المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في رحاب آية



د عثمان قدري مكانسي
04-09-2011, 06:02 PM
في رحاب آية : كل نفس ذائقة الموت
الدكتور عثمان قدري مكانسي
قرأت اليوم في سورة آل عمران هذه الآية الكريمة :
1- كل نفس ذائقة الموت ،
2- وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ،
3- فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ،
4- وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. ( آل عمران ؛ 185)
وتوقفت عند مقاطعها الأربعة فعلمت أن الحياة تدور عليها وتختصرها في هذه الزوايا التي لا بد أن يمر عليها المكلف من موت ثم الوقوف بين يدي الله يوم القيامة ، ثم الحساب ونجاة المؤمن من النار ودخوله الجنة بفض الله جل جلاله ، ثم الحكمة التي علينا أن نفقهها ونحن في الدنيا كي نعلم سبب وجودنا ، ومن عرف وفهم وعمل نجا وظفر.
1- ينبئنا المولى تعالى أن كل نفس ذائقة الموت كقوله تعالى " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " فهو تعالى وحده الحي القيوم . والجن والإنس يموتون وكذلك الملائكة وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخراً كما كان أولاً ، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت فإذا انقضت العدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها ، قليلها وكثيرها ، كبيرها وصغيرها ، فلا يُظلم أحدا مثقال ذرة ولهذا قال تعالى " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " وعن علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودرَكا من كل فائت ،فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا . فإن المصاب من حُرم الثواب،والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فقال : أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر عليه السلام . ( عن ابن كثير) قال أمية بن أبي الصلت: من لم يمت عبطة يمت هرما --- للموتِ كأسٌ وإن المرء ذائقها وقال آخر : الموتُ بابٌ وكل الناس داخلـُه --- فليت شعري بعد الباب ما الدار ؟
وللموت أسباب وأمارات , فمن علامات موت المؤمن عرق الجبين . لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن يموت بعرق الجبين " فإذا احتضر لقن الشهادة ; لقوله عليه السلام : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة ; ولا يعاد عليه منها لئلا يضجر . ويستحب قراءة " يس " ذلك الوقت ; لقوله عليه السلام : " اقرءوا يس على موتاكم " أخرجه أبو داود . وذكر الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت ) . فإذا قضي وتبع البصر الروح كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وارتفعت العبادات وزال التكليف توجهت على الأحياء أحكام ; منها : تغميضه . وإعلام إخوانه الصلحاء بموته ، ومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والتكفين والدفن لئلا يسرع إليه التغير ; قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخَّروا دفن ميتهم : ( عجِّلوا بدفن جيفتكم ) وقال : ( أسرعوا بالجنازة ) .
2- والدنيا دار عمل والآخرة دار حساب ، يدل على ذلك أسلوب القصر " إنما " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " فحين يُجمع المخلوقات " الجن والإنس " بشكل خاص في أرض المحشر ثم في أرض الحساب وتوزع الكتب على أصحابها يتخاصم الناس فيما بينهم " ثم إنكم يومئذٍ عند ربكم تختصمون " ويطالب المظلوم بحقه من الظالم ، ومِن عدلِ الله تعالى أن لا يضيع مثقال ذرة " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" ويقول سبحانه " ولا يظلم ربك أحداً " وقال القرطبي رحمه الله تعالى : فأجر المؤمن ثواب , وأجر الكافر عقاب , ولم يعتد بالنعمة والبلية في الدنيا أجرا وجزاء ; لأنها عرصة الفناء .
3- ومن جُنِّب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز، فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئم " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " وتقدم عند قوله تعالى " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " . أما وَقعُ الفعل المبني للمجهول "زُحزِح "فمخيف لأنه يصور المرء مندفعاً إلى النار بسبب تمكن أهوائه منه ونسيانه الآخرة وانشغاله بالدنيا فتجيء رحمة الله تعالى تزحزحه عن الهاوية ، فيبتعد عنها ، ثم يأتي الفعل الآخر المبني للمجهول " وأُدخِل " ليدل على أن دخول الجنة برحمة الله وفضله سبحانه لا بعمل المرء ، فكلنا يدخل الجنة برحمة الله وغفرانه جل جلاله. وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ) . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " ) .
4- وقوله تعالى " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " تصغير لشأن الدنيا وتحقير لأمرها وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة كما قال تعالى " بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى " وقال " وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى " . وفي الحديث " والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع إليه " وقال قتادة الدنيا متاع متروكة أوشكت والله الذي لا إله إلا هو أن تضمحل عن أهلها فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم ولا قوة إلا بالله . فإذا كانت متاع الغرور فلماذا يتعلق الإنسان بفانٍ ويتخلى عن باقٍ لولا ضعف في إيمانه وخلل في تفكيره ؟!
وقد أحسن من قال : هي الدار دار الأذى والقذى --- ودار الفـنـاء ودار الغـِيـَر فـلـوْ نـلـتـَهـا بحـذافـيـرهـا --- لمُتَّ ولم تقضِ منها الوطر أيا من يؤمل طول الخلود --- وطولُ الخلود عليه ضرر إذا أنت شبت وبان الشباب --- فلا خير في العيش بعد الكبر قال ابن عرفة : الغُرور ما رأيت له ظاهرا تحبه , وفيه باطن مكروه أو مجهول . والشيطان غَرور ; لأنه يحمل على محاب النفس , ووراء ذلك ما يسوء .

احمد حمود الغنام
05-09-2011, 10:25 AM
تأملات حصيفة من دكتورنا عثمان قدري مكانسي ، فبارك الله فيك وزداك علما وفضلا .
مع عاطر التحيات ،

ربيحة الرفاعي
09-09-2011, 11:22 PM
ما شاء الله
قراءة متدبرة وتأمل مخلص في الآية الكريمة
متعك الله ونفعك بما علمك
ولا حرمك أجر رفدنا بعلمك

دمت بألق

د عثمان قدري مكانسي
09-09-2011, 11:33 PM
أخويّ الكريمين ( أحمد محمود الغنام ) و( ربيحة الرفاعي )
سلام الله عليكما ورحمة منه وبركات
حين قرأت تقريظكما تبسمت ...
أتدريان سبب البسمة ؟
تذكرت أن رجلاً في المسجد يصلي وكان بعضهم ينظرون إليه فحسّن صلاته ، فقالوا : ما شاء الله ، إن في صلاته خشوعاً ، فالتفت إليهم وقال : أعجبتكم صلاتي ولست متوضئاً ، فكيف لو كنت متوضئاً ؟!وقيل : إنهم أعجبوا بصلاته ، فقال لهم وأنا صائم كذلك ... حفظكما الله وأحسن إليكما
أخوكما عثمان

ريم محمد
30-09-2011, 06:02 PM
أخي الكريم د. عثمان

كم تحتاج روحي إلى مثل هذه الوقفات الرائعة


تقديري

تحفظك عناية المولى

د عثمان قدري مكانسي
30-09-2011, 09:54 PM
وأسأل المولى تعالى أن يشملك بفضله وكرمه
ما أحلى أن يدعو الأخ لأخيه بظهر الغيب وخصوصاً أنه لا يعرفه إلا على صفحات النت ..
إنها أُخوّة الإسلام العظيم

عبد الرحيم صادقي
24-12-2011, 12:01 AM
بارك الله فيك وزادك علما
وجعل ما تكتب في ميزان حسناتك

آمال المصري
24-12-2011, 01:40 AM
بوركت شاعرنا وجوزيت الجنة
وليتك تفدنا من علمك بقراءات في رحاب آيات أخرى أثابكم الله
جل تقديري

د عثمان قدري مكانسي
24-12-2011, 06:18 PM
أستاذ عبد الرحيم وأستاذة آمال
سلام الله عليكما وتحية طيبة منه سبحانه وبركات
يسرني أن يتمعّن المرء دارساً لكتاب ربه تعالى
ويسعدني أن يجد من يتابع
بارك الله فيكما وكتب لكما وللمسلمين الخير في الدارين
عثمان

حسن رميح
05-01-2012, 11:13 AM
اخى الفاضل الدكتور

عثمان

بارك الله فيك اخى

وجزاك الله عنا خيرا

على هذا الشرح الكافى

وجعله الله بميزان حسناتك

وعطر

د عثمان قدري مكانسي
05-01-2012, 03:36 PM
نسأل الله تعالى يا أخي الأستاذ حسن رميح حفظك المولى أ-ن ينفعني بآيه الكريم ... وإلا كنت كمثل ..... يحمل أسفاراً
وحسبنا الله ونعم الوكيل
اللهم اعنا على رضاك والجنة