المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقف لا كالمواقف



د عثمان قدري مكانسي
13-04-2012, 10:10 PM
موقف ، لا كالمواقف
الدكتور عثمان قدري مكانسي
قرأت قوله تعالى في سورة النمل :
"وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) " وتساءلت قبل البحث في التفاسير التي بين يديّ – وهذه عادتي في التفكير بالمعنى قبل التأكد منه – فأنا أحب أن أضع الفكرة في إطارها الذي أقـَدّره وأفهمه وأرسم صورته في ذهني ، ثم أتأكد مما وصلت إليه من فهم في التفاسير التي أتلذذ بقراءتها واستنباط مدلولاتها ، وفي بيتي قريب العشرين تفسيراً ، فأنا مغرم بقراءة التفاسير المتعددة ، فلكل واحد منها طعم يختلف عن الآخر ، ولون يخالف صاحبه تبعاً لاهتمامات المفسرين وهواياتهم وقُدُراتهم ،
فالقرطبي رحمه الله تعالى يهتم بالفقه وتعدد الروايات مغ التمحيص وإبداء الرأي ،
وابن كثير رحمه الله يكثر من الإسرائيليات ، وقد يتأثر بها ، وما على القارئ إلا أن يكون حذراً فيما يقرأ إلا أن ابن كثير لمّاح وذكي وجيد الاستنباطات ،
أما الطبري رحمه الله فجمّاعة للروايات مسهب بذكرها ويهتم بذكر الأسانيد ، ومن ثَمّ يترك للقارئ أن يأحذ ما يريد ويطرح ما يريد استناداً على علم القارئ وفهمه ، ولا شك أن القارئ إن لم يكن واعياً لأسلوب الطبري فأخذ ما يقرأ دون فهم لأسلوبه ضاع وفهم غير ما أراده المفسّر .
ومثله – تقريباً – السيوطي رحمه الله في تفسيره " الدر المنثور " غير أنه يكثر من الإسرائيليات ويُغرق فيها .
والمراغي رحمه الله يعتمد الأسلوب العصري في تفسيره ، فيذكر تفسير الكلمات ثم المعنى العام المحتصر ، ثم يشرح ويعلق ويبدي رأيه ويستنبط معاني دقيقة تدل على طول باعه في التفسير ،
والبيضاوي تفسيره مختصر يفي بالغرض ويهتم بالنحو ،
ومثله النسفي رحمه الله غير أن تفسيره أوسع وأشمل ، وتراه يوازن بين الآراء وينبه إلى الحسن منها كما يفعل القرطبي .
أما سيد قطب رحمه الله تعالى فتفسيره اجتماعي حركي دعويّ يسقطه على حاضره معتمداً على ثقافته الدعوية الشاملة ، وقد ظلمه كثير ممن لا يفقهون من الدعوة إلا قشورها ، يتطاولون عليه تطاول الأقزام على العملاق .
وبين يديّ من التفاسير الموجزة كثير ، اذكر منها :
المنتخب في تفسير القرآن ، وقد ألفه علماء مصريون يشهد لهم من يقرأ تفسيرهم بعلوّ كعبهم في الفهم والأدب وحسن التعبير .
وقد أهداني تلميذي وصديقي بآن واحد الشيخ مجد مكي تفسيره المختصر " المعين " أستعين به على اقتطاف بعض المعاني الرائقة .
ولا أنسى بعض التفاسير المتوسطة النافعة التي لها شأو واسع في العصر الحديث ، نفع الله تعالى بها الناس كـ " صفوة التفاسير" للشيخ الصابوني أطال الله عمره ونفع به ، فهو تفسير أكادمي موفّق يدل على مكانة صاحبه السامية في الأدب والتفسير على حدّ سواء .
أعود فأتساءل : لم اللقاء بكبار العتاولة والمجرمين وقد ثبت أنهم من أهل السعير ؟ ولماذا يُحشرون إلى ربهم قبل السقوط في غيابة جهنم؟ وانظر إلى تقديمهم بين الكفار والمشركين والفسقة والملحدين ، وقد كانوا في الدنيا زعماءهم وسادتهم . ثم يُساقون إلى ربهم للحساب والتوبيح والتقريع ، وممن التوبيخ؟ إنه صادر عن الذات الإلهية ، يقول لهم تعنيفاً وتبكيتاً : كذبتم بكل آياتي وأنكرتموها دون تدبر ولا فهم ، بل ماذا كنتم تعملون وأنتم لم تُخلقوا عبثاً ؟. ويسكتون فلا ينطقون ، وتحل عليهم اللعنة ، ثم ينبذون في سواء الجحيم .
" حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) " يقول سيد رحمه الله : الناس كلهم يُحشرون ، إنما شاء أن يبرز موقف المكذبين " فهم يوزعون " يساقون أولهم على آخرهم ، حيث لا إرادة لهم ولا وجهة ولا اختيار . ويُسألون السؤال الأول للتخجيل والتأنيب ، فمعروف أنهم كذبوا بآيات الله ، أما السؤال الثاني فملؤه التهكم ، وله في لغة التخاطب نظائر، أكذّبتم؟ أم ماذا كنتم تعملون ؟ فما لكم عمل ظاهر يُقال إنكم قضيتم حياتكم فيه إلا هذا التكذيب المستنكر الذي ما كان ينبغي أن يكون ... ومثل هذا السؤال لا يكون عليه جواب إلا الصمت والوجوم ، كأنما وقع على المسؤول ما يلجم لسانه ، ويكبت جنانه . " وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) "
أقول : قد تكون العقوبة السريعة أهون منها حين تُسبق بتوبيخ وإهانة واحتقار ، إن انتظارها وهي محتومة أصعب من الاكتواء بها مباشرة ، وانظر إلى شدة خوف الكفار من النار وهي تعرض عليهم وهم يخافون النظر إليها مجابهة – أعاذنا الله منها – واقرأ معي قوله تعال في سورة الشورى الآية 45 " وتراهم يُعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طَرْف خفيّ "
والخشوع من الذل خوف شديد يقطع الأنفاس ويُذهب العقول ، وهم في يأس شديد أشد من العذاب يزيد في إيلامهم ولمّا يقذفوا في أتون النار ، نسأل الله تعالى العافية وحسن الختام .

احمد حمود الغنام
14-04-2012, 09:46 AM
جولة تأملية ماتعة ونافعة بارك الله فيك دكتورنا .. عرجت بنا فيها على التعريف والعرض لبعض التفاسير المشهورة، وما أجمل الحياة بين صفحات التفاسير المباركة.
دمت وسلمت بخير ونفع الله بك .
مع أطيب التحايا،

ربيع بن المدني السملالي
18-04-2012, 11:31 PM
الدكتور الطيب والأخ الكريم عثمان كلما صافحتُ موضوعاً من مواضعك أخرجُ بسرور وحبور ، فبارك الله فيك وزادك من فضله ..
دمت موفقاً كما عهدتك
تحياتي والمحبة

د عثمان قدري مكانسي
19-04-2012, 02:25 PM
أترحم على النووي وأترضّى عنه حين أقرأ في مختاره من الأحاديث التي سماها " رياض الصالحين"
إن الإنسان يخرج من بيته إلى الحدائق والبساتين والرياض يروّح عن نفسه ما قد أتعبه في الأيام السابقة
لكن الصالحين يتمتعون برياض الاحاديث الشريفة وتفاسير القرآن العظيم وهناك ينسون همومهم وتتألق أنفسهم.
لقد أحسن الإمام النووي رضي الله عنه حين قرأ ما في قلوب ونفوس المسلمين وهو يتنقلون من حديث إلى آخر كما يتنقل الطير من فنن إلى فنن فسمّى مختاره " رياض الصالحين وأراه لمس القلوب وغذّى العقول
لك تحياتي أستاذي أحمد محمود الغنام ومودّتي

عايد راشد احمد
20-04-2012, 06:11 PM
السلام عليكم ورحمة الله


دكتورنا الجليل

بين سطور مواضيعك اجد نفسي في عالم من الروحانيات اسمو

يحيط بي شذي طيب الكلم والعلم

جزاك الله عنا خير وبارك الله لك وفيك

تقبل مروري وتحيتي

د عثمان قدري مكانسي
20-04-2012, 11:05 PM
الأستاذ ربيع السملالي
الاستاذ عايد راشد
سلام الله عليكما ورحمة منه وبركات:
لما بدا نورُ (الربيعِ وعايدٍ) == قلتُ :السماحةُ والنَّدا صِنْوانِ
قمرانِ في روض اللقاءِ ضياهُما== نعمَ الضياءُ وحبّذا القمرانِ