المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أنستهُ قُدرتـه الحقـوقَ فأقلعا



ربيع بن المدني السملالي
23-08-2011, 02:45 AM
أنستهُ قُدرتـه الحقـوقَ فأقلعا


فكرة / ربيع بن المدني السملالي


{ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
قال ابنُ قُتيبة في عيون الأخبار : حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن بكر الْمُزَنِي قال : جاءَ رجُلٌ فشتم الأحنفَ بنَ قيس فسكت عنه ، وأعادَ فسكت ، فقال الرّجل : والهفاه ما يمنعه من أن يرُدّ عليّ إلاّ هوانِي عليه .
قلتُ : قال ابنُ الجوزي رحمه الله في كتابه " صيد الخاطر " كلاما طيّبا في هذا الباب لعل من الخير ذكره هنا ، قال : ((من البلَه أن تبادرَ عدوا أو حسودا بالمخاصمة. وإنما ينبغي إن عرفت حالَه أن تظهر له ما يوجب السلامة بينكما. إن اعتذر قبلتَ ، وإن أخذ في الخصومة صفحتَ ، وأريته أن الأمر قريب . ثم تُبطن الحذرَ منه ، فلا تثق به في حال ، وتتجافاه باطنا مع إظهار المخالطة في الظاهر. فإذا أردت أن تؤذيه فأول ما تؤذيه به إصلاحك لنفسك واجتهادك في علاج ما يعرفك به . من أعظم العقوبة له العفو عنه لله . وإن بالغ في السب فبالغ في الصفح تنب عنك العوام في شتمه ، ويحمدك العلماء على حلمك. وما تؤذيه به من ذلك وتورثه بعد الكمد ظاهرا وغيره في الباطن أضعاف وخيرا مما تؤذيه به من كلمة إذا قلتها له سمعت أضعافها. ثم بالخصومة تُعلمه أنك عدوه فيأخذ الحذر ويبسط اللسان، وبالصفح يجهل مما في باطنك ، فيمكنك حينئذ أن تشتفي منه. أما أن تلقاه بما يؤذي دينك هو الذي قد إشتفى منك . وما ظفر قط من ظفر به الإثم بل الصفح الجميل. وإنما يقع هذا ممن يرى أن تسليطه عليه إما عقوبة لذنب أو لرفع درجة بالإبتلاء فهو لا يرى الخصم وإنما يرى القدرة .))اهـ
وشَتم رجلٌ عمرَ بنَ ذرّ العابدَ الزّاهد فقالَ لهُ عمرُ : يا هذا، لا تُغرِق في شَتمِنا ودعْ للصّلحِ موضِعا ، فإنّي أَمَتُّ مُشاتمةَ الرّجال صغيراً ولن أحييها كبيراً ، وإنّي لا أكافِئُ من عصى الله فِيّ بأكثرَ من أن أطيعَ اللهَ فيه .
قلتُ : وقد أحسن الشّاعر كلّ الإحسان حين قال :
إنّ الكريمَ إذا تمكّن مـن أذى ... أنستهُ قُدرتـه الحقـوقَ فأقلعا
وترى اللّئيمَ إذا تمكّن من أذىً ... يطغى ولا يُبقي لصُلحٍ موضعا
وقال ابنُ قُتيبة : حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي ، قال : أسمَعَ رجُلٌ الشّعبيَ كلاماً ، فقال له الشّعبي : إن كنتَ صادِقاً فغفرَ الله لي وإن كنتَ كاذبا فغفر الله لك . ومرّ بقومٍ ينتقِصُونه فقال :
هنيئا مريئاً غيرَ داء مخامر ... لِعزّةَ من أعراضنا ما استحلّتِ
قال ربيعُ بن المدني : وللحلم حدود معلومة لا تخفى على أمثالكم ، لأن كثيرا من الضّعفاء عندما لا يستطيع الدفاع عن نفسه يتظاهر بالحلم ، وهذا عينُ اللؤم / واسمع إلى ما قال صالِحُ بنُ جناح اللّخمِي الشّاعر أحد الحكماء : اعلم أنّ من النّاس من يجهَل إذا حلمتَ عنه ، ويحلم إذا جهلتَ عليه ، ويُحسِنُ إذا أسأتَ به ، ويسيءُ إذا أحسنتَ إليه ، ويُنصِفُكَ إذا ظلمته ، ويظلمُك إذا أنصفته ، فمن كان هذا خُلُقه ، فلابد من خَلق ينصِفكَ من خُلِقهِ ، ثمّ قِحَةٌ تنصفُ من قِحَتِه ، وجهالة تقدع من جهالته ، وإلاّ أذلّكَ ، لأنّ بعضَ الحلمِ إذعانُ .وقد ذلّ من ليسَ له سفيهٌ يعضّده ، وضلّ من ليس له حكيم يرشده . اهـ
وعضّ رجُلٌ سَفيهٌ رأسَ ذيوجانس ، ثمّ انهزمَ ، فعدا تلاميذُه في طلبه فأعجزهم ، فانصرفُوا مُغضبين ، فلمّا سكنوا قال لهم : ما دعاكم إلى طلب الهارب ؟ قالوا : لنقتصّ لك منه ، قال : أرأيتم لو أنّ بغلاً رَمَحَنِي لكنتم رامِحيه ؟! قالوا : لا ، قال : ولو أنّ كلباً عضّنِي لكنتم عاضّيه ؟!! قالوا : لا ، قال : فهذا بمنزلتهما ، فدعوا أخلاق البهائم والتّشبّه بفعلها ، واعملوا الحكمة بالوقار ، وأطفِئوا نار الغيظ بالكظم ، واغلبوا الإساءة بالإحسان ، واستبدلوا بطلب الثّأر العفو ، إن أردتم استكمال الحِكمة بالقول والفعل .
قلتُ : وأحسن من هذا الكلام كلام الله عزّ وجلّ :
"وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم " [فُصِّلَت: 34] : قال البغوي : ولا تستوي الحسنة والسّيئة ، يعني الصّبر والغضب ، والحِلم والجهل ، والعفو والإساءة ، "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" قال ابنُ عبّاس : أمر بالصّبر عند الغضب ، وبالحلم عند الجهل ، وبالعفو عند الإساءة .اهـ قال القرطبي : حسن العشرة والاحتمال والإغضاء . وعن ابن عبّاس : هو الرّجل يسبّ الرّجل فيقول الآخر : إن كنت صادقا فغفر الله لي ، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك . اهـ وقال ابنُ كثير : "فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم" وهو الصّديق : أي إذا أحسنتَ إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مُصافاتك ومحبّتك ، والحنو عليك ، حتّى يصيرَ كأنّه وليّ حميم . اهـ ويشرح الشّوكاني هذا المعنى فيقول : هذه هي الفائدة الحاصلة من الدّفع بالتي هي أحسن ، والمعنى : أنّك إذا فعلت ذلك الدّفع صار العدوّ كالصّديق ، والبعيد عنك كالقريب منك . اهـ يقولُ السّعدي : فإذا أساء إليك مسيء من الخلْق ، خصوصًا من له حقّ كبير عليك ، كالأقارب ، والأصحاب ، ونحوهم ، إساءة بالقول أو بالفعل ، فقابله بالإحسان إليه . فإن قطعكَ فصِلْهُ ، وإن ظلمك ، فاعفُ عنه ، وإن تكلّم فيك ، غائبا أو حاضرا ، فلا تقابله ، بل اعفُ عنه ، وعامله بالقول اللّين . وإن هجرك وترك خطابك فطيّب له الكلام ، وابذُل له السّلام . فإذا قابلتَ الإساءة بالإحسان ، حصلت فائدة عظيمة ...وما يوفّق لهذه الخصلة الحميدة " إلا الذين صبروا " نفوسهم على ما تكره ، وأجبروها على ما يحبّه الله . فإن النّفوسَ مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه ن فكيف بالإحسان ؟ !! اهـ
يقول سيّد قُطب في (( الظّلال )) : غير أنّ تلك السّماحة تحتاجُ إلى قلب كبير يعطف ويسمح وهو قادر على الإساءة والرّد ، وهذه القُدرة ضرورية لتؤتِي السّماحةُ أكلها . حتّى لا يصوّر الإحسان في نفس المسيء ضَعفا ، ولئن أحسّ أنه ضَعف لم يحترمه ، ولم يكن للحسنة أثرها إطلاقا . وهذه السّماحةُ كذلك قاصرة على حالات الإساءة الشّخصية . لا العدوان على العقيدة وفتنة المؤمنين عنها ، فأمّا في هذا فهو الدّفع والمقاومة بكلّ صورة من صورها . أو الصّبر حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا . اهـ
قلتُ : وصدق أبو الطّيب المتنبي :
إذا قيل رفقا قال للحلم موضع ....وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وقرأتُ في بعض كتبِ الأدب : قيل : بينما أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- جالس ، إذ جاء أعرابيّ فلطمه، فقام إليه واقدُ بنُ عمرو فجلد به الأرض ، فقال عمرُ: ليس بعزيزٍ من ليس في قومه سفيه !

نداء غريب صبري
23-08-2011, 03:06 PM
يقول الشاعر
لو كل كلب عوى القمته حجرا = لأصبح الصخر مثقالا بدينار

وفي هذا ما يتفق ومقالتك الرائعة أخي، ولكن الأمر يفهم عن المسيء كما ذكر سيد قطب رحمه الله على أنه ضعف
ولن تجد من يرضى أن يساء له ، ثم يسكت عن الاساءة ليتصور المسيء أنه صاحب حق بان يفعل ما فعل وأن من عفا عنه عفا ضعفا

أرى هذا من أصعب الجهاد
والله أعلم

بوركت

ربيع بن المدني السملالي
23-08-2011, 04:43 PM
يقول الشاعر
لو كل كلب عوى القمته حجرا = لأصبح الصخر مثقالا بدينار

وفي هذا ما يتفق ومقالتك الرائعة أخي، ولكن الأمر يفهم عن المسيء كما ذكر سيد قطب رحمه الله على أنه ضعف
ولن تجد من يرضى أن يساء له ، ثم يسكت عن الاساءة ليتصور المسيء أنه صاحب حق بان يفعل ما فعل وأن من عفا عنه عفا ضعفا

أرى هذا من أصعب الجهاد
والله أعلم

بوركت
معك كل الحق أخيتي الفاضلة ( نداء )، بارك الله فيك وفي تعليقاتك الطيبة والجميلة
دمت موفقة كما أنت الآن
تحيتي