المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مواصفات الجماعة المبرئة للذمة



طالب عوض الله
04-01-2011, 08:04 AM
مواصفات الجماعة المبرئة للذمة
بسم الله الرحمن الرحيم
من خلال استقراء الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة نجد أن الشارع قد حدد الصفات أو المواصفات التي يجب أن تتصف بها الجماعة التي أخذت على عاتقها العمل للنهوض بالأمة الإسلامية، والخروج بها من هذا الواقع المذل المهين الذي ما برحت تعيش فيه منذ نيف وثمانين عاماً؛ لتعود خير أمة أخرجت للناس، ولتبرئ هذه الجماعة ذمتها أمام الله سبحانه وتعالى. وأهم هذه المواصفات هي:
أولاً: أن تكون هذه الجماعة إسلامية:
أما كون هذه الجماعة يجب أن تكون إسلامية فذلك واضح تماماً في قوله سبحانه وتعالى:  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  [1 ] والخير هو الإسلام قولاً واحداً، روى البخاري عن حذيفة بن اليمان قال: «كان الناس يسألون رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله وسلم) ‏‏عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟...»( 2) الحديث. فالخير الذي جاء به الله سبحانه وتعالى على يدي رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الإسلام. فمعنى يدعون إلى الخير إذن أي يدعون إلى الإسلام. هذا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً أعمال إسلامية من يقوم بها يجب أن يكون مسلماً، ولا يمكن أن يكون غير ذلك. وهكذا تخرج من الحسبان من كونها مبرئة للذمة كل الحركات والجماعات التي كان الأساس في نشأتها الشيوعية، أو العلمانية الرأسمالية الديمقراطية، أو القومية، أو البعثية، أو الوطنية، أو الإثنية، أو المصلحية، وما شابه ذلك من الجماعات التي لم ينـزل الله بها سلطاناً.
ثانياً: أن تكون مبدئية:
أما كونها مبدئية فلا يكفي في الجماعة المبرئة للذمة أن تكون إسلامية فقط تدعو إلى بعض الإسلام، أي إلى بعض فروض الإسلام دون سائر الفروض، كإقامة جماعة تدعو إلى الصلاة، وأخرى تدعو إلى الصيام، وثالثة تدعو إلى الأخلاق... فهذه الأمور وهذه الدعوات وإن كانت من الإسلام إلا أنها لا تبرئ ذمة الجماعة التي تعمل للنهوض بالأمة أمام الله سبحانه وتعالى، بل يجب أن يكون الإسلام هو القاعدة الفكرية التي تنبثق منها جميع الأحكام التي تتبناها هذه الجماعة، وتضبط سلوكها وأعمالها وغاياتها وأهدافها على أساسها، وأن يكون الإسلام هو القاعدة الفكرية التي تبني عليها هذه الجماعة جميع أفكارها. والقاعدة الشرعية «الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي» توجب أن يكون كل فعل وكل تصرف أي كل سلوك، وتوجب أن يكون كل هدف وكل غاية، مستنداً إلى الحكم الشرعي ومشفعاً بالدليل الشرعي، وإلا كانت هذه الجماعة ومع كونها إسلامية إلا أنها ليست مبدئية. قال تعالى: ( وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [( 3)و مَا هنا من صيغ العموم، أي كل ما أتاكم به الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) وجب عليكم أن تأخذوه أيها المسلمون، وتعملوا على أساسه وتتقيدوا به، وكل ما نهاكم عنه يجب عليكم أن تنتهوا عنه، وما جاء به الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) هو القرآن والسنة، فلا اعتبار هنا إذن للمصلحة العقلية أي للهوى، ولا اعتبار للظروف والواقع، أو لموازين القوى والمواقف الدولية، ولا مجال أيضا للانتقاء والتخيّر بين فروض الله سبحانه وتعالى، قال تعالى:  أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  [4 ] وقال: ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [ 5] فهذا وذاك أي جعل المصلحة حسب ما يحددها العقل هي الحكم، أو التعذر بالواقع والخضوع لموازين القوى الدولية وغيرها، فهذا وذاك كما أسلفت أيضاً يجعل الجماعة غير مبدئية، وإن كان ما تقوم به من الإسلام أي كونها جماعة إسلامية. وهكذا تخرج من الحسبان أيضاً من كونها مبرئة للذمة كل الحركات أو الجماعات التي لم تجعل من الإسلام، والإسلام فقط، مصدراً لتفكيرها ولم تجعل من الإسلام القاعدة الفكرية الوحيدة التي تنبثق منها جميع أحكامها، وتبنى عليها جميع أفكارها، ولو كانت هذه الجماعات إسلامية لكنها ليست مبدئية، وبالتالي فهي ليست مبرئة للذمة.
ثالثاً: أن تكون سياسية:
وأما كون الجماعة المبرئة للذمة يجب أن تكون سياسية فأدلة ذلك من القرآن والسنة أما القرآن فقوله تعالى:  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  [ 6]. أما كون الأمر في الآية بإيجاد جماعة هو أمر بإقامة أحزاب سياسية فذلك آتٍ من كون الآية عينت عمل هذه الجماعة، وهو الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعمل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر جاء عاماً فيشمل أمر الحكام بالمعروف، ونهيهم عن المنكر ،وهذا يعني وجوب محاسبتهم. ومحاسبة الحكام عمل سياسي، تقوم به الأحزاب السياسية،وهو من أهم أعمال الأحزاب السياسية؛ لذلك كانت الآية دالة على إقامة أحزاب سياسية لتدعو إلى الإسلام، ولتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحاسب الحكام على ما يقومون به من أعمال وتصرفات.
.

طالب عوض الله
04-01-2011, 08:08 AM
أما السنة فقد جاء في صحيح البخاري ‏عن خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)( 7) وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا. قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». كما جاء في تفسير ابن كثير عن ابن عباس «أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا النبي ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم» وفي الحادثتين كأن بعض الصحابة رضوان الله عليهم إستأخروا النصر، أو استبطأوا طريقة الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) في الصراع الفكري والكفاح السياسي في الوصول إلى النصر والتمكين، فأرادوا أن يتحول عليه الصلاة والسلام إلى العمل المادي، وفي كلتا الحادثتين وفي غيرهما أصر ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) على السير في نفس الطريقة، بل وغضب ممن أراد أن يثنيه عنها. وإصرار الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) على القيام بأي أمر رغم تحمله الأذى في سبيله دليل شرعي على أن هذا الأمر فرض في حقه ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا دليل على أن الجماعة العاملة لإنهاض الأمة يجب أن تكون جماعة سياسية، وبهذا تخرج من الحسبان أيضا كل جماعة تسعى لتحكيم شرع الله سبحانه وتعالى بغير هذه الطريقة التي سار عليها ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تعتبر مبرئة للذمة مع الاعتبار وعدم غض الطرف عن أنها إسلامية.
رابعاً: أن تكون عالمية:
وأما كون هذه الجماعة يجب أن تكون عالمية فلا نعني بقولنا هذا إنه يجب أن يكون لهذه الجماعة فروع أو مراكز أو أتباع أو أنصار أو ما شابه ذلك متواجدون أو متمركزون في جميع أنحاء العالم أبداً، لا نعني ذلك، بل نعني أنه يجب أن تكون هذه الجماعة مستهدفة العالم كل العالم، أي تسعى لتحرير الإنسان كل الإنسان من عبودية الإنسان إلى عبودية الله رب الإنسان، وتحرير الأرض كل الأرض من حكم الطاغوت للحكم بما أنزل الله عز وجل، حتى لو كانت هذه الجماعة مازالت تعمل في بقعة صغيرة من الأرض. قال تعالى:  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  [ 8] وقال تعالى:  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ  [9] وقال:  وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ  [ 10] وقال:  قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا  [ 11] فهذه الآيات، وغيرها الكثير، دالة على أن الإسلام لم يأت لفئة معينة أو قطر معين دون غيره، بل جاء لكل الناس. والدعوة إليه والعمل على إيجاده يجب أن يكون لكل الناس وفي كل مكان. أما أدلة وجوب أن تكون الجماعة عالمية من السنة المطهرة منها ما أوردناه آنفا في حديث الخباب بن الأرت (رضي الله عنه) الذي رواه البخاري في صحيحه «... والله ليُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه...»( 12) فالرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) يعذب ويستهزأ به وبدعوته، وأصحابه يعذبون ويقتلون، ورسالته ودعوته لم تخرج من مكة سوى بعض الأفراد الذين آمنوا به وعادوا إلى بلادهم، ورسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر بعيداً خارج مكة يستهدف العالم، وقوله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمه أبي طالب عندما شكته إليه قريش حيث قال: ‏أريدهم على كلمة واحدة‏ ‏تدين‏ ‏لهم بها‏‏ العرب، ‏وتؤدي ‏‏العجم‏ ‏إليهم ‏الجزية والحديث في مسند الإمام أحمد وفي كتب السير: أرأيتم إن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها، ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم. ووعده ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) سراقة بسواري كسرى أثناء هجرته وهو طريد ملاحق من قبل قريش، وجاء أيضاً في مسند الإمام أحمد ‏حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن أبي الأشعث عن إسماعيل ابن إياس بن عفيف الكندي عن أبيه عن جده قال: «كنت امرأً تاجراً، فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرأً تاجراً، فوالله إنني لعنده بمنًى إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس فلما رآها مالت يعني قام يصلي، قال ثم خرجت امرأةٌ من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه يصلي، قال فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، قال فقلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة بنت خويلد. قال قلت: من هذا الفتى؟ قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه. قال فقلت: فما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي، وهو يزعم أنه نبي ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى، وهو يزعم أنه سيفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. قال: فكان عفيف وهو ابن عم الأشعث بن قيس يقول وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثالثاً مع علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)»(13 ). فهذه الأحاديث كلها تدل دلالةً واضحةً على أن الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستهدف العالم كل العالم من اللحظة الأولى، ولم تكن دعوته قاصرة على مكة وعلى أهل مكة، بل نظرته كانت عالمية واستهدافه كان للعالم ولم يكن لمكة فقط. وفي الحديث الأخير، ورغم أنه لم يكن قد آمن معه إلا ثلاثة نفر، إلا أنه كان يصرح بل يعلن أنه سيفتح كنوز كسرى وقيصر، فهو استهداف للعالم من أول لحظة للدعوة. وهكذا تخرج من الحسبان كل جماعة وكل حركة تقف في دعوتها وفي عملها عند حدود قطر معين أو دولة بذاتها، حتى لو كانت تسعى لإقامة دولة إسلامية في هذا القطر وتغلق على نفسها حدود سايكس بيكو السياسية التي وضعها الكفار عندما هدموا دولة الخلافة العثمانية.

طالب عوض الله
04-01-2011, 08:09 AM
خامساً: أن تعمل لاستئناف الحياة الإسلامية:
وهذا الهدف وهو استئناف الحياة الإسلامية، سواء أعلن صراحة أو عبر عنه بتعابير وأسماء تحمل نفس المعنى، مثل إعلاء كلمة الله، أو العودة إلى الله، أو إعادة مجد المسلمين وعزتهم، أو إحياء الخلافة، أو النهوض بالمسلمين... أو غير ذلك من التعابير، فكلها تدور حول معنى واحد، وهو الهدف الذي يجب أن يسعى إليه جميع المسلمين، وجميع الحركات الإسلامية. وقولنا استئناف الحياة الإسلامية ليس معناه إيجاد حياة إسلامية ابتداءً، وإنما هو استئناف لما كان موجوداً، أي استئناف لما بدأه رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث إنه قد أُبعد منذ فترة من الزمن، والعملية الآن هي استئناف لما كان، أي لما بدأه الرسول ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) وهدمه أتاتورك، عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ومن البديهي أن هذا الأمر لا يتحقق إلا بوجود سلطان للمسلمين، أي أن يكون للمسلمين خليفة ينوب عنهم في تنفيذ أحكام الشرع المترتبة عليهم مثل إقامة الحدود، ورعاية الشؤون، وحماية الثغور، وحمل الدعوة للعالم؛ لأن ذلك هو الطريقة الوحيدة لتحقيق هذه الأمور والقيام بهذا الواجب. قال تعالى:  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا  [ 14] وقال عز من قائل:  فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  [ 15] وقال:  أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  [ 16] وقال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «حدّ يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً» [ 17]. وقال ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» [ 18]. وقال: «إنما الإمام جنّة يقاتل من ورائه ويتقى به» [19 ]. وقد انعقد إجماع الصحابة، رضوان الله عليهم، على لزوم إقامة خليفة لرسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر ثم لعمر ثم لعثمان ثم لعلي، رضي الله عنهم جميعاً. والقاعدة الشرعية: « ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» تحتم وجود الخليفة؛ لأن إقامة الدين وتنفيذ أحكام الشرع ولمّ شعث المسلمين حول راية الإمام لا تتم دون وجود الخليفة. فهذه الأدلة وكثير غيرها من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة تدل دلالة واضحة على وجوب استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الإسلامية؛ ولذلك يجب شرعاً على الجماعة التي تريد أن تعمل لإنهاض الأمة أن تعمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية، وهي الطريقة الوحيدة لاستئناف الحياة الإسلامية، وعليه فبراءة الذمة لأي جماعة أمام الله سبحانه وتعالى تقتضي منها أن تعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية.
سادساً: أن تكون طريقتها لذلك شرعية وليست عقلية:
قال تعالى مخاطباً رسوله محمداً ‏(صلى الله عليه وآله وسلم):  قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ  [ 20]. وقال تعالى مخاطباً المؤمنين:  وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  [21 ] كما قال أيضاً:  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  [ 22] وقال:  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  [23 ] ولقد خط رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) خطاً مستقيماً على الرمل وجعل على جانبيه خطوطاً متعددة، وقال هذا صراطي مستقيماً، وهذه السبل على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو له، وتلا قوله تعالى:  وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  [ 24]. وقال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [ 25]. وقال: «ألم آت بها بيضاء نقية...» [ 26]. وقال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: أمرا بيّنا، كتاب الله وسنة نبيه» [سيرة ابن هشام]. فهذه النصوص توجب بوضوح الاقتداء والتقيد بطريقة رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم) بحمله للدعوة لا نحيد عنها قيد شعرة، ولا نبتعد عنها تحقيقاً لمصلحة، ولا تهرباً من شدة أو بطش، ولا نتركها بحجة اختلاف العصر وتطور الحياة، فهي الطريق القويم، والمحجة البيضاء؛ ولهذا فإن سيرة الرسول وكيفية حمله للدعوة هي الواجبة الاتباع، وهي المقياس لمعرفة الطريق القويم.
سابعاً: أن يكون لها أمير واجب الطاعة:
إن وجود أمير واجب الطاعة له من قبل جميع أفراد الجماعة هو أمر حتمي لا بد منه للجماعة؛ لأن الذي يُبقيها جماعة وهي تعمل هو وجود أمير لها تجب طاعته؛ لأن الشرع أمر كل جماعة بلغت ثلاثة فصاعداً بإقامة أمير لهم، قال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «ولا يَحلّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم» [ 27]. يقول ابن تيمية: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم، فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم، كان ذلك تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك...»(28 ).
علاوة على ذلك يجب أن تكون هذه الأحزاب علنية غير سرية؛ لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، والعمل للوصول إلى الحكم عن طريق الأمة، تكون علنية وصريحة، ولا تكون في السرِّ والخفاء، حتى تؤدي الغرض المطلوب منها.
هذه هي معظم بل وأهم المواصفات التي يجب أن تتصف بها كل جماعة جعلت النهوض بالأمة الإسلامية قصدها الذي تسعى للوصول إليه وتبغي تحقيقه، لتبرئ ذمتها أمام الله سبحانه وتعالى.
وختاماً نذكر أنفسنا والمسلمين أجمعين بقوله تعالى:  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  [ 29].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

طالب عوض الله
04-01-2011, 08:19 AM
المراجع :

1 - آل عمران 104
2 - صحيح البخاري
3 - الحشر 7
4 - البقرة 85
5 - المائدة 3
6 - آل عمران 104
7 - صحيح البخاري
8 - الأنبياء 107
9 - سبأ 28
10 - الأنعام 19
11 - الأعراف 158
12 - صحيح البخاري
13 - مسند الامام أحمد بن حنبل
14 - النساء 60-61
15 - النساء 65
16 - المائدة 50
17 - رواه النسائي وابن ماجه
18 - رواه مسلم
19 - رواه مسلم
20 - يوسف 108
21 - الحشر 7
22 - الأحزاب 21
23 - النور 63
24 - الأنعام 153
25 - رواه البخاري ومسلم
26 - رواه أحمد والبزار وابن أبي شيبة
27 - رواه أحمد من طريق عبد الله بن عمرو
28 - فتاوى ابن تيمية
29 - النور 63

محمد البياسي
04-01-2011, 09:21 AM
جزاك الله خيراً
وشكَرَ لك جهدَك

ما تزال الامورُ بخير ما دام فينا مثلُك

تقديري و احترامي

عبدالصمد حسن زيبار
04-01-2011, 01:18 PM
سيدي الكريم لدي استفسارات :

إذا ما قامت جماعتين أو أكثر تقول بهذه المبادئ جميعها فأي أمير نتبع لنكون الجماعة الناجية ؟؟

ما معنى أن الاسلام صالح لكل زمان و مكان ؟

هل حدد الإسلام نمط معين للدولة و طريقة السياسة و الحكم ؟

ما موقع العقل في الإسلام ؟

إذا ما إختلف الاستنباط و اختلفت الرؤية في حكم ما أي الاحكام و الرؤى نتبع ؟

ما معنى : لا ينكر مقلد على مقلد ؟

تحياتي

طالب عوض الله
05-01-2011, 08:22 AM
الأخ الفاضل الشاعر ( محمد البياسي )

أشكر لك تفاعلك مع الموضوع داعيا الله تعالى أن يتقبل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .:noc:

ألأح الفاضل الأستاذ ( عبدالصمد حسن زيبار )

أثمن استفساراتك عاليا وأشد على يديك :noc:

1. في حالة التوافق الكامل بين تبنيات أكثر من جماعة فأي جماعة منهم هي ميرئة للذمة إن شاء الله، ويمكن زيادة في الدقة دراسة وسائل وأساليب تنظيم الجماعة، وفي كل الحالات فإنّ الجماعة التي توصل اجتهادها للطريقة التوقيفية في العمل والتزمت بها لم تخالفها فهي مبرئة للذمة.
2. صلاحية الاسلام لكل زمان ومكان أتت من قوله تعالى : {ما فرّطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38]. أي ما يحتاجه الإنسان في تربيته ونظام حياته، وليس المقصود ـ كما أوضحنا ذلك مراراً ـ الجوانب العلمية، لأنّ الله أراد للإنسان أن يكتشف أسرار العلم من خلال جهده وفكره ولم ينزل ذلك في قرآنه، ولكن من الممكن أن تكون هناك بعض اللمحات العلمية في القرآن ولكنّ كتاب الله لم ينطلق من أجل هذا. وسيلي لاحقا إن شاء الله التوسع في ذلك ان شاء الله.
3. لقد فصلت الآحكام الشرعية شكل وعمل الدولة كما فصلت ( نظام الحكم في الاسلام ) وأتت بتفصيلات لكافة أنظمة المجتمع من مثل : ( النظام الاجتماعي ) ( النظام الاقتصادي) ( القضاء ) ( علاقة الدولة بالأمم الأخرى) وجرى تنفيذ كل تلك الأحكام منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى زوال نجم الخلافة عام 1922 م.
4. العقل هو التفكير أي الحكم على واقع، وهو عنصر هام في التوصل لوجود الله فأصل العقيدة في الاسلام أتى بالدليل العقلي. وينتهي دور العقل كدليل عند الاهتداء لأصل العقيدة وبعدها يكون العقل لإعمال النظر في استنباط الآحكام الشرعية بالاجتهاد وفهم الأحكام الشرعية ليس الا.
5. في اختلاف الإجتهادات نتبع الرأي الذي أتى أتى بالدليل الأقوى، أما العامي فيمكن أن يقلد اماما أو مذهبا .....
6. من قلد مذهبا ارتضاه لنفسه فليس لمقلد مذهب آخر أن يعيب عليه لأنه لم يقلد من قلد.

وبانتظار ردك سنتابع ما مر بالتفصيل إن شاء الله

طالب عوض الله
05-01-2011, 08:27 AM
ما موقع العقل في الإسلام ؟


بسم الله الرحمن الرحيم

دور العقل في الإسلام

الكاتب: د. سعيد بن حسين



كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان عن سائر مخلوقاته بنعمة العقل فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء70).

وقد جعل العقل مناط التكليف، فقال صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل". (أخرجه أبو داود في السنن عن علي)

وإذا تأملنا الحالات التي حط فيها الشارع القلم والحساب عن عباده، وجدنا أنها حالات كان العقل فيها غائبا؛ فالنائم في حالة غيبوبة لا يفكر، والمجنون فاقد للعقل، والصبي الذي لم يبلغ الحلم لم يكتمل عقله وبالتالي لا يحسن التفكير.

والحاصل، فإنّ الإسلام قد خاطب العقل وجعله مناط التكليف.

والبحث الذي نود هنا التطرق إليه هو: ما هي صلاحية العقل شرعا؟ أي ما هي الأشياء التي يكون فيها العقل حكما؟ وما هي الأشياء التي يكون فيها العقل أداة أي خادما لا حاكما؟ ويمكن اختزال هذه الأسئلة في سؤال هو: ما هو دور العقل في الإسلام؟



قبل تناول هذا الموضوع, يجدر بنا أن نسلط الضوء على ماهية العقل والفكر.

فالعقل هو نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحواس مع وجود معلومات سابقة يفسر بها ذلك الواقع. فهو يستلزم أربعة عناصر:

1. الواقع: فالعقل لا يبحث إلا في الواقع وما يقع عليه الحس، أما ما لا يقع عليه الحس أي ما وراء الوجود والمادة فالعقل يعجز عن الإحاطة به.

2. الحواس: وجوب وجود حواس ينقل بواسطتها صورة الواقع، فالحواس هي النوافذ التي يطل من خلالها الإنسان إلى العالم فإذا تعطلت حواسه فكأنما أغلقنا أمامه النوافذ التي ينفذ من خلالها إلى الواقع أي الوجود أو المادة.

3. الدماغ: دماغ صالح, حيث أنه إذا تعطل دماغ الإنسان تتعطل عنده عملية التفكير ويفقد العقل والتفكير.

4. المعلومات السابقة: و هي لازمة لإصدار الحكم على الواقع بعد فهمه. فالإنسان إذا لم يزود بالمعلومات اللازمة حول الواقع الذي يفكر فيه فإنه يعجز طبيعيا عن تفسير ذلك الواقع, والإنسان الأول الذي وجد في هذه الحياة هو من ناحية المعلومات مثل الولد الصغير يعجز عن تفسير مظاهر الكون من حوله, إلا إذا زودناه بالمعلومات وهذا ما حصل مع آدم عليه السلام, قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} (البقرة 31-33). فهذه الآية تدل على أن المعلومات السابقة لابد منها لفهم الواقع و التفكير فيه.



والآن بعد هذه المقدمة حول أهمية العقل وماهيته, نرجع إلى صلب الموضوع : فما هي المجالات التي يمكن للعقل أن يبحث فيها و يقرر حقيقتها، وما هي الحدود التي يجب أن يقف عندها ولا يتجاوزها لأنه يعجز عن الإحاطة بها؟

باستقراء الأدلة الشرعية نجد أن الإسلام خاطب العقل في مسائل الإيمان لإثباتها ولتحصيل العلم المقطوع بها في ذلك. يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران 190-191). ويقول: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (يس 36-40). ويقول: {أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ} (الغاشية 17-18).

فالآيات القرآنية خاطبت العقل في مسألة الإيمان ووجهت قوى الإنسان العاقلة لاستنباط سنن الكون والتدبر فيها للوصول من خلالها للخالق المدبر. فالنظام الدقيق المحكم الذي يسير الوجود لابد له من واضع, هو الله سبحانه, والعجز والاحتياج المحسوس في الكون والإنسان والحياة يدل على أنها مخلوقة لخالق خلقها وهو الله تعالى. وقد بعث الله الأنبياء وأيدهم بمعجزات حتى يدرك الناس بعقولهم صدق المرسلين. وقد كانت معجزة محمد عليه الصلاة والسلام القرآن الذي تحدى الله العرب بأن يأتوا بمثله ليحصل عندهم الاقتناع العقلي بعد عجزهم بأن القرآن كلام الله وليس صناعة بشرية. وثبوت المعجزة يدل على صدق الرسول. وبذلك يكون الإسلام قد خاطب العقل في مسألة الإيمان وجعله حكما عليها وحاوره وناقشه.

ومن ذلك أيضا قوله تعالى:{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم} (يس). فالخلق من لاشيء أصعب من الإحياء حيث يعتمد هدا الأخير على ما هو موجود بخلاف الخلق فهو إيجاد من عدم. فمن يقر بوجود خالق يخلق من العدم (وهو حال العرب آنذاك) يسهل عليه بل يجب عليه أن يتقبل أن الخالق قادر على الإحياء لأنه أهون عليه من الخلق.

وفي مسألة القرآن عندما زعم بعض الكفار أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن من غلام نصراني اسمه جبر رد القرآن عليهم برد عقلي مفحم حيث قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِين} (النحل 103) . فجبر هذا أعجمي لا يعرف العربية، والعقل يقول أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فالذي لا يعرف اللغة العربية يعجز عن الكتابة بالعربية فضلا عن أن يأتي بما يعجز عنه بلغاء العرب وفصحاؤهم.

أما مسألة الصفات فهي بحث فيما وراء الوجود, و العقل يعجز طبيعيا عن إدراكها لأن واقعها غير محسوس, والعقل لا يدرك ذات الله حتى يدرك صفاته. ولذلك جعل الإسلام صفات الله توقيفية أي تعتمد على الوحي (القرآن والسنة المتواترة). فالعقل أدرك وجود الله من خلال مخلوقاته اعتمادا على القاعدة العقلية: لكل أثر مؤثر ولكل نظام منظم ولكل مصنوع صانع ولكل مخلق خالق. في حين أن العقل لم يدرك ذات الله لأن الله وراء الكون والإنسان والحياة فهو يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار. قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى 11). وأخرج هناد في الزهد عن الحسن قال: "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله".

ومع أن الإسلام حرم على العقل البحث في بعض المسائل المتعلقة بالعقيدة لعجزه عن إدراكها حيث أن واقعها غير محسوس لديه, إلا أنه أوجب عليه أن يأخذ هذه العقائد من مصادر قد أثبت العقل صدقها كالقرآن الكريم والحديث المتواتر، أي أن الإسلام لا يقبل أن يعتنق المرء العقيدة الإسلامية بالوراثة والتقليد دون إعمال للعقل وإمعان نظر بل أوجب عليه استخدام العقل ودعاه للنقاش والمحاورة. يقول الله تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين}.

أما عندما يتعلق الأمر بالتشريع أي بالأوامر والنواهي وهي معالجات لمشاكل الإنسان في الحياة الناتجة عن اندفاع الإنسان لإشباع غرائزه وحاجاته العضوية، فإن الشرع لم يقبل من الإنسان إلا الرضا والتسليم بأوامر الله ونواهيه وأن يكون ذلك نابعا من مطلق التسليم لله، وهو يدل على صدق الإيمان من عدمه، كما يعبر عن حقيقية عبوديتنا لله؛ لأنه ترجمة فعلية للغاية التي خلقنا من أجلها. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات 56)

فالإسلام هو دين الله الذي عالج الغرائز والحاجيات العضوية بنظام دقيق من عند الله يضمن الرفاهية والاستقرار للإنسان ويحول دون فوضوية الغرائز التي تؤدي بالإنسان إلى الدرك الحيواني. وإذا أمعنا النظر نجد أن الإنسان عاجز عن أن يأتي بالنظام الصحيح الذي يشبع غرائزه وحاجيات العضوية لأنه عرضة للتفاوت والتناقض. فالإنسان في معالجته لهذه الظواهر يتناقض ويتأثر بالبيئة التي يعيش فيها فتكون أحكامه عبارة عن ردة فعل عن المحيط الذي يعيش فيه والمشاكل و الملابسات التي تعتريه. وبالتالي لا تكون صالحة وتجعل الإنسان حيوان مختبر وتؤدي به إلى الشقاء. وإلى جانب ذلك فإن غريزة التدين تعالج بعبادة الله، ونظام العبادة لا يمكن أن يأتي إلا من الخالق؛ لذلك لابد أن تكون جميع الأنظمة من الله تعالى لأنه خالق الانسان الخبير بواقعه. قال الله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك).

فالله سبحانه هو الذي خلق الإنسان وخلق غرائزه وحاجاته العضوية وهو يعلم تركيبة نفسه, لذلك هو القادر دون غيره على الإتيان بالمعالجات الصحيحة. وبناء على ذلك نفهم لماذا شدد الإسلام على ضرورة التقيد بالحكم الشرعي والتسليم به في قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (النساء 65) .

وقد اعتبر الإسلام الحكم والتشريع حقا لله لا لسواه، فكل من يشرع من دون الله هو مفتر على الله. يقول الله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} (النحل 116).

والمسلم حينما يسمع قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِير} (المائدة 3)، وقوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} (النساء 23)، وقوله{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة 185)، وقوله {انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} (التوبة 41) ، إلى آخره من الآيات، فإنه يلتزم بما فيها لاشتمالها على أمر من الله أو نهي. لذلك يلتزم بها المسلم ويسلّم بما تضمنته حتى لو خالفت عقله؛ لأنه يدرك أن عقله قاصر ومحدود و غير مؤهل للحكم والتشريع.

وقد انتشرت بين المسلمين القواعد الشريعة التي تعبر عن ضرورة الالتزام بالأحكام بصرف النظر عن اقتناع العقل من عدمه، ومن ذلك قاعدة: "الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي". إلا أن المسلمين في هذا العصر قد ابتلوا بالحضارة الغربية التي تجعل العقل مقياسا لكل شيء وتأثروا بها, فأصبح المسلمون يناقشون في الأحكام محاولين التماس حكمة في كل أمر وفي كل نهي، فالأمر لابد أنه يجلب مصلحة والنهي لابد وأن يدرأ مفسدة. فأصبح يلتزم بالأحكام ليس بالتسليم بناء على الإيمان وإنما بناء على ما تجلبه من مصلحة أو ما تدفعه من مفسدة. وهكذا أصبحت الصلاة رياضة، وأصبح الصوم علاجا ووقاية من الأمراض، وأصبح الخنزير محرما لأنه يحوي دودة، وأصبح الذهب محرما لأن فيه مادة تقضي أو تؤثر على الهرمونات الذكورية. وهذه العقلية ظاهر فيها الخطأ؛ فهي تسلب الحكم الشرعي خاصيته باعتباره من لدن الله تعالى، وتجعل النفعية أساسا لأخذ الأحكام تأسيا بالرأسمالية. وهذا خطر لأنه يؤدي بالمسلم إلى الانفلات من الأحكام بمجرد أن يرى أن هذه الأحكام لا يترتب عليها منفعة.

وخلاصة القول لابد من أن نصحح هذا المفهوم الذي عمّت به البلوى اليوم، وذلك ببيان دور العقل في الإسلام. فالعقل يوصل إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, فإذا اقتنع بذلك ينتهي دوره كحاكم، ويصبح دوره خادما أي مجرد أداة لفهم النصوص الشرعية لمعرفة أحكام الله الواردة فيها ليلتزم بها مسلما بما فيها. ولابد أن نركز على معنى التسليم لله في الأوامر و النواهي لتحقيق عبوديتنا لله, فالقرآن عندما خاطب العقل في العقيدة جعله حكما وقبل مناقشته؛ لأنّ من حق العقل أن يدرك ويتثبت صحة العقيدة، أما الأحكام فلا يجعل العقل مقياس معرفة صحتها ولا تناقش وفق المقاييس العقلية. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم بعد دخولهم الإسلام وحصول القناعة العقلية, يسلمون لرسول الله في كل أمر ونهي؛ لذلك قالوا له كما في صحيح مسلم: "لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا ". فقد كانوا لا يناقشون أحكام الله تعالى لأنهم يدركون أنّ الأحكام نزلت للالتزام بها لا لمناقشتها.



والحمد لله رب العالمين

26 جمادى الثانية 1429هـ

http://www.azeytouna.net/Miscellaneous/Divers078.htm

ولنا عودة ان شاء الله