المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحوال القلب وعلاجه .



مصطفى امين سلامه
04-04-2012, 12:15 PM
..
للدكتور: عبدالرزاق العباد البدر-حفظه الله-
بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ القلب مضغة صغيرة في صدر الإنسان عظيمة الخطر كبيرة الأثر ،
صلاحه صلاح للبدن كله وللجوارح جميعها، وفساده فساد للبدن كله
وللجوارح جميعها . عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

( ... أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ
وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ) [1].

فما أعظم خطر هذه المضغة وما أكبر أثرها !! فكل حركة وسكون تقع من
الإنسان وكل فعل أو ترك فرعٌ عن مراد هذه المضغة ، بل لا يمكن
للجوارح أن تتخلف عن ذلك ،

كما قال بعض السلف

" القلب ملك والأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طاب الجند ،
وإذا فسد الملك فسد الجند " ،

وما أحوج الإنسان إلى العناية بهذه المضغة إصلاحاً وتنقية وتزكية
وتطهيراً ، ومن الدعوات المأثورة في هذا الباب :
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

}... اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا { [2].

وإن أهم ما ينبغي مراعاته في هذا المقام معرفة الغاية التي خُلقت القلوب
لأجلها وأوجدت لتحقيقها ألا وهي توحيد الله وإخلاص الدين له .

والقلوب في هذا الأمر على قسمين :

الأول : قلب مشغول بالله عاقل للحق مفكر في العلم مجتهد في تحقيق هذه
الغاية ، وهو بهذا يكون قد وضع في موضعه الصحيح ، وحينئذ يكون له
وجهان : وجهٌ مقبلٌ على الحق علماً وعملاً سعياً وإذعاناً رغبة وطلباً
تحقيقاً وتطبيقاً . ووجهٌ معرض عن الباطل منصرف عنه حذراً من الوقوع
فيه ، ويقال له : القلب الزاكي، والقلب الطاهر ، والقلب السليم ،
لأن هذه الأسماء تدل على سلامة القلب من الشر وبُعده عن الخبث
وخلاصه من الآفات .

الثاني : قلبٌ منصرف إلى الباطل منحرف عن الغاية التي أوجد لأجلها
وخُلق لتحقيقها ، وله وجهان : وجهٌ مقبلٌ على الباطل مشغول به ،
ووجهٌ معرض عن الحق غير قابل له ، وهما في الحقيقة آفتان :
آفة الصدود عن الحق ، وآفة الإقبال على الباطل ، ولكلٍّ منهما أضراره
الجسيمة ونتائجه الوخيمة .

والباطل الذي ينشغل به القلب عن هذه الغاية نوعان :

أولاً : نوع يشغل القلب عن الحق ويزاحم الخير الذي فيه دون أن يعانده
ويصادمه ، كالأفكار والهموم والغموم والأحزان الناشئة عن علائق الدنيا
وشهوات النفس .

ثانياً : نوع يعاند الحق الذي في القلب ويصادمه ويصد عنه ،
مثل الآراء والأهواء المردية من الكفر والنفاق والبدع ونحو ذلك .
فالأول يزاحم القلب ، والثاني يصادم ما فيه [3].

وعلاج الأول : بالعودة بالقلب إلى التوحيد الخالص والإيمان الصحيح
الذي خُلق القلب لأجله ، وعدم شغله بأمر آخر .

ومن الأحاديث الواردة في ذلك : ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما

( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ :
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ،
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) [4].

وعن أسماء بنت عُميس رضي الله عنها قالت :
قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

( أَلَا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْبِ ؟
اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) [5].

وعن أبي بكرة رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

( دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ :
اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ ،
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ) [6].

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ :
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ،
فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ) [7].


وجميع هذه الكلمات الواردة في هذه الأحاديث كلمات إيمان وتوحيد
وإخلاص لله عز وجل وبُعد عن الشرك كله كبيره وصغيره ، وفي هذا أبين
دلالة على أنَّ أعظمَ علاج للكرب هو تجديدُ الإيمان وترديد كلمة التوحيد
(لا إله إلا الله) ، فإنه ما زالت عن العبد شدةٌ ولا ارتفع عنه همٌّ وكربٌ
بمثل توحيد الله وإخلاص الدين له وتحقيق العبادة التي خُلق العبد لأجلها
وأوجد لتحقيقها ، فإن القلب عندما يُعمَر بالتوحيد والإخلاص ويُشغل بهذا
الأمر العظيم الذي هو أعظم الأمور وأجلُّها على الإطلاق تذهب عنه
الكربات وتزول عنه الشدائد والغموم ، ويسْعَدُ غاية السعادة .
قال ابن القيم رحمه الله :

" التوحيد مفزع أعدائه وأوليائه ، فأمَّا أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها:

{ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ }

[العنكبوت:65] ،

وأما أولياؤه فينجيهم من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها .
ولذلك فزع إليه يونس, فنجَّاه الله من تلك الظلمات , وفزع إليه أتباع
الرسل فنجوا به مما عُذِّب به المشركون في الدنيا وما أعِدَّ لهم في الآخرة
. ولما فزع إليه فرعون, عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق, لم ينفعه ,
لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل ؛ هذه سنة الله في عباده ،
فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ،
ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله كربه بالتوحيد ،
فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك ، ولا ينجِّي منها إلا التوحيد,
فهو مفزَع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها . وبالله التوفيق"[8] ا.هـ .


وعلاج الثاني بالهداية لهذا الدين الحنيف والتوفيق للدخول فيه ،

قال الله تعالى

{ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ }

[الزمر:22] .

وكل منحرف عن هذا الدين منصرف عن الهدى ؛ فقلبه مريض ولا شفاء
له إلا بالدخول في هذا الدين ، وفي غاية الظمأ والعطش لا يرويه إلا معِين
هذا الدين الصافي ومنهله العذْب .


قال أحد المهتدين لهذا الدين :

" إنَّ غير المسلمين على اختلاف نحَلهم ومللهم ظمأى ، بل يكادون
يهلكون من شدة الظمأ ، وذلك لأنهم لم يجدوا ما يروي ظمأهم في
عقيدتهم البالية - محرَّفة كانت أو مؤلفة من ورث عقولهم - ،
ويا لله العجب كلما شربوا منها ازدادوا ظمأً ، وما كنتُ إلا واحداً من هؤلاء ،
ووالله ما ارتويت إلا من بعد أن نهلت من نهر هذا الدين العذب الصافي

{ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }

[الجاثية:36] "[9].
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

*********
________________
[1] متفق رواه البخاري (52) ومسلم (1599) .
[2] رواه مسلم (2722) .
[3] انظر (طريق الوصول) لابن سعدي ص (162-163) .
[4] رواه البخاري (6346) ، ومسلم (2703) .
[5] رواه أبو داود (1525) ، وابن ماجه (3882) ،
وصححه الألباني رحمه الله في (صحيح الترغيب) (1824).
[6] رواه أبو داود (5090) ، وحسنه الألباني رحمه الله في (صحيح الجامع) (3388).
[7] رواه الترمذي (3505) ، وصححه الألباني رحمه الله في (صحيح الجامع ) (3383) .
[8] (الفوائد ) ص ( 95-96) .
[9] من مذكرة لمحمد حسين عبد الله الصيني .

ربيحة الرفاعي
05-04-2012, 11:47 PM
موضوع قيم ونافع

نشكر للكريم مصطفى أمين سلامة ذكاء اختياره واجتهاده في نقله

أهلا بك ايهاالكريم في واحتك

تحيتي

ربيع بن المدني السملالي
08-04-2012, 12:13 PM
موضوع مفيد ومثمر من أخٍ عوّدنا على ذلك ، بارك الله فيك أيها الكريم ، سررتُ بك وتشرّفت
دمتَ بخير وعافية
تحياتي

سامية الحربي
08-04-2012, 04:37 PM
فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ،
ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله كربه بالتوحيد ،
فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك ، ولا ينجِّي منها إلا التوحيد,
فهو مفزَع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها . وبالله التوفيق"[8] ا.هـ

أحسن الله إليك ونفعنا بما قدمت نقل موفق .جـــزاك الله خيراً.

عايد راشد احمد
12-04-2012, 03:52 AM
السلام عليكم ورحمة الله

استاذنا الكريم

بارك الله لك وفيك

ونفعنا ونفعك من العلم الصالح والنافع

بوركت استاذنا لمنقول طيب

تقبل مروري وتحيتي

مصطفى امين سلامه
23-04-2012, 07:27 AM
الاخوة الافاضل حفظكم الله جميعا
اشكركم على المرور والمشاركة والتواصل
........................... ابو احمد