المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : و ما أدراك ما النعمان ! كأس العلم لا يجرح الشفاه .



د.إسلام المازني
23-01-2005, 03:59 PM
و ما أدراك ما النعمان... كأس العلم لا يجرح الشفاه!


أبو حنيفة .. قصة رجل فريد








هو ...
رجل سمى ( الإمام الأكبر ) ....

و تلك التسمية لم تأت من فراغ , بل كان الرجل جديرا بها , و لا تعنى عصمته من الزلل و إنما تدل على مدى وجاهته و عطائه العلمى ...


رأيت أبا حنيفة كل يوم **
يزيد نباهة و يزيد خيرا

و ينطق بالصواب و يصطفيه **
إذا ماقال أهل الجور جورا




من شعر الفقيه الثقة عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى ...




والده ( ثابت ) قدم من فارس للكوفة ,
و عمل بالتجارة كما هى حال الأسرة , و عاش فى يسر مادى ...

ولم يكن نسبه الفارسي مقللا من قدره , فالإسلام العظيم يقدم المقدام و الفعال , و يقر بشرف التقى , و ليس نظام أسر و عائلات , أو عصبيات متغطرسة حمقاء .....
فقبل وثيقة النبلاء ( الماجنا كارتا ) الأجنبية كانت
وثيقة الحق سبحانه
( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )






رحم الله أبا حنيفة المسلم غير العربى الأصل , الذى فاق بنى يعرب بلاغة و أدبا و علما ... و أحبوه أكثر من أنفسهم ...

فصدقت فيه نبوءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
(لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس)







و أبى حنيفة الإمام و مالك **
و الشافعى و أحمد المتمنع




نزل والده ثابت بالكوفة و عاش بها , و فيها رزقه الله بابنه الإمام أبي حنيفة و اسمه هو
النعمان بن ثابت , ولِدَ سنة 80 من الهجرة .
و كان أبو حنيفة يبيع القماش و الثياب , و استمرت معه المهنة الحلال ,
و مما أثر عن أبى حنيفة بعدها فى
حرصه على الكسب الحلال :
أنه كان يقول: " أفضل المال الكسب من الحلال وأطيب ما يأكله المرء من عمل يده ".

فلم يكن قلب الشاب النعمان غافلا فى خيالات الفتيان , و لا سامدا فى الضحك و الرغبات , و لم يكن يحيا إغفاءة طولها ستون عاما مثل بعض الناس .....
بل كان هدفه كبيرا و حلمه عظيما .







و نقف هنا مع هذا التاجر الصدوق فى رواية لها العجب :

جاءته امرأة بثوب من الحرير تبيعه له فقال كم ثمنه، قالت مئة، فقال هو خير من مئة ، يعنى هو من يقول لها ارفعى الثمن فهو يستحق أكثر و لا يستغل الفرصة كتاجر !

فقالت مئتين، فقال هو خير من ذلك، حتى وصلت إلى أربع مئة فقال هو خير من ذلك، قالت أتهزأ بي؟ فجاء برجل فاشتراه بخمسمائة....يعنى هو من جاءها بالمشترى ابتغاء مرضاة الله و لم يأخذ نسبة على الوساطة ...



سيرة بلون البنفسج ...!
فلم تكن حياته لعبة مكسب و خسارة يحياها صعودا و هبوطا قفزا و سقوطا كأى تاجر !






** و ذات يوم أعطى شريكه متاعاً وأعلمه أنَّ في ثوب منه عيبا , و أوجب عليه أن يبين العيب عند بيعه , و باع شريكه المتاع و نسي أن يبين , و لم يعلم من الذي اشتراه، فلما علم أبو حنيفة تصدَّق بثمن المتاع كله.






فى الزهد أحمد و النباهة مالك **
و أبى حنيفة و الأغر الهاشمى








*** و كان أبو حنيفة يجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة فيشتري بها حوائج الأشياخ و المحدثين
( منح دراسية مجانية لطلبة العلم ) و أقواتهم وكسوتهم و جميع لوازمهم , ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم ويقول :
أنفقوا في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله , فإني ما أعطيتكم من مالي شيئاً ولكن من فضل الله عليّ فيكم.

فهو شريك لهم إن شاء الله فى كل علم بثوه للأمة ,
و شريك لمن تعلم منهم فى الأجر ...
فلم يكن أبا حنيفة مورثا علمه فقط بل ناشرا للعلم متبرعا سخيا ...









يا وردة ترسل أنوارها **
فيضا على الكون من الرابية









*** و قد ذكر فـي اختياره لطريق العلم والفقه قوله :
كلما قلبته وأدرته لم يزدد إلا جلالة... و رأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفته ، وطلب الدنيا والآخرة إلا به ..





**** و من معلميه الفضلاء سادة الأمة و تاركى إرث الذهب لها :


قال الإمام الذَّهبِيّ رحمه الله في كتابه الجميل ((تذكرة الحفاظ))1/168:
أن أبا حنيفة النعمان حدَّثَ عن :عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هرمز ، وسلمة بن كُهَيل، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق، و خلق كثير ! )).
وقال في ((العبر)):
((وروى عن عطاء بن أبي رباح، وتفقه على حمّاد( )
فالرجل كان يروى الحديث , و يتعلم الفقه و يجتهد فهم الحكم الصحيح , فلا يقومن أحد و يقول أنا أتبع فلانا و يترك الحديث !

فالأئمة لم يكن همهم سوى البحث عن الحديث

فإن لم يجدوه اجتهدوا ... و قالوا لو ثبت حديث يخالف مقالنا فاعملوا بالحديث .. و الزمن الأن مختلف و قد جمعت الأحاديث و حققت ...

فهذا الإمام أبو حنيفة يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي." ويقول: "لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت." [1]

وهذا الإمام مالك يقول : "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه..." [2]

وهذا الشافعي يقول: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقولوا بسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ودعوا ما قلت"، وفي رواية: "فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد..." [3]

وهذا الإمام أحمد يقول: " من رد حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهو على شفا هلكة..." [4] ويقول: "لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا..." [5]
] إيقاظ الهمم ص62.
[2] الانتقاء لابن عبد البر ص145.
[3] إيقاظ الهمم ص72.
[4] مناقب الشافعي ج1 ص472؛ والرواية الأخرى لأبي نعيم في الحلية ج9 ص107.
[5] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ج3 ص430.

فالكل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ملتمس ,
و لا يرضى تعصبا لشخصه , وانظر فى طيات كتبه تجد المعانى التى سكنت شرايينه و أوردته .. التى بثها طلابه و تلقاها من آبائه العلماء ...






**** و هنا تطبيق :
كان الخليفة المنصور يرفع من شأن أبي حنيفة و يكرمه ويرسل له العطايا و الأموال و لكن أبا حنيفة كان لا يقبل عطاءً. و لقد عاتبه المنصور على ذلك قائلاً: لم لا تقبل صلتي؟. فقال أبو حنيفة: ما وصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته ولو وصلني بذلك لقبِلتُه إنما وصلني من بيت مال المسلمين ولا حق لي به !.... تأمل






*** وقع يوماً بين الخليفة المنصور وزوجته شقاق وخلاف بسبب ميله عنها ، فطلبت منه العدل فقال لها من ترضين في الحكومة بيني وبينك؟ قالت أبا حنيفة، فرضي هو به فجاءه فقال له: يا أبا حنيفة زوجتي تخاصمني فانصفني منها، فقال له أبو حنيفة: لِيتكلَّم أمير المؤمنين. فقال المنصور: كم يحلُّ للرجال أن يتزوج من النساء ؟ قال: أربع. قال المنصور لزوجته: أسمعتِ. فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين إنما أحلَّ الله هذا لأهل العدل فمن لم يعدل أو خاف أن لا يعدل فواحدة لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، فينبغي لنا أن نتأدَّب مع الله و نتَّعظ بمواعظه . فسكت المنصور وطال سكوته، فقام أبو حنيفة وخرج فلما بلغ منزله أرسلت إليه زوجة المنصور خادماً ومعه مال وثياب، فردها وقال: أقرئها السلام وقل لها إنما ناضلتُ عن ديني وقمتُ بذلك المقام لله ولم أرد بذلك تقرباً إلى أحد ولا التمستُ به دنيا.
أرأيتم !

لم يكن ليله فى انتظار ثقيل لمنحة أو نفحة , سوى من رب البرية , و لم يكن شاقا عليه أن ينطق بالحق , و لم يرهق قلبه بتعدد الرغبات و الميول , فلم يدر فكره فى دوائر الكلل و المعاناة للبحث عن حل وسط!







*** لزم أبو حنيفة عالِم عصره حمّاد بن أبي سليمان وتخرَّج عليه في الفقه , و استمر معه إلى أن مات.
حيث بدأ بالتعلم عنه وهو ابن 22 سنة و لازمه 18 سنة من غير انقطاع و لا نزاع.

يقول أبو حنيفة: " بعد أن صحبتُ حمّاداً عشر سنين نازعتني نفسي لطلب الرياسة ، فأردتُ أن أعتزله و أجلس في حلقة لنفسي , فخرجتُ يوماً بالعشيّ وعزمي أن أفعل، فلمّا دخلتُ المسجد رأيتُه ولم تطب نفسي أن أعتزله فجئتُ فجلستُ معه، فجاء في تلك الليلة نعي قرابة له قد مات بالبصرة، وترك مالاً و ليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه , فما هو إلا أن خرج حتى وردت عليَّ مسائل لم أسمعها منه ، فكنتُ أجيب وأكتب جوابي.
ثم قَدِمَ، فعرضتُ عليه المسائل وكانت نحواً من ستين مسألة، فوافقني بأربعين وخالفني في عشرين، فآليتُ على نفسي ألا أفارقه حتى يموت و هكذا كان ".

سبحان الله على الصراحة و التواضع , فلم يكن من الحالمين بكرسى الفتوى و تلفيق الأجوبة , بل كان حريصا على الأمانة الثقيلة , فالقيم فى قلبه دافئة ,
و أنفاسه أمينة عليها , و يحتفظ بأزهار أحلامه الخالدة فى رضوان الله تعالى نضرة يانعة , لم تشبها شائبة حب الرياسة و الثناء , فتذبل و تصير أثرا ذابلا ...

و لم يؤخذ عليه سوى
* التوسع فى الفقه الفرضى , حيث يفترض الوقائع و يصمم لها حلا و فتوى ..
* قلة الأحاديث التى وصلته - نسبيا - مما أثر على اتساع مساحة الإجتهاد و زادها زيادة كبيرة , مع اشتراطه شهرة الحديث مع صحة سنده مما قلل مساحة القبول للحديث كحجة .



فتنته مع أبي هبيرة:
كان أبو هبيرة والياً بالكوفة ، و ظهرت الفتن بالعراق، فجمع فقهاءها ببابه , و فيهم ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود بن أبي هند ، فولّى كل واحد منهم صدراً من عمله، وأرسل إلى أبي حنيفة طالبا جعل الخاتم في يده ولا يُنفذ كتاب إلا من تحت يده ولا يخرج من بيت المال شيء إلا من تحت يده .
و كان إخضاع أبي حنيفة قهراً أو إغراءً .....
فامتنع النعمان ....

وقال : لو أرادني أن أعد له أبواب ماجد واسط لما فعلت!

غيره تفرح روحه بتلك الأمور , أما هو ففرح الروح عنده مختلف , فلا يرى المناصب أزهارا و أنهارا ... بل أحمالا ثقالا و تنازلات لا تصح ...

سُجِنَ أبو حنيفة وضُرِبَ ضرباً مبرحاً مؤلماً أياماً متتالية حتى سقط فاقد الوعي!

صمد و لم يقبل , فالشبهة أخت الحرمة !

* دخل يوماً أبو حنيفة على المنصور فقال له أحد الجالسين: هذا عالِم الدنيا اليوم.


فقال له المنصور: يا نعمان من أين أخذتَ علمك؟ قال: من أصحاب عبد الله ابن عمر عن عبد الله ابن عمر , و من أصحاب عبد الله ابن عباس عن عبد الله ابن عباس و من أصحاب عبد الله ابن مسعود عن عبد الله ابن مسعود .فقال المنصور احتطت لنفسك !

أرأيتم ! من أصحاب الصحابة عن الصحابة عن الحبيب العدنان عليه الصلاة و السلام ! مبلغا عن رب العزة سبحانه ... مما علمه الروح الأمين جبريل ..













ورد العلا أهدى لنا وردة **
يا حبذا الورد من الورد







يا أحباب لم يكن هؤلاء الناس ملائكة يستحيل اللحاق بهم , بل كانوا بشرا مجتهدين ...

لم يكن أحدهم يقضى العمر أمام اللهو كالتلفاز و يظن أنه سيحقق أحلامه !

و لم تشغلهم أشياء تضخمت فى العصر الحديث
مثل الاهتمام المفرط بكل أمر خلا الحق !

بالصحة ، بحب المال , بالمستقبل الشخصى
بالشهرة ، بالنجومية بالشهوة , بالأغانى ,
بالحب , بالثرثرة , باللعب مثل لعب الكرة , بالطعام أو بالملابس والموضة


آه ....
نعود لزمن الأحباب ...
نعود للنعمان ....




انتفض أهل الموصل على المنصور وكان المنصور قد اشترط عليهم أنهم إن انتفضوا حلَّت دماؤهم، فجمع الفقهاء و قال لهم: أليس صح أنَّ رسول الله قال المؤمنون عند شروطهم يلتزمون بها , وأهل الموصل قد اشترطوا ألا يخرجوا عليّ وها هم قد خرجوا وانتفضوا ولقد حلَّت دماؤهم فماذا ترون؟ قال أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين، يدك مبسوطة عليهم وقولك مقبول فيهم فإن عفوتَ فأنت أهل العفو وإن عاقبتَ فبما يستحقون. التفت المنصور إلى أبي حنيفة يسأله و يستنطقه !

فقال أبو حنيفة: إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه وشرطتَ عليهم ما ليس لك لأنَّ دم المسلم لا يحِلُّ إلا بإحدى ثلاث فإن أخذتهم أخذتَ بما لا يحلُّ وشرط الله أحق أن يوفى به. عندئذ أمر المنصور الجميع أن ينصرفوا ما عدا أبي حنيفة و قال له: إنَّ الحق ما قلتَ، انصرِف إلى بلادك.







أرأيتم ! أرأيتن !
رجل حساس يحيا بقلب شهيد , ففى حسبانه أنه قد يفارق الأرض بسبب كلمته , لكنه لا ينسى حياة الخلود و سعادة الأبد

فلا يتناثر ضميره خوفا من المواجع ،
و لا يسلم قلبه لإبليس ليستعمره و يسوغ له الخوف و التردد ....






أهم مؤلفاته:
فى عصر أبي حنيفة ظهرت فرق مبتدعة قبيحة مختلفة مثل :
الشيعة والمعتزلة والمرجئة والقدرية والجهمية أو المعطلة ... هذه الفِرَق كلها كانت تتحدث بالشبهات و الخرافات و الأباطيل , و كان أتباعها قلة لكنهم قلة سامة مسممة , فقام علماء المسلمين يردون على هؤلاء المبتدعة.

فمن هنا نشأت تسمية أهل السُنَّة والجماعة , و هي ما كان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والصحابة والتابعين وهم السواد الأعظم من الأمَّة ساعتها .

و من الله بعدها على الأمة ببقية الأئمة فأكملوا الدفاع عن الحق ..
وألَّف أبو حنيفة كتاب " الفقه الأكبر " ليرد فيه على المبتدعة.











يبنى لأمته الحياة جديدة **
للعلم فيها روعة و جلال
تأبى المعاول أن يقر قرارها **
حتى تدمر ما بنى الجهال
شرف الشعوب علومها و حياتها**
أن تصلح الأخلاق و الأعمال




أقوال العلماء فيه:
قال الذهبي رحمه الله : " برع في الرأي، وساد أهل زمانه في التفقه ،وتفريع المسائل، وتصدر للاشتغال ، وتخرج به الأصحاب " ثمَّ قال : " وكان معدوداً في الأجواد الأسخياء ، والأولياء الأذكياء ، مع الدين والعبادة والتهجد وكثرة التلاوة و قيام الليل , رضي الله عنه !!!!!!"
....

أرأيتم لم يكن غصنا يتلوى مع الريح ...
و لم يكن مكتبة متنقلة فحسب ..



و قال ابن كثير رحمه الله :
" الإمام أبو حنيفة... فقيه العراق ، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام ، وأحد أركان العلماء ، وأحد الأئمة الأربعة ؛ أصحاب المذاهب المتبوعة، وهو أقدمهم وفاة "

وقال ابن العماد في " شذرات الذهب": " وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة، والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة؛بل ينفق ويؤثر من كسبه، له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صنَّاع وأجراء رحمه الله تعالى .







عالجوا الحكمة ، واستشفوا بها
وانشدوا ما ضل منها فى السِّير
واقرؤوا آداب من قبلكم
ربما علَّم حيا من غبر





أرأيتم إشراقة الرجل فى سيرته ! رجل المواقف الحرة .. رافض المساومات دوما .... عبد شكور ليلا ,
و عالم نحرير نهارا ..

رجل يدرك أن مال الدنيا و وظائفها لا يساويان الحفاظ على التقوى
وقال سفيان الثوري وابن المبارك : " كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه" .

الفضيل بن عياض قال فيه :
كان أبو حنيفة رجلاً فقيهاً معروفاً بالفقه، واسع المال معروفاً بالأفضال على كل من يطوف به، صبوراً على تعلُّم العلم بالليل والنهار، ، يقوم الليل ، كثير الصمت، قليل الكلام حتى يرد مسألة في حلال أو حرام.
فكان يحسن أن يدل على الحق، رهاباً من مال السلطان.كان رحمه اللّه واحد زمانه، لو انشقت عنه الأرض لانشقت عن جبل من الجبال فـي العلم والكرم والمواساة والورع والإيثار للّه تعالى.

أرأيتم ..
طائر وسط أسراب العلماء , يحلق بجناحين هما الحب و الخشية لله المتعال ...لا يستسلم لأقفاص الدنيا الدنية و أسوارها ...



- عبد الله بن المبارك العالِم الكبير والتابعي الجليل يقول : كان أبو حنيفة مخ العِلم ....!

- مالك بن أنس و هو رجل من رواد خليج الأمل ممن نشروا النور الربانى قال عنه :

- هذا النعمان لو قال هذه الإسطوانة من ذهب لكانت كما قال !

يعنى لو قال عمود المسجد من ذهب لصدق و لأقنع..

- و فى رواية : لو جاء إلى أساطينكم فقايسكم على أنها خشب لظننتم إنها خشب.

أرأيتم رزق الله للعبد و بركة السعى
نحسبه و الله حسيبه كان على خير ....




وإنَّ علومي باسقاتٌ وطلعُها
نضيدٌ ورزقٌ للعباد ورحمةِ

- الإمام زُفَر قال: جالستُ أبا حنيفة أكثر من عشرين سنة فلم أر أحداً أنصح للناس منه و لا أشفق عليهم منه، بذل نفسه لله تعالى، أمّا عامة النهار فهو مشتغل في العلم و في المسائل وتعليمها , و فيما يُسأل من النوازل وجواباتها , و إذا قام من المجلس عاد مريضاً أو شيَّع جنازة أو واسى فقيراً أو وصل أخاً أو سعى في حاجة، فإذا كان الليل خلى للعبادة و الصلاة و قراءة القرآن، فكان هذا سبيله حتى توفي رضي الله تعالى عنه.
أرأيتم ..

كيف يحيا شخص و يبقى رحيقه مثل شذا الزهر ، و يترك علما مثل النور له سناء فى كل صفحة و مجلد ... و تقرأ الصدق فيه قبل الحرف ...حيث عاشت نفسه المعنى المقصود , و صدقت حاله المبنى المسطور ...

تلك ذكريات الأئمة عنه , قمة الصفاء و سلسبيل الفكر النقى , يبيت يسبح الله و يصبح يجتهد لغايته الكبرى على ثقة بيوم الميعاد , شوق يحدوه للقيا الحبيب صلى الله عليه وسلم , فيملك كيانه كله ...



يخالف طلاسم ،المبتدعة و قسوة قلوب المحترفين , و لا زال هو الذكى الأريب ....


- كان أبو حنيفة في زيارة شيخه الأعمش يوماً (والأعمش رحمه الله محدث علم فذ )، فجاء إلى الأعمش رجل يسأله عن مسألة في العلم فقال لأبي حنيفة: أجبه. فأجابه أبو حنيفة ، فقال له الأعمش : و من أين لك هذا ؟
- قال أبو حنيفة :
- من حديث حدثتَنيه هو كذا و كذا و أخذ يروى .
- فقال الأعمش: حسبك ما حدَّثتُكَ به في سنة تحدِّث به في ساعة، أنتم الأطباء و نحن الصيادلة.

**** و من ورعه و تقواه و عبادته لله تعالى: قال ابن المبارك: قلتُ لسفيان الثوري: ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعتُه يغتاب عدواً له. قال: والله هو أعقل من أن يسلِّط على حسناته ما يذهب بها.

يعنى رجل يعرف مصلحته , و لا يسير خلف وساوس قرينه !

* كان أبو حنيفة يختم القرآن في ثلاث في الوتر.

قال مِسْعَر بن كِدَام أنه :

قرأ ليلة حتى وصل إلى قوله تعالى: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] فما زال يرددها حتى أذَّن الفجر. وردد قوله تعالى: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]، ليلة كاملة في الصلاة.












سيعود عصر النور رغمَ أنوفهم
ويخيب كلُّ منافقٍ خوَّانِ
هيهات نور الله لا يطفيه كيدُ
عصابةٍ حمقى من الصِّبيانِ
هيهات أن تخفَى معالمُ ديننا
ويزول طيبُ الروحِ والرَّيحانِ



*** عرض القضاء عليه ووفاته:

عرض عليه الخليفة القضاء مراراً وضُرِب من أجله !
و هو يرفض أن يصير ركنا له !

فهو لا يرى الفاحش القبيح براقا مليحا ... فالعلم يريه حقائق الأشياء و ينزع زخرفها و زينتها البالية الفانية ...

وقال أبو حنيفة للخليفة :
إني لا أصلُح ، قال الخليفة بل أنت تكذب أنت تصلُح، فقال: أرأيت، أنت تقول عني كذاب، فإني لا أصلح للقضاء.!

و عرض عليه من جديد تولي منصب القضاء فأبى ورفض فحبسه و جرى بينهما حوار قال فيه: اتقِ الله ولا ترع أمانتك إلا من يخاف الله والله ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب، لك حاشية يحتاجون إلى من يُكرمهم لك فلا أصلح لذلك. ثم حبسه وضربه على مشهد من العامة ثم أُخرِجَ من السجن و مُنِعَ من الفتوى والجلوس إلى الناس حتى توفي. وقبِلَ أبو حنيفة أن يعمل كأحد العمال في بناء سور بغداد تفادياً للنقمة، ولمّا أحسَّ بالموت سجد فخرجت نفسه وهو ساجد عام 150 هجرية

و كان الخليفة المنصور نادما أشد الندم بعدها و ردد بعد وفاة الإمام: من يعذرني من أبي حنيفة حياً وميتاً.!


أرأيتم الهزيمة النفسية الإنسانية ... يبقى الحق حقا..

قصص لا تهز القلب بل تنتزعه من بين الضلوع ...

فأين المقتدى !






ما أكرمَ الصبرَ وما أحسنَ الصدقَ
ومـا أزيـنــهُ للـفـتـى
الخـرقُ شــؤمٌ والتُّقى جـنةٌ
والرِّفْقُ يمنٌ والقنـوعُ الغـنـى


*********
• تلاميذه ...
من تلاميذه من كان على السنة , و منهم من تشعبت به السبل , و من تلاميذه الأعلام الذين صاروا علماء و أصبحوا آية بعده , و كتبوا فتاويه و اجتهاداته كلها و منهم :

العالم القاضى ( أبو يوسف ) مدوَّن فقه أبي حنيفة في الكتب , و كذا فعل محمد بن الحسن الشيبانى , الذي دوَّن كل فقهه والاجتهادات الأخرى حتى التي تراجع عنها،




وأبو حنيفة هو من رتب مسائل الفقه حسب أبوابها من طهارة وصلاة ... دوَّن أغلبها الإمام أبو يوسف في سجلات بلغت عشرات الألاف من المسائل المدونة . و انتقل تلامذته و هم بالمئات ( قيل أكثر من سبعمائة ) إلى بلادهم خاصة بلاد الأفغان وبخارى و الهند ...

و عين تلميذه العالم الفذ ( أبو يوسف ) قاضياً
وتولى القضاء لثلاثة من الخلفاء آخرهم هارون الرشيد

فكان يقضي بمذهب أبي حنيفة , و كذلك كان أغلب القضاة الذين كان ينصِّبهم , و تدون الأحكان بفقههم ، كل هذا جعل فقه الإمام أبي حنيفة ينتشر أكثر من غيره فى تلك المرحلة ....….
و أبو يوسف هو : يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي البغدادي. تتلمذ على يد صاحبه أبى حنيفة .
ثم رحل إلى المدينة وأخذ عن مالك بن أنس، وناظره في مسائل كان يقول فيها بمذهب أهل الرأى فى العراق فرجع عنها لقول مالك بن أنس رحمه الله , من آثاره كتاب الخراج وقد ألفه للرشيد، وكتاب النوادر، وأدب القاضي، والأمالي في الفقه، ، وغيرها !




أيا أمة المجد فى الغابر
إلام خمولك فى الحاضر
وما كان يعزى إليك الخمول
ولا كان يخطر بالخاطر


و صاحب آخر من أصحاب حامل المسك صار عالما نابغة , هو : زفر بن الهذيل المتوفى سنة 158هـ:
و اسمه زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي ,و أصله من أصبهان .

و هو فقيه كبير أقام بالبصرة وتولى قضائها بجدارة .


* وإبراهيم بن طهمان المتوفى سنة 163هـ :
كان شديداً على أهل البدع (فرقة تسمى الجهمية) حتى إنه أخَّر رحلته إلى الحجِّ للرَّد عليهم ... فحماية الدين و نقائه من التأليف و التخريف أولى الأن ...

وألَّف في الرَّد عليهم كتاباً بعنوان "سنن ابن طهمان"

أرأيتم قطرات العطر التى خلفها المعلم ؟


* أما محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ:
فأصله من دمشق , و نشأ بالكوفة فسمع من أبي حنيفة وأخذ عنه وبعد وفاة أبي حنيفة تعلم من أبي يوسف، ثم رحل إلى المدينة وأخذ عن مالك بن أنس، فقلل بذلك من كثرة الرأى فى فقهه , واتصل بالشافعي رحمه الله لما كان بالعراق , كان قاضيا فى عهد الرشيد ثم اعتزل القضاء ,و وقف نفسه على تعليم الفقه !!!

و كتبه هى معتمد مذهب الأحناف .....

أرأيتم ما يوسع الصدر الضيق !
أناس تعلموا فعملوا ...
علموا فباعوا , و أخلصوا فى البيع ... فلم يبق لأنفسهم حظ فى الدنيا ...

و أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي المتوفى سنة 321هـ و هو من صعيد مصر .








فتذوقوا طعم الحياة وأدركوا
ما فى الجهالة من أذى وتباب

العلم فى البأساء مزنة رحمة
والجهل فى النعماء سوط عذاب
ولعل ورد العلم ما لم يرعه
ساق من الأخلاق ورد سراب






و إنى لأرجو الله يلحقنا به

سليما من الزلات و التبعات

و صل على المختار و الآل أسوة

المصابين فى ماضى الزمان و آت

حوراء آل بورنو
24-01-2005, 07:56 PM
د. إسلام المازني

سلام الله عليك

كم يسعدني أن أرى حروفك مشرقة بيننا كل حين ، و كم يطربني ما أقرأ من خطوط نورانية ، تبهج النفس و الروح ، و تبعث فيها المزيد من الرضا ، و قد صافحت العيون بعض بلسم و قد كثر الغثاء .

لك سرد قصصي جميل ، و الأجمل اختيار من ماض ما أنجب الزمان مثله ، و لا أنجبت النساء أشباههم .

هل نطمع بالمزيد .

نعيمه الهاشمي
25-01-2005, 10:02 AM
السلام عليكم ورحمة الله


الاخ والاستاذ الفاضل إسلام

بارك الله وكثر الله من امثالك

كم نحن فى امس الحاجة لأقلام صحوية مثلك تعيد الولاء للقيم والمبادئ الاخلاقية
التى انحرف عنها الشبر لاسباب عدة


لى عودة هنا ان شاء الله


ادامك الله لنا أستاذي وزادك الله علما وصلاح

نعيمه:tree:

د.إسلام المازني
26-01-2005, 10:18 AM
الأخت الفاضلة حرة



أسأل الله ينير لكم كل درب طيب تسلكونه

و أشكر دعمكم الطيب لتلكم التذكرة

و أشكر تصويبكم الذى أحتاجه دوما تفضلا منكم و تكرما


و كثيرا ما نحتاج الزاد ...

و هى نعمة فى زمن المحنة , أن نجد لنا نافذة نتنسم منها الهواء النقي , و ننظر فنشاهد هؤلاء السادة لنقتبس من أدبهم و نبلهم , قبل علمهم و عقلهم ...
و أذكر الأحباب بأنهم قالوا جميعا و أولهم الحبيب النعمان

أن الحديث و السنة هما الأصل , و أنه ما قال رأيا إلا حين أعوزه النص الشريف ....


دين النبى محمد أخبار ...

نعم المطية للفتى آثار


لا ترغبن عن الحديث وأهله

فالرأى ليل والحديث نهار


فلربما جهل الفتى أثر الهدى

والشمس بازغة لها أنوار


صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره وسار على هديه

ورضي الله عن أئمة الهدى وأعلام التقى

و جزى الله خيرا مستضيئا بنورهم آخذا منه قبسا

حقا كما قال حبيب ..

إن في تاريخنا مايحدو بنا إلى تحقيق آمالنا ، متى ماقرأناه بعين المتبصر الفطن

حوراء آل بورنو
08-02-2005, 07:14 PM
أستاذنا الفاضل

سلام الله عليك

و الله إنا لعطشى للمزيد من هذا الخير ، فلا تبخل بمداد قلمك علينا .

يا أستاذنا ، مازلت أتشرف أن أكون عونا في نشر الفضيلة التي عنها تبحث ، و مشروعك الذي ترمي .

تحية طيبة لك .

بندر الصاعدي
09-02-2005, 03:56 PM
الأخ الحبيب الدكتور
إسلام المازني
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه ثاني مقتطفات من سير الأئمة أقرؤها بتلخيصك وأسلوبك الشيق الممتع حيث كانت الأول عن الإمام مالك رضي الله عنه .
زدنا من نور ما هوبك الله فجزاك خير ما جزى
إن هؤلاء الأئمة رضوان الله عليهم صدقوا مع الله وأخلصوا النية في العلم وما ابتغوا مالا ولا منصبا إنما الأجر والثواب فوهبهم الله ملكاتِ النفع كالحفظ والفهم والتفسير والاستنباط حتى ورثوا لأمتهم العلم النافع والهدى الحقَّ ..
إن ابن آدم إذا مات ينقطع عمله إلا من ثلاث منها علم نافع ينتفع به .. كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ..
فما بالنا بالعلم الذي ورثوه لنا

نسأل الله لنا وللمسلمين العلمَ النافعَ والسعيَ الناجعَ والحرث المثمرَ , ونعوذ به من شر البدع والضلال والفتن

لك المحبة والتقدير وخالص الدعاء بالتوفيق في العمل والثواب عليه

في أمان الله .

د.إسلام المازني
13-02-2005, 09:32 AM
الفاضلة العنود

الفضلاء الكرام من أهل الواحة الغناء


الحمد لله

هو الله مستحق الحمد أبد الدهر و لا تزال نعمه تترى لا تحصى

أعتذر لتغيبى رغما عنى


اللهم لا تفرقنا سخطا أبدا


اللهم ارحم امتنا و ردها إلى النور قبل أن تحترق بالنار ظالمة نفسها


و صدق المشتكى لله مخاطبا أمة نفضت رداء الستر




أرأيت أحصنة الخيانـة والهـوى
لمـا غفـوت يمزقـان كـسـاك



وتبرجـت أعـداء نـورك جهـرةً
وازورَّ مـن ظلمائهـنَّ ضـيـاك




أختنا العنود




..

بورك فيك طاهرة مطهرة إن شاء الله


نعم نحن بحاجة لقلم صحوى و ليتنى أكون



نمر بما يحدث جمرا و نحس ما يجرى وخزا , و نشفق على القوم دوما .... سائلين الله الإخلاص التام



يبقى الأمل فى رجال , و نعلم أن من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ...

اللهم اجعلنا من المؤمنين الصادقين الوعد .

اللهم لا تجعلنا من المنافقين ... لا تجعلنا من الذين يحبون أن يشتهروا بالحق و نسوا أنفسهم - لا يحبون أن يشتهر الحق بهم - و لا تجعلنا من الذين يبغضون الحق بالكلية .... و ما أكثرهم




بارك الله فيك أختاه و بانتظار عودتك الحميدة إن شاء الله تعالى ...

الضبابية
13-02-2005, 08:35 PM
سلام الله عليكم و رحمته و بركاته

كم آسف أني لم أقرأها إلا الآن !
و كم أطربني هذا الطرح الرائع حقا !
بارك الله فيك أيها الفاضل و جزاك كل الخير بإذنه

هكذا الأقلام تحمل الشذى فتخجل الرياض
و ذا جانب جميل للغاية من أدب موجه ذو روح إسلامية فيه الوفاء يتجلى
حقا .. جزيت الخير و الجنة

خالص التحية و التقدير
غموض

إدريس الشعشوعي
13-02-2005, 09:47 PM
الأستاذ الفاضل د.المازني ..لعمري لقد عطّرتنا بأعطر السّير و بأروع طرح و نثر ... باقات و لا أعطر .. بوح و لا أنضر

يكفي الإمام الأعظم سيدي أنّه أحد أربعة دانت بمذهبهم أمة الإسلام على امتداد قرونها الذهبية و المتأخرة ... فهل لذلك صدف أم أنّه قدر الله و اصطفاؤه ؟؟ و لأي أمّة ؟؟ أمّة الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم .. فقد ظفر بأرفع المقامات و لا ريب ..رضي الله عنه و أرضاه و قدس روحه و سرّه .

و لكم التحية عطرة :0014:..جميلة فواحة بامتداد هذا الجمال الوارف ظلّه التي نثرته هنا ..

سيدي لكم أرجو أن تضمن هذه الباقات في كتيب فيستفاد منها و من شذاها الفواح فهي بحق رائعة جدا ..سلمت و بارك الله فيك

تحياتي و عظيم اعجابي:hat:

د.إسلام المازني
27-03-2005, 11:46 PM
الحمد لله رب العالمين

و الصلاة و السلام عليك يا نبى الهدى


طوبى لمتبع نورا أتيت به *** يمشى فى رياض العلم والعمل
مسك الصلاة وأعطار السلام تلى *** عليك تغدو لها الأطياب فى خجل



أخى الحبيب المعلم الفاضل بندر

مرحبا بك فى ساحة النعمان , حيث مرت نسمة من روح الطهر أرتنا الحياة الدنيا زخرفا و غرورا و لهوا باطلا

أسأل الله أن يرزقنا صدق المحبة لعباده العلماء

فتكون الرحلة ثم النقلة فالجنة إن شاء الله


اللهم ءامين ءامين ءامين


فنعم الرجال :



يا طرازاً يبعث الله به *** فى نواحى ملكه آناً فآنا

من رجال خلقوا ألوية *** ونجوماً ، وغيوثاً ، ورعانا





و أبث الأحباب شيئا , أرى بثه خيرا و العلم عند الله تعالى :

لقد زاد حبى لسيدى النعمان رحمه الله , بعد أن عشت سيرته لأكتب منها , فقد شعرت بقلبه الرقيق و عقله الرائع , و احترمته أكثر و أكثر


فأوصي كل من قرأ ألا يكتفي بما انتقيت له , و أن يفتح باب الخير بقلب مخلص و عقل رشيد , و سيفتح الله عليه - إن شاء الله - بما لم يكن يحلم و لا يعلم

و رحم الله النعمان

حوراء آل بورنو
28-03-2005, 01:35 AM
أخي الفاضل ، رحم الله الطيبين الأفاضل و أسكنهم فسيح الجنات ، و لعل في المحبة و الذكر الحشر معهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

أخي ، هلا من مزيد ... فسير هؤلاء مواعظ و عبر ، و لكم قلم يعطر الأسطر فيهم حبا و بهاء ، فشغفنا بهم ..

البذرة الأخلاص فكانت الدوحة غناء ، بارك الله بكم .

عدنان أحمد البحيصي
28-03-2005, 11:12 AM
أخي


سيرة عطرة ولا شك



رحم الله أيا حنيفة

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :"كل العلماء غلمان على شاطىء ابي حنيفة "


بارك الله فيك

ندى الإسلام
26-10-2008, 11:16 AM
الأستاذ الفاضل د.المازني ..لعمري لقد عطّرتنا بأعطر السّير و بأروع طرح و نثر ... باقات و لا أعطر .. بوح و لا أنضر
يكفي الإمام الأعظم سيدي أنّه أحد أربعة دانت بمذهبهم أمة الإسلام على امتداد قرونها الذهبية و المتأخرة ... فهل لذلك صدف أم أنّه قدر الله و اصطفاؤه ؟؟ و لأي أمّة ؟؟ أمّة الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم .. فقد ظفر بأرفع المقامات و لا ريب ..رضي الله عنه و أرضاه و قدس روحه و سرّه .
و لكم التحية عطرة
..جميلة فواحة بامتداد هذا الجمال الوارف ظلّه التي نثرته هنا ..
سيدي لكم أرجو أن تضمن هذه الباقات في كتيب فيستفاد منها و من شذاها الفواح فهي بحق رائعة جدا ..سلمت و بارك الله فيك
تحياتي و عظيم اعجابي:

تحقق الرجاء...
مبارك أخى الكريم نشر النسخة الموسعة من الكتاب والحمد لله على فضله ونعمه
دار الكتب العلمية
http://www.al-ilmiyah.com
http://www.al-ilmiyah.com/_Product.php?Action=Detail&ProductID=1809
اللائحة السابقة » تفاصيل الكتاب
http://up108.arabsh.com/s/cbh6bupzwg.jpg (http://up108.arabsh.com/)
السعر:3.5 $
» إضافة إلى السلة
» كتب لنفس المؤلف
» كتب بنفس الموضوع
ردمك: I2-7451-3940-1
عنوان الكتاب: روائع الأئمة الأربعة (مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة)ـ
Book Title: rwa’’a al’a’mah al’arb’aah (malk walshaf’ay w’ahamd w’aby hanyfah)ـ
المؤلف: إسلام المازني ،الدكتور
Author: ’islam almazny ،aldktwr
الموضوع: سير ومناقب
نوع التجليد: غلاف
نوع الورق: ابيض
عدد الصفحات: 184
القياس: cm 17×24
الوزن: Kg.0.283
عدد ألوان الطباعة: لون واحد
تاريخ الإصدار: I2008-10-10
رقم فسح المملكة العربية السعودية:0

عبد الرحمن الكرد
26-10-2008, 12:12 PM
الفاضل المازني
سيره عطره من سير الخالدين
التي تتباها بها الأجيال
وتكون خير منهل ونبراس لها
دام قلمك الجميل الراقي
تحياتي

يسرى علي آل فنه
26-11-2008, 04:08 PM
و ما أدراك ما النعمان... كأس العلم لا يجرح الشفاه!
أبو حنيفة .. قصة رجل فريد
هو ...
رجل سمى ( الإمام الأكبر ) ....
و تلك التسمية لم تأت من فراغ , بل كان الرجل جديرا بها , و لا تعنى عصمته من الزلل و إنما تدل على مدى وجاهته و عطائه العلمى ...
رأيت أبا حنيفة كل يوم **
يزيد نباهة و يزيد خيرا
و ينطق بالصواب و يصطفيه **
إذا ماقال أهل الجور جورا
من شعر الفقيه الثقة عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى ...
والده ( ثابت ) قدم من فارس للكوفة ,
و عمل بالتجارة كما هى حال الأسرة , و عاش فى يسر مادى ...
ولم يكن نسبه الفارسي مقللا من قدره , فالإسلام العظيم يقدم المقدام و الفعال , و يقر بشرف التقى , و ليس نظام أسر و عائلات , أو عصبيات متغطرسة حمقاء .....
فقبل وثيقة النبلاء ( الماجنا كارتا ) الأجنبية كانت
وثيقة الحق سبحانه
( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )
رحم الله أبا حنيفة المسلم غير العربى الأصل , الذى فاق بنى يعرب بلاغة و أدبا و علما ... و أحبوه أكثر من أنفسهم ...
فصدقت فيه نبوءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
(لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس)
و أبى حنيفة الإمام و مالك **
و الشافعى و أحمد المتمنع
نزل والده ثابت بالكوفة و عاش بها , و فيها رزقه الله بابنه الإمام أبي حنيفة و اسمه هو
النعمان بن ثابت , ولِدَ سنة 80 من الهجرة .
و كان أبو حنيفة يبيع القماش و الثياب , و استمرت معه المهنة الحلال ,
و مما أثر عن أبى حنيفة بعدها فى
حرصه على الكسب الحلال :
أنه كان يقول: " أفضل المال الكسب من الحلال وأطيب ما يأكله المرء من عمل يده ".
فلم يكن قلب الشاب النعمان غافلا فى خيالات الفتيان , و لا سامدا فى الضحك و الرغبات , و لم يكن يحيا إغفاءة طولها ستون عاما مثل بعض الناس .....
بل كان هدفه كبيرا و حلمه عظيما .
و نقف هنا مع هذا التاجر الصدوق فى رواية لها العجب :
جاءته امرأة بثوب من الحرير تبيعه له فقال كم ثمنه، قالت مئة، فقال هو خير من مئة ، يعنى هو من يقول لها ارفعى الثمن فهو يستحق أكثر و لا يستغل الفرصة كتاجر !
فقالت مئتين، فقال هو خير من ذلك، حتى وصلت إلى أربع مئة فقال هو خير من ذلك، قالت أتهزأ بي؟ فجاء برجل فاشتراه بخمسمائة....يعنى هو من جاءها بالمشترى ابتغاء مرضاة الله و لم يأخذ نسبة على الوساطة ...
سيرة بلون البنفسج ...!
فلم تكن حياته لعبة مكسب و خسارة يحياها صعودا و هبوطا قفزا و سقوطا كأى تاجر !
** و ذات يوم أعطى شريكه متاعاً وأعلمه أنَّ في ثوب منه عيبا , و أوجب عليه أن يبين العيب عند بيعه , و باع شريكه المتاع و نسي أن يبين , و لم يعلم من الذي اشتراه، فلما علم أبو حنيفة تصدَّق بثمن المتاع كله.
فى الزهد أحمد و النباهة مالك **
و أبى حنيفة و الأغر الهاشمى
*** و كان أبو حنيفة يجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة فيشتري بها حوائج الأشياخ و المحدثين
( منح دراسية مجانية لطلبة العلم ) و أقواتهم وكسوتهم و جميع لوازمهم , ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم ويقول :
أنفقوا في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله , فإني ما أعطيتكم من مالي شيئاً ولكن من فضل الله عليّ فيكم.
فهو شريك لهم إن شاء الله فى كل علم بثوه للأمة ,
و شريك لمن تعلم منهم فى الأجر ...
فلم يكن أبا حنيفة مورثا علمه فقط بل ناشرا للعلم متبرعا سخيا ...
يا وردة ترسل أنوارها **
فيضا على الكون من الرابية
*** و قد ذكر فـي اختياره لطريق العلم والفقه قوله :
كلما قلبته وأدرته لم يزدد إلا جلالة... و رأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفته ، وطلب الدنيا والآخرة إلا به ..
**** و من معلميه الفضلاء سادة الأمة و تاركى إرث الذهب لها :
قال الإمام الذَّهبِيّ رحمه الله في كتابه الجميل ((تذكرة الحفاظ))1/168:
أن أبا حنيفة النعمان حدَّثَ عن :عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هرمز ، وسلمة بن كُهَيل، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق، و خلق كثير ! )).
وقال في ((العبر)):
((وروى عن عطاء بن أبي رباح، وتفقه على حمّاد( )
فالرجل كان يروى الحديث , و يتعلم الفقه و يجتهد فهم الحكم الصحيح , فلا يقومن أحد و يقول أنا أتبع فلانا و يترك الحديث !
فالأئمة لم يكن همهم سوى البحث عن الحديث
فإن لم يجدوه اجتهدوا ... و قالوا لو ثبت حديث يخالف مقالنا فاعملوا بالحديث .. و الزمن الأن مختلف و قد جمعت الأحاديث و حققت ...
فهذا الإمام أبو حنيفة يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي." ويقول: "لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت." [1]
وهذا الإمام مالك يقول : "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه..." [2]
وهذا الشافعي يقول: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقولوا بسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ودعوا ما قلت"، وفي رواية: "فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد..." [3]
وهذا الإمام أحمد يقول: " من رد حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهو على شفا هلكة..." [4] ويقول: "لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا..." [5]
] إيقاظ الهمم ص62.
[2] الانتقاء لابن عبد البر ص145.
[3] إيقاظ الهمم ص72.
[4] مناقب الشافعي ج1 ص472؛ والرواية الأخرى لأبي نعيم في الحلية ج9 ص107.
[5] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ج3 ص430.
فالكل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ملتمس ,
و لا يرضى تعصبا لشخصه , وانظر فى طيات كتبه تجد المعانى التى سكنت شرايينه و أوردته .. التى بثها طلابه و تلقاها من آبائه العلماء ...
**** و هنا تطبيق :
كان الخليفة المنصور يرفع من شأن أبي حنيفة و يكرمه ويرسل له العطايا و الأموال و لكن أبا حنيفة كان لا يقبل عطاءً. و لقد عاتبه المنصور على ذلك قائلاً: لم لا تقبل صلتي؟. فقال أبو حنيفة: ما وصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته ولو وصلني بذلك لقبِلتُه إنما وصلني من بيت مال المسلمين ولا حق لي به !.... تأمل
*** وقع يوماً بين الخليفة المنصور وزوجته شقاق وخلاف بسبب ميله عنها ، فطلبت منه العدل فقال لها من ترضين في الحكومة بيني وبينك؟ قالت أبا حنيفة، فرضي هو به فجاءه فقال له: يا أبا حنيفة زوجتي تخاصمني فانصفني منها، فقال له أبو حنيفة: لِيتكلَّم أمير المؤمنين. فقال المنصور: كم يحلُّ للرجال أن يتزوج من النساء ؟ قال: أربع. قال المنصور لزوجته: أسمعتِ. فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين إنما أحلَّ الله هذا لأهل العدل فمن لم يعدل أو خاف أن لا يعدل فواحدة لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، فينبغي لنا أن نتأدَّب مع الله و نتَّعظ بمواعظه . فسكت المنصور وطال سكوته، فقام أبو حنيفة وخرج فلما بلغ منزله أرسلت إليه زوجة المنصور خادماً ومعه مال وثياب، فردها وقال: أقرئها السلام وقل لها إنما ناضلتُ عن ديني وقمتُ بذلك المقام لله ولم أرد بذلك تقرباً إلى أحد ولا التمستُ به دنيا.
أرأيتم !
لم يكن ليله فى انتظار ثقيل لمنحة أو نفحة , سوى من رب البرية , و لم يكن شاقا عليه أن ينطق بالحق , و لم يرهق قلبه بتعدد الرغبات و الميول , فلم يدر فكره فى دوائر الكلل و المعاناة للبحث عن حل وسط!
*** لزم أبو حنيفة عالِم عصره حمّاد بن أبي سليمان وتخرَّج عليه في الفقه , و استمر معه إلى أن مات.
حيث بدأ بالتعلم عنه وهو ابن 22 سنة و لازمه 18 سنة من غير انقطاع و لا نزاع.
يقول أبو حنيفة: " بعد أن صحبتُ حمّاداً عشر سنين نازعتني نفسي لطلب الرياسة ، فأردتُ أن أعتزله و أجلس في حلقة لنفسي , فخرجتُ يوماً بالعشيّ وعزمي أن أفعل، فلمّا دخلتُ المسجد رأيتُه ولم تطب نفسي أن أعتزله فجئتُ فجلستُ معه، فجاء في تلك الليلة نعي قرابة له قد مات بالبصرة، وترك مالاً و ليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه , فما هو إلا أن خرج حتى وردت عليَّ مسائل لم أسمعها منه ، فكنتُ أجيب وأكتب جوابي.
ثم قَدِمَ، فعرضتُ عليه المسائل وكانت نحواً من ستين مسألة، فوافقني بأربعين وخالفني في عشرين، فآليتُ على نفسي ألا أفارقه حتى يموت و هكذا كان ".
سبحان الله على الصراحة و التواضع , فلم يكن من الحالمين بكرسى الفتوى و تلفيق الأجوبة , بل كان حريصا على الأمانة الثقيلة , فالقيم فى قلبه دافئة ,
و أنفاسه أمينة عليها , و يحتفظ بأزهار أحلامه الخالدة فى رضوان الله تعالى نضرة يانعة , لم تشبها شائبة حب الرياسة و الثناء , فتذبل و تصير أثرا ذابلا ...
و لم يؤخذ عليه سوى
* التوسع فى الفقه الفرضى , حيث يفترض الوقائع و يصمم لها حلا و فتوى ..
* قلة الأحاديث التى وصلته - نسبيا - مما أثر على اتساع مساحة الإجتهاد و زادها زيادة كبيرة , مع اشتراطه شهرة الحديث مع صحة سنده مما قلل مساحة القبول للحديث كحجة .
فتنته مع أبي هبيرة:
كان أبو هبيرة والياً بالكوفة ، و ظهرت الفتن بالعراق، فجمع فقهاءها ببابه , و فيهم ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود بن أبي هند ، فولّى كل واحد منهم صدراً من عمله، وأرسل إلى أبي حنيفة طالبا جعل الخاتم في يده ولا يُنفذ كتاب إلا من تحت يده ولا يخرج من بيت المال شيء إلا من تحت يده .
و كان إخضاع أبي حنيفة قهراً أو إغراءً .....
فامتنع النعمان ....
وقال : لو أرادني أن أعد له أبواب ماجد واسط لما فعلت!
غيره تفرح روحه بتلك الأمور , أما هو ففرح الروح عنده مختلف , فلا يرى المناصب أزهارا و أنهارا ... بل أحمالا ثقالا و تنازلات لا تصح ...
سُجِنَ أبو حنيفة وضُرِبَ ضرباً مبرحاً مؤلماً أياماً متتالية حتى سقط فاقد الوعي!
صمد و لم يقبل , فالشبهة أخت الحرمة !
* دخل يوماً أبو حنيفة على المنصور فقال له أحد الجالسين: هذا عالِم الدنيا اليوم.
فقال له المنصور: يا نعمان من أين أخذتَ علمك؟ قال: من أصحاب عبد الله ابن عمر عن عبد الله ابن عمر , و من أصحاب عبد الله ابن عباس عن عبد الله ابن عباس و من أصحاب عبد الله ابن مسعود عن عبد الله ابن مسعود .فقال المنصور احتطت لنفسك !
أرأيتم ! من أصحاب الصحابة عن الصحابة عن الحبيب العدنان عليه الصلاة و السلام ! مبلغا عن رب العزة سبحانه ... مما علمه الروح الأمين جبريل ..
ورد العلا أهدى لنا وردة **
يا حبذا الورد من الورد
يا أحباب لم يكن هؤلاء الناس ملائكة يستحيل اللحاق بهم , بل كانوا بشرا مجتهدين ...
لم يكن أحدهم يقضى العمر أمام اللهو كالتلفاز و يظن أنه سيحقق أحلامه !
و لم تشغلهم أشياء تضخمت فى العصر الحديث
مثل الاهتمام المفرط بكل أمر خلا الحق !
بالصحة ، بحب المال , بالمستقبل الشخصى
بالشهرة ، بالنجومية بالشهوة , بالأغانى ,
بالحب , بالثرثرة , باللعب مثل لعب الكرة , بالطعام أو بالملابس والموضة
آه ....
نعود لزمن الأحباب ...
نعود للنعمان ....
انتفض أهل الموصل على المنصور وكان المنصور قد اشترط عليهم أنهم إن انتفضوا حلَّت دماؤهم، فجمع الفقهاء و قال لهم: أليس صح أنَّ رسول الله قال المؤمنون عند شروطهم يلتزمون بها , وأهل الموصل قد اشترطوا ألا يخرجوا عليّ وها هم قد خرجوا وانتفضوا ولقد حلَّت دماؤهم فماذا ترون؟ قال أحد الحاضرين: يا أمير المؤمنين، يدك مبسوطة عليهم وقولك مقبول فيهم فإن عفوتَ فأنت أهل العفو وإن عاقبتَ فبما يستحقون. التفت المنصور إلى أبي حنيفة يسأله و يستنطقه !
فقال أبو حنيفة: إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه وشرطتَ عليهم ما ليس لك لأنَّ دم المسلم لا يحِلُّ إلا بإحدى ثلاث فإن أخذتهم أخذتَ بما لا يحلُّ وشرط الله أحق أن يوفى به. عندئذ أمر المنصور الجميع أن ينصرفوا ما عدا أبي حنيفة و قال له: إنَّ الحق ما قلتَ، انصرِف إلى بلادك.
أرأيتم ! أرأيتن !
رجل حساس يحيا بقلب شهيد , ففى حسبانه أنه قد يفارق الأرض بسبب كلمته , لكنه لا ينسى حياة الخلود و سعادة الأبد
فلا يتناثر ضميره خوفا من المواجع ،
و لا يسلم قلبه لإبليس ليستعمره و يسوغ له الخوف و التردد ....
أهم مؤلفاته:
فى عصر أبي حنيفة ظهرت فرق مبتدعة قبيحة مختلفة مثل :
الشيعة والمعتزلة والمرجئة والقدرية والجهمية أو المعطلة ... هذه الفِرَق كلها كانت تتحدث بالشبهات و الخرافات و الأباطيل , و كان أتباعها قلة لكنهم قلة سامة مسممة , فقام علماء المسلمين يردون على هؤلاء المبتدعة.
فمن هنا نشأت تسمية أهل السُنَّة والجماعة , و هي ما كان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والصحابة والتابعين وهم السواد الأعظم من الأمَّة ساعتها .
و من الله بعدها على الأمة ببقية الأئمة فأكملوا الدفاع عن الحق ..
وألَّف أبو حنيفة كتاب " الفقه الأكبر " ليرد فيه على المبتدعة.
يبنى لأمته الحياة جديدة **
للعلم فيها روعة و جلال
تأبى المعاول أن يقر قرارها **
حتى تدمر ما بنى الجهال
شرف الشعوب علومها و حياتها**
أن تصلح الأخلاق و الأعمال
أقوال العلماء فيه:
قال الذهبي رحمه الله : " برع في الرأي، وساد أهل زمانه في التفقه ،وتفريع المسائل، وتصدر للاشتغال ، وتخرج به الأصحاب " ثمَّ قال : " وكان معدوداً في الأجواد الأسخياء ، والأولياء الأذكياء ، مع الدين والعبادة والتهجد وكثرة التلاوة و قيام الليل , رضي الله عنه !!!!!!"
....
أرأيتم لم يكن غصنا يتلوى مع الريح ...
و لم يكن مكتبة متنقلة فحسب ..
و قال ابن كثير رحمه الله :
" الإمام أبو حنيفة... فقيه العراق ، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام ، وأحد أركان العلماء ، وأحد الأئمة الأربعة ؛ أصحاب المذاهب المتبوعة، وهو أقدمهم وفاة "
وقال ابن العماد في " شذرات الذهب": " وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة، والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة؛بل ينفق ويؤثر من كسبه، له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صنَّاع وأجراء رحمه الله تعالى .
عالجوا الحكمة ، واستشفوا بها
وانشدوا ما ضل منها فى السِّير
واقرؤوا آداب من قبلكم
ربما علَّم حيا من غبر
أرأيتم إشراقة الرجل فى سيرته ! رجل المواقف الحرة .. رافض المساومات دوما .... عبد شكور ليلا ,
و عالم نحرير نهارا ..
رجل يدرك أن مال الدنيا و وظائفها لا يساويان الحفاظ على التقوى
وقال سفيان الثوري وابن المبارك : " كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه" .
الفضيل بن عياض قال فيه :
كان أبو حنيفة رجلاً فقيهاً معروفاً بالفقه، واسع المال معروفاً بالأفضال على كل من يطوف به، صبوراً على تعلُّم العلم بالليل والنهار، ، يقوم الليل ، كثير الصمت، قليل الكلام حتى يرد مسألة في حلال أو حرام.
فكان يحسن أن يدل على الحق، رهاباً من مال السلطان.كان رحمه اللّه واحد زمانه، لو انشقت عنه الأرض لانشقت عن جبل من الجبال فـي العلم والكرم والمواساة والورع والإيثار للّه تعالى.
أرأيتم ..
طائر وسط أسراب العلماء , يحلق بجناحين هما الحب و الخشية لله المتعال ...لا يستسلم لأقفاص الدنيا الدنية و أسوارها ...
- عبد الله بن المبارك العالِم الكبير والتابعي الجليل يقول : كان أبو حنيفة مخ العِلم ....!
- مالك بن أنس و هو رجل من رواد خليج الأمل ممن نشروا النور الربانى قال عنه :
- هذا النعمان لو قال هذه الإسطوانة من ذهب لكانت كما قال !
يعنى لو قال عمود المسجد من ذهب لصدق و لأقنع..
- و فى رواية : لو جاء إلى أساطينكم فقايسكم على أنها خشب لظننتم إنها خشب.
أرأيتم رزق الله للعبد و بركة السعى
نحسبه و الله حسيبه كان على خير ....
وإنَّ علومي باسقاتٌ وطلعُها
نضيدٌ ورزقٌ للعباد ورحمةِ
- الإمام زُفَر قال: جالستُ أبا حنيفة أكثر من عشرين سنة فلم أر أحداً أنصح للناس منه و لا أشفق عليهم منه، بذل نفسه لله تعالى، أمّا عامة النهار فهو مشتغل في العلم و في المسائل وتعليمها , و فيما يُسأل من النوازل وجواباتها , و إذا قام من المجلس عاد مريضاً أو شيَّع جنازة أو واسى فقيراً أو وصل أخاً أو سعى في حاجة، فإذا كان الليل خلى للعبادة و الصلاة و قراءة القرآن، فكان هذا سبيله حتى توفي رضي الله تعالى عنه.
أرأيتم ..
كيف يحيا شخص و يبقى رحيقه مثل شذا الزهر ، و يترك علما مثل النور له سناء فى كل صفحة و مجلد ... و تقرأ الصدق فيه قبل الحرف ...حيث عاشت نفسه المعنى المقصود , و صدقت حاله المبنى المسطور ...
تلك ذكريات الأئمة عنه , قمة الصفاء و سلسبيل الفكر النقى , يبيت يسبح الله و يصبح يجتهد لغايته الكبرى على ثقة بيوم الميعاد , شوق يحدوه للقيا الحبيب صلى الله عليه وسلم , فيملك كيانه كله ...
يخالف طلاسم ،المبتدعة و قسوة قلوب المحترفين , و لا زال هو الذكى الأريب ....
- كان أبو حنيفة في زيارة شيخه الأعمش يوماً (والأعمش رحمه الله محدث علم فذ )، فجاء إلى الأعمش رجل يسأله عن مسألة في العلم فقال لأبي حنيفة: أجبه. فأجابه أبو حنيفة ، فقال له الأعمش : و من أين لك هذا ؟
- قال أبو حنيفة :
- من حديث حدثتَنيه هو كذا و كذا و أخذ يروى .
- فقال الأعمش: حسبك ما حدَّثتُكَ به في سنة تحدِّث به في ساعة، أنتم الأطباء و نحن الصيادلة.
**** و من ورعه و تقواه و عبادته لله تعالى: قال ابن المبارك: قلتُ لسفيان الثوري: ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعتُه يغتاب عدواً له. قال: والله هو أعقل من أن يسلِّط على حسناته ما يذهب بها.
يعنى رجل يعرف مصلحته , و لا يسير خلف وساوس قرينه !
* كان أبو حنيفة يختم القرآن في ثلاث في الوتر.
قال مِسْعَر بن كِدَام أنه :
قرأ ليلة حتى وصل إلى قوله تعالى: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] فما زال يرددها حتى أذَّن الفجر. وردد قوله تعالى: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]، ليلة كاملة في الصلاة.
سيعود عصر النور رغمَ أنوفهم
ويخيب كلُّ منافقٍ خوَّانِ
هيهات نور الله لا يطفيه كيدُ
عصابةٍ حمقى من الصِّبيانِ
هيهات أن تخفَى معالمُ ديننا
ويزول طيبُ الروحِ والرَّيحانِ
*** عرض القضاء عليه ووفاته:
عرض عليه الخليفة القضاء مراراً وضُرِب من أجله !
و هو يرفض أن يصير ركنا له !
فهو لا يرى الفاحش القبيح براقا مليحا ... فالعلم يريه حقائق الأشياء و ينزع زخرفها و زينتها البالية الفانية ...
وقال أبو حنيفة للخليفة :
إني لا أصلُح ، قال الخليفة بل أنت تكذب أنت تصلُح، فقال: أرأيت، أنت تقول عني كذاب، فإني لا أصلح للقضاء.!
و عرض عليه من جديد تولي منصب القضاء فأبى ورفض فحبسه و جرى بينهما حوار قال فيه: اتقِ الله ولا ترع أمانتك إلا من يخاف الله والله ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب، لك حاشية يحتاجون إلى من يُكرمهم لك فلا أصلح لذلك. ثم حبسه وضربه على مشهد من العامة ثم أُخرِجَ من السجن و مُنِعَ من الفتوى والجلوس إلى الناس حتى توفي. وقبِلَ أبو حنيفة أن يعمل كأحد العمال في بناء سور بغداد تفادياً للنقمة، ولمّا أحسَّ بالموت سجد فخرجت نفسه وهو ساجد عام 150 هجرية
و كان الخليفة المنصور نادما أشد الندم بعدها و ردد بعد وفاة الإمام: من يعذرني من أبي حنيفة حياً وميتاً.!
أرأيتم الهزيمة النفسية الإنسانية ... يبقى الحق حقا..
قصص لا تهز القلب بل تنتزعه من بين الضلوع ...
فأين المقتدى !
ما أكرمَ الصبرَ وما أحسنَ الصدقَ
ومـا أزيـنــهُ للـفـتـى
الخـرقُ شــؤمٌ والتُّقى جـنةٌ
والرِّفْقُ يمنٌ والقنـوعُ الغـنـى
*********
• تلاميذه ...
من تلاميذه من كان على السنة , و منهم من تشعبت به السبل , و من تلاميذه الأعلام الذين صاروا علماء و أصبحوا آية بعده , و كتبوا فتاويه و اجتهاداته كلها و منهم :
العالم القاضى ( أبو يوسف ) مدوَّن فقه أبي حنيفة في الكتب , و كذا فعل محمد بن الحسن الشيبانى , الذي دوَّن كل فقهه والاجتهادات الأخرى حتى التي تراجع عنها،
وأبو حنيفة هو من رتب مسائل الفقه حسب أبوابها من طهارة وصلاة ... دوَّن أغلبها الإمام أبو يوسف في سجلات بلغت عشرات الألاف من المسائل المدونة . و انتقل تلامذته و هم بالمئات ( قيل أكثر من سبعمائة ) إلى بلادهم خاصة بلاد الأفغان وبخارى و الهند ...
و عين تلميذه العالم الفذ ( أبو يوسف ) قاضياً
وتولى القضاء لثلاثة من الخلفاء آخرهم هارون الرشيد
فكان يقضي بمذهب أبي حنيفة , و كذلك كان أغلب القضاة الذين كان ينصِّبهم , و تدون الأحكان بفقههم ، كل هذا جعل فقه الإمام أبي حنيفة ينتشر أكثر من غيره فى تلك المرحلة ....….
و أبو يوسف هو : يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي البغدادي. تتلمذ على يد صاحبه أبى حنيفة .
ثم رحل إلى المدينة وأخذ عن مالك بن أنس، وناظره في مسائل كان يقول فيها بمذهب أهل الرأى فى العراق فرجع عنها لقول مالك بن أنس رحمه الله , من آثاره كتاب الخراج وقد ألفه للرشيد، وكتاب النوادر، وأدب القاضي، والأمالي في الفقه، ، وغيرها !
أيا أمة المجد فى الغابر
إلام خمولك فى الحاضر
وما كان يعزى إليك الخمول
ولا كان يخطر بالخاطر
و صاحب آخر من أصحاب حامل المسك صار عالما نابغة , هو : زفر بن الهذيل المتوفى سنة 158هـ:
و اسمه زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي ,و أصله من أصبهان .
و هو فقيه كبير أقام بالبصرة وتولى قضائها بجدارة .
* وإبراهيم بن طهمان المتوفى سنة 163هـ :
كان شديداً على أهل البدع (فرقة تسمى الجهمية) حتى إنه أخَّر رحلته إلى الحجِّ للرَّد عليهم ... فحماية الدين و نقائه من التأليف و التخريف أولى الأن ...
وألَّف في الرَّد عليهم كتاباً بعنوان "سنن ابن طهمان"
أرأيتم قطرات العطر التى خلفها المعلم ؟
* أما محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ:
فأصله من دمشق , و نشأ بالكوفة فسمع من أبي حنيفة وأخذ عنه وبعد وفاة أبي حنيفة تعلم من أبي يوسف، ثم رحل إلى المدينة وأخذ عن مالك بن أنس، فقلل بذلك من كثرة الرأى فى فقهه , واتصل بالشافعي رحمه الله لما كان بالعراق , كان قاضيا فى عهد الرشيد ثم اعتزل القضاء ,و وقف نفسه على تعليم الفقه !!!
و كتبه هى معتمد مذهب الأحناف .....
أرأيتم ما يوسع الصدر الضيق !
أناس تعلموا فعملوا ...
علموا فباعوا , و أخلصوا فى البيع ... فلم يبق لأنفسهم حظ فى الدنيا ...
و أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي المتوفى سنة 321هـ و هو من صعيد مصر .
فتذوقوا طعم الحياة وأدركوا
ما فى الجهالة من أذى وتباب
العلم فى البأساء مزنة رحمة
والجهل فى النعماء سوط عذاب
ولعل ورد العلم ما لم يرعه
ساق من الأخلاق ورد سراب
و إنى لأرجو الله يلحقنا به
سليما من الزلات و التبعات
و صل على المختار و الآل أسوة
المصابين فى ماضى الزمان و آت
الحمد لله
هذه والله سيرة مشرقة عطرة ندية لهذا الإمام الجليل
تبعث في النفس فرحة وتغسل القلب من ضعف همته ووهنها
رحم الله أبا حنيفة النعمان وأثابه خير الجزاء

دكتور اسلام المازني:-
أسلوبك كان في منتهى الجمال في طرحها بشكل نشعر معه
كم نفتقد ونفتقر لهذه القراءات المنعشة للروح والمحببة للنفس الحريصة على رحمتها

أتمنى أن تكون بخير حفظك الله وجزاك رضاه ومحبته

ولاحرمنا الله من لقيا ك ولقيا عباده الصالحين في فسيح جنانه

يارب

عبدالصمد حسن زيبار
26-11-2008, 06:18 PM
سير العلماء قناديل تضيء الطريق

العبرة في الفهم و التدبر

لكل جيل رجاله

و هؤلاء العمالقة مصابيح هدى لكل الأجيال

تحياتي