الإسلام فقط.

وقد سبقه لذلك السفيه الوقح المُرتد معمر القذافي رئيس دولة ليبيا الذي طالب بصفاقة بإلغاء السنة النبوية الشريفة، وحذف كلمة ( قل ) من القرآن الكريم لأنها مخاطبة للرسول والرسول قد مات، فخرج بذلك من ملة المسلمين واستحب الكفر على الإيمان غير مأسوف عليه.

وأذكر الشيخ العصري الداعي لتطويع أحكام وألفاظ الإسلام لتتوافق مع العولمة الكافرة، ولكي تناسب مزاج الكفار شرّ البرية، بقوله تعالى وفي سورة المائدة أيضا: ( لتجدن أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا أليهود والذين أشركوا ولتجدَنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورُهبانا وإنهم لا يستكبرون*) ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون* أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حُكما لقوم يوقنون* يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين*)

لقد أعلمنا الله تعالى أن أمثال هؤلاء اللاهثين وراء تطويع أحكام الإسلام لتلائم أذواق الكفار شر البرية، ولتتناسب مع الحداثة وعصر العولمة لن ينالوا رغم ذلك رضا الكفار، قال تعالى: ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم.) وهم أشد خطراً على الإسلام من الكفار أنفسهم، خاصة وقد اعتلوا المنابر، وسلطت عليهم الأضواء، وتلقفتهم الفضائيات، وبناء على خطرهم الشديد أرى أن يعامل مثل هؤلاء كأعداء لله ودينه، وأن تكشف أحوالهم للناس، وأن يكشف للناس بعد فتاواهم عن الإسلام، حتى لو أدى ذلك إلى كشفهم بالاسم، كيف لا وهم من أخطر العثرات والمعوقات والموانع، لا بل هم أشد خطراً على الدعوة من الكفار أنفسهم، ويجدر أن ننتبه إلى أنّ معظم هؤلاء هم ممن يعلمون بفساد فتاواهم، مثال ذلك الفتاوى المتعارضة لشيخ الأزهر في موضوع الربا، والفتاوى المتعارضة في نفس الموضوع للشيخ شلتوت، وغيرهم.

يقول الشيخ بن لادن: ( قال تعالى: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم. وأما علماء السوء ووزراء البلاط وأصحاب الأقلام المأجورة وأشباههم فكما قيل: لكل زمان دولة ورجال. فهؤلاء رجال الدولة الذين يُحَرفون الحق ويشهدون بالزور حتى في البلد الحرام في البيت الحرام في الشهر الحرام ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويزعمون أن الحكام الخائنين ولاة أمر لنا ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقولون ذلك من أجل تثبيت أركان الدولة، فهؤلاء قد ضلوا سواء السبيل فيجب هجرهم والتحذير منهم. وإنما تركز الدولة على علمائها وتظهرهم في برامج دينية للفتوى من أجل دقائق معدودة يحتاجهم فيها النظام كل مدة لإضفاء الشرعية عليه وعلى تصرفاته كما أباح الملك بلاد الحرمين للأمريكيين فأمر علمائه فأصدروا الفتوى الطامة التي خالفت الدين واستخفت بعقول المسلمين والمؤيد لفعله الخائن في تلك المصيبة العظيمة، والأمة اليوم إنما تعاني ما تعانيه من مصائب وخوف وتهديد من جراء ذلك القرار المدمر وتلك الفتاوى المداهنة.)(2)

(1) ورد في جريدة " القدس " بتاريخ 14.02.1424هـ الموافق 16.04.2003م. نقلا عن رويترز/ واشنطون: أبدى المسلمون العاملون في وزارة الدفاع الأمريكية غضبهم مما قالوا أنه دعوة تفتقر إلى الذوق وجهت إلى القس فرانكلين جراهام الذي وصف الإسلام بأنه " دين شـــــرير للغايه وخطير"عقي احداث 11 أيلول 2001، لالقاء عظه في يوم الجمعه الحزينة السابق على عيد القيامه في البنتاغون.
(2) - الشيخ أسامة بن لادن – خطبة عيد الأضحى 1423 هـ . نقلا عن: WWW.1924.org.

حاتم ناصر الشرباتي
19-06-2011, 04:35 PM
في التكتلات الفاسدة

ولجميع متا تقدم وجب أن نعود لدراسة واقع كل تلك التكتلات والجماعات والأفراد كل على حده، ومدى خطرها على الدعوة، ومدى عمالتها بصورة أو أخرى للكفر، ونوعية ارتباطها بأنظمة الحكم وأجهزة المخابرات، لكي نعمل على إزالة خطرها على الدعوة. ومن الممكن، بل من ألأفضل أن نقوم بواجب نصحهم وتنبيههم أولاً لخطورة ذلك وحُرْمُتِه، ومن ثم ـ إن لم يُغيروا خط سيرهم ويلتزموا بما يُمليه عليهم كونهم مُسْلِمين ـ تنبيه الأمة لخطر تلك التكتلات عليها، وأن نكشف للأمة واقع ارتباطاتها المشبوهة، وأنبه هنا أن العمالة للكفر وفكره لا يُشترط فيها التعاون المقصود من المتعاون معهم، بل قد يكون الشخص عميلا بغباء فاحش لجهله وسطحيته وعدم وعيه واستنارته، حتى أن بعضهم يحسب أنه يُحْسِنُ صُنعا.
وشاهد ذلك استغلال أمريكا لبعض المسلمين أفراداً وجماعات من الذين باشروا جهاد الكفار الروس المحتلين الغزاة في أفغانستان فمدتهم بالمال والسلاح والدّعم مما أدى إلى عمالتهم لها وهم يحسبون أنهم يُحسنون العمل، فما أدى لعمالتهم الغير مقصودة من معظمهم هو غبائهم وعدم وعيهم السياسي والفقهي حتى وإن أطالوا لِحاهم وتزيوا بلبس الدشداشة والعمامة، في حين أن بعضهم امتهن العمالة والخيانة بقصد وتصميم وبسابق علم لتحقيق مكاسب دنيوية آنية. وبعد الخلاص من الكافر المستعمر الروسي انقلب هؤلاء وأولئك إلى بُغاة يضرب بعضهم برقاب الآخر في معارك عِرقية قبلية عصبية باغية، ومن ثم استغلال أمريكا لهم في غزوها الصليبي على أفغانستان، وقتالهم إخوانهم المسلمين (طالبان) ليسلموا أمريكا بلادهم لقمة سائغة يستعمرونها ويقتلون أهلها، وينتهكون حُرُماتها جراء خياناتهم لله ورسوله وجماعة المسلمين.
ونفر آخر انتهج سبيل التوفيق بين الإسلام والأفكار والعقائد الكافرة، فنادى بعضهم بتعانق الهلال والصليب، واشترك البعض الآخر في مؤتمرات التوفيق بين الإسلام والأديان الأخرى بمباركة وإشراف بابا الفاتيكان وقساوسة النصارى وأجهزة المخابرات الكافرة.
وتبرع آخرون لمحاولة إثبات ديموقراطية الإسلام واشتراكية الإسلام، وتمييع فهم واقعة الطير ألأبابيل والحجارة من سجيل في سورة الفيل ففسروها بالجراثيم والميكروبات المعروفة في عصرنا، ونفي أن الإسراء قد كان بجسم وجسد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل حرفوه أن ذلك تم بالروح فقط ( أي بأحلام ) ،تطويعاً منهم لآيات الله القطعية الثبوت والدلالة، لصرفها عن حقيقتها كمعجزة من معجزات الرٌّسُل إلى ما يتلاءم مع ذوق الكفار شر البريه. هؤلاء اللذين ردّ عليهم أمير الشعراء قائلا:


يتسـاءلون وأنت أعظم هيكلٍ بالروح أم بالهيكل الإسراء
بهما سـموت مطهراً وكلاهما نورٌ وروحـــانية وبهاء
فضل عليك لذي الجلالة ومنة والله يفعل ما يرى ويشـاء

وآخرون طفقوا بتطويع أفكار الإسلام وأحكامه ليقاربوها لأفكار الكفر فحاولوا تحريف أحكامه لتتفق مع أفكار الغرب الكافر، فنادوا بحرية المرأة، وطالبوا بتغيير الحكم الشرعي في معظم أحكام النظام الاجتماعي في الإسلام من مثل أحكام الطلاق وأحكام تعدد الزوجات وأحكام سفر المرأة بصحبة محرم وأحكام الاختلاط والسفور والنشوز وأحكام الحياة الخاصّة والحياة العامّة، التي أعملوا فيها مشارطهم في عمليات جراحية تشويهية لتتوافق مع مقتضيات عمالتهم الفكرية للكافر الصليبي، وتغنوا بالحريات الرأسمالية وخاصة الحرية الشخصية المؤدية لانحلال المجتمع وفساده، وقسم امتهن فبركة الفتاوى الفاسدة فأحلّ ما حرّم الله وحَرّم ما أحل، فكل هولاء هم عملاء للكافر وفكره، قصدوا ذلك أم لم يقصدوا.
وقسم لم يرَ ضيراَ في الاتصال بأعداء الله وأخذ المعونة منهم متجاهلاً منع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، بقوله: ( لا تستضيئوا بنار المشركين)، والاتصال بالحكام العملاء والتعاون معهم في محاولة منهم لتصحيح أوضاع جزئية !!! وحامل الدعوة العامل لتغيير الأوضاع، يُشترط فيه الوعي والكياسة والفطنة والاستنارة، ولا يكفي الإخلاص والورع بدون الوعي والاستنارة، وان عدم توفر الوعي والاستنارة والتقيد التام الغير منقوص بالحُكم الشرعي والطريقة التي انتهجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تغيير الأوضاع، سيؤدي حتماً إلى خطأ العمل وفشله الذريع. ومثال ذلك ما أشار إليه فضيلة الشيخ حسن البنا أنه تلقى تبرعاً بقيمة 300 جنيه من السفير الإنجليزي حين بناءه مكتب الإخوان في الإسماعيلية ! نسأل الله تعالى لأخانا الشيخ حسن البنا الرّحمة والمغفرة، وأن يجمعنا به في جنان النعيم مع الأنبياء والشهداء والصالحين.
وفي سياق البحث في التكتلات القائمة في بلاد الإسلام ممن انتهج نهجاً مخالفاً للطريقة التوقيفية، ننوه لحركات استغلها أعداء الله من الحكام العملاء واستغلها الكفار المستعمرين مباشرة، وذلك بهدف تنفيذ مآرب معينة مستغلين في تنفيذها تلك التكتلات وزعمائها، من تلك الحركات، وكان أشهر وأخطر تلك الحركات كان " الحركة الوهابية " التي استعان بها السعوديون عملاء الإنجليز في محاربة الإسلام، وشق عصى الطاعة على دولة الخلافة.
وقبل تأسيس مملكتهم، وعندما حاولت انجلترا عن طريق عميلها " عبد العزيز بن محمد بن سعود" ضرب الدولة الإسلامية من الداخل، كان للوهابيين كيان داخل الدولة الإسلامية بزعامة محمد بن سعود، ثم بزعامة ولده عبد العزيز، فأمدتهم بالمال والسلاح، واندفعوا على أساس مذهبي للاستيلاء على البلاد الخاضعة لسلطان دولة الخلافة، أي رفعوا السيف في وجه خليفة المسلمين والعياذ بالله تعالى، وقاتلوا الجيش الإسلامي جيش أمير المؤمنين بتحريض وتوجيه وعون من أعداء الله الإنجليز. فكانت الحركة الوهابية من أخطر الحركات التي وجدت في بلاد الإسلام، والتي كان لها اليد الطولى في جريمة القضاء على الخلافة، بعمالتهم الفاحشة لأعداء الله الكافرين.
وفي ذلك يقول سماحة الشيخ " عبد القديم زلوم " في كتابه " كيف هُدِمَت الخِلافة ": ( ....... وكان معرفاً أنَّ هذه الحملة الوهابية عمل إنجليزي. لأن آل سعود عملاء للإنجليز، وقد استغلوا المذهب الوهابي ـ وهو من المذاهب الإسلامية، وصاحبه " محمد بن عبد الوهاب " مجتهد من المجتهدين ـ، استغلوا هذا المذهب في أعمال سياسية لضرب الدولة الإسلامية، واصطدام مع المذاهب الأخرى، لإثارة حروب مذهبية داخل الدولة العثمانية، دون أن يدرك ذلك أتباع المذهب. ولكن عن إدراك ووعي من الأمير السعودي ومن السعوديين. لأن العلاقة لم تكن بين الإنجليز وصاحب المذهب محمد بن عبد الوهاب، وإنما كانت بين الإنجليز وعبد العزيز بن محمد بن سعود ثم بينهم وبين ابنه سعود. وذلك أن محمد بن عبد الوهاب الذي كان حنبلي المذهب قد اجتهد في بعض المسائل، ورأى أن ما عليه المسلمون من أصحاب المذاهب الأخرى يخالف رأيه في هذه المسائل. فأخذ يدعو لآرائه ويعمل لها، ويهاجم الآراء الإسلامية الأخرى بعنف، فجوبه بالمعارضة والصد من العلماء والأمراء ووجوه الناس، باعتبار أن آرائه تخالف ما فهموه من الكتاب والسنة. فمثلا يقول أن زيارة قبر الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرام وهي معصية من المعاصي. حتى أن من يذهب لزيارة قبر الرسول لا يجوز له أن يقصر الصلاة في سفره لأنه مسافر في معصية....)
وبما أن معظم آراء واجتهادات محمد بن عبد الوهاب قد رآها غيره من أصحاب المذاهب الأخرى أنها آراء خاطئة تخالف ما يفهمونه من الكتاب والسنة، فقد اشتد الخلاف بينه وبينهم حتى نفي من البلاد. ثم يتابع سماحة الشيخ أبو يوسف " عبد القديم زلوم ": ( ..... وفي سنة 1740 التجأ إلى محمد بن سعود شيخ قبيلة عنزة، وكان خصماً لشيخ عيينة يقيم في بلدة الدرعية، وكانت تبعد ست ساعات فحسب عن عيينة. وهناك لقي محمد بن عبد الوهاب حفاوة وترحيباً وصار يبث آراءه وأفكاره بين الناس في الدرعية وما جاورها. وما أن مضت مدة حتى اكتسبت أفكاره وآراءه هذه أنصاراً ومؤيدين، فمال إليها الأمير محمد بن سعود وأخذ يتقرب من الشيخ. وفي سنة 1747 أعلن الأمير محمد قبوله لآراء محمد بن عبد الوهاب وأفكاره، وأعلن مناصرته له ولهذه الآراء والأفكار. وبهذا التحالف بدأت الحركة الوهابية وظهرت للوجود بشكل دعوة وبشكل حكم. فقد كان محمد بن عبد الوهاب يدعو لها ويعلم الناس أحكامها، وكان محمد بن سعود ينفذ أحكامها على الناس الذين تحت أمرته وسلطانه. وأخذت تمتد فيما جاور الدرعية من البلدان والقبائل في الدعوة والحكم، وأخذت إمارة محمد بن سعود تتسع حتى وفق في مدى عشر سنوات إلى أن يخضع لسلطته وللمذهب الجديد رقعة من ألأرض مساحتها نحو ثلاثين ميلاً مربعاً، ولكنه كان اتساعاً عن طريق الدعوة وسلطان شيخ عنزة، ولم يعترضه أحد ولم يخاصمه أحد، حتى أن أمير الإحساء الذي أخرج محمد بن عبد الوهاب من عيينة لم يعارض خصمه في هذا التوسع، ولم يحشد قواته لمحاربته إلا في سنة 1757، ولكنه هزم فاستولى محمد بن سعود على إمارته وصارت سلطة عنزة أي سلطة محمد بن سعود وسلطة المذهب الجديد تحكم الدرعية وما جاورها وتحكم الإحساء............. وصاروا مدعاة قلق وإزعاج لجيرانهم في جزيرة العرب والعراق والشام، وللدولة العثمانية بوصفها دولة الخلافة، وصاروا يحملون السيف لمقاتلة المسلمين لترك ما يعتنقون من آراء غير المذهب الوهابي، ولاعتناق المذهب الوهابي، ويقاتلون الخليفة ويفتتحون البلدان الإسلامية. ثم في سنة 1792 توفي محمد بن عبد الوهاب فخلفه ابنه في منصبه في الدولة بالنسبة للمذهب الوهابي كما خلف سعود أباه عبد العزيز. وهكذا سار الأمراء السعوديون متخذين المذهب الوهابي أداة سياسية لضرب الدولة العثمانية دولة الخلافة، وإثارة حروب مذهبية بين المسلمين.)

>>>>>>>>>>>>>>>>25

حاتم ناصر الشرباتي
08-03-2012, 04:56 PM
مختارات
أثر الروح عند المسلمين
وأثر فقدانها في الحضارات الأخرى

الحمد لله الذي أنزل إلينا هذه الحضارة صافية نقية من فوق سبع سماوات فتعرضت لجميع مناحي الحياة فعالجتها، وإلى الإنسان وحاجاته فأشبعتها. الحمد لله الذي عرفنا إلى نفسه من خلال عقيدة عقلية. حكم العقل بصحتها، فبعد أن تتالت النصوص النقلية لتحديد علاقة الخــالق بالمخــلوق، وذلك أن الإنسان وما حوله في هذا الوجود مخلوق لخالق واجب الوجود، واستطاع العقل أن يقف على هذه الحقيقة ويقرها، فكانت الناحية الروحية عند المسلمين جلية واضحة في أبهى صورها، وهي حقيقة راسخة لا ريب فيها، وهي أن الكون وما عليه من إنسان وحياة مخلوق لخالق. فكانت هذه الصلة بين الإنسان وخالقه هي الناحية الروحية عند المسلمين، وكانت هي الأساس الراسخ لإدراك الصلة بالله أنها صلة عبد بمعبود، فكان إيماناً نابعاً عن إدراك، لا إيماناً شعورياً في مهب الريح.
فإدراك هذه الصلة، أي إدراك كون الأشياء مخلوقة لخالق هو الروح. وأن هذه الروح ليست من الإنسان و لا جزءاً من تركيبه، وإنما من الإدراك نفسه، ومن خلال هذا الإدراك يتقيد المؤمن بكل ما جاء به الوحي من عند الله من أفكار وأحكام طائعاً لله عز وجل وحده لأنه أدرك أنه عبد له وحده. فوجود هذه الروح عند المؤمن يشكل الضابط الأساسي في تقيده بالأحكام الشرعية بشكل ثابت و مستمر، فتجعل سلوكه الدؤوب في إشباع جوعاته سلوكاً منضبطاً بالوازع الداخلي، ومنطلقاً من إيمانه بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [1 ] وذلك رغبةً في نيل رضوان الله ودخول جنته وهروباً من عذابه.
فما أعظم هذه الروح عند المؤمنين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن التابعين وغيرهم ممن تربوا في ظل خلافة تنمي عندهم هذه الروح وتحرسها من الضعف والضياع! فقد كان لها الأثر الكبير في بناء شخصيات عظيمة متميزة وبناء مجتمعات راقية يشار لها بالبنان.
وقد أثبت التاريخ الإسلامي على مر العصور أثر هذه الروح في بناء الشخصية الإسلامية المتميزة ذات اللون الواحد والطابع المحدد، وذلك من خلال التزامهم بأوامر الله التزاماً ثابتاً مبنياً على إدراك الصلة بالله عزّ وجل طمعاً بنيل رضوانه سبحانه لا لتحقيق مصلحة دنيوية أو منفعة زائلة، وإنما طاعة لله دون الالتفات إن كان في ذلك ضرر أو نفع، فكان الخير ما أرضى الله والشر ما أسخطه.
فقد التزم المسلمون بأوامر الله جميعها ولو خالفت أهواءهم، وأقلعوا عن عادات أحبوها وأسرت قلوبهم طوال جاهليتهم؛ فلم يكن ذلك إلا بفضل هذه الروح، فلم يكن الامتناع عن شرب الخمرة مثلاً إلا طاعة لله واستجابة لأوامره، فلم يكن ذلك لمذاق سيئ أو لغلاء سعر أو غيره، وكانت هذه الطاعة مبنية على إدراك الصلة بالله عز وجل، فما أن حرم شربها حتى جرت الخمرة في شوارع المدينة، هكذا كان التزام المسلمين بأوامر الله، وخاصة في زمن الصحابة الكرام وزمن من جاء بعدهم من التابعين، وهكذا يجب أن يكون (إن شاء الله تعالى) التزام الأمة في ظل الخلافة الراشدة القادمة، فتجعل أبناءها متصلين متواصلين مع ربهم، وتكون هذه الروح سبباً أساسياً في بناء شخصياتهم، وقوية حاضرة في كل لحظة من حياتهم، فيتمثل فيهم قوله عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)2 ].
إن غياب هذه الروح و ضعف الإدراك للصلة بالله عز وجل ولو لفترات بسيطة، تضعف المسلم في تقيده بأوامر الله وتجعله عرضة لحبائل الشيطان وعرضة للزلل؛ لأن هذه الروح ليست جزءاً من تركيب الإنسان أو المسلم وإنما هي طارئة عليه آتية من الإدراك ذاته، ولكن المؤمن الحق سرعان ما يفيء إلى أمر ربه فيجدد هذا الإدراك ويستحضر هذه الروح من جديد، فيرجع إلى إيمانه وتقواه، فها هي الغامدية في لحظة غياب هذه الروح وضعف هذا الإدراك فعلت ما فعلت من معصية، و لكنها عند تفعيل هذا الإدراك، أي تجديد هذه الروح أصرت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطهرها بإقامة حد الرجم عليها، خوفاً من عذاب الله، وقد أصرت على ذلك طيلة ثلاث سنوات، ولم يستطع الشيطان أن يردها عن ذلك، فما أعظم هذه الروح! وما أعظم هذه التقوى! عندما تكون مبنية على إدراك الصلة بالله (عز وجل)، أي مسيرة بهذه الروح!
ولا يغيب عن أذهاننا أثر هذه الروح على ترابط وتراحم المجتمع المسلم، و ذلك من خلال تقيد أبناء هذا المجتمع بالتراحم و التكافل والإيثار وغيره تقيداً دائمياً غير منقطع، ذا وتيرة واحدة طاعة لله وطمعاً بالأجر والثواب من عنده، وذلك أثراً لوجود هذه الروح، فيتسابقون على كفالة اليتيم طمعاً بالأجر والثواب من الله عز وجل لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» ( 3) وأشار بالسبابة والوسطى، كما ويؤثرون إخوانهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وذلك كما آثر الجرحى في جيش المسلمين كلٌ أخاه على نفسه في شرب الماء، رغم عطشهم حتى استشهدوا جميعاً دون أن يشرب أحد منهم . فكان ذلك أيضاً بفضل وجود هذه الروح العظيمة عندهم، كما أن حرص المسلمين على أن لا يبات جار أو قريب جوعان لأثر لهذه الروح تقيداً منهم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى» (4 )، وإن وجود هذه الروح يجعل المسلمين في جد واجتهاد وطاعة وانضباط وإخلاص، في كل مجال من مجالات حياتهم ومن ضمنها طاعة الحاكم الذي يحكم بالإسلام حيث طاعته من طاعة الله، فيثمر ذلك في تقدم وازدهار وتطور الدولة والمجتمع؛ ليكون مجتمعاً ربانياً متميزاً يتمثل فيه وصف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (5 )؟ فكيف ينطبق هذا الوصف على واقعه إن لم تكن هذه الروح موجودة وحاضرة عند أبناء المجتمع المسلم حيث يتقيدون بأحكام الله سراً وعلانية، رغبة في ما عند الله ورجاء رضوانه؟ فكان عزوف المسلمين عن الغيبة والنميمة هو عزوف متصل بهذه الروح، استجابة لأمر الله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) [6 ]، وكان انصراف المسلمون عن النميمة لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ»، وكان الالتزام بصلة الرحم لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يدخل الجنة قاطع رحم»، وانتهوا أيضاً عن قذف المحصنات الغافلات خوفاً من الله تعالى لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [7 ]، فكل ذلك وغيره كان بفعل هذه الروح التي تجعلهم متصلين مع الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة في حياتهم، ولهذا كانت العلاقات التي تربط أفراد المجتمع المسلم علاقات متينة مبنية على أساس واحد وهو خشية الله عز وجل، فكان مجتمعاً راقياً مصطلحاً مع نفسه، صادقاً مع ربه، يحكمه الوازع الداخلي، ويقوم على تقوى الله عز وجل النابعة بشكل مستمر من وجود هذه الروح أي هذا الإدراك القوي المتين.
____________________
1 - النساء 1
2- الأنعام 162
3 - رواه أحمد وأبو داود
4- رواه أحمد
5 - رواه مسلم
6- الحجرات 12
7 - النور 23

يتبع