المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إنما الناس كالإبل المائة..



احمد خلف
04-07-2011, 01:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الحمد لله...
أما بعد: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ((إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)). [ورواه أيضاً الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد وغيرهم].
لقد أعطى الله -تبارك وتعالى- رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- آيات دالات على صدق نبوته، ومن هذه الآيات أنه -عليه الصلاة والسلام- قد أوتي جوامع الكلم كما صح عند مسلم وغيره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أعطيت جوامع الكلم)) وهو أن يقول الكلمة التي تحتوي معان عظيمة جليلة وفوائد كثيرة متنوعة.
واليوم نقف مع هذا الحديث العظيم الذي هو من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)).
يصف النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث العظيم حال الناس في الفضل والكمال والاتصاف بالصفات الحسنة فيبين -عليه الصلاة والسلام- أن أكثر الناس أهل نقص، أكثر الناس فيهم قصور، معظم الناس لا يحوزون الفضل والسبق فيما يتصفون به من صفات، وما يقومون به من أعمال، وأهل الفضل فعددهم قليل جداً، والرسول هنا في هذا الحديث يشبه الناس بمائة من الإبل، يبحث فيها صاحبها عن واحد ليتخذه للركوب، وهي الراحلة فيكاد أن لا يجد. فَالْمَعْنَى لَا تَجِدُ فِي مِائَةِ من الإِبِلٍ، رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ, لِأَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَطِيئًا سَهْلَ الِانْقِيَادِ, وَكَذَا لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنْ النَّاسِ رجلاً سهلاً وطيئاً ينفع الناس. ((إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)).
فاسأل نفسك يا عبد الله: هل أنت هذه الراحلة من بين المائة من الناس؟ قَالَ اِبْن بَطَّال -رحمه الله-: "مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ النَّاس كَثِيرٌ وَالْنافع مِنْهُمْ قَلِيلٌ".
ولهذا الحديث تطبيقات كثيرة في حياتنا اليومية يمكن تنـزيله على كثير من أحوالنا وتعاملاتنا ليتضح لنا شيء من معنى هذا الحديث لنستفيد من عبره وفوائده:
اولاً: حال كثير من المسلمين في استقامتهم على دينهم، والتزامهم بأمر الله وطاعة رسوله تجد أنهم كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة، فكم من المسلمين اليوم قام بحق لا إله إلا الله، هذه الكلمة التي يقولها المسلم في يومه وليلته عدة مرات،
وثانياً:حال المسلمين اليوم في هذا الوصف النبوي من تطبيق السنة، والمحافظة عليها وجدتهم كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة.
تأمل يا عبد الله حال السنة اليوم كيف ذُبحت وهُجرت وحل محلها كثير من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان،
ثالثاً: ثم تأملوا حال كثير من المسلمين اليوم في أخوّتهم ومودّتهم وصداقتهم لبعضهم البعض، تجدهم في صدق الأخوة كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة، فكم من إنسان نزلت به نازلة وحلت به ضائقة فإذا فكر وفكر فيمن يُنْزِلُ به هذه الضائقة من إخوانه ليكون له عوناً وسنداً بعد الله ويعينه على فك ضائقته، لم يجد أحداً من إخوانه يفك له على كثرتهم وسعة ما بسط لهم في رزقهم.
أين الأخ الصديق الذي لا يبخل على أخيه بشيء، مثل هذا لا يكاد أن يكون موجوداً اليوم إلا ما رحم ربي، لقد أصبحنا اليوم نعيش وضعاً أشبه ما يكون بحال الناس يوم القيامة كل يقول: نفسي نفسي، أنانية مفرطة، وحب للذات، لا يهم الكثير منا إلا نفسه، يقدم مصلحته على كل أحد، وليس مستعداً أن يضحي بشيء من حطام الدنيا ولو من أجل أخيه الشقيق، فكيف بإنسان بعيد لا تربطه به إلا أخوة الإسلام.
قَالَ الإمام الْقُرْطُبِيّ -رحمه الله-: "الَّذِي يُنَاسِبُ التَّمْثِيلَ أَنَّ الرَّجُل الْجَوَادَ الَّذِي يَحْمِل أَثْقَال النَّاس عَنْهُمْ وَيَكْشِف كُرَبَهُمْ عَزِيزُ الْوُجُودِ كَالرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ الْكَثِيرَةِ". ((إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)).
رابعاً: وتأملوا أيضاً حال المصلين اليوم على ضوء هذا الحديث تجدهم كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة. كم هم اليوم المحافظين على الصلوات الخمس في المساجد كما أمر الله من بين هذا العدد الهائل الذين ينتسبون إلى الإسلام؟ ومن المحافظين كم عدد الذين يصلون صلاة شرعية على وفق ما أمرنا الشارع حيث قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي))؟. ثم كم عدد الذين يخشعون في صلاتهم من بين أولئك الذين يصلون الصلاة على صفة صلاة رسول الله؟. تجد أنك في نهاية الأمر قد تخرج من المجموع الكلي للمسلمين بما قاله -عليه الصلاة والسلام-: ((إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)).
خامساً: لو تأملنا حال الناس مع الخلق الإسلامي الرفيع الذي أمرنا به ديننا وحثنا عليه تحت ضوء هذا الحديث لوجدنا الناس حقاً كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة. فالصدق، والأمانة، والرحمة، والوفاء بالوعد، وحفظ العهد وغيرها من الأخلاق التي هي من صميم هذا الدين، تبحث عن هذه الصفات فيمن حولك من الناس فتكاد لا تجد راحلة.
ففي الحديث عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)) [رواه أبو داود].
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ليبغض الفاحش البذيء)) [رواه الترمذي]. ولكن المشكلة أن ((كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)).
وتأمل كذلك في حال الناس مع صلة الرحم
. يقول صلى الله عليه وسلم: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم)) [رواه أبو داود والترمذي].
ولو ذهبنا نتتبع حالنا مع هذا الحديث لطال بنا المقام وفيما ذكر كفاية، والحر تكفيه الإشارة.
والله أسأل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا ما ظهر منا وما بطن، وأن يجعلنا من عباده المخلصين.
اللهم إنا نعوذ بك من الغواية والضلالة، اللهم ثبتنا على دينك، اللهم خذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى، وزينا برحمتك بالبر والتقوى، واجعلنا من عبادك المهتدين.

زهراء المقدسية
06-07-2011, 01:00 PM
الخير باقٍ في هذه الأمة إلى يوم الدين
وإن عزت الرواحل حتما أنها ستتكاثر يوما ويعم الخير من جديد

بارك الله في جهدك وما تقدم أستاذ أحمد
ونسأله تعالى أن تكون من المأجورين

ربيحة الرفاعي
07-07-2011, 03:56 AM
وقد بتنا كالابل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة
لكنها إبل عركتهاالصحراء وقسوتها
وقد بدأت تستحيل رواحل تفوق الخيل
واسأل اللحظة وما يجري على الساحة فيها لترى


موضوع قيم وقراءة من اروع ما مر بي عمقا وتمعنا في الحديث الشريف

أبدعت أيها الكريم

دمت بألق

احمد خلف
09-07-2011, 09:20 PM
الخير باقٍ في هذه الأمة إلى يوم الدين


وإن عزت الرواحل حتما أنها ستتكاثر يوما ويعم الخير من جديد


بارك الله في جهدك وما تقدم أستاذ أحمد

ونسأله تعالى أن تكون من المأجورين

اللهم .آمين ونفعنا الله ونفعك بما نعمل ونعلم
إنه خير مسؤول
أشكرك للمرور

احمد خلف
09-07-2011, 09:22 PM
وقد بتنا كالابل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة
لكنها إبل عركتهاالصحراء وقسوتها
وقد بدأت تستحيل رواحل تفوق الخيل
واسأل اللحظة وما يجري على الساحة فيها لترى


موضوع قيم وقراءة من اروع ما مر بي عمقا وتمعنا في الحديث الشريف

أبدعت أيها الكريم

دمت بألق


فاضلة وتزيد الموضوع بهاءً بتعليقاتها
المفيدة
إنها .أختنا ربيحة الرفاعي
كل الشكر للمرور على الزاوية

ربيع بن المدني السملالي
22-02-2012, 10:13 PM
كم تغمرني السّعادة وأنا أرى مثل هذه المواضيع السّنية المفيدة ...
بارك الله فيك أستاذ أحمد ولله درّك ، وكتبَ الله أجرَك
دمت في حفظ الله
تحياتي

نادية بوغرارة
22-02-2012, 11:48 PM
صلى الله على الحبيب المصطفى ، لم يترك للمومنين شيئا من أمر دنياهم و دينهم إلا و أشار إليه .

أذكر بيت شعر يقول فيه صاحبه :

ما أكثر الإخوان حين تعدهم = لـكـنـهم فـي الـنـائـبــــات قـلـيـل

الأخ أحمد خلف

دمتَ و فوائدك .

د عثمان قدري مكانسي
22-02-2012, 11:56 PM
جزاك الله خيراً أخي الحبيب
لقد وقفت وقفة الناقد الواعي والواعظ الأريب لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم
قرأت ما وراء السطور قراءة دقيقة فجليت معاني واستنبطت فوائد قيمة
نفع الله بك

عايد راشد احمد
23-02-2012, 12:46 AM
السلام عليكم ورحمة الله

وصلي الله وسلم علي نبينا

استاذنا الفاضل

بارك الله لك وفيك وفي تحليلك وشرحك للحديث وكيف يسرت فهمه وفوائده

يجعله الله في ميزان حسناتك

تقبل مروري وتحيتي

احمد خلف
29-02-2012, 01:44 PM
كم تغمرني السّعادة وأنا أرى مثل هذه المواضيع السّنية المفيدة ...
بارك الله فيك أستاذ أحمد ولله درّك ، وكتبَ الله أجرَك
دمت في حفظ الله
تحياتي


لاعدمناك رفدا
مرور طيب الأثر
وتشجيع أطيب....الله يقدرنا على رد الجميل

احمد خلف
29-02-2012, 01:46 PM
السلام عليكم ورحمة الله

وصلي الله وسلم علي نبينا

استاذنا الفاضل

بارك الله لك وفيك وفي تحليلك وشرحك للحديث وكيف يسرت فهمه وفوائده

يجعله الله في ميزان حسناتك

تقبل مروري وتحيتي


اللهم ربي يسمع منك ويتقبل منا ومنك صالح الأعمال
ولقد أثلجت صدري أن يسر الله لك فهما ........وعسى أن تنفع به غيرك
ويجعله الله في ميزان حسناتك

احمد خلف
29-02-2012, 01:48 PM
صلى الله على الحبيب المصطفى ، لم يترك للمومنين شيئا من أمر دنياهم و دينهم إلا و أشار إليه .

أذكر بيت شعر يقول فيه صاحبه :

ما أكثر الإخوان حين تعدهم = لـكـنـهم فـي الـنـائـبــــات قـلـيـل

الأخ أحمد خلف

دمتَ و فوائدك .


شكرا لمرورك فاضلتي
ولك كامل تقديري واحترامي

احمد خلف
29-02-2012, 01:51 PM
جزاك الله خيراً أخي الحبيب
لقد وقفت وقفة الناقد الواعي والواعظ الأريب لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم
قرأت ما وراء السطور قراءة دقيقة فجليت معاني واستنبطت فوائد قيمة
نفع الله بك


الفاضل الدكتور عثمان
مرور طيب .وجزاك الله خيرا كما دعوت لنا
والله أسأل أن يجعلنا وإياكم ممن يقتفون الهدي النبوي ويساهمون بنشره
لك كل التقدير والاحترام