المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في غزوة خيبر -3



د عثمان قدري مكانسي
05-08-2011, 10:27 PM
قراءة في غزوة خيبر(3)
الدكتور عثمان قدري مكانسي
شأن بني سهم الأسلميين

جماعة من بني سهم من أسلم أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : والله يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء ، فلم يجدوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا يعطيهم إياه ؛ فقال : اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظمَ حصونها عنهم غَناء ، وأكثرَها طعاما وودكا ( الودك الدسم من الطعام )، فغدا الناس ، ففتح الله - عز وجل - حصن الصعب بن معاذ ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه .
مقتل مرحب اليهودي
لما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حصونهم ما افتتح ، وحاز من الأموال ما حاز ، انتهوا إلى حصنـَيهم الوطيحِ والسلالِمِ ، وكان آخرَ حصون أهل خيبر افتتاحا ، فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضع عشرة ليلة ،وكان شعار أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر : يا منصور ، أمت أمت . قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل ، أخو بني حارثة ، عن جابر بن عبد الله ، قال : خرج مرحب اليهودي من حصنهم ، قد جمَع سلاحه ، يرتجز وهو يقول :
قد علمت خيبر أني مرحب == شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب == إذا الليوث أقبلت تحرب
إن حماي للحمى لا يقرب
وهو يقول : من يبارز ؟
فأجابه كعب بن مالك دون أن يبارزه ، فقال :

قد علمت خيبر أني كعب == وأنني متى تشب الحرب
ماض على الهول جريء صلب == معي حسام كالعقيق عضب
بكف ماض ليس فيه عتب == ندككم حتى يذل الصعب

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من لهذا ؟
قال محمد بن مسلمة : أنا له يا رسول الله ، أنا والله الموتور الثائر ، قتل أخي بالأمس ؛ فقال : فقم إليه ، اللهم أعِنه عليه
قال : فلما دنا أحدهما من صاحبه ، دخلت بينهما شجرة عمرية ( دهرية ، عمرها طويل) ، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه ، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها ، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه ، وصارت بينهما كالرجل القائم ، ما فيها فنن ، ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة ، فضربه ، فاتقاه بالدرقة( المِجَنّ) ، فوقع سيفه فيها ، فعضت به فأمسكته ، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله .
مقتل ياسر أخي مرحب
: ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر ، وهو يقول : من يبارز ؟ فخرج إليه الزبير بن العوام ، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب : يقتل ابني يا رسول الله . قال : بل ابنك يقتله إن شاء الله فخرج الزبير فالتقيا ، فقتله الزبير .
وكان الزبير إذا قيل له : والله إنْ كان سيفك يومئذ لصارما عضبا ، قال : والله ما كان صارما ، ولكني أكرهته .
شأن علي يوم خيبر

وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - برايته ، وكانت بيضاء ، فيما قال ابن هشام ، إلى بعض حصون خيبر ، فقاتل ، فرجع ولم يكُ فتحٌ ، وقد جهد ؛ ثم بعث الغد عمرَ بن الخطاب ، فقاتل ، ثم رجع ولم يكُ فتحٌ ، وقد جهد ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللهَ ورسوله ، يفتح الله على يديه ، ليس بفرار

فدعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عليا - رضوان الله عليه - وهو أرمد ، فتفل في عينه ، ثم قال : خذ هذه الراية ، فامض بها حتى يفتح الله عليك فخرج والله بها يأنح ( يتنفس بصعوبة) ، يهرول هرولة ، وإنا لخلفه نتبع أثره ، حتى ركز رايته في رضم من حجارة ( والرضم: صخور عظام مبنية بعضُها فوق بعض) تحت الحصن ، فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب . قال : يقول اليهودي : علوتم ، وما أنزل على موسى( يقسم بالتوراة ) ، فما رجع حتى فتح الله على يديه .

إضاءة:
1- يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " وجُعل رزقي تحت ظل رمحي" .ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعرف عنه استعمال الرمح في حروبه ....و انما سلاحه المفضل هو السيف ...و المعروف أن الرمح سلاح للدفاع و الرمي و قد قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ...) فقال: (ألا أن القوة الرمي . ألا أن القوة الرمي . ألا أن القوة الرمي ) . ويكون الرمي بالرمح والسهم.
ومعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي جائعا و لم يكن رزقه إلا كفافاً ، وقد توفي و درعه مرهونة عند يهوديّ.
ومعنى هذا الحديث أن على المسلم - كي يضمن استمرار رزقه - أن يكون دائما مستعدا للعدوّ بقوة الرمي المعبَّر عنه بالرمح هنا، ولو كان المسلمون أقوياء ما ابتزّتهم دول الغرب وسلبتهم ثرواتهم عياناً ، ولا يُفهم مطلقاً ما يظنه الأعداء من هذا الحديث أن رزق المسلمين بالسلب والنهب ، وقد أعادوا لأهل حمص جزيتهم حين علموا أنهم لن يستطيعوا الدفاع عنهم ، فقال لهم أهل حمص : لأنتم أحب إلينا من أبناء ديننا .والتاريخ يشهد أن عمر بن عبد العزيز أمر جنده بالخروج من طشقند حين دخلوها دون أن يعرضوا – ابتداءً- على أهلها الإسلام أو الجزية أو الحرب .
2- حين يرفض العدو العرضَين المطروحين قبل الحرب ( الإسلام أو الجزية ) وتبدأ المعركة ، فما يقع بين أيدي المسلمين فهو فيئهم وحلال لهم ، على هذا نفهم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لفقراء أسلم حين جهدوا ، ولم يجدوا شيئاً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيديّ شيء أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظمَ حصونها عنهم غَناء ، وأكثرَها طعاما وودكا " ( الودك الدسم من الطعام )، فغدا الناس ، ففتح الله - عز وجل - حصن الصعب بن معاذ ، وما بخيبر حصنٌ كان أكثر طعاما وودَكا منه . فكان الحصنُ غنيمة للمسلمين.
3- وشعار المسلمين في هذه الغزوة : يا منصور أمت أمت يدل أن المسلمين الذين يقاتلون في سبيل الله يعلمون علم اليقين أن نصرهم من عند الله ، وأنهم يقاتلون تحت رايته ونشراً لدينه ورغبة في رضاه ، وأن بيده كلَّ شيء . كما أن ترديد هذا الشعار في الليل وتحت سنابك الخيول وفي غبار المعركة واختلاط المقاتلين من الطرفين يُعَرِّف المسلمين بعضَهم ببعض فلا يُقتل أحدهم – في تشابك الناس - بيد أخيه ، كما يكون هذا النداء مدعاة للتكاتف على عدو ودعوة للنصرة والعون ضد مقاتل من العدو شرس.
4- والحرب قتال بالسلاح ودفعٌ باللسان ألم يقل الشاعر حسان بيته المشهور :
لساني صارم لا عيب فيه === وبحري لا تكدره الدلاء
فكذلك خرج اليهودي مرحب شاكي السلاح يفخر بنفسه كما مَرَ ، وأجابه كعب بن مالك بما يناسب قوله ، وبرز إليه محمد بن مسلمة البطل الشاب الذي قُتل أخوه محمود برحى سقطت عليه من سور الحصن ، وتبارزا ساعة فكان النصر حليفه ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا بد أن نشير إلى أمرين مُهِمَّينِ في المعركة ، أحدهما الكفاءة في القتال وثانيهما دعاء الصالحين الذي تجلى بدعائه صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة " اللهمّ أعِنه عليه". وكذلك في مبارزة ياسر اليهودي والزبير بن العوام فيتفاءل الحبيب صلى الله عليه وسلم ويجيب عمته صفية حين خافت على ابنها من اليهودي " بل ابنك يقتله إن شاء الله " وما أقرب الحبيب إلى الله تعالى ، فيتحقق ما قاله صلى الله عليه وسلم .
5- ومن المهم أن نرى النساء يخرجن مع الرجال يشجعنهم ، ويدفعنهم إلى الجهاد فإذا المرأة صنوُ الرجل ورفيقته في كل عمل ، فهنّ شقائق الرجال ، وكم من امرأة فاقت الرجال في فعلها وقولها وكانت أسوة حسنة لأولادها ونسائها . ولأن المرأة مهما أوتيَتْ من ثبات وقوة فهي الأم التي تخاف على ولدها وترجو له النجاة والفوز ، فتتساءل مشفقة : يُقتلُ ابني يا رسول الله ؟ فهي على الرغم من دفعها ابنَها إلى المعركة قلقة ، وهذه سمة البشر جميعاً . ولكن لا بد من المغامرة وبذل الروح والمهجة والمال والولد في سبيل الدعوة وعلى الله الاتكال ، ومنه الفضل والحفظ والصون. ولعلنا نرى روعة تربيتها لابنها في جوابه الدال على الرجولة والبطولة حين قيل له : والله إنْ كان سيفك يومئذ لصارماً عضباً ، فقال : والله ما كان صارماً ، ولكني أكرهته . وقد أقر له الفاروق رضي الله عنه بالبطولة والشجاعة حين طلب عمرو بن العاص فاتحُ مصر المددَ فأرسل له الزبيرَ مدداً ،ويقول فيه : إنه يعادل ألف فارس . ولله درّه فقد كان كذلك . رضي الله عنه وتقبله شهيداً ، وعفا عنه وأكرمه.
6- وللمغاليق في بعض الأحيان مفاتيح لا تفتح إلا بها ، لقد كان إخضاع الجزيرة في عهد الصديق رضي الله عنه فخاراً له وكذلك كان له الفضل في القضاء على المرتدين وفتح الشام والعراق وجمع القرآن الكريم ، وكان لعمر الفاروق رضي الله عنه فخارُ فتح مصر والقضاء على الفرس وضم فارس إلى الدولة الإسلامية والوصول إلى ما بين النهرين ، وكان لعلي رضي الله عنه فخار القضاء على يهود خيبر ، ولم يكن لهما ذلك. وهذا عطاء الله يهبه لمن يشاء . من صفاته التي أسبغها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يحب الله ورسولَه ،مقدامٌ ليس بفرار . ونعمَتْ هذه الشمائل العلائية لزوج البتول وابن عم المصطفى . يذكر عمر الفاروق أنه تشوّف لها ، فكانت لعلي رضي الله عنه.
7- اختيار الأمير بعض قادته لمهمة خاصة دليلٌ على معرفته بهم وأنه يرسل لكل مهمة أكثرَهم أهليّة لها . والأمير الناجح من يعرف جنوده وقادته ويحملهم المسؤوليات المناسبة ، ويزوّدهم بما يعينهم في مهمتهم ويوضحها لهم ليكونوا على بيّنة من أمرهم. فرسول الله صلى الله عليه وسلم يختار علياً – وكان أرمدَ- فيتفل في عينه فتشفى بإذن الله ، ويسرع على الرغم مما به من مرض ويهرول – بعد أن تلقّى مهمته ووعاها – إلى الهدف لايريم عنه ولا يحيد . يسبق جنده إلى أرض المعركة غير هياب ولا وجل ، فيكون قدوة رائعة لجنوده فتنتشر فيهم حُمَيّا شجاعته وبطولته رضي الله عنه.
8- ولم يكن بد من انتصار أهل الحق على أهل الباطل انتصاراً ساحقاً ، فدولة الباطل ساعة ، ودولة الحق إلى قيام الساعة . ومن كان مع الله كان الله معه . ومن نصر اللهَ نصره اللهُ ألم يقل اللهُ تعالى " ولينصرنّ اللهُ من ينصره ، إن الله لقوي عزيز "؟ .

ربيحة الرفاعي
06-08-2011, 12:33 AM
1- يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " وجُعل رزقي تحت ظل رمحي">
ومعنى هذا الحديث أن على المسلم - كي يضمن استمرار رزقه - أن يكون دائما مستعدا للعدوّ بقوة الرمي المعبَّر عنه بالرمح هنا، ولو كان المسلمون أقوياء ما ابتزّتهم دول الغرب وسلبتهم ثرواتهم عياناً ، ولا يُفهم مطلقاً ما يظنه الأعداء من هذا الحديث أن رزق المسلمين بالسلب والنهب
4- والحرب قتال بالسلاح ودفعٌ باللسان .
5- ومن المهم أن نرى النساء يخرجن مع الرجال يشجعنهم ، ويدفعنهم إلى الجهاد فإذا المرأة صنوُ الرجل ورفيقته في كل عمل ، فهنّ شقائق الرجال ، وكم من امرأة فاقت الرجال في فعلها وقولها وكانت أسوة حسنة لأولادها ونسائها .
7- اختيار الأمير بعض قادته لمهمة خاصة دليلٌ على معرفته بهم وأنه يرسل لكل مهمة أكثرَهم أهليّة لها . والأمير الناجح من يعرف جنوده وقادته ويحملهم المسؤوليات المناسبة ، ويزوّدهم بما يعينهم في مهمتهم ويوضحها لهم ليكونوا على بيّنة من أمرهم. .

إضاءات ساطعة ونافعة
وليس اقتباس بعضها هنا لأنها الأفضل، ولكني وجدت عدم فهمها متعلقا بمظاهر ضعف الأمة اليوم
فأحببت الوقوف عندها مكررا

تحيتي لقراءتك الرائعة في هذه المحطة العظيمة من تاريخ الأمة

دمت بألق ايها الكريم

د عثمان قدري مكانسي
06-08-2011, 04:40 PM
نعم يا سيدتي ، فتأخر أمتنا نتاتج عن ضعف فهم تاريخنا ،
وينبغي أن يقرأ المسلم تاريخه وسيرة السلف الصالح بروية وفهم وأن يجول ما بين السطور ويحلل ما يقرأ تحليلاً دقيقاً