المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرة في سورة الهُمَزة



د عثمان قدري مكانسي
11-04-2012, 12:55 AM
نظرة في سورة الهُمَزةِ
الدكتور عثمان قدري مكانسي
قال العلماء : الويل وادٍ في النار يسيل من صديد أهلها وقيحهم ، وهو – بمعنى عام – العذاب الشديد – نعوذ بالله تعالى منه أياً كان ولا أحِبُّ أن أتصوره فليس لنا به طاقة. فهو العذاب بعينه وقد قيل إن حجارته تتعوّذ منه. نسأل الله العفو والعافية .
ولكنْ لِمَنْ أُعِدّ هذا الوادي أو هذا العذاب ؟ يقول تعالى : إنه أُعِدّ للهمّاز اللمّاز ( ويل لكل هُمَزة لُمَزة . اختلف المفسّسرون في تعريف الهُمزة اللمَزة ‘ فقال بعضهم :
الهُمَزة : من يأكل لحوم الناس بالغِيبة والنميمة ومن يطعنهم باليد وباللسان .
اللُّمزة : من يحرك عينه مشيراً بتهكم أو يطعن أنسابهم بلسانه .
وأظنّ الهُمَزة واللمَزة يتعاوران ما ذكرَ المفسرون من إيذاء باللسان والعين فقط ، بينما أخواتهما من ( الوكز واللكز والنكز ..) إيذاء باليد والعصا وغيرهما ، يضاف إليها (اللكم واللطم واللخم..).
من صفات الهُمَزة اللُمَزة الذميمة التي أدت إلى الويل والعذاب جمعُ المال بكل الوجوه حلالِها وحرامِها ، سلبِها ونهبها ، بيعها وشرائها ، أتاواتها ومكوسِها. فالمُهمُّ عند صاحبها الجمعُ كيفما كان وحيثما اتفق.
يضاف إلى ذلك البخلُ والشح ، ومَن جمَعَ المالَ بكل الطرق لا ينوي صرفه فيما يريد الله تعالى بل يتلذذ بِعدّهِ والاحتفاظ به ، لهذا قال تعالى ( الذي جمع مالاً وعدّده ) وهذا يذكرنا بقوله سبحانه ( جمع فأوعى) والمعنى هنا وهناك مؤداه واحد، من تكديس الأموال والتمتع باحتوائها وتكثيرها. ويحضُرنا قوله صلى الله عليه وسلم في النعي على أمثال هؤلاء :" ما من يوم طلعت شمسه إلا وبجنبيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غيرَ الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إنّ ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت الشمس إلا وكان بجنبيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلقُ الله كلهم غيرَ الثقلين : اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا ". رواه المنذري في الترغيب والترهيب.
ومن صفات الهُمَزة اللُّمَزة أنه ينشغل بجمع المال عن الموت والدار الآخرة ، فيحسب أنه خالد في الدنيا ، فيعمل لها غافلاً عن النهاية التي تسرع إليه كما غَيَّبتْ أسلافه وستغيِّب أخلافه.لكنه الحرصُ على الدنيا والانشغالُ بها يَعمي القلوب ويَذهب بالأبصار.
ثم تأتي كلمة ( كلا) التي تقرع الأسماع وتتهز القلوب خوفاً وفزعاً لتنبه بقوة وإلحاح إلى الحقيقة التي يتناساها الغالبية البشرية عماية وجهلاً ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ، إنّ إلى ربك الرجعى) .فماذا بعد ( كلا)؟ إنها الجملة التي تعصف بالالباب( ليُنْبَذنّ في الحُطمة ) .
إن ( النبذ) إلقاءُ المرء محتقراً منبوذاً في مجاهل النار المحرقة التي تَحْطِم الضلوع وتأكل العيون والآذان والأيدي والرؤوس ، وتذيب الصخر والجماد. وما سميت ( الحُطَمة ) إلا لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشّمه . فما هذه النهاية المخيفة التي يتناساها الناس ويغفلون عنها ؟! إنها والله لَنهاية بئيسة مرعبة ومفزعة.
وتزداد وتيرة الخوف والهلع بصيغة الاستفهام ( وما أدراك ما الحُطمة؟ ) وهذا الأسلوب الاستفهامي يتكرر في كثير من سور القرآن لبيان فداحة الأمر وشدة كربه ( وما أدراك ما الحاقة) ( وما أدراك ما يوم الدين) .. ويجيب القرآن بأسلوب مَهُولٍ تقشعر له الأبدان وتهتز له النفوس : ( نار الله الموقدة ) لم يوقدها بشر ولا ملَك ولا مخلوق مهما جل شانه وعظُمت مكانته ،ولا تنتسب إلى ناقص وضعيف إنها نار الله الموقدة . وقد تخف النار وتضعف إلا نارَ الله تعالى التي تأكل الأجساد وتصل إلى القلوب فلا تأكلها بل تعود الأجساد كما كانت ليبدأ العذاب من جديد . أتدرون السبب ؟ إن القلب إذا أكلته النار مات صاحبه وارتاح من العذاب ، والكفرة أصحاب النار خالدون فيها لا يُفَتّر عنهم العذاب .
ولا مهرب من جهنم ولا خلاص لأعداء الله منها . وأين الهروب ؟ ( إنها عليهم مؤصدة) وإيصاد الباب دون فروج ولا منافذ . لا هواء بارداً يخفف عنهم حرها مغلقةٌ إغلاقاً محكماً يزيد في الكمد والحزن المتنامي .. قد سُدّ عليهم كلُّ أمل في النجاة ( مؤصدةٌ في عَمَد ممددةٍ) .
[ يذكر القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية، فيقول: : في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ثم إن الله يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار , ومسامير من نار وعمد من نار , فتطبق عليهم بتلك الأطباق , وتشد عليهم بتلك المسامير , وتمد بتلك العمد , فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح , ولا يخرج منه غم , وينساهم الرحمن على عرشه , ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم , ولا يستغيثون بعدها أبدا , وينقطع الكلام , فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا ; فذلك قوله تعالى : " إنها عليهم مؤصدة . في عمد ممددة " .
وقال قتادة : " عمد " يعذبون بها . واختاره الطبري . وقال ابن عباس : إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم . وقيل : قيود في أرجلهم ; قاله أبو صالح . وقال القشيري : والمعظم على أن العمد أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار . وتشد تلك الأطباق بالأوتاد , حتى يرجع عليهم غمها وحرها , فلا يدخل عليهم روح .
وقيل : أبواب النار مطبقة عليهم وهم في عمد ; أي في سلاسل وأغلال مطولة , وهي أحكم وأرسخ من القصيرة . وقيل : هم في عمد ممددة ; أي في عذابها وآلامها يضربون بها . وقيل : المعنى في دهر ممدود ; أي لا انقطاع له .]
فهل من مُدّكر؟

ربيع بن المدني السملالي
11-04-2012, 01:55 AM
جميل ما قرأتُ هنا
بارك الله فيك أيها الكريم على هذه التأملات في آيات الله التي تتحفنا بها بين الفينة والأخرى ، لا أخرجُ من نصوصك إلا مُستفيدا ...
دمت ودام هذا الهطول المثمر
تحياتي لك وخالص المودة

د عثمان قدري مكانسي
11-04-2012, 05:15 AM
حييت أخي وبُييت وسلام الله عليك في الأولين والآخرين...
بل أقول يا صاحبي : إنه مخيف والله .. نار وعذاب وسجن وخلود في النار...
ونقول ما قاله القرآن الكريم ( فهل من مُدّكر )
نسأل الله العافية
وسلمك الله من كل مكروه

عايد راشد احمد
20-04-2012, 04:34 PM
السلام عليكم ورحمة الله

دكتورنا الجليل

والله سرت قشعريرة هائلة بجسدي وانا اقرأ هنا

انك تذكرنا بموضوعك وتعيد لنا رشدنا مما نحن فيه من غفلة

بارك الله لك وفيك وجزاك عنا خيرا

تقبل مروري وتحيتي

د عثمان قدري مكانسي
20-04-2012, 06:51 PM
شكر الله لك يا سيدي هذا التقريظ .. لكنني أتساءل: أأنا يا ترى - وأنا من كتب هذا المقال - من الذين يتأثرون ويعتبرون؟ كثيرا ما أنسى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم اذكر الله تعالى واندم .. ثم.....
هكذا نحن يا سيدي فلا يغرنْك منّي ومن غيري الظاهرُ منا واسأل الله لنا جميعا حسن الختام