المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلماء والسلطة



عمار زعبل الزريقي
19-05-2011, 03:40 PM
العلماء والسلطة
.عمار زعبل الزريقي

العلماء والسلطة
دراسة عن دور العلماء في الحياة السياسية والاقتصادية
في العصر العباسي الأول
للدكتور عبدالحكيم عبدالحق سيف الدين
المكتب الجامعي الحديث 2008 - 2009م
هناك الكثير ممن شارك في صناعة التاريخ، وأسهم في دفع عجلة الحضارة إلى الأمام، والقارئ في التاريخ الإسلامي يجد صورة مشرقة، أبدع في تشكيلها العلماء والفقهاء من أهل الحل والعقد، الذين كان لهم مشاركة في السياسة العامة للدولة، وفي حياة المجتمع ككل، وذلك من خلال تقديم تخريجات فقهية تكيف حياة الأمة مع تعاليم الإسلام وقيمه، وبما عرف أيضاً عن العلماء من جهد لإصلاح النظام السياسي السائد في عصورهم المختلفة، وماعرف أيضاً من تأثير كبير أوجده العلماء في حياة الأمة من توجيهات وآراء سعوا من خلالها إلى خير الأمة وفلاحها.
وظهرت كثير من الدراسات قصرت اهتمامها على الأدوار التي قام بها كل من الخلفاء والأمراء والولاة وذلك في تحريك عجلة التاريخ وإدارة أحداثه وكان مثل هذا الاهتمام بالتاريخ اهتماماً من زاوية واحدة وإغفال زوايا أخرى، وهذا ماصرح به مؤلف الكتاب الذي نحن بصدد عرضه وهو كتاب « العلماء والسلطة ،دراسة عن دور العلماء في الحياة السياسية والاقتصادية في العصر العباسي الأول» إذ قال «إن تناول التاريخ من زاوية واحدة،تنتج عنه صورة مجتزأة للمرحلة التاريخية ومثل لنا بالعصر العباسي الثاني، الذي قدم لنا على أنه عصر الضعف والانحطاط،عصر الضمور والتراجع والانحسار في التاريخ الإسلامي، وارتبط هذا العصر بهذه السمات في أذهان الكثيرين بالرغم من أنه كان عصر النهضة العلمية،إذ أن جل العلماء المسلمين في هذا العصر في مختلف الميادين لم يظهروا ويؤثروا ويتأثروا إلاَّ في العصر العباسي الثاني،وأن كثيراً من العلوم لم تظهر وتتخلّق إلاَّ في رحم العصر العباسي الثاني،بل إن معالم الحضارة الإسلامية لم تتبلور وتنضج وتتألق إلاَّ في هذا العصر،وذلك لأن كثيراً من الدارسين والمؤرخين نظروا إلى هذا العصر من زاوية واحدة،هي الزاوية السياسية،وأغفلوا سائر زواياه وجوانبه الأخرى، فكانت النظرة جزئية، وأتت الصورة مجتزأة ومن هنا كان هذا الكتاب الذي يقف على الأدوار التي قام بها العلماء في الأحداث السياسية وفي مجريات الحياة الاقتصادية في العصر العباسي الأول،وجاء الكتاب في إطار فصول ستة، ومقدمة وتمهيد بين فيهما أسباب دراسته هذه ومن ثم الدرسات التي سبقته وإن لم تكن كدراسته التي أقصرها على دور العلماء فقط ثم عمل على تعريف المصطلحين اللذين كونا عنوان الدراسة،وبيان دلالتهما،وأبعادهما،وهما العلماء والعصر العباسي الأول.
موقف العلماء من الدعوة والثورة العباسية
لقد ورثت الدولة العباسية الدولة الأموية،وقد ناضل العباسيون كثيراً من أجل الاستيلاء على الدولة،وقد بيَّن الفصل الأول من هذا الكتاب استثمار العباسيين للظروف التي مرت بها الدولة الأموية،وخصوصاً في الثلث الأخير من عهدها،ليبثوا دعاتهم،ويبدأوا الدعوة بعد أن أحاطوها بالسرية والكتمان،مستفيدين من أخطاء وإخفاقات كل الحركات الخارجة على الأمويين ،لاسيما الحركات التي ترجع إلى آل البيت،وقد رسخ في دعوة العباسيين للخلافة بأنهم أحق بالخلافة من الأمويين منها، لذا عملوا على تصيّد أخطاء الأمويين والاستفادة في دعوتهم، لذا أتى العباسيون إلى الخلافة بعد إعداد طويل لها ودعوة منظمة، انتهت بمعارك ضارية مع الأمويين،والعلماء يرون مواصفات محددة للحكم، وللخلفاء، وهذه المواصفات لم تكن خيالية ولا مستحيلة في الحكم، ومانموذج الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز عنهم ببعيد.
لذا كثيراً من العلماء لم يروا أن العباسيين قد أتوا بجديد،أو أنهم أعادوا التوازن المفقود للحياة السياسية،بل رأوا أنهم كرروا ذات التجربة الأموية بل كانوا أشد وأقسى، وعندما نبحث عن موقف العلماء في الدعوة للثورة العباسية،نرى أن العلماء لم يسعوا إلى إسقاط الحكم الأموي،إنما سعوا لاصلاحه وتقويمه وقد كان دورهم أيضاً يتمثل بالنصح والوعظ،والارشاد والتقويم، ولذا يقرر المؤلف بأن العباسيين عندما جهروا بدعوتهم لم يؤازر العلماء هذه الدعوة مثل كل الطامحين إلى السلطة المتطلعين إلى المناصب والمكاسب والمنتهزين للفرص وحدث هناك اعتزال من قبل العلماء للدعوة العباسية،فهم نظروا إلى هذه الأحداث على أنها ضرب من الفتن،لاتجني الأمة منها سوى الدمار والفرقة والشتات،وهم دعاة الإصلاح، ثم إن هذه الدعوة قد أحيطت بالسرية والكتمان،واقتصر معرفة أمرها على أشخاص محدودين،ومن قوائم النقباء والدعاة نجد أن العباسيين قد اختاروا ذلك على أساس قبلي،ومن هنا نلاحظ بأن قوائم دعاتهم تكاد تخلو من العلماء، وأنها اقتصرت على أصحاب الطموح السياسي والاجتماعي من زعماء القبائل، بل ومن الملفت بأن بعض العلماء قد تعرضوا للأذى إبان الدعوة والثورة العباسية لمواقفهم منها،فشرد بعضهم وضرب بعضهم الآخر، بل لقي بعضهم نحبه على أيدي دعاة بني العباس.
أما عن موقف العلماء من قتل بني أمية،فقد كان موقفهم معارضاً ومنكراً ورأوا في ذلك مخالفة لروح الإسلام ومقتضاه ونصوصه،وهذا من الآراء السياسية التي وقف عندها العلماء في بداية قيام هذه الدولة.
نظرة العلماء إلى السلطة ونظرة السلطة إلى العلماء
لقد وقف العلماء كثيراً عند مصطلح الخلافة،وتحدثوا عنه وعن تصورهم للحكم الذي يجب أن يسود الأرض، وقد رأوا شروطاً يجب أن تتوفر فيمن يلي أمر المسلمين ومن هنا كان العلماء في العصر العباسي الأول لايعدون خلفاء بين العباس من الخلفاء الذين تتوافر فيهم شروط الخلافة الكاملة،واستشهد المؤلف بقول الشافعي:
الخلفاء خمسة:أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبدالعزيز.
فالخلافة عند العلماء هي قوام دولة الإسلام،لذا هناك شروط لابد أن يتصف بها الحكام، ثم هناك رؤية للخلافة بأنها بلاء ومسؤولية ،لذا التفريط فيها تفريط في حق الأمة، وتبديد في إمكاناتها، ومن ثم ينتج عن ذلك عجز عن تأدية دورها ورسالتها في الحياة، بوصفها خير أمة أخرجت للناس، وشاهدة على الأمم، لذا عمل العلماء في هذا العصر على تزهيد الخلفاء والأمراء في السلطة، كما رأوا أهمية صلاح الخليفة لصلاح الرعية، وبينوا ذلك للخلفاء، ليدركوا أهمية الأدوار التي يقومون بها، وقد كان العلماء ينظرون باهتمام للخلفاء، وهناك من العلماء من خلال دروسهم وخطبهم عملوا على تعميق مكانة الخلفاء في نفوس الناس، والحث على توقيرهم واحترامهم، أما عن نظرة الخلفاء إلى العلماء، فهي مهمة، لأن الخلفاء العباسيين معجبون بالعلماء، لذا سعوا إلى كسب العلماء إلى صفهم، ولمكانة العلماء عند الناس، وهذه المكانة قد تفوق مكانة الخلفاء، لذا هاب الخلفاء العلماء كثيراً كما أن هناك رغبة من الخلفاء بالاستعانة بالعلماء، فسعوا إلى إشراكهم في الأمر وذلك من الشعور بالحاجة إليهم، وقد كثيراً مايتدخل العلماء في الحياة السياسية، فكثر الاهتمام بالعلماء في هذا العصر مثل إتيان الخلفاء العلماء إلى بيوتهم، وطاعة الولاة للعلماء، وتشجيع العلماء على التأليف والتصنيف وقد كان للعلماء منهج في المشاركة في الحياة السياسية، أو اتخذوا في ذلك أساليب مختلفة، فمنهم من شارك بشكل مباشر من خلال العمل في وظائف الدولة، وهناك من لم يدخل في مثل هذه الوظائف، إنما شاركوا في الحياة السياسية من خلال المواعظ والنصائح التي يقدمونها للخلفاء والولاة.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
في الفصل الثالث نجد توضيحاً عن منهج العلماء في المشاركة في الحياة السياسية في العصر العباسي الأول، وقد نهج العلماء منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في معارضتهم للخلفاء، وكان ذلك من خلال المشاركة في التغيير إما باليد أو باللسان وإن كان هناك علماء شاركوا في وظائف الدولة في القضاء وغيره، فسعوا إلى التغير وهناك فريق آخر من العلماء لم يشترك مباشرة في وظائف الدولة، لكنه ظل يزود الخلفاء والأمراء بالتوجيهات، ويسدي إليهم النصائح، التي كان يؤخذ بجلها، وكان منهم من يتحفظ عن العمل للدولة، خشية من التفريط في حق الأمة إذا شاب عملهم قصور أو خلل، أو خوفاً من أن يمنعهم العمل للخلفاء من مواجهتهم بكلمة الحق، ومن عجزهم عن تبصيرهم بعيوبهم ومحاسبتهم، فاكتفى هذا الفريق بتقديم المواعظ والنصائح والتوجيهات للخلفاء، فهذا الفريق اتخذ أسلوب التغيير باللسان منهجاً للمشاركة بالحياة السياسية، وهو لايقل أهمية عن أسلوب التغيير باليد.
وقد حث العلماء الخلفاء على السير وفق سنن السلف من الخلفاء الراشدين وإلى القيام بشئون الأمة كما ينبغي، وإلى تحري العدل، والتحذير من الاسراف في العقوبة، وكان من مجالات المشاركة أيضاً حث الخلفاء على استعمال ذوي الاصلاح والكفاية في أعمال الدولة المختلفة، والرقابة على القضاة والعمال، وغيرهم من موظفي الدولة، وتحذيرهم من الإصغاء إلى المتزلفين، والوشاة، وناقلي الأخبار، الذين يعكرون صفو العلاقة بين الخليفة ورعيته، فضلاً عما قام به العلماء من تبصير للخلفاء بما يحدث خلف أبوابهم من تجاوزات ومخالفات.
العلماء والقضايا السياسية
لقد كان للعلماء دور كبير في الأحداث والقضايا السياسية في العصر العباسي الأول، وهذا ما اشتمل عليه الفصل الرابع، وقد ركز على المصطلحات السياسية وقول العلماء فيها مع تعريفها مثل أساليب تداول السلطة، ومن ولاية العهد مع موقف العلماء من خلع ولي العهد، بالإضافة إلى موقفهم من البيعة كركن أساسي للشورى، وفي هذه النقطة يوضح المؤلف بأن المصادر لم تعطينا صورة واضحة عن أدوار قاموا بها، اللهم إلا في أوقات محدودة عندما يتعلق الأمر ببيعة الخليفة المختار من قبل سلفه، وهو إقرار لوضع قائم، ويبدو أن العباسيين مع تقديرهم للعلماء فضلوا أن يبقوهم بعيدين عن هذا الأمر، إذ تشير المصادر إلى أنهم كانوا يستأنسون في اختيارهم لولي العهد بالوزراء وكبار القادة، وغيرهم من رجال الدولة، وصحيح أن العلماء من الناحية النظرية قد رأوا أن تعيين ولي العهد من الخليفة القائم لمن يقوم بعده، لايعطيه شرعية في الخلافة، إذ لايعدو كونه ترشيحاً، وإنما يكتسب الخليفة الشرعية بالبيعة الخاصة والعامة من المسلمين، إلا أنه من الناحية العملية كان هذا الترشيح تنصيباً للخليفة، وكانت البيعة تحصيلاً لحاصل، وإقراراً لأمر واقع، إذ لم يحدث أن تدخل العلماء بصورة واضحة للاعتراض على أي من أولياء العهد، باستثناء بعض التلميحات المبطنة التي كانوا يوحون بها إلى بعض الخلفاء، ومن ذلك ماقاله عمرو بن عبيد للمنصور عندما قدم له ابنه وولي عهده المهدي، قائلاً هذا ولي عهد للمسلمين فقال له عمرو بن عبيد «رضيت له أمراً يصير إليه إذا صار وقد شغلت عنه» في إشارة إلى أنه محاسب عن هذا الاختيار، لأنه اختيار للأمة بأسرها، هذا رأيهم عند اختيار ولي عهد، أما عند خلعه واستبداله بآخر، وكان كثيراً مثل هذا الاستبدال يؤدي إلى اضطراب وخلاف داخل البيت العباسي، فكان دور العلماء ينصب فقط في مسألة خلع أولياء العهد لاعتقادهم أن ذلك من سلطة الخليفة المبايع.
كما تحدث المؤلف في هذا الفصل عن موقف العلماء من المعارضين للعباسين مثل حركة العلويين، وغيرها من الحركات، لذا نجد أن العلماء انقسم مع حركة العلويين ينقسمون إلى أقسام متعددة، فمنهم من تعاطف معهم، ومنهم من اعتزل عنهم.
كما ظهرت في هذا العصر حركة الزندقة من الذين ينكرون الآخرة ووحدانية الله، وقد اتخذت أشكالاً متعددة ومتلونة بحسب البيئة السياسية والفكرية، فلقد عد العلماء الزندقة خروجاً عن الإسلام وردة تستوجب القتل، لأن ماهية الزندقة إلحاد أهلها في أفعالهم مع إظهارهم الإسلام، وإن اختلفوا في استتابتهم مابين كافر لاتقبل توتبه، وإما راجع من تلقاء نفسه.
ومن الأمور التي وردت في هذا الفصل آراء العلماء في أمور مثل ترجمة كتب الفلسفة وقضية خلق القرآن التي كانت أثراً من آثار المعتزلة، وقد كان هناك موقف عظيم للعلماء مع مثل هذه القضايا، إذا ابتدروا ينافحون عن أصالة الإسلام وفق ما وعوه وفهموه من تعاليم الدين الإسلامي.
العلماء والجهاد
لقد جاء الفصل الخامس مفصلاً الجهاد مفهومه وأهميته وكيف كان دورهم في الحث على الجهاد، باعتباره وسيلة لتبليغ المسلمين ماكلفوا به من دعوة الناس كافة إلى الإسلام وبوصفه أيضاً ضماناً لسلامة المجتمع إزاء أعدائه المتربصين به، إذ تؤكد خبرات التاريخ وعبره في الماضي والحاضر أن الذين لايملكون إرادة الهجوم يفقدون القدرة على الدفاع، وتسحقهم الإرادات الأقوى منهم، لذا نظر العلماء إلى الجهاد بوصفه خير الأعمال وأكثرها أهمية، وأعظمها ثواباً عندالله، لأنه ينطوي على بذل النفس والمال، وهما قوام الحياة الدنيا، ولذلك فإن الجهاد يكون غاية الطاعة لله تعالى.. وقد بين العلماء في العصر العباسي الأول أهمية الجهاد بين الأعمال مستشهدين بالسنة النبوية فكان سفيان الثوري يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا».
بل إن العلماء كانوا يجودون بمالديهم من أموال، وهم في أمس الحاجة إليها، وذلك لتجهيز الجيوش ويدعون إلى ذلك، ومن الأمثلة التي ذكرها، عمل ابن المبارك العابد الزاهد وهو يدعو للجهاد ومكانته بين الأعمال، وأنه أفضل من نوافل الصلاة والصوم وغيره، وهذا مانلمحه في رسالته للفضيل بن عياض يدعوه فيها إلى الجهاد قائلاً:
ياعابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه
فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
وعندما كانت الحرب ليست غاية لذاتها، أو للعدوان والسيطرة، إنما للدعوة لدين الله دعوة الناس كافة، ولرد العدوان عن بلاد المسلمين، لذا كان العلماء في هذه العصور ينهون الخلفاء وقادة الجيوش عن العدوان، وعن مجرد تمني لقاء العدو، وليس معنى ذلك أن يجبنوا عن مواجهة الأعداء، ويستسلموا ويخضعوا له فالعلماء عدوا ذلك من الكبائر، إذ يروي هؤلاء العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا لقيتم العدو فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف».
العلماء والحياة الاقتصادية
هذا هو الفصل الأخير من الدراسة يوضح لنا كيف نظر العلماء إلى المال، مع موقفهم من الموارد والمصارف في العصر العباسي الأول بالإضافة إلى موقفهم من أساليب جباية المال، وقد كانت نظرة العلماء في العصر العباسي الأول للمال هي النظرة الإسلامية إليه بأن الكون كله لله، لأنه تعالى خالقه وموجده، والمتصرف فيه وفق إرادته سبحانه وتعالى، والإسلام ينظر للمال في منفعته لا لذاته، وعليه فهو ليس غاية في ذاته، لكنه وسيلة لغايات ومنافع يحتاج إليها المسلم ويستهدفها في حياته الدنيوية والآخروية، وقد بين العلماء في هذا العصر بالمال اكتساباً وتنمية، وبينوا لمعاصريهم أهميته سواء من خلال جهودهم النظرية أم من ممارستهم العملية، فعدوا المال قوام الدين والدنيا كما كانت لهم مواقف من موارد الدولة كالزكاة والجزية والخراج، كما كانت لهم آراء حول مايسمى بمصادرات الأموال كأموال الأمويين أو مصادرة أموال بعض الوزراء والكتاب العاملين لدى الخلفاء العباسيين ولهم أيضاً آراء حول إنفاق ومصارف الأموال، كالعطاء بوصفه نظاماً مالياً يختص به ديوان مستقل، بالإضافة إلى نفقات الخلفاء العباسيين الشخصية، وغير ذلك من الجهود التي بذلها العلماء في تنمية الحياة الاقتصادية وتطويرها، وهو ماعملت الدراسة في تفصيلة وشرحه بتفصيل دقيق مفردة أقوال وآراء العلماء في ذلك.

ربيحة الرفاعي
19-05-2011, 08:35 PM
فالخلافة عند العلماء هي قوام دولة الإسلام،لذا هناك شروط لابد أن يتصف بها الحكام، ثم هناك رؤية للخلافة بأنها بلاء ومسؤولية ،لذا التفريط فيها تفريط في حق الأمة، وتبديد في إمكاناتها، ومن ثم ينتج عن ذلك عجز عن تأدية دورها ورسالتها في الحياة، بوصفها خير أمة أخرجت للناس، وشاهدة على الأمم، لذا عمل العلماء في هذا العصر على تزهيد الخلفاء والأمراء في السلطة، كما رأوا أهمية صلاح الخليفة لصلاح الرعية، وبينوا ذلك للخلفاء، ليدركوا أهمية الأدوار التي يقومون بها، وقد كان العلماء ينظرون باهتمام للخلفاء،
****
في الفصل الثالث نجد توضيحاً عن منهج العلماء في المشاركة في الحياة السياسية في العصر العباسي الأول، وقد نهج العلماء منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في معارضتهم للخلفاء، وكان ذلك من خلال المشاركة في التغيير إما باليد أو باللسان وإن كان هناك علماء شاركوا في وظائف الدولة في القضاء وغيره، فسعوا إلى التغير وهناك فريق آخر من العلماء لم يشترك مباشرة في وظائف الدولة، لكنه ظل يزود الخلفاء والأمراء بالتوجيهات، ويسدي إليهم النصائح،

لقد كان للعلماء دور كبير في الأحداث والقضايا السياسية في العصر العباسي الأول، وهذا ما اشتمل عليه الفصل الرابع، وقد ركز على المصطلحات السياسية وقول العلماء فيها مع تعريفها مثل أساليب تداول السلطة، ومن ولاية العهد مع موقف العلماء من خلع ولي العهد، بالإضافة إلى موقفهم من البيعة كركن أساسي للشورى، وفي هذه النقطة يوضح المؤلف بأن المصادر لم تعطينا صورة واضحة عن أدوار قاموا بها،

لقد جاء الفصل الخامس مفصلاً الجهاد مفهومه وأهميته وكيف كان دورهم في الحث على الجهاد، باعتباره وسيلة لتبليغ المسلمين ماكلفوا به من دعوة الناس كافة إلى الإسلام وبوصفه أيضاً ضماناً لسلامة المجتمع إزاء أعدائه المتربصين به، إذ تؤكد خبرات التاريخ وعبره في الماضي والحاضر أن الذين لايملكون إرادة الهجوم يفقدون القدرة على الدفاع، وتسحقهم الإرادات الأقوى منهم، لذا نظر العلماء إلى الجهاد بوصفه خير الأعمال وأكثرها أهمية، وأعظمها ثواباً عندالله، لأنه ينطوي على بذل النفس والمال،

هذا هو الفصل الأخير من الدراسة يوضح لنا كيف نظر العلماء إلى المال، مع موقفهم من الموارد والمصارف في العصر العباسي الأول بالإضافة إلى موقفهم من أساليب جباية المال، وقد كانت نظرة العلماء في العصر العباسي الأول للمال هي النظرة الإسلامية إليه بأن الكون كله لله، لأنه تعالى خالقه وموجده، والمتصرف فيه وفق إرادته سبحانه وتعالى،

دراسة باهرة وتلخيص واضح فائق القيمة لدور العلماء واداءهم في زمان الدولة العباسية
بوقفات استقرأت فكر وتوجهات علماء الأمة في مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية وتفرعاتها

أما ما يتعلق بموقف العلماء من سعي العباسيين للاستيلاء على السلطة فاظنه عائدا لأمر لا بد من أخذخ بعين الاعتبار، فقد رأى العلماء كما اشار الكاتب إلى ان الأمويين ودولتهم بحاجة لإصلاحات كبيرة، ولما جاء من كانوا على علم أصلا بانهم بانه ليسوا بخير منهم ، فقد كان طبيعيا أن لا يؤازروهم بشكل ولا بآخر

شكرا لهذه القراءة الموجزة في دراسة رائعة

دمت بألق