المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ظل الحب



د. مختار محرم
05-05-2016, 06:44 PM
ظـــــلُّ الحــــــب

مَــا زِلــتُ أبـحـثُ عَـن ظِـلِّي فَـلَا أَجِـدُهْ
هَـــذَا هُــو الـحُـبُّ .. دومًــا مَـوتُـهُ أَبَــدُهْ

هَـــذا هُــو الـحُـبُّ .. دَربٌ فِــي نـهَـايَتِهِ
بَـــحــرٌ تَـــبَــرأَ مِـــــن أَمــوَاجِــهِ زَبَــــدُه

أَمـــــوتُ فِـــيــهِ وَأحـــيَــا دُونَ بُــوصَـلَـةٍ
وَأرتجـــِــيـهِ وَأوهـــامُ الـــوَرَى سَـنَــــدُه

كَـآمِـرٍ فِــي سُـجُـونِ الـكَـبتِ يَـجـلِدُ بِـالــ
دُمــــوعِ كُــــلَّ أَســيــرٍ فِــيــهِ يَـنـتَـقِـدُهْ

يَـومِـي الــذِي فَــرَّ مِـنِّـي صَــارَ مَـوعِـدهُ
آتِــيـهِ يَـسـبِـقُ سَـبـتِـي دَائِــمًـا أَحَــدُهْ

أَقـودُنِـي وَالـخُـطَى خَـلـفِي وَخَـارِطةُ الــ
أَشـجَـانِ تَـسـكُنُ أَمـسًـا لَا يَــرَاهُ غَــدُهْ

وَحـــدِي أُفَـتِّـشُ عَـنِّـي فِـيـهِ.. ضَـيَّـعَنِي
عُــنـوانُـهُ وَتَــنَـاسَـى نِـسـبَـتِـي بَــلَــدُهْ

رَأَيــتُـهُ فِـــي سُــطُـورٍ لَا تَــبُـوحُ ســوَى
بِـالـسُـوءِ .. تُـشـبِهُ شَـيـخًا عَـقَّـهُ وَلَــدُهْ

نَـادَيـتُـهُ قَـائِـلًا: هَــل أَنــتَ...؟ قَـاطَـعَنِي
بصفعة الـ (هُسِّ).. غَابَتْ فِي الفَرَاغِ يَدُهْ

مُـسَـافِـرٌ كَــظَـلامِ الـلَـيلِ مِـــنْ وَطَــنٍ
مَــيْــتٍ إِلَـــى وَطـــنٍ مَـــا زَالَ يَـفـتَـقِدُه

كَــــأَنَّـــهُ نَــــهـــرُ أحــــــزَانٍ مُــبَــعـثَـرَةٍ
يَــعُــودُ بِـالـتِّـيهِ وَالـحِـرمَـانِ مَـــن يَـــرِدُهْ

حِــيـنًـا يَــلُــوحُ كَـسَـيـلٍ غَــيـرِ مُـكـتَـرِثٍ
بــالـدَّربِ يَـجـرِفُ صَـبـرِي عَـامِـدًا جَـلَـدُهْ

حِــيـنًـا يُـظَـلِّـلُ غَــيـمُ الـضَّـعـفِ غَـابَـتَـهُ
يَخَـافُ مِـن فَــأرَةٍ - لَـو حَـرَّكَتْ - أَسَــدُه

مَـــرَّتْ عَـلَـيـهِ صُـــرُوفُ الـدَّهـرِ أَجـمَـعُهَا
حَـتَّـى تَـقَـوَّسَ هَـجـرًا وَانْـثَـنَى جَـسَدُه

وَعَــــادَ وَالـقَـلـبُ يَــجـرِي خَـلـفَـهُ أَمَـــلًا
كَـالـنُّـورِ .. يَـكـفُـرُ بِـــي دَومًــا وَأَعـتَـقِدُه

مَـــا زِلـــتُ أَحــسَـبُ أَنِّــي ظِـلُّـهُ وَلِــذَا
فَــقَـأتُ عَـيـنَـيَّ حَــتـى لَا يُـــرَى رَمَــدُهْ

مَــحَـوتُ مِـــن جَـبـهَـتِي آثَـــارَ سَـجـدَتِهِ
وَعُـدَّتِـي فِــي مَـحَـارِيبِ الـدُجَـى مَـدَدُه

مَــــاذَا جَـنَـيـتُ لِأبْــقَـى فِــيـهِ مُـنـتَـظِرًا
يَـومًـا يَـفُـوحُ ابْـتِهَاجًا فِـي الـدُنَى كَـمَدُه

مختار محرم
4مايو 2016م

أحمد عبدالله هاشم
05-05-2016, 06:50 PM
كعادتك والحرف المذهل
أنيق حد الدهشة

محبتي يا صديقي النقيّ

د. مختار محرم
05-05-2016, 07:04 PM
شكرا لعطرك الذي نثرت هنا أيها الهاشم ..
محبة لقلبك

تفالي عبدالحي
05-05-2016, 07:17 PM
هذا هو الحب دائما يعذب من دخله .
تحياتي لك شاعرنا القدير و دام لك الشعر و الابداع.

عبد السلام دغمش
05-05-2016, 08:17 PM
الله الله ..

كنت أقرأ وأبتسم سعادة ً وحباً لحرفك الجميل ..

قصيدة تستحق كلّ الحفاوة ..

لك محبتي .

د. مختار محرم
05-05-2016, 08:19 PM
هذا هو الحب دائما يعذب من دخله .
تحياتي لك شاعرنا القدير و دام لك الشعر و الابداع.

أشكر لك هذا الحضور المشرق بالجمال شاعرنا الكريم .. دمت بألق

د. مختار محرم
05-05-2016, 08:20 PM
الله الله ..

كنت أقرأ وأبتسم سعادة ً وحباً لحرفك الجميل ..

قصيدة تستحق كلّ الحفاوة ..

لك محبتي .

أشكرك بحجم كرمك ونبل حضورك أخي الحبيب ..
كل الحب

أحمد الجمل
05-05-2016, 08:52 PM
قصيدة أكثر من راااائعة بقافية عنيدة،
روضتها ببراعة لتكون حيث شئت
سلمت وسلمت يمينك
تحيتي وخالص مودتي

د. مختار محرم
05-05-2016, 09:18 PM
قصيدة أكثر من راااائعة بقافية عنيدة،
روضتها ببراعة لتكون حيث شئت
سلمت وسلمت يمينك
تحيتي وخالص مودتي
شاعرنا الجميل أحمد الجمل .. أشكرك من القلب على ثنائك الكريم وحضورك المشرق ... تحايا الشعر يا صديقي

عادل العاني
05-05-2016, 10:34 PM
مَـــا زِلـــتُ أَحــسَـبُ أَنِّــي ظِـلُّـهُ وَلِــذَا
فَــقَـأتُ عَـيـنَـيَّ حَــتـى لَا يُـــرَى رَمَــدُهْ

هذا بحد ذاته ... قصيدة في بيت ... لما حمله من إبداع ومعان كثيرة.

نبضت شعرا راقيا ومعبّرا , ورسمت لوحات من واقع مؤلم.

أجدت واحسنت

وبارك الله فيك

فاتن دراوشة
05-05-2016, 10:40 PM
تَغيبُ وتَعودُ إلينا مُثقَلا بمُزنِ الإبداع فتهطل ديمتك على ثرى الذّائقة لتنتعش بعد عطش
قصيدة تجعلنا نتأمّل معانيها وصورها مرّات عدّة وفي كلّ مرّة تجود بالمزيد والمزيد من الدّهشة

سأبدأ بعنوانها الذي اختزل جوهر القصيدة بكلمتين :
"ظـــــلُّ الحــــــب"
فالظلّ يلازم الأجساد والأجسام لَيلا وَنَهارًا ويختلف طوله باختلاف ساعات النّهار فيكون أقصر طول له ساعة الزّوال ويكون أطول طول له عند اشتداد الظّلام وهنا نرى الظلّ يُلازم الحبّ الذي أكسبه شاعرنا جسدًا وجسمًا ربّما يكون استعاره منه فوهب للحبّ جسده وأبقى لنفسه الظلّ ليتبعه أينما حلّ وأقام، هذا الانصهار والتّمازج ما بينَ الشّعور والشّاعر لا ينبع إلّا من قلب صادق بات من عشقه ينبض بالحبّ الذي امتزج بدمائه، وربّما تنعكس هنا صفات الظلّ على العاشق والعشق فكما يطول الظلّ ويقصر قد يستفحل العشق بالقلب أو تضعف شدّته وفقًا لتفاصيل وحيثيّات العلاقة بين المحبّين.
وننتقل إلى مطلع القصيدة الذي استهلّ به شاعرنا بوحه والذي طلاه بماء الدّهشة ليغريَ القارئ بالولوج إلى ما بعده وليتابع القصيدة

مَــا زِلــتُ أبـحـثُ عَـن ظِـلِّي فَـلَا أَجِـدُهْ
هَـــذَا هُــو الـحُـبُّ .. دومًــا مَـوتُـهُ أَبَــدُهْ

بيت زانه التّصريع وصيغ بأسلوب جميل ملفت حيث نرى الشّاعر يبحث عن ظلّه المفقود ويعزو فقدانه للظلّ بحالة الحبّ التي يعيشها، فالحبّ مَوْتُهُ أبَدُه أي خلوده والمقابلة بين الضدّين هنا واستعمال أسلوب الطّباق أتت لتبرز تناقضات الحبّ والحالة النّفسيّة المتقلّبة التي يعيشها المحبّ في دوّامة عشقه، وبذلك يكون ضياع ظلّه جزءًا من حالة التّناقض التي يحياها والتي ينسج الحبّ حيثيّاتها ويجعله يسيرُ مسيّرا لا مُخيّرا في طُرُقاتها.

هَـــذا هُــو الـحُـبُّ .. دَربٌ فِــي نـهَـايَتِهِ
بَـــحــرٌ تَـــبَــرأَ مِـــــن أَمــوَاجِــهِ زَبَــــدُه

يُتابع الشّاعر وصفَ الحبّ فيصفه بكونه دَرْبٌ تَنتهي ببحر تبرّأ زبده من أمواجه وهنا نلاحظ صورة جديدة من صور التّناقض فالزّبد يلتصق عادة بالموج لكونه يتكوّن حين تتلاطم المياه عند تكوّن الموج والزّبد في البحر الموصوف يتبرّأ من الموج أي ينفصل عنه ويبتعد. صورة أقلعت بخيالنا للبعيد ورسمت التّناقض بشكلٍ مُدهش حيث استعيرت تفاصيل البحر للحبّ لكنّ شاعرنا وهب بحر الحبّ خصالا تناقضت وصفات البحر الحقيقيّ ليرينا فرادة الحالة التي يعيشها.

أَمـــــوتُ فِـــيــهِ وَأحـــيَــا دُونَ بُــوصَـلَـةٍ
وَأرتجـــِــيـهِ وَأوهـــامُ الـــوَرَى سَـنَــــدُه

هنا يتابع الشّاعر وصفه والصّورة التي بدأها في البيت السّابق ففي بحر الحبّ يموت الشّاعر ويحيا وهنا أيضا نرى التّناقض الذي أبرزه الشّاعر بالمقابلة والطّباق بين أموتُ وأحيا، فالبحار إذا ما أغرقت تُميت بينما بحر العشق يُغرقُ فيُميت ويُحيي الرّوح وفقًا لتقلّباته ونرى الشّاعر يمخر عُبابه دون بوصلةٍ ترشده طريقه فهو اختار أن يمضيَ على سجيّته وأن يترك للحبّ مقاليد الأمور يسيّره حيث يشاء ورغمَ علم الشّاعر بأنّ دعائم الحبّ هي أوهام النّاس الذين اختاروه لهم مملكة يحيون بها، فهي مملكة واهية كخيوط العنكبوت قد تغدر بهم في أيّة لحظة لكنّهم اختاروها رغم صعابها سَكَنًا لهم دون غيرها.

كَـآمِـرٍ فِــي سُـجُـونِ الـكَـبتِ يَـجـلِدُ بِـالــ
دُمــــوعِ كُــــلَّ أَســيــرٍ فِــيــهِ يَـنـتَـقِـدُهْ

يسترسل شاعرنا في وصف الحبّ الذي يشبّهه بسجّان في سجون القهر والكبت يجلد ويعاقب كلّ من يجرؤ على انتقاده من مسجونيه، وكذلك الحبّ في مملكته حاكم مستبدّ يحكم بأحكامه القاسية على المحبّين بعدَ أن أمسك زمام أمورهم وأعلنوا له الطّاعة والانقياد.

يَـومِـي الــذِي فَــرَّ مِـنِّـي صَــارَ مَـوعِـدهُ
آتِــيـهِ يَـسـبِـقُ سَـبـتِـي دَائِــمًـا أَحَــدُهْ

ويمعنُ الشّاعر في وصف الحبّ وحالة التّمازج التي يحياها معه فالأيّام التي هربت من سنينه هي المواعيد التي عاشها في كنفِ الحبّ وسبتُ الشّاعر يتلوه أحد الحبّ وهذا إن دلّ على شيء فيدلّ على انصهار أزمنة وتفاصيل حياة الشّاعر بالحبّ حيث باتت أبعاد حياته تنتقل إلى حياة أخرى بين ثنايا مملكة الحبّ.

أَقـودُنِـي وَالـخُـطَى خَـلـفِي وَخَـارِطةُ الــ
أَشـجَـانِ تَـسـكُنُ أَمـسًـا لَا يَــرَاهُ غَــدُهْ

يُمعِنُ الشّاعر في وصف تفاصيل تجربته وحياته في مملكة الحبّ فهو يقود ذاته تاركًا خُطاه خَلْفَه ممسكًا بخارطة الأشجان يستدلّ بها دربه وهذه الخارطة تسكن أمسًا لا يستطيع غده رؤيته وهذه الصّورة تجسّد انفصال الشّاعر بدخوله مملكة الحبّ عن ماضيه وغده فمملكته حجبته عن دنياه ولا يجد ما يستدلّ به غير خارطة الأحزان والتّباريح التي تثخن قلبه وجوارحه ممّا يلاقيه من الحبّ والعشق وحتّى تلك الخارطة نرى أمسها يبتعد عن غدها فنجدها خارطة تائهة لا مستقبل ينتظرها.

وَحـــدِي أُفَـتِّـشُ عَـنِّـي فِـيـهِ.. ضَـيَّـعَنِي
عُــنـوانُـهُ وَتَــنَـاسَـى نِـسـبَـتِـي بَــلَــدُهْ

وهنا نراهُ يعود على تأكيد ما وصفه في البيت الأول من حالة البحث بعد أن فقد ذاته المنصهرة في الحبّ فهو يبحث عن ذاته في مملكة الحبّ والتي ضيّعه عنوانها وتوارى مكان انتسابه حين انتسب إليها فانتماؤه لا يكون إلّا لها ووجوده لا يكون إلّا بوجودها وتفاصيله قد امتزجت بتفاصيلها.

رَأَيــتُـهُ فِـــي سُــطُـورٍ لَا تَــبُـوحُ ســوَى
بِـالـسُـوءِ .. تُـشـبِهُ شَـيـخًا عَـقَّـهُ وَلَــدُهْ

ولكثرة تباريح الهوى والعشق لم يخطّ له في سطور حياته التي عاشها بمملكته غير الآلام والأوجاع وشبّه هذه الحالة بالشّيخ الذي عقّه ابنه فالشّيخ في خريف حياته يمثّل الضّعف والشّاعر ضعيف في مملكة الحبّ يسيّره الحبّ أنى يشاء والحبّ هو الولد العاقّ الذي تسبّب لأبيه بالألم بعد أن أهداه الأب زهرة عمره وكذلك فعل الحبّ الذي أتى بالأوجاع لقلب الشّاعر الذي سلّمه دفّة عمره ومصيره.

نَـادَيـتُـهُ قَـائِـلًا: هَــل أَنــتَ...؟ قَـاطَـعَنِي
بصفعة الـ (هُسِّ).. غَابَتْ فِي الفَرَاغِ يَدُهْ

وهنا نرى مواجهةً بين الشّاعر والحبّ فنراه يُناديه سائلًا إيّاه عن كنهه وجوهره وقبل أن يكملَ سؤاله الذي اقتطعه بثلاث نقاط يباغته الحبّ بصفعةٍ هزّته حين طلب منه السّكوت وعدم الاستمرار بطرح الأسئلة، فالحبّ لا يسمح له بالخروج من متاهة الحيرة بطرح الأسئلة وبالولوج إلى جوهره، لأنّ هذا الأمر سيجعله يتحرّر من قيود العشق حين يخرج من بوتقة القلب والمشاعر التي سلّمت نفسها لحكم العشق إلى حيّز التّفكير والتّحليل والعقل الذي يحكمه المنطق والقوانين السّليمة.

مُـسَـافِـرٌ كَــظَـلامِ الـلَـيلِ مِـــنْ وَطَــنٍ
مَــيْــتٍ إِلَـــى وَطـــنٍ مَـــا زَالَ يَـفـتَـقِدُه

وهنا نرى الشّاعر يُدخِلُ بعضَ تفاصيل حياته وكينونته قبل الولوجِ إلى بوتقة الحبّ والتّلاشي والانصهار بها فهو كان يحيا في وطنٍ ميت وموت الوطن هنا كناية عن موت مواطنيه حيث يسقط القتلى كلّ يوم على ثرى وطنه ليرتوي ثراه بدمائهم.
والشّاعر سافر من ذلك الوطن وأوجاعه التي كابدها به ليعيش الألم والتّباريح في وطن الحبّ الذي انصهر وتلاشى به لدرجة أنّ الحبّ نفسه بات يفتقده ولا يعلم عن تفاصيله شيئا. وتشبيه الشّاعر نفسة بظلام اللّيل لتأكيد حالة الخروج من الذّات والتّلاشي التي تشبه العتمة بامّحاء معالمها وخطوطها.

كَــــأَنَّـــهُ نَــــهـــرُ أحــــــزَانٍ مُــبَــعـثَـرَةٍ
يَــعُــودُ بِـالـتِّـيهِ وَالـحِـرمَـانِ مَـــن يَـــرِدُهْ

ويكمل الشّاعر الصّورة التي رسمها في البيت السّابق حيث شبّه وطن الحبّ الذي ضاعت به ملامحه بنهر أحزان يمدّ وارديه بالتّيه والحرمان حين يقصدونه ليشربوا منه وهنا نراه يؤكّد حجم الألم الذي سبّبه له الحبّ بعدما انتسب إلى عالمه وتلاشى به.

حِــيـنًـا يَــلُــوحُ كَـسَـيـلٍ غَــيـرِ مُـكـتَـرِثٍ
بــالـدَّربِ يَـجـرِفُ صَـبـرِي عَـامِـدًا جَـلَـدُهْ
حِــيـنًـا يُـظَـلِّـلُ غَــيـمُ الـضَّـعـفِ غَـابَـتَـهُ
يَخَـافُ مِـن فَــأرَةٍ - لَـو حَـرَّكَتْ - أَسَــدُه

وهنا يتابع الشّاعر وصفه للحبّ وتقلّباته فهو تارة كالسّيلِ الجارف يجرف بجَلَده وقدرته على التحمّل صبر شاعرنا وتارةً يكون ضعيفا مظلّلة غابته بغيوم الضّعف والهوان وتقهر أسده فأرة صغيرة وتُخيفه وتقلّبات الحبّ هنا بين القوّة والضّعف يستمدّ من قوّة وضعف المحبّين الذين يتغذّى هذا الحبّ بأوهامهم كما أسلف الشّاعر لأنّ تلك الأوهام حطب ناره التي تغذّيه وتعوله.

مَـــرَّتْ عَـلَـيـهِ صُـــرُوفُ الـدَّهـرِ أَجـمَـعُهَا
حَـتَّـى تَـقَـوَّسَ هَـجـرًا وَانْـثَـنَى جَـسَدُه

يُتابع شاعرنا بوصف حبّه الذي مرّت عليه صروف الدّهر وحوادثه جميعا بكلّ أشكالها وأنواعها حتّى عجزَ وضعف جسمه وتقوّس متنه من الهجرِ وهنا نرى أنّ حالة الانصهار التي سبق وأشار إليها الشّاعر اتّضحت ملامحها، فالهجر من الحبيب يطال المحبّ في حين نرى الحبّ هو من أوهن قواه الهجر وهذا يوحّد ما بين ذات الحبّ والمحبّ.

وَعَــــادَ وَالـقَـلـبُ يَــجـرِي خَـلـفَـهُ أَمَـــلًا
كَـالـنُّـورِ .. يَـكـفُـرُ بِـــي دَومًــا وَأَعـتَـقِدُه

يستمرّ بوصف الحبّ الذي يعود إلى الشّاعر والقلب يجري خلفه مترعا بالأمل كالنّور وهذا الحبّ يكفر بوجود الشّاعر في حين يؤمن به الشّاعر صورة مركّبة بتشبيهاتها المتداخلة والتي أتت لتعطي لمحة عن تفاصيل وحيثيّات الحبّ المتداخلة والمتشابكة مع تفاصيله.

مَـــا زِلـــتُ أَحــسَـبُ أَنِّــي ظِـلُّـهُ وَلِــذَا
فَــقَـأتُ عَـيـنَـيَّ حَــتـى لَا يُـــرَى رَمَــدُهْ

يستمرّ الشّاعر بشرح تفاصيل تمازجه مع الحبّ الذي يخال نفسه ظلّا لجسده الذي وهبه له ولكونه يرى نفسه ظلّا للحبّ فقد فقأ عينيه المصابتين بالرّمد حتّى لا يرى الحبّ الرّمد في عينيه، وهذا ما يدلّ على كون عينيّ الشّاعر هي ذاتها عيون الحبّ.

مَــحَـوتُ مِـــن جَـبـهَـتِي آثَـــارَ سَـجـدَتِهِ
وَعُـدَّتِـي فِــي مَـحَـارِيبِ الـدُجَـى مَـدَدُه

وهنا صورة أخرى تؤكّد الالتحام ما بين الشّاعر والحبّ فعندما يسجد الحبّ يترك ذلك أثرا على جبهة المحبّ كما أنّ شاعرنا المحبّ يستعين بالحبّ على مجابهة الظّلام ويتّخذ منه سلاحا يستعين به.

مَــــاذَا جَـنَـيـتُ لِأبْــقَـى فِــيـهِ مُـنـتَـظِرًا
يَـومًـا يَـفُـوحُ ابْـتِهَاجًا فِـي الـدُنَى كَـمَدُه

وهنا تأتي الخاتمة قويّة كما المطلع وكما افتتح الشّاعر مطلعه بالاستفهام والتّساؤل ختم بنفس الأسلوب ليترك النصّ مُشرع الأبواب لخيال القارئ يضع النّهاية والإجابات التي يشاء فنراه يسأل نفسه ما الذي جَنَيتُهُ من انتظاري في ديار الحبّ ليوم ابتهاجٍ وسعادة يعكّر الكمد والهموم صفوه فهو على قناعة أنّ السّعادة التي سيجود بها الحبّ سعادة وهميّة ورغم ذلك يبقى متمسّكا به متلاشيا في عالمه وطامسا لتفاصيله في كينونته.
وكانت هذه التّساؤلات في نهاية القصيدة بمثابة دعوة للقارئ ليضع نفسه مكان الشّاعر ويجيب بنفسه وبناء على فلسفته الذّاتيّة للأمور على السّؤال المطروح.


ما أروع ما جادت به قريحتك المبدعة الخصبة شاعرنا، وما أبهى صورك وأعمقها فقد جعلتنا ننتقل معك عبر تفاصيل تفاصيلك لنعيش القصّة بكلّ حيثيّاتها ومعالمها.
سعيدة بهذه الرّحلة مع حرفك الجميل

مودّتي

عصام إبراهيم فقيري
05-05-2016, 11:17 PM
الله
ثم الله
ثم الله

ملأتني حد التخمة والانفجار بهذه الفريدة
ما أجمل حرفك وما أعذب سحرك ، فلا فض فوك شاعرنا الكبير

محبتي التي تعلم أيها المتفرد بعزفه وفنه .

أحمد رامي
06-05-2016, 12:44 AM
جمال في جمال في جمال
جمال لغة و جمال صور و جمال بناء و جمال معنى
ما أعذبك د. مختار
لكن ما هزني أكثر في القصيدة هو انسيابيتها الرائعة كأنها ريطة لا ترى فيها عوجا و لا أمتا .

تستحق التثبيت عن جدارة .

فقط رأيتني أستثقل التدوير في هذا البحر .

لك محبتي و تقديري و إعجابي .

عدنان الشبول
06-05-2016, 12:55 AM
عليك بالصبر يا أستاذي فالحب يحتاجه

رائع دوما كالعادة

بشار عبد الهادي العاني
06-05-2016, 04:11 AM
قصيدة غاية في الروعة , صوراً وتركيباً وسلاسة , وهذا ليس بغريب على شاعرنا الفذ.
بورك حرفك الآسر.
تحيتي وتقديري...

محمد ذيب سليمان
06-05-2016, 01:09 PM
وما بها من تصوير ملفت وجمل شعرية مليئة بالحس
توقفت طويلا معها اتابع ايضا قافيتها الملفتة
شكرا لجمال نثرت ومتعة حركت
مودتي

د. مختار محرم
06-05-2016, 04:10 PM
مَـــا زِلـــتُ أَحــسَـبُ أَنِّــي ظِـلُّـهُ وَلِــذَا
فَــقَـأتُ عَـيـنَـيَّ حَــتـى لَا يُـــرَى رَمَــدُهْ

هذا بحد ذاته ... قصيدة في بيت ... لما حمله من إبداع ومعان كثيرة.

نبضت شعرا راقيا ومعبّرا , ورسمت لوحات من واقع مؤلم.

أجدت واحسنت

وبارك الله فيك

بورك هذا الحضور الذي يملأ الروح بهجة شاعرنا الرائع .. كل التقدير

د. مختار محرم
06-05-2016, 04:25 PM
تَغيبُ وتَعودُ إلينا مُثقَلا بمُزنِ الإبداع فتهطل ديمتك على ثرى الذّائقة لتنتعش بعد عطش
قصيدة تجعلنا نتأمّل معانيها وصورها مرّات عدّة وفي كلّ مرّة تجود بالمزيد والمزيد من الدّهشة

سأبدأ بعنوانها الذي اختزل جوهر القصيدة بكلمتين :
"ظـــــلُّ الحــــــب"
فالظلّ يلازم الأجساد والأجسام لَيلا وَنَهارًا ويختلف طوله باختلاف ساعات النّهار فيكون أقصر طول له ساعة الزّوال ويكون أطول طول له عند اشتداد الظّلام وهنا نرى الظلّ يُلازم الحبّ الذي أكسبه شاعرنا جسدًا وجسمًا ربّما يكون استعاره منه فوهب للحبّ جسده وأبقى لنفسه الظلّ ليتبعه أينما حلّ وأقام، هذا الانصهار والتّمازج ما بينَ الشّعور والشّاعر لا ينبع إلّا من قلب صادق بات من عشقه ينبض بالحبّ الذي امتزج بدمائه، وربّما تنعكس هنا صفات الظلّ على العاشق والعشق فكما يطول الظلّ ويقصر قد يستفحل العشق بالقلب أو تضعف شدّته وفقًا لتفاصيل وحيثيّات العلاقة بين المحبّين.
وننتقل إلى مطلع القصيدة الذي استهلّ به شاعرنا بوحه والذي طلاه بماء الدّهشة ليغريَ القارئ بالولوج إلى ما بعده وليتابع القصيدة

مَــا زِلــتُ أبـحـثُ عَـن ظِـلِّي فَـلَا أَجِـدُهْ
هَـــذَا هُــو الـحُـبُّ .. دومًــا مَـوتُـهُ أَبَــدُهْ

بيت زانه التّصريع وصيغ بأسلوب جميل ملفت حيث نرى الشّاعر يبحث عن ظلّه المفقود ويعزو فقدانه للظلّ بحالة الحبّ التي يعيشها، فالحبّ مَوْتُهُ أبَدُه أي خلوده والمقابلة بين الضدّين هنا واستعمال أسلوب الطّباق أتت لتبرز تناقضات الحبّ والحالة النّفسيّة المتقلّبة التي يعيشها المحبّ في دوّامة عشقه، وبذلك يكون ضياع ظلّه جزءًا من حالة التّناقض التي يحياها والتي ينسج الحبّ حيثيّاتها ويجعله يسيرُ مسيّرا لا مُخيّرا في طُرُقاتها.

هَـــذا هُــو الـحُـبُّ .. دَربٌ فِــي نـهَـايَتِهِ
بَـــحــرٌ تَـــبَــرأَ مِـــــن أَمــوَاجِــهِ زَبَــــدُه

يُتابع الشّاعر وصفَ الحبّ فيصفه بكونه دَرْبٌ تَنتهي ببحر تبرّأ زبده من أمواجه وهنا نلاحظ صورة جديدة من صور التّناقض فالزّبد يلتصق عادة بالموج لكونه يتكوّن حين تتلاطم المياه عند تكوّن الموج والزّبد في البحر الموصوف يتبرّأ من الموج أي ينفصل عنه ويبتعد. صورة أقلعت بخيالنا للبعيد ورسمت التّناقض بشكلٍ مُدهش حيث استعيرت تفاصيل البحر للحبّ لكنّ شاعرنا وهب بحر الحبّ خصالا تناقضت وصفات البحر الحقيقيّ ليرينا فرادة الحالة التي يعيشها.

أَمـــــوتُ فِـــيــهِ وَأحـــيَــا دُونَ بُــوصَـلَـةٍ
وَأرتجـــِــيـهِ وَأوهـــامُ الـــوَرَى سَـنَــــدُه

هنا يتابع الشّاعر وصفه والصّورة التي بدأها في البيت السّابق ففي بحر الحبّ يموت الشّاعر ويحيا وهنا أيضا نرى التّناقض الذي أبرزه الشّاعر بالمقابلة والطّباق بين أموتُ وأحيا، فالبحار إذا ما أغرقت تُميت بينما بحر العشق يُغرقُ فيُميت ويُحيي الرّوح وفقًا لتقلّباته ونرى الشّاعر يمخر عُبابه دون بوصلةٍ ترشده طريقه فهو اختار أن يمضيَ على سجيّته وأن يترك للحبّ مقاليد الأمور يسيّره حيث يشاء ورغمَ علم الشّاعر بأنّ دعائم الحبّ هي أوهام النّاس الذين اختاروه لهم مملكة يحيون بها، فهي مملكة واهية كخيوط العنكبوت قد تغدر بهم في أيّة لحظة لكنّهم اختاروها رغم صعابها سَكَنًا لهم دون غيرها.

كَـآمِـرٍ فِــي سُـجُـونِ الـكَـبتِ يَـجـلِدُ بِـالــ
دُمــــوعِ كُــــلَّ أَســيــرٍ فِــيــهِ يَـنـتَـقِـدُهْ

يسترسل شاعرنا في وصف الحبّ الذي يشبّهه بسجّان في سجون القهر والكبت يجلد ويعاقب كلّ من يجرؤ على انتقاده من مسجونيه، وكذلك الحبّ في مملكته حاكم مستبدّ يحكم بأحكامه القاسية على المحبّين بعدَ أن أمسك زمام أمورهم وأعلنوا له الطّاعة والانقياد.

يَـومِـي الــذِي فَــرَّ مِـنِّـي صَــارَ مَـوعِـدهُ
آتِــيـهِ يَـسـبِـقُ سَـبـتِـي دَائِــمًـا أَحَــدُهْ

ويمعنُ الشّاعر في وصف الحبّ وحالة التّمازج التي يحياها معه فالأيّام التي هربت من سنينه هي المواعيد التي عاشها في كنفِ الحبّ وسبتُ الشّاعر يتلوه أحد الحبّ وهذا إن دلّ على شيء فيدلّ على انصهار أزمنة وتفاصيل حياة الشّاعر بالحبّ حيث باتت أبعاد حياته تنتقل إلى حياة أخرى بين ثنايا مملكة الحبّ.

أَقـودُنِـي وَالـخُـطَى خَـلـفِي وَخَـارِطةُ الــ
أَشـجَـانِ تَـسـكُنُ أَمـسًـا لَا يَــرَاهُ غَــدُهْ

يُمعِنُ الشّاعر في وصف تفاصيل تجربته وحياته في مملكة الحبّ فهو يقود ذاته تاركًا خُطاه خَلْفَه ممسكًا بخارطة الأشجان يستدلّ بها دربه وهذه الخارطة تسكن أمسًا لا يستطيع غده رؤيته وهذه الصّورة تجسّد انفصال الشّاعر بدخوله مملكة الحبّ عن ماضيه وغده فمملكته حجبته عن دنياه ولا يجد ما يستدلّ به غير خارطة الأحزان والتّباريح التي تثخن قلبه وجوارحه ممّا يلاقيه من الحبّ والعشق وحتّى تلك الخارطة نرى أمسها يبتعد عن غدها فنجدها خارطة تائهة لا مستقبل ينتظرها.

وَحـــدِي أُفَـتِّـشُ عَـنِّـي فِـيـهِ.. ضَـيَّـعَنِي
عُــنـوانُـهُ وَتَــنَـاسَـى نِـسـبَـتِـي بَــلَــدُهْ

وهنا نراهُ يعود على تأكيد ما وصفه في البيت الأول من حالة البحث بعد أن فقد ذاته المنصهرة في الحبّ فهو يبحث عن ذاته في مملكة الحبّ والتي ضيّعه عنوانها وتوارى مكان انتسابه حين انتسب إليها فانتماؤه لا يكون إلّا لها ووجوده لا يكون إلّا بوجودها وتفاصيله قد امتزجت بتفاصيلها.

رَأَيــتُـهُ فِـــي سُــطُـورٍ لَا تَــبُـوحُ ســوَى
بِـالـسُـوءِ .. تُـشـبِهُ شَـيـخًا عَـقَّـهُ وَلَــدُهْ

ولكثرة تباريح الهوى والعشق لم يخطّ له في سطور حياته التي عاشها بمملكته غير الآلام والأوجاع وشبّه هذه الحالة بالشّيخ الذي عقّه ابنه فالشّيخ في خريف حياته يمثّل الضّعف والشّاعر ضعيف في مملكة الحبّ يسيّره الحبّ أنى يشاء والحبّ هو الولد العاقّ الذي تسبّب لأبيه بالألم بعد أن أهداه الأب زهرة عمره وكذلك فعل الحبّ الذي أتى بالأوجاع لقلب الشّاعر الذي سلّمه دفّة عمره ومصيره.

نَـادَيـتُـهُ قَـائِـلًا: هَــل أَنــتَ...؟ قَـاطَـعَنِي
بصفعة الـ (هُسِّ).. غَابَتْ فِي الفَرَاغِ يَدُهْ

وهنا نرى مواجهةً بين الشّاعر والحبّ فنراه يُناديه سائلًا إيّاه عن كنهه وجوهره وقبل أن يكملَ سؤاله الذي اقتطعه بثلاث نقاط يباغته الحبّ بصفعةٍ هزّته حين طلب منه السّكوت وعدم الاستمرار بطرح الأسئلة، فالحبّ لا يسمح له بالخروج من متاهة الحيرة بطرح الأسئلة وبالولوج إلى جوهره، لأنّ هذا الأمر سيجعله يتحرّر من قيود العشق حين يخرج من بوتقة القلب والمشاعر التي سلّمت نفسها لحكم العشق إلى حيّز التّفكير والتّحليل والعقل الذي يحكمه المنطق والقوانين السّليمة.

مُـسَـافِـرٌ كَــظَـلامِ الـلَـيلِ مِـــنْ وَطَــنٍ
مَــيْــتٍ إِلَـــى وَطـــنٍ مَـــا زَالَ يَـفـتَـقِدُه

وهنا نرى الشّاعر يُدخِلُ بعضَ تفاصيل حياته وكينونته قبل الولوجِ إلى بوتقة الحبّ والتّلاشي والانصهار بها فهو كان يحيا في وطنٍ ميت وموت الوطن هنا كناية عن موت مواطنيه حيث يسقط القتلى كلّ يوم على ثرى وطنه ليرتوي ثراه بدمائهم.
والشّاعر سافر من ذلك الوطن وأوجاعه التي كابدها به ليعيش الألم والتّباريح في وطن الحبّ الذي انصهر وتلاشى به لدرجة أنّ الحبّ نفسه بات يفتقده ولا يعلم عن تفاصيله شيئا. وتشبيه الشّاعر نفسة بظلام اللّيل لتأكيد حالة الخروج من الذّات والتّلاشي التي تشبه العتمة بامّحاء معالمها وخطوطها.

كَــــأَنَّـــهُ نَــــهـــرُ أحــــــزَانٍ مُــبَــعـثَـرَةٍ
يَــعُــودُ بِـالـتِّـيهِ وَالـحِـرمَـانِ مَـــن يَـــرِدُهْ

ويكمل الشّاعر الصّورة التي رسمها في البيت السّابق حيث شبّه وطن الحبّ الذي ضاعت به ملامحه بنهر أحزان يمدّ وارديه بالتّيه والحرمان حين يقصدونه ليشربوا منه وهنا نراه يؤكّد حجم الألم الذي سبّبه له الحبّ بعدما انتسب إلى عالمه وتلاشى به.

حِــيـنًـا يَــلُــوحُ كَـسَـيـلٍ غَــيـرِ مُـكـتَـرِثٍ
بــالـدَّربِ يَـجـرِفُ صَـبـرِي عَـامِـدًا جَـلَـدُهْ
حِــيـنًـا يُـظَـلِّـلُ غَــيـمُ الـضَّـعـفِ غَـابَـتَـهُ
يَخَـافُ مِـن فَــأرَةٍ - لَـو حَـرَّكَتْ - أَسَــدُه

وهنا يتابع الشّاعر وصفه للحبّ وتقلّباته فهو تارة كالسّيلِ الجارف يجرف بجَلَده وقدرته على التحمّل صبر شاعرنا وتارةً يكون ضعيفا مظلّلة غابته بغيوم الضّعف والهوان وتقهر أسده فأرة صغيرة وتُخيفه وتقلّبات الحبّ هنا بين القوّة والضّعف يستمدّ من قوّة وضعف المحبّين الذين يتغذّى هذا الحبّ بأوهامهم كما أسلف الشّاعر لأنّ تلك الأوهام حطب ناره التي تغذّيه وتعوله.

مَـــرَّتْ عَـلَـيـهِ صُـــرُوفُ الـدَّهـرِ أَجـمَـعُهَا
حَـتَّـى تَـقَـوَّسَ هَـجـرًا وَانْـثَـنَى جَـسَدُه

يُتابع شاعرنا بوصف حبّه الذي مرّت عليه صروف الدّهر وحوادثه جميعا بكلّ أشكالها وأنواعها حتّى عجزَ وضعف جسمه وتقوّس متنه من الهجرِ وهنا نرى أنّ حالة الانصهار التي سبق وأشار إليها الشّاعر اتّضحت ملامحها، فالهجر من الحبيب يطال المحبّ في حين نرى الحبّ هو من أوهن قواه الهجر وهذا يوحّد ما بين ذات الحبّ والمحبّ.

وَعَــــادَ وَالـقَـلـبُ يَــجـرِي خَـلـفَـهُ أَمَـــلًا
كَـالـنُّـورِ .. يَـكـفُـرُ بِـــي دَومًــا وَأَعـتَـقِدُه

يستمرّ بوصف الحبّ الذي يعود إلى الشّاعر والقلب يجري خلفه مترعا بالأمل كالنّور وهذا الحبّ يكفر بوجود الشّاعر في حين يؤمن به الشّاعر صورة مركّبة بتشبيهاتها المتداخلة والتي أتت لتعطي لمحة عن تفاصيل وحيثيّات الحبّ المتداخلة والمتشابكة مع تفاصيله.

مَـــا زِلـــتُ أَحــسَـبُ أَنِّــي ظِـلُّـهُ وَلِــذَا
فَــقَـأتُ عَـيـنَـيَّ حَــتـى لَا يُـــرَى رَمَــدُهْ

يستمرّ الشّاعر بشرح تفاصيل تمازجه مع الحبّ الذي يخال نفسه ظلّا لجسده الذي وهبه له ولكونه يرى نفسه ظلّا للحبّ فقد فقأ عينيه المصابتين بالرّمد حتّى لا يرى الحبّ الرّمد في عينيه، وهذا ما يدلّ على كون عينيّ الشّاعر هي ذاتها عيون الحبّ.

مَــحَـوتُ مِـــن جَـبـهَـتِي آثَـــارَ سَـجـدَتِهِ
وَعُـدَّتِـي فِــي مَـحَـارِيبِ الـدُجَـى مَـدَدُه

وهنا صورة أخرى تؤكّد الالتحام ما بين الشّاعر والحبّ فعندما يسجد الحبّ يترك ذلك أثرا على جبهة المحبّ كما أنّ شاعرنا المحبّ يستعين بالحبّ على مجابهة الظّلام ويتّخذ منه سلاحا يستعين به.

مَــــاذَا جَـنَـيـتُ لِأبْــقَـى فِــيـهِ مُـنـتَـظِرًا
يَـومًـا يَـفُـوحُ ابْـتِهَاجًا فِـي الـدُنَى كَـمَدُه

وهنا تأتي الخاتمة قويّة كما المطلع وكما افتتح الشّاعر مطلعه بالاستفهام والتّساؤل ختم بنفس الأسلوب ليترك النصّ مُشرع الأبواب لخيال القارئ يضع النّهاية والإجابات التي يشاء فنراه يسأل نفسه ما الذي جَنَيتُهُ من انتظاري في ديار الحبّ ليوم ابتهاجٍ وسعادة يعكّر الكمد والهموم صفوه فهو على قناعة أنّ السّعادة التي سيجود بها الحبّ سعادة وهميّة ورغم ذلك يبقى متمسّكا به متلاشيا في عالمه وطامسا لتفاصيله في كينونته.
وكانت هذه التّساؤلات في نهاية القصيدة بمثابة دعوة للقارئ ليضع نفسه مكان الشّاعر ويجيب بنفسه وبناء على فلسفته الذّاتيّة للأمور على السّؤال المطروح.


ما أروع ما جادت به قريحتك المبدعة الخصبة شاعرنا، وما أبهى صورك وأعمقها فقد جعلتنا ننتقل معك عبر تفاصيل تفاصيلك لنعيش القصّة بكلّ حيثيّاتها ومعالمها.
سعيدة بهذه الرّحلة مع حرفك الجميل

مودّتي




الرائعة بلا حدود الأستاذة فاتن
من النادر والنادر جدا أن نجد من يقرأ قصيدة تماما كما كتبها الشاعر بكل التفاصيل الظاهرة والمبطنة .. وحين نجد هذا القارئ نكون قد بلغنا الأرب من الكتابة .. حسبي من كتابتي لقصيدة ما أن أجد واحدا فقط يقرؤها كما قرأتها أنت أختي فاتن من بين الثلاثمائة وخمسين مليون عربي ..
كلمات الشكر لن توفيك لما تركه تعمقك في كلماتي من أثر لدي .. فأحيي فيك هذا الأمر وهو ليس غريبا عليك فأنت بجانب كونك شاعرة مدهشة أنت قارئة رائعة وألمس ذلك من ديباجات الكثير من نصوصك حيث أن الكثير مما تكتبين يأتي انعكاسا لتوغلك في قراءة نص ما لدرجة التوحد مع فكرته.
مرة أخيرة .. شكرا أختي وأستاذتي القديرة فاتن درواشة ولك كل التقدير والود

محمد حمود الحميري
06-05-2016, 06:07 PM
حروف أغلى من أن تكتب بماء الذهب
بريشتك المدهشة وباحترافك المبهر رسمت لنا هذه اللوحة الآسرة ..
كان أول مايجب علي هو إضافتها إلى المفضلة وقد فعلت .
دام عز قلمك.

د. مختار محرم
06-05-2016, 06:57 PM
الله
ثم الله
ثم الله

ملأتني حد التخمة والانفجار بهذه الفريدة
ما أجمل حرفك وما أعذب سحرك ، فلا فض فوك شاعرنا الكبير

محبتي التي تعلم أيها المتفرد بعزفه وفنه .

الجميل والكريم دوما عصام فقيري
تغلب أحرفي بحضورك الشاعر فلك من القلب كل الشكر والامتنان

د. مختار محرم
06-05-2016, 08:25 PM
جمال في جمال في جمال
جمال لغة و جمال صور و جمال بناء و جمال معنى
ما أعذبك د. مختار
لكن ما هزني أكثر في القصيدة هو انسيابيتها الرائعة كأنها ريطة لا ترى فيها عوجا و لا أمتا .

تستحق التثبيت عن جدارة .

فقط رأيتني أستثقل التدوير في هذا البحر .

لك محبتي و تقديري و إعجابي .

شكرا لكل هذا التكريم الذي منحتنيه دكتور أحمد ..
لك من أخيك ومن حروف أخيك كل الامتنان والتقدير

وليد عارف الرشيد
06-05-2016, 11:56 PM
لمثلك تنحني القوافي وتهيئ له سرجها وتقول: هيت لك
ما أبرعك وأجملك أيها الفذ
محبتي وتصفيقي

د. مختار محرم
07-05-2016, 05:30 PM
عليك بالصبر يا أستاذي فالحب يحتاجه

رائع دوما كالعادة

شكرا لنصحك يا صديقي ..
دمت ببهاء

د. مختار محرم
07-05-2016, 05:33 PM
قصيدة غاية في الروعة , صوراً وتركيباً وسلاسة , وهذا ليس بغريب على شاعرنا الفذ.
بورك حرفك الآسر.
تحيتي وتقديري...

الشاعر الأروع بشار العاني
شكرا لهذا الثناء الذي تبتسم له الكلمات والحروف جذلى
لك محبتي

ثناء صالح
08-05-2016, 08:21 PM
المعاني الفلسفية الشعرية للحب الذي لا يجسد ولا يلمس ولكنه مع ذلك يبعث من داخله أشعة متعاكسة متلاقية كما تفعل قطعة الكريستال التي تغريك أشعة سطوحها برؤية لبها الذي لن تراه.
هذا ما قرأته وأدهشني كيف استطاع الشاعر تجسيد ظل ما لا يدرك إلا بظلاله .
الأستاذ الشاعر المبدع د. مختار محرم شعرك رائع

ليانا الرفاعي
11-05-2016, 01:43 PM
الله ....
رغم ذلك الآمر المتواجد في سجون الكبت بين الحروف ورغم ذاك البحر الذي تبرأ فيه زبده من موجه
ورغم الأحد الذي يسبق السبت ووووو
ورغم كل تلك الصور المدهشة وما تحمله من عذاب
كان الإبداع والجمال والإنسياب في الحروف يفرض على المتلقي الإبتسامة

رائعة
تحيتي وتقديري

محمد ابوحفص السماحي
14-05-2016, 01:26 AM
الأخ د.مختار محرم
رائعة من شاعر متمكن من ناصية القافية..
جرتني إلى قراءة قصائدك المنشورة في الواحة ...
فوجدت شعر شاعر موهوب ...لا تكلف و لا شطط ...
بل سلاسة السهل الممتنع..
مع خالص محبتي و تقديري

فاتن دراوشة
14-05-2016, 08:28 AM
سمحت لنفسي أن أقتبس منها هنا:

http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?p=1059882#post1059882

ربيحة الرفاعي
19-05-2016, 01:24 PM
هكذا وهكذا فقط يكون الشعر الذي تنحنى إجلال له ذائقة التلقي انبهارا
قوة وترابط وديباجة باهرة وانسياب متناغم الوتيرة وبراعة في رسم الصورة الشعرية و..
ماذا أقول في هذه المدهشة وقد أسرتني!
متفرد أنت في مدار ألقك

دام لحرفك البهاء

تحيتي

د. سمير العمري
04-08-2016, 01:27 AM
مَــا زِلــتُ أبـحـثُ عَـن ظِـلِّي فَـلَا أَجِـدُهْ
هَـــذَا هُــو الـحُـبُّ .. دومًــا مَـوتُـهُ أَبَــدُهْ

هَـــذا هُــو الـحُـبُّ .. دَربٌ فِــي نـهَـايَتِهِ
بَـــحــرٌ تَـــبَــرأَ مِـــــن أَمــوَاجِــهِ زَبَــــدُه

وَعَــــادَ وَالـقَـلـبُ يَــجـرِي خَـلـفَـهُ أَمَـــلًا
كَـالـنُّـورِ .. يَـكـفُـرُ بِـــي دَومًــا وَأَعـتَـقِدُه

مَـــا زِلـــتُ أَحــسَـبُ أَنِّــي ظِـلُّـهُ وَلِــذَا
فَــقَـأتُ عَـيـنَـيَّ حَــتـى لَا يُـــرَى رَمَــدُهْ

مَــحَـوتُ مِـــن جَـبـهَـتِي آثَـــارَ سَـجـدَتِهِ
وَعُـدَّتِـي فِــي مَـحَـارِيبِ الـدُجَـى مَـدَدُه

أي شعر وأية شاعرية!

ما زلت أعلق في مطلع كالفلق حتى يسلمني لبيت لا يقل روعة وأدهاشا فلله درك من شاعر كبير!

هي قصيدة أثملت الذائقة ولا أمل قراءتها وهذا مما لن أعتده فشكرا على هذا الألق!

تقديري

محمد محمود صقر
05-08-2016, 12:32 AM
قصيدة رائعة معنى و مبنى

استمتعت بقراءتها

فشكراً لك

عبد الرحمن أحمد عبد الحي
05-08-2016, 02:52 PM
لله درك شاعرًا
كلما حاولت أن أختار من نصك بيتًا أسميه بيت القصيد أتى آخر بحجته
دمت مبدعا
تقبل مروري

جهاد إبراهيم درويش
05-08-2016, 03:33 PM
شكرا لك أيها المتفرد إذ تأسرنا بعزفك
وشكرا للأخت فاتن التي سحرتنا بقراءتها الرائعة لنصك
رائع أنت حتى الثمالة
فبوركت وبورك جمال حرفك

مع الود وباقة ورد