المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين الخليل والضليل



د عثمان قدري مكانسي
02-04-2012, 11:17 PM
بين الخليل والضليل
الدكتور عثمان قدري مكانسي
الحوار بين المتناقضين فكراً وهدفاً أمرٌ عادي تراه في حديث الدعاة وأصحاب المبادئ وفُرَقاء السياسة وأرباب العلم والأدب . وفي القرآن أمثلة واضحة تدل على وجوب الحوار الهادف للوصول إلى الحق أو لدحض الطرف الآخر . منها ما كان بين سيدنا إبراهيم عليه السلام وملك زمانه الذي أمر بطرحه في النار ، فلما أنقذه الله منها كان بينهما لقاء قرأناه في سورة البقرة ، أول الجزء الثالث من القرآن الكريم :
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258))
ولعلك ترى في قوله تعالى( ألَمْ ترَ) دعوة إلى التفكر والتدبر في أمور عدّة ، منها :
1- أن على المرء أن يتفكر ويتدبر فيما يجري حوله ليصل إلى الهدف المنشود.
2- وأن على العاقل أن يمحص الأمور ويقلبها معتمداً على فهم الواقع والعظات والعِبر.
3- وأن يكون الهدف من الحوار حضوراً أو اشتراكاً فيه الوقوف على الحق والتزامه.
قد يغتر الإنسان بنفسه حين يغتني ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) ألم يقل الرجل الغني المكابر للمؤمن الأقل منه مالاً وولداً متفاخراً ( أنا أكثر منك مالاً وأعزّ نفراً ) يظن أنه بكثرة ماله وولده أكرم منه وأقرب عند الله. أو أعظم مكانة من غيره ، والحقيقة أن الغنى والفقر امتحان واختبار ، وقد قال الله تعالى في هذا المعنى ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعّمه فيقول ربي أكرَمَنِ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول : ربي اهانَنِ ) ويأتي الجواب ( كلا ..) وهذا الملك الذي يحاوره إبراهيم الخليل عليه السلام يَدِلُّ عليه أنه ملك عظيم ... وينكر على إبراهيم عبادة الله ( حاجّ إبراهيم في ربه) ومن كان ملكاً استعبد الناس واستعلى عليهم، وفرض عليهم نفسه إلهاً
والملاحظ أن المستكبر لا يملك -على الأغلب – آلية الحوار والمبادرة فيه سوى الامر الواجب على الآخرين أن ينفذوه دون تباطؤ. لقد بدأ إبراهيم عليه السلام بالحوار قائلاً : إن الإله يحيي ويميت ، وما ذكر هاتين الصفتين إلا لأنهما من أوّليّات الألوهية الحقة فما كان من الملك السفيه إلا ان ردّ ( أنا أحيي وأميت) دون أن يفهم مرام الكلمة ، فمن صفات المحيي والمميت أنه أبدي سرمدي ، وأنّى لمخلوق مهما علت مرتبته واشتدت قدرته أن يَحيَى إلى الأبد ، ونسي هذا المدّعي أن له بداية ، ومن كانت له بداية لا بد أن تكون له نهاية ، فهو ميّت وعاجز مقهور [ والميّت بتشديد الياء :الحي الذي سوف يموت ، وقد خاطب الله تعالى نبيه الكريم : إنك ميّت وإنهم ميّتون؟] ، وظن الملك المستكبر الجاهل أن العفو عمّن استحق عقوبة الموت إحياءٌ وأن قتل الغافل عن الظلم إماتة ، فجاء باثنين قتل أحدهما وأبقى على الثاني، وهذه غاية الحماقة في المتكبرين
لا بد -إذاً – من تعجيز واضح ينهي الجولة بما لا يحتمل التاويل . فأخبره أن الله يأتي بالشمس من المشرق ، فليأتِ بها من المغرب . وهذا الكلام جاء صاعقة على الملك المغرور ، فما كان يتوقع هذه الضربة القاصمة التي تشل تفكيره وتسكت غروره ، فانتهى الحوار سريعاً حين أُخرس مُدّعي الألوهية وظهرت حجته واهية أو قلْ : تعرّى أمام ملئه حين أُفحم وأُبلس. لقد كانت الشمس تسير في دائرتها المخططة لها قبل أن يولد الملك والبشرية كلها وفق نظام محكم لا تحيد عنه إلى أن تقوم الساعة.
ومن اساليب الحوار المفحم ان تبادر من تحاوره بما لا يتوقعه ، فيُسقط في يده ويظهر ضعفه سريعاً فتنتهي جولة الحوار قبل أن تبدأ ، واستعمل القرآن كلمة ( بُهِتَ ) التي تصور صمته المفاجئ وفمه المفتوح ،وحركته المتوقفة ، وانفراج عينيه وميلان رأسه للأمام . ثم تصوّر – أخي - الصمت الذي ران على الحضور والعيون المراوحة بين إبراهيم عليه السلام والملك المفجوع بالجواب المخرس.
وتأتي القفلة الرائعة توضح سبب خسارة الملك الضليل ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) .
وهل أظلم ممن ادّعى ما ليس له.؟
وهل أظلم ممن كذب على الناس؟
وهل اظلم ممن استعبدهم وأبعدهم عن الهدى؟
وهل أظلم ممن يحاول وأد النور وإشاعة الكفر والضلال؟.
إنهم لا يتعلمون ممن سبق ويستمرون على غيهم وفسادهم ، ويقعون في الخطإ نفسه الذي وقع فيه أمثالهم من الظلمة المجرمين ، وقد صدق فيهم قوله تعالى ( ونذَرُهُم في طغيانهم يعمهون).

سامية الحربي
04-04-2012, 12:06 AM
ليس هناك أفضل من مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل ولا يوجد أفضل من القرآن في تلك الحوارات بين الأخيار والأشرار ليبهت الذي ضل و حاد عن جادة الصواب . وبعد الحوار المستفيض تُقام الحجة .
قال ابن القيم -رحمه الله- "إذا ظفرت برجل واحد من أولي العلم،طالب للدليل، محكم له، متبع للحق حيث كان، وأين كان، ومع من كان، زالت الوحشة وحصلت الألفة وإن خالفك؛ فإنه يخالفك ويعذرك. والجاهل الظالم يخالفك بلا حجة ويكفرك أو يبدعك بلا حجة، وذنبك: رغبتك عن طريقته الوخيمة وسيرته الذميمة، فلا تغتر بكثرة هذا الضرب، فإن الآلاف المؤلفة منهم؛ لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد من أهل العلم يعدل ملء الأرض منهم". أعلام الموقعين1/308.

بارك الله فيك دكتورنا الفاضل وزادك علماً وتوفيقاً.

احمد حمود الغنام
04-04-2012, 06:05 AM
وقفات ومحطات مضيئة ، فهم مسؤول لواقع نعيشه ونتقاطع معه في كثير من مناحي الحياة.
فبارك الله في علمك وزادك فضلا أستاذنا المفضال دكتور عثمان قدري مكانسي ..
والشكر موصول لأختنا الأديبة الأريبة غصن الحربي على إثرائها الطيب.
لك مني أجمل التحية وأطيبها،

د عثمان قدري مكانسي
04-04-2012, 10:08 AM
يروى عن الإمام علي رضي الله عنه قولُه: ما جادلني عالم إلا حججتُه ، ولا جادلني جاهل إلا خصمني
ولهذا كان جواب الملك الضال قتل البريء والعفو عن المجرم بحجة القدرة على الإحياء والإماتة .
لم يعِ ولن يعيَ حقيقة الموت والحياة إلا من كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد.
فكان الدواء من سيدنا إبراهيم ( الكيّ) لمثل هذا الإنسان ، فأفحمه. وكان الإفحام (بهته) .
شكراً للأخت الأديبة غصن الحربي بما قدمت من إضاءة مفيدة ، وشكر الله الأستاذ أحمد محمود الغنام مداخلته الطيبة ،
نفعنا الله بأمثالهما

ربيحة الرفاعي
06-04-2012, 09:53 PM
قرأت الموضوع الرائع فشكرت لأستاذنا الدكتور عثمان قدري مكانسي ما يتحفنا به من وقفات مباركة من فيض علمه وتدبره
ومررت بتعليق الرائعة غصن الحربي فشكرت لها ما أثرت الموضوع بمشاركتها الكريمة

أهلا بكما في واحة الخير

تحيتي

نداء غريب صبري
06-04-2012, 10:14 PM
ومن اساليب الحوار المفحم ان تبادر من تحاوره بما لا يتوقعه ، فيُسقط في يده ويظهر ضعفه سريعاً فتنتهي جولة الحوار قبل أن تبدأ
كل ما قلته هنا أخي رائع
ولكن هذه أدهشتني وسافكر بها كثيرا حتى أعرف كيف استفيد منها

شكرا لك

بوركت

فيصل مبرك
07-04-2012, 11:59 AM
شكرا لك على ما تفضلت به...

د عثمان قدري مكانسي
07-04-2012, 11:11 PM
للأختين الفاضلتين الأستاذة ربيحة الرفاعي والأستاذة نداء غريب صبري
وللأستاذ الفاضل فيصل مبرك شكري لمرورهم المشجع .
يتعلق المقال بالوضع الحاضر في سورية الحبيبة التي تفرض ثورتها المباركة حضورها على الصعيد العالمي ، فالغرب والشرق لا يريد للثورة النصر ويختلق المُهل للنظام راغبين جميعا بوأد هذه الثورة التي يخافها الجميع ويسعون للقضاء عليها
من تصريح وزير الخارجية الروسي الذي أعلن صراحة أنه لا يريد للإسلام أن يحكم سورية وأنه مع النظام يؤيده ويدعمه بالسلاح والرجال
ومن تأكيد صفوي على دعم النظام بالسلاح والجيش والشبيحة ،
ومن تأكيد الخارجية الأمريكية على حظر السلاح عن الجيش السوري الحر كي لا يقع بيد ( القاعدة)!
الجميع يراهنون على انتصار النظام المجرم ويدعمه
والله تعالى مع السوريين وسينصرهم بقوته وتأييده ( والله غالب على أمره ) والنصر قريب قريب بإذن الله.

ربيع بن المدني السملالي
08-04-2012, 12:30 AM
موضوع كبير وعظيم ومفيد ، وهذا ما عهدناه من الدكتور عثمان لله درّه
بارك الله فيك أخي الكريم وجزاك خيرا
تحياتي لك والمودة

د عثمان قدري مكانسي
08-04-2012, 11:39 PM
الحب والشكر للأخ الفاضل ( الربيع ) جعل الله أيامك ربيعاً كلها
اليوم يعلن النظام السوري أنه لن ينسحب من المدن إلا حين يلقي الجيش السوري الحر أسلحته
وهذا اعتراف صريح بالجيش السوري الحر على أنه جيش الشعب وأن كتائب الأسد جيش محتل غاشم يحرق الديار ويقتل الناس ويسرق حياتهم واموالهم
ويقر أن له ندا حقيقيا هو الجيش الحر وأن كتائب الأسد جسم غريب ينبغي اقتلاعه

عايد راشد احمد
20-04-2012, 10:48 AM
السلام عليكم ورحمة الله

دكتورنا الفاضل

بوركت سيدي لما تنقعنا به من علم نافع جعله الله في ميزان حسانك

بارك الله لك وقيك

تقبل مروري وتحيتي

د عثمان قدري مكانسي
20-04-2012, 04:29 PM
لعلك تتذكر - أستاذ عايد- أن جبريل عليه السلام قال للذات الإلهية حين قال فرعون لقومه ( ما علمت لكم من إله غيري ) يا رب لقد جار وطغى ...
لكن المولى تعالى أملى لهذا الظالم المتأله حتى قال كلمة أكبر من الأولى وأشد طغياناً ( أنا ربكم الأعلى) فاستعمل كلمة التفضيل ( أعلى) ... حينئذ ( فأخذه الله نكال الىخرة والاولى) أغرقه ولم يقبل منه إيمانه وقت الغرغرة
اللهم فخذ الطغاة أخذ عزيز مقتدر وأرنا فيهم عجائب قدرتك