المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة وتعليق



د عثمان قدري مكانسي
08-10-2012, 11:48 PM
قصة وتعليق
دكتور عثمان قدري مكانسي

روى أبو نعيم الأصفهاني في كتاب حلية الأولياء ، وابن الجوزي في صفة الصفوة وابن قُدامة المقدسيُّ في كتاب الرقة والبكاء قالوا
قال جعفر بن زيد: خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيَمَ فنزل الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقنّ عمله، فالتمسَ غفلة الناس فانسلّ وثبا فدخل غيطة (مجموعة أشجار ملتفة) قريبةً منا، فدخلت على أثره ، فتوضأ ثم قام يصلي ، فجاء أسد حتى دنا منه ، فصعدت شجرة ، فلم يلتفت صلة إليه ، أتراه لم يره أم عدّه جرواً! . فلما سجد قلت : الآن يفترسه . فجلس ثم سلّم ثم قال: ( أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر)، فولّى وإن له زئيراً، فمازال كذلك يصلي حتى كان الصبح . فجلس يحمد الله وقال: (اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ، ومثلي يستحي أن يسألك الجنة)! ثم رجع وأصبح وكأنه بات على حشاياً ( مرتاحاً في نومه) ، أما أنا فأصبح بي ما الله به عليم من هول ما رأيت.

بعضهم علّق على القصة مستنكراً ، فكان لي تعليق على تعليقهم .
أولاً: بعضهم لم يعجبه تتبع جعفر لصلة بن أشيم فقد عده متجسساً ، ولم يكُ جعفر راوي االقصة كذلك ، ولكنه أراد من اتباعَ صلة بن أشيم أن يرى ماسيفعل من العبادة والقيام لأنه اشتهر بذلك ، فلعله يتأسى به ، ولا أرى ذلك يدخل تحت باب التجسس ، وأنا أعلم غير واحد من السلف فعل مثل هذا ليستفيد من عمل الصالحين ،ويتأسى بهم ، والله أعلم

ثانياً : عاب بعضهم على صلة طول القيام ، واللهُ تعالى يمدح على قيام الليل الطويل بقوله : "كانوا قليلاً من الليل مايهجعون ، وبالأسحار هم يستغفرون" فهذا دأب المقربين .

ثالثاً : ثم إن صلة كان عالماً جليلاً ومحدثاً كبيراً ، وورعاً شديد الورع إلى درجة أنه لم يكن يأكل من مال أبيه عندما عينه الخليفة عاملاً ( والياً ) على إحدى المدن خشية الوقوع في الشبهة لا الحرام كما روى عنه ابن الجوزي وغيره ، - وفرق كبير بين الشبهة والحرام . وعلى هذا فقد كان عالماً عاملاً . وقد روى عنه أبو نعيم وابن قدامة أنه لما حضر المعركة ، وقف على مرج منبسط فقال ، ما أحسن أن يقتل المرء ههنا في سبيل الله ، فلما انجلت المعركة وجدوه قتيلاً في المكان الذي أشار إليه وقتل بعده أبوه - على إحدى الروايات - وذلك في فتح كابل

رابعاً : قال بعضهم : كيف يستحيي الرجل من الله أن يطلب الجنة ، وقد أُمرنا أن نستعيذ بالله من النار ونطلبَ الجنة ؟! ولم تَراه يدين نفسه ويستقل عمله ؟! وهو من هو في العبادة والزهد؟
فأقول : الكيّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والرسول صلى الله عليه وسلم حين أخبر المسلمين أنه ما من أحد يدخل الجنة بعمله ، بل برحمة الله تعالى قالوا : له : حتى أنت يا رسول الله ؟ قال : " حتى أنا إن لم يتغمدْنِيَ الله برحمته " . وكلنا نعلم أن سيدنا عمر بن الخطاب وهو المبشر بالجنة ، وهو من هو من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ياليت أم عمر لم تلد عمر ، وكان يقول : الويل لي ثم الويل لي إن لم يغفر لي ربي ، كان يقول هذا وهو يتشحط بدمه وهو يعلم أنه شهيد – كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشره بالشهادة عندما اهتز أحُدٌ وعليه رسول الله وأبو بكر وعمر وعثمان ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : اثبت أحد ، اثبت ، فإن عليك نبياً وصدّيقاً وشهيدين ، ولما جاءعمرَ شابٌّ من الأنصار وراح يهدئ من روعه ويذكره أنه من السابقين الأولين، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو عنه راض وأنه لم يغير ولم يبدل فقال له عمر : جزاك الله عني خيراً يابني ، والله لقد تمنيت أن أخرج منها كَفافاً لاعليَّ ولا لي .
و ليس هذا بدعاً من الأمر ، فالله تعالى يقول " : يدعون ربهم خوفاً وطمعاً " ، ويقول سبحانه : " يدعوننا رغباً ورهباً ، وكانوا لنا عابدين " فهناك من غلبت عليه الرهبة والخوف ، وهناك من غلب عليه الرجاء .. وفي كل خير إن شاء الله

وقد ورد عن سفيان الثوري أنه بكى عند موته ، فقال له أحد أصحابه : لماذا تبكي ياسفيان ؟ لعلك أسرفت على نفسك؟ فأمسك تبنة ( قطعة علف للماشية ) فقال : والله إن ذنوبي أهونُ علي في جنب عفو الله تعالى من هذه التبنة ، ولكني أخشى أن أُنزع الإيمانَ عند الموت ، فقال له ، أبشر برحمة الله تعالى فإنك كنت عالماً صواماً قواماً .. فقال له : أترى أن الله يغفر لي ويثبتني ويعفو عني؟ يا سبحان الله ، فأين نحن من هؤلاء؟!

خامساً : لا ينبغي أن نستنكر : تسخير كل شيء للمؤمن التقي ، فقد سخر الله تعالى لهذا الرجل صلةَ بن أشيم الأسدَ يحرسه في صلاته . ، وقد ذكر البخاري رضي الله عنه الحديث التالي في أولياء الله: (...فإذا أحببته صرت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ) وهو حديث كل رواته شاميون ، وقد قال فيه المحدثون إنه أشرف أحاديث أهل الشام .. فمن صار الله تعالى سمعه وبصره ويده ورجله ، بمعنى موجهاً لهذه الأعضاء فيما يرضيه تعالى ، ثم إنْ سأله أعطاه ، وإن استعاذ به أعاذه ، أليس هذا تسخيراً للأشياء في خدمته ؟ أم ماذا تَرى ؟
ولا ينبغي أن ننسى في خضم الحياة المادية - ولو جزئياً - أن المؤمن عليه أن لايعلق السبب بالنتيجة حتماً إلا أن يشاء الله الذي بيده تصريف الأمور ، وبيده ملكوت كل شيء ... وإلا ما جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خوف أن يخسر الحرب لأن المسلمين دائماً كانوا أقل من العدو عدداً وعُدّة ، فالعبرة ليست بالكثرة فيهما . علينا أن نُعِدّ ما استطعنا .. ونحن نعلم أن النصر من عند الله ، وأن علينا أن نأخذ بالأسباب ونعتمد على الله لا على الأسباب.
ثم لماذا نستنكر أن يَحدُثَ هذا مع الرجل ، وقد حدث قبله مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن محمد بن المنكدر : (أن " سفينة " مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها ، فتعلقت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد فأقبل إليّ يريدني فقلت : يا" أبا الحارث" - وهو اسم من أسماء الأسد - أنا مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فطأطأ رأسه ، و أقبل إلي ، فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ، ووضعني على الطريق ، وهَمْهَمَ . فظننت أنه يودعني ، فكان ذلك آخر عهدي به.

رواه الحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
فإن قلت : سفينةُ هذا صحابيٌّ . قلت لك : وهذا وليّ خرج مجاهداً في سبيل الله ، ولإعلاء كلمة الإسلام ، فوجه التشابه بينهما كبير ، والله أعلم

سادساً : عزوت القصة إلى مصادرها ولكم أن تتأكدوا من صحتها ، ثم تقبلوها أولا ، ومن أسند فقد أعذر .

محمود فرحان حمادي
09-10-2012, 10:14 AM
بوركت وجُزيت خيرًا على هذا الجهد المميز
وتبقى العبرة والعضة التي ننشدها نحن في روايات السلف
فهل من متعض
سلمك ربي دكتور وبارك فيك

عبد الرحيم بيوم
09-10-2012, 10:56 AM
الاثر ضعفه محقق سير أعلام النبلاء (3/ 499) قال:
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " 2 / 240 من طريق ابن المبارك. وإسناده ضعيف
فالحوار حوله دفاعا او نقضا منته ببيان ضعفه
اما قولك اخي عثمان:
"عزوت القصة إلى مصادرها ولكم أن تتأكدوا من صحتها ، ثم تقبلوها أولا ، ومن أسند فقد أعذر".
لي هنا ثلاث نقاط:
- صفة الصفوة مرجع وليس مصدرا فلم يرو القصة بسنده انما هو ناقل، أما الرقة والبكاء لابن قدامة فلم اهتد لمكانه فيه فلم اجده
- التأكد من الصحة كان ينبغي ان يكون هو الاولى لما حصل حول القصة من اخذ ورد كما وضحت في الموضوع، فعلام يضيع الوقت والجهد والاثر ضعيف
- ذكر الاسناد في الزمن القديم كانت له عدة أسباب أهمها انه طريق العلم فكتاب بلا اسناد للمرويات لا يعد شيئا وذكر الاسانيد والاحتتفاظ بها في كل مروي كان يستعان به في تعديل الراوي وضبطه وبيان مرتبته بين الرواة من اقرانه عن شيوخهم وغيرها من الفوائد، اما الان فلا مكان لذلك بل علينا التحري، وليس مقبولا ان ياتي كل احد وينشر حديثا ايا كان ويعزوه ثم يقول انه اتم مهمته، لا، بل علينا التحري خاصة والاثر فيه كرامة لهذا العابد

تحياتي لك ايها الكريم
وحفظك المولى

د عثمان قدري مكانسي
09-10-2012, 11:20 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
للاخوين عبد الرحيم صابر ومحمود فرحان حمادي كل شكر
أما ملاحظات الأخ عبد الرحيم فلي عليها تعليق خفيف
لن أناقش في الملاحظتين الأولى والثالثة فمسلّم بهما
وأما الثانية فما أريده استنباط الأساليب التربوية أكانت القصة صحيحة أم لم تكن ، ولست في صدد دراسة السند ، فما بين يديّ ليس حديثاً شريفاً يُبنى عليه الفقه من حلال وحرام ....
من عادتي يا أخي عبد الرحيم إذا وقع بين يديّ قصة أو موقف فيه أساليب تربوية أن اتناوله بالتحليل التربوي الذي يفيد في الحياة ،
ولعلك ترى كثيراً من المربين ينشؤون قصصاً رمزية أو يؤلفون قصصاً يمكن أن تحدث في الحياة ليوصلوا الفكرة التربوية للمهتمين بتربية المجتمع .
وحين تجدني في هذه القصة أحاول تقديم بعض ما أريده بهذا الشأن فليست اهتماماتي من اهتماماتك ولن يضير ما أفعله أن يكون النص موثّقاً أو غير موثّق
على هذا الأساس يمكنك إن أحببت أن تقرأ النصّ مرة أخرى وأن تعلّق - إن اردتَ - دون ان تُدخل النص في صحة المتن والسند.
لك تحياتي

عبد الرحيم بيوم
09-10-2012, 11:37 AM
القصة اخي الكريم فيها كرامة من الكرامات فلا يندرج هذا في الفوائد التربوية
وانشاء قصة لايضاح مغزى تربوي امر، وبناء معنى تربوي من قصة امر اخر
مثاله هنا استحياؤه من طلب الجنة، فرغم ما دندنت حوله فهو مسلك ليس له سند شرعي لما اخرجه ابن حبان من حديث أبي هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لرجل :
( ما تقول في الصلاة ) ؟ فقال : أتشهد ثم أقول : اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أنا والله ما أُحْسِنُ دندنتك ولا دندنة معاذ فقال صلى الله عليه و سلم :
( حولها ندندن ) [التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (3/ 763)]
فهل هديه اهدى من هدي النبي صلى الله عليه و سلم
فانت تستنبط هديا تربويا هنا من القصة، لا تمثل له بها، لانه لا مستند له

تقبل تحياتي

د عثمان قدري مكانسي
09-10-2012, 11:43 AM
أخي الفاضل ، الأستاذ عبد الرحيم صابر حفظه الله
أشكرك ولعلي وضحت رأيي فيما أريد ، وكل يعمل بقناعته
لك تحياتي

عبد الرحيم بيوم
09-10-2012, 11:55 AM
لا اشكال اخي في ابداء الراي وحصول الاختلاف فهذه صبغة بشرية وحقيقة كونية
http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=56661
لكنك طلبت ابداء رايي في الفوائد من القصة وهذا ما فعلت
مع ان الموضوع ليس فيه ذكر افاداتك من القصة بل هو ردود على اعتراضات
فلدي سؤال ليتضح مقصدي
هل ناخذ بنهج العابد في القصة مع مخالفته لنهج النبي؟

ربيحة الرفاعي
14-10-2012, 05:07 PM
متابعون لحوار طيب على هامش قصة مما يرقق القلب، ويجمل في الضمائر والفكر خيار الأمة من الأولياء والتابعين بعد الصحابة وسيد المرسلين

أهلا بكم في واحة الخير

تحاياي

د عثمان قدري مكانسي
14-10-2012, 05:42 PM
إلى الأستاذين الكريمين : الفاضل محمود فرحان حمادي ، والفاضلة ربيحة الرفاعي
ممتنّ لكلماتكما الطيبة ...
لكل إنسان اسلوب في حياته ، وأسلوب في كتابته ، نقبل راي الإحوة الأحباب حين نراه مناسباً (في إطار الشرع الحنيف) ولا نشك في النية الصادقة لدى إخواننا وقد يكونون خيراً منا إخلاصاً ونرجو أن نكون منهم .. كما أننا نستفيد منهم.
لكم جميعا الحب الخالص والتحية