المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : درس بليغ من لقمان الحكيم(2)



د عثمان قدري مكانسي
26-01-2012, 06:15 AM
درس بليغ من لقمان الحكيم(2)
الدكتور عثمان قدري مكانسي
العاقل من وعى دروس الحياة وخبِرَها وعلّم الناس وأرشدهم فكان أستاذاً بحق ، بدأ بنفسه ثم أهله ثم الأقرب فالأقرب . وكان لقمان الحكيم من هؤلاء المربين الناجحين الذين ذكرهم القرآن الكريم وأعلى شأنهم. فتراه ينصح ولده متحبباً فيناديه بكلمة التحبب ( يا بُنَيّ) ثلاث مرات :
1- الأولى يعظه فيها بعبادة الله تعالى وحده ، وعدم الإشراك به سبحانه." يا بُنَيّ ؛ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم"
2- الثانية: بيان عظمة الله القادر على كل شيء العالم بكل شيء." يابُنَيّ إنها إن تك مثقال حبة من خردل ، فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتِ بها الله ، إن الله لطيف خبير"
3- نصائح لا بد منها أمراً ونهياً ترفع شأن صاحبها وتجعله في بؤرة الرضا." يابُنَيّ أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك ، إن ذلك من عزم الأمور، ولا تُصعّر خدّك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختار فخور، واقصد في مشيك واغضض من صوتك ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير".
فالعظة الأولى وهي عماد الحياة توحيد الله تعالى ، فالشرك ظلم عظيم. والظلم نوعان ،
1- أما أحدهما فظلم الإنسان نفسَه في الشرك يؤدي به إلى غضب الله عليه ومعاقبته بالنار والعذاب الشديد الدائم والعياذ بالله من غضبه وعذابه.
2- وثانيهما أن يظلم الإنسانُ حقَّ ربه في إفراده بالعبادة وحده. وقد يتساءل أحدهم معترضاً : إن الظلم يكون من القوي على الضعيف ، فكيف يظلم الإنسان ربه حقَّه؟! والجواب أن اللغة العربية واسعة المعنى متسعة الافكار ، ولهذا نزل القرآن بها لأنها تتسع له وهي قادرة على توليد المعاني ، والدليل على ذلك حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في صحيحه :" إن الله عز وجل يقول ، يوم القيامة : يا ابن آدم ! مرضت فلم تعدني . قال : يا رب ! كيف أعودك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده . أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا ابن آدم ! استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا رب ! وكيف أطعمك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم ! استسقيتك فلم تسقني . قال : يا رب ! كيف أسقيك ؟ وأنت رب العالمين . قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " فالمولى تعالى خالقُ المرض والطعام والماء والزمان والمكان . وهو المُحْدِثُ لكل هذا( الذي خلق الحَدَثَ) لا يتأثر بالحَدَث ومع هذا نجد الحديث الشريف يذكر الله تعالى موجوداً عند المريض – وهو الذي لا يحدّه مكان-ويستطعم ويستسقي – وهو المنزّه عن النقصان - ليقرب المعنى إلى عبده ، فيفهم العبدُ المطلوبَ ويعمل به,
والملفت للنظر بل الجميل في المعنى والمبنى – أيضاً- أن بين الموعظة الأولى والموعظة الثانية آيتين لهما علاقة بالبر بالوالدين ذكرهما القرآن الكريم للتأكيد على الإحسان إليهما ، فالآباء هم الذين يربون أبناءهم على الإيمان بالله ويدلونهم على طريقه . ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "يولد الإنسان على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينَصّرانه أو يُمَجّسانه" فكما أنّ علينا واجبَ الشكر لله فمن واجبنا أن نشكر آباءنامع شكرنا لله تعالى " أن اشكر لي ولوالديك " فالله تعالى سبب الخلق والأباء السبب المباشر لوجودنا. والشكر للطرفين واجب على أن لا يتعارض شكر الوالدين بشكر الله تعالى فشكره – سبحانه- المقدّم. ويوجه القرآن الأبناء إلى معاملة آبائهم المعاملةالطيبة ولو كان الآباء مشركين فحسابهم الاعتقاديّ على الله .
والعظة الثانية تعليل لوجوب عبادة الله وتوحيده ، فهو سبحانه العالم بكل شيء المتصرف بكل شيء والقادر عليه . والقرآن يعلمنا قاعدة مهمة في الحياة : (التعليل ) فمتى اقتنع الإنسان بأمر فعله والتزمه وثابر على أدائه.
والعظة الثالثة أوامر ونواهٍ .وهكذا الحياة بقوانينها وأنظمتها كما أن الأوامر عادة ما تكون أكثر من النواهي . فالنواهي هنا أربع ( لا تشرك بالله ، لا تطعهما ، لا تصعّر ، لا تمشِ) والأوامر أكثر فهي تسعٌ( اشكر، صاحبهما، اتّبِعْ، أقم الصلاة، وامر بالمعروف، انهَ ،اصبرْ، اقصِد، اغضضْ) وهي وإن كانت على شكل نصائح فهي قواعد لا بد من التزامها فالحياة تقوم عليها ، وهي عصارة تجارب المرء المجرب العاقل الذي خبر الحياة نظراً وتأملاً وعملاً
كما أن لقمان يذيّل بعض نصائحه بحكمة مناسبة فبعد قوله: "اصبر على ما أصابك "ذيّلها بقوله:" إن ذلك لمن عزم الأمور" وحين نهاه عن التكبر والتعالي على الناس ذيلها بقوله" إن الله لا يحب كل مختال فخور " وحين نهاه عن رفع الصوت برره قائلاً " إن أنكر الأصوات لصوتُ الحمير " ومن يكره نتائج الصبر ولا يخاف الله ومن يحب أن يقرن صوته العالي بصوت الحمار؟
إنها وصايا عقَدية وأدبية وخُلقية واجتماعية إذا التزمَتْها أمةٌ ارتقت وتصدرت ركب الحضارة .
فهل نشمر عن ساعد الجد لنكون خير أمة أخرجت للناس.

نادية بوغرارة
26-01-2012, 10:26 AM
بارك الله فيك و زادك علما و فهما .

في انتظار دائم لمادة تفكّرك و تدبّرك .

د عثمان قدري مكانسي
26-01-2012, 10:42 PM
للمسجد حمامة نسميها حمامة المسجد ، وهو الرجل الذي يلتزم الجماعة في أكثر الصلوات
وكلما دخلت الرابطة وجدت حمامتها = الأخت نادية - ، سيّما أن شارتها حمامة ذات دمعة تعبر عما في النفس
اللهم اجعل الدمعة في سبيلك

زهراء المقدسية
28-01-2012, 12:51 PM
إنها وصايا عقَدية وأدبية وخُلقية واجتماعية إذا التزمَتْها أمةٌ ارتقت وتصدرت ركب الحضارة .
فهل نشمر عن ساعد الجد لنكون خير أمة أخرجت للناس.


إنها والله كذلك وقد أصبت أيها الفاضل
ولن تكون أمتنا خير أمة وهي تبتعد عن كتاب الحق
ولا تعي ما فيه من الدروس والعبر


واسمح لي باستفسار وأنت أعلم مني
قرأت ذات مرة عن نصوص بحكمة لقمان
وكل ما أعلمه أن ما ورد عن لقمان كان من القرآن الكريم
فهل هذه النصوص صحيحة أم لا؟؟؟

دمت بكل عطاء

عايد راشد احمد
31-01-2012, 11:51 AM
السلام عليكم ورحمة الله

دكتورنا الفاضل عثمان

اجرك عند الله بمت نفعتنا به من علم وشرح ميسر مبسط اوصل المعلومة بسلاسة

بارك الله لك وفيك وجزاك الجنه

تقبل مروري وتحيتي

كاملة بدارنه
31-01-2012, 12:09 PM
شكرا لك أستاذنا الكريم على هذا التّنوير، والتّذكير بالمواعظ الضّروريّة، والشّرح الوافي

جعل الله ذلك في ميزان حسناتك

تقديري وتحيّتي

د عثمان قدري مكانسي
31-01-2012, 08:05 PM
أستاذتي زهراء ما جاء في القرآن يؤكد حكمة لقمان عليه السلام ،
ولنا أن نأخذ مما سمعنا وقرأنا من أدب تشريع أهل الكتاب ما يوافق ما جاءنا في كتاب ربنا وسنة نبينا
وفي الإسرائيليات الكثير من الحكم التي يمكن أن نتأدب بها وانتبهي إلى كلمة ( التأدب) فقط ،
لك تحياتي القلبية ولفضيلة الأستاذ المحترم عايد راشد حفظه الله فقد طرز صفحتي بتوقيعه الطيب.
وكذلك الأستاذة كاملة البدارنة نفع الله بها ورفع قدرها وأقدار كل أدباء الرابطة وعلمائها والقائمين عليها ؟