المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التحليل السيميائي للنصوص الأدبية



عطية العمري
24-08-2005, 01:02 PM
معنى السيميائية لغةً :
السِّيمَاء والسِّيمِيَاء، بياء زائدة: لفظان مترادفان لمعنى واحد. وقد ورد ذلك في كتاب الله ، لكن مقصوراً غير ممدود، أي بلا همز، هكـذا: (سِـيمَا). قال ـ تعالى ـ: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]. وقال ـ سبحانه ـ: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273].
والسِّيمَاءُ في معاجم اللغة: هي العلامة، أو الرمز الدال على معنى مقصود؛ لربط تواصلٍ ما . فهي إرسالية إشارية للتخاطب بين جهتين أو أكثر، فلا صدفة فيها ولا اعتباط .
والسُّومة والسيمة والسيماء والسيمياء: العلامة، والخيل المسوَّمة: هي التي عليها السمة، وقد يجيء السيما والسيميا ممدودين، وأنشد لأسيد:
غلام رماه الله بالحسـن يافعـاً له سـيمياء لا تشـقّ على البَصَـرْ
كأن الثريـا عُلِّقت فوق نحـره وفي جيده الشِّعرَى، وفي وجهِهِ القَمَرْ
(له سيمياء لا تشق على البصر) أي يفرح به من ينظر إليه.( مختار الصحاح ولسان العرب والقاموس المحيط ، مادة : سوم).

معنى السيميائية اصطلاحًا :
السيميائية أو السيميولوجيا هي " دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية " ( بنكراد ، 2003) . وهي في حقيقتها " كشف واستكشاف لعلاقات دلالية غير مرئية من خلال التجلي المباشر للواقعة ، إنها تدريب للعين على التقاط الضمني والمتواري والمتمنِّع ، لا مجرد الاكتفاء بتسمية المناطق أو التعبير عن مكنونات المتن " ( بنكراد ، 2003) .

التحليل السيميائي للنصوص الأدبية :
يقصد بالتحليل السيميائي للنص الأدبي دراسة هذا النص من جميع جوانبه دراسة سيميائية تغوص في أعماقه ، وتستكشف مدلولاته المحتملة ، مع محاولة ربط النص بالواقع ، وما يمكن الاستفادة وأخذ العبر منه .
وأود قبل البدء في التطرق إلى جوانب التحليل السيميائي أن أنوه إلى أن التحليل السيميائي يتأثر بدرجة كبيرة بشخصية من يقوم بالتحليل وبالظروف المحيطة به ؛ ولذلك فإن التحليل السيميائي لنص معين قد يختلف من شخص إلى آخر، ومن منطقة لأخرى ، ومن فترة زمنية لأخرى ؛ وهو بذلك مجال خصب للإبداع ، فلا قيود عليه إلا أن تكون هناك دلائل في التحليل المقترح على صحة ما ذهب إليه من قام بعملية التحليل .
كما أود أن أنوه إلى أن التحليل السيميائي يركز على جانبين : 1- الرمزية والدلالات 2- ربط النص بالواقع ، ولكن ليس بالضرورة أن يقتضي ذلك التطبيق الدقيق على أشخاص بعينهم أو أماكن بعينها أو قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية بعينها .
1ـ سيميائية العنوان والغلاف والإهداء :
بدأت الكتب الصادرة من بطون المطابع تتبارى فيما بينها حول جماليات العتبات الأولى لها ، ويقصد هنا بالعتبات الأولى الغلاف والعنوان والإهداء ، بل راح الكتَّاب أنفسهم يضعون شروطاً بينهم وبين دور النشر حول اختيار نوع الغلاف والألوان الذي يحتويها ، وأي لوحة يمكن أن تتصدر الكتاب ، وأي فنان يمكن التعاون معه . وكما كان للغلاف دوره كان للعنوان مكانته عند المؤلف ، وعادة ما يكون الباب الموصد عند المؤلف حين يفكر في اختيـار العنوان ، لأن الكاتب يفكر في مشروع الكتاب وتفاصيله من فصول وأبواب ، ويترك العنوان فيما بعد ، وخصوصاً إذا كان الكتاب بعيداً عن الدراسة الأكاديمية ، فضلاً عن طبيعة سرد العنوان الذي يبين مدى ارتباط المؤلف والكتاب والمهدى له .
وهذا التباري في الاختيار والتأكيد عليه جعل المتلقي / الناقد يقرأ اللوحة والعنوان والإهداء قراءة نقدية تحليلية بوصفها العتبات الأولى التي ترشده إلى متن النص ، قراءة وتأملاً ومقارنة وتحليلاً ، في ضوء ذلك العالم الواسع المتمركز في فضاء الكتاب أو خارجه ؛ لذا تأتي بعض الأحايين دراسة العتبات الأولى والأخيرة من منطلق المدخل النقدي المقارن لمتن الكتاب .
يحترم المبدع والناقد والكاتب ، في شتى فنون المعرفة والثقافة ، عمله فيسعى إلى احترام الفنون الأخرى ، مثل : الفن التشكيلي لما يؤمن به من تمازج بين الفنون والمعارف ، فالفنون الإنسانية تكمل بعضها بعضاً ، مما يفرض على المؤلف أهمية الاختيار للغلاف والعنوان والإهداء معاً .
من هنا نجد الكتب القديمة التي كانت ولاتزال تخرج من المطابع تخلو من اللوحات التشكيلية أو الاهتمام بالعنوان ، لأن ما كان في القديم يأتي من دون لوحات فنية إلا ببعض الخطوط والأشكال التي يتعمد صاحب الدار وضعها ، أما العنوان فقد كان متجهاً نحو العناوين البلاغية والسجعية . فهؤلاء لا ينظرون إلى الناحية الشكلية وثقافة الصورة بقدر ما يضعون الاعتبار إلى المتن .
وعلى هذا فقد خرجت معظم كتب التراث والحضارة والتراجم خاليـة من فنية الغلاف ، واقتصر الأمر على التجليد المقوى والعنوان واسم المؤلف المتضمن الاسم والقبيلة أو العشيرة أو الكنية ، غير أن الإصدارات الحديثة ، وتحديداً الإصدارات الإبداعية ، مثل : الرواية والقصة والشعر والمسرحية فإنها ترى ضرورة الاهتمام بالجانب الشكلي المعني بالعتبات الأولى ، وراحت دور النشر تتفق مع العديد من الفنانين التشكيليين لوضع لوحاتهم على أغلفة إصداراتها ،متفقة مع البعض لدراسة التمازج والارتباط بين المتن أو العنوان بوصفهما نصين مكتوبين مهتمين بثقافة الكلمة وبين اللوحة التشكيلية التي تتمازج معهما أو تتقاطع بوصفها مهتمة بثقافة الصورة .
وعلى هذا الأساس نرى أهمية اللوحة التشكيليـة في العمل الإبداعي المكتوب ؛ لأنها بنية مكونة من كليات خاصة وقواعد متمفصلـة يمكن أن تخضع للتحليل والقراءة النقديـة ـ كما تقول جوليا كرستيفا في مقالة اللغة المرئية : التصوير . وهذه البنية هي لغة خطوط وأشكال وألوان ، ومن خلال هذه اللغة يمكن إظهار الواقع أو التعبير عنه أو الإحالة إليه ، بل تحيل هذه اللوحة الفنية إلى ذوات ووحدات تركيبية ودلالية تتناثر هنا أو هناك في فضاء النص المكتوب .
وإذا كانت العلاقة حتمية بين لغة اللوحة التشكيلية وبين العنوان أو بين الإهداء ، فهذا يعني أن تشاكل أو تماثل اللوحة أو العنوان يتم مع نموذج ثقافي موجود في حياتنا مسبقاً ، أي موجود في مخزوننا المعرفي الثقافي المرئي أو المقروء ، سواء أكان ذلك خارجاً من ثقافة المؤلف أم من ثقافة الفنان ، لذا فالصورة التي تبرز الكتاب الإبداعي هي عبارة عن علاقة بين أنا / الصورة والآخر / النص في ظل رغبات الانزياحات التي يمكن أن يقوم بها المتلقي لتمثيل هذا العمل كله مع الواقع المعيش والمرجعي .
من هنا أكد د0 هـ0 باجو بقوله : " من المغري جداً اعتبار الصورة شيئاً مماثلاً ومطابقاً للواقع ، لكن هذا معناه الوقوع مباشرة في فخ { الوهم المرجعي } الذي غالباً ما أدانته ورفضته الدراسات النقدية".
غير أن أية لوحة فنية ستوضع على غلاف الكتاب لتدخل عالم العتبات الأولى لهذا الكتاب أو ذاك هي في حقيقة الأمر لا تمثل واقعاً بقدر ما تكون نموذجاً بين العالم المرجعي واللغة التي تستند إليها مجموعة من النصوص المختلفة التي قد تتقاطع أو قد تتباين ، وهذا يعني أن اللوحة ذات دلالة أو دوال للنص الذي سيقرأ فيما بعد .
أما العنوان فمن البديهي أن يكون أمر اختياره من قبل المؤلف ، وقد يتدخل بعض المقربين المهتمين بشأن الإبداع ليطرحوا وجهات النظر فيما يرون من دلالات العنوان . فالمؤلف على يقين أن ينظر إلى العنوان بوصفه مجموعة من الدوال ، بحيث ينظر له من ناحية التركيب والدلالة وفعل التأويل ؛ لأنه إحدى العتبات الأولى لمتن النص .
ولذلك يحاول المؤلف أن يعطي عنوان عمله مسحة فنية تبعد العمل عن البنية السطحية بقدر الإمكان عندما يقوم بنسجه ، سواء من خلال الصورة الذهنية ، أو من خلال متخيله الذهني ؛ لذلك قد يأخذك العنوان إلى تأكيدات داخل النص ضمن مجموعة من السياقات أو بعضها ، كسياقات الحدث أو الوصف أو التركيب اللغوي أو الدلالي فكرياً أو حياتياً ، وهذا يعني أن العنوان يدخل بك في عوالم عديدة ومحطات كثيرة في هيكل العمـل وجسده بشكل مباشر أو غير مباشر ؛ لذا يقول رولان بارت : "العنوان هو نظام دلالي سيميولوجي يحمل في طياته قيماً أخلاقية واجتماعية وأيديولوجية " .
ولأن العنوان ذو دلالات وعلامات رامزة للنص أو لجزء منه ؛ فإن دراسة العنوان تأتي وفق ما يتميز به من وظائف بصرية وجمالية وترويجية أو إغرائية ودلالية ؛ لهذا يطرح الدارس على نفسه الكثير من التساؤلات تجاه العنوان ، مثل : هل العنوان مفتاح النص ؟ أمأخوذ من المادة النصية ؟ أجاء محض صدفة من المؤلف ؟ ما نوع الدلالات التي يحملها العنوان ؟ كيف تتم عملية تأويله ؟ ممَّ يتكون ؟ أهو جملة اسمية أم فعلية ؟ أهو عنوان بارز على الصفحـة أم محفور فيها ؟ وخصوصاً إذا عرفنـا أن العنـوان هو " أعلى اقتصاد لغوي ممكن ليفرض أعلى فاعلية تلقٍّ ممكنة " ، وهذا ما أكده محمود عبد الوهاب حين قـال : " إن العنوان على المستوى اللغوي يعتبر مقطعاً لغوياً يعلو في النص وتتحكم فيه قواعد نحوية وسيميائية " .
وحين نأتي إلى الإهداء فمن الطبيعي أن يكون الإهداء الذي يظهر في الصفحات الأولى من بدايـة الكتب المؤلفـة أو المترجمة على شكل فني مدون ، إما بخط اليـد أو بالحاسوب ، يعبر عن ذوقٍ رفيع للكاتب ، وتقديرٍ منه بحق الآخرين ، واحترامه لدور من له شأن عنده ، أياً كان هذا الشأن ، وهذا الإهداء سواء كان إلى أشخاص معينين أو مؤسسات أو جهات أو دول أو غير ذلك ، تبقى نية الكاتب مرهونة بالتقدير تجاه من يُهدى له العمل الإنتاجي ، بل قد يصل الأمر إلى نسق التوافق بين طبيعة الإهداء وما هو منتج والجهة التي يُهدى لها ، كما أن متن الكتاب قد يفرض إهداءً معيناً سواء أكان مرتبطاً بالحزن والألم ، أم بالفرح والغبطة ، أم بدلالات يراها الكاتب ذات علاقة بينها وبين مفردات الإهداء.
2 ـ سيميائية الأسماء :
للتسمية في التراث العربي سمات‏ ودلالات تحدث عنها قديماً الجاحظ في أكثر من موضع . ولذلك استدعى الاهتمام بأسماء الشخصيات التي لا شك أنها اختيرت عن قصد، بحيث تشير إلى دلالة معينة يوحي بها الاسم بعد أن تتضح صورته في ذهن المتلقي. فاسم مثل "سكينة"، لا ريب أنه يوحي إلى أن المسمى يتسم بالسكينة والوقار والهيبة... واسم كـ"عبد الودود"، و"عبد الباقي"، و"عبد الحميد" ـ وكلها مركبة من "عبد" واسم من أسماء الله الحسنى ـ تدل ولا شك على أن هذه الأسماء الدينية لها مقام في الوسط الاجتماعي.‏
ولعل في قصة نداء المجهول التي كتبها محمود تيمور ما يدل على ذلك ( عبد الجليل ، 1982 ، 43 – 45 ) ، وإن شئت فانظر إلى الأشخاص الذين نسَبَ إليهم أحداث القصة تجد " مجاعص " و" مِس إيفانس " و " يوسف الصافي " و"الأستاذ كنعان " و " الشيخ عاد " و" حبيبًا " . وأية تسمية تلك التي يمكن أن يسمَّى بها هذا المجاعص سوى أنه حريٌّ بهذا الاسم بما فيه من جرس صوتي خليق بهذا الاسم أو الوصم إن شئت ، فهو طبلٌ أجوف يُصدِرُ عجيجًا ولا ترى له طحنًا ، يقول ويسرف في القول ، ويزعم ويسرف في الزعم ، دون أن تحس لما يقول فعلاً ، ودون أن تلمس لما يرسل ترجمة ، يرى أنه الدليل في هذه الصحراء ، وهي منه براء ، ويدَّعي أنه الشجاع المقدام وهو الجبان الهَلوع .
أما " مس إيفانس eva " فهناك قديس يدعى " إيف Yves " وهو الذي نصر مقاطعة بريتاني غرب فرنسا ، وله فيها كنيسة مشهورة ، والشق الأول من الاسم يعني حواء ، وهو بذا يحمل معاني القوة والضعف والرقة والمغامرة ما تجده ماثلاً مترجمًا ؛ فهي التي وفدت فأثرت في باقي الشخصيات وقادتها إلى هاوية محقَّقة تنفيذًا لرغبة خاصة بها مما تجد صداه في القصة .
وما يوسف الصافي في واقعه سوى هذا الأثر الدلالي لقصة يوسف عليه السلام الواردة في القرآن الكريم ، الذي تتعلق بجماله النساء ، فهو مدعاة للشغف ، ومثار للأسى والحزن على نفسه وعلى كل من حوله ، وبذلت مس إيفانس في سبيله ما بذلت .
والأستاذ كنعان هذا الاسم الدال على البيئة التي ينتمي إليها ، والكاشف عن شخصيته المنطوية التي لا تبغي استشرافًا ، ولا تريد استطلاعًا ، إنما هو بما يعرف راضٍ .
والشيخ عاد ، هذا الرجل الوقور الذي يواجه الأحداث بطبعٍ هادئ ، وعقلٍ متزن ، وتفكيرٍ متَّئد ، وتمضي الرحلة ليلقى مجاعص حتفه ، ولتتركهم مس إيفانس لاستفساراتهم وتأملاتهم ، وحدسهم وتظنُّنهم ، فيما سلكته من مسلك ، ولا يعود مع الكاتب سوى الشيخ الذي لا يصلح له سوى " عاد " اسمًا .
وشخصية حبيب الذي يتنقَّل بين الرواد من مختلف الجنسيات ، لم يكن بد من أن يكون فعيلاً ؛ دلالةً على هذه المبالغة في دنيا الحُب ، ولم يكن بد من أن يكون بمعنى مفعول ؛ دلالةً على أن هذا الحب واقعًا عليه وليس صادرًا منه .
3 ـ سيميائية الصور :
إنّ مفهوم الصورة وإنتاجها قائم على مجموعة من الرموز والدلالات التي تضعنا أمام إشكاليّة اللغة التشكيلية ، وهي لغة مرئيّة متطوّرة عبر آليات القراءة وتنوّعها. ولأننا اعتبرنا أنّ بنية لغتنا خطّية ومتواصلة، بحيث تصلنا المعلومات شفويّا أو كتابيّا ، الواحدة تلوالأخرى على امتداد الخيط الزمني ؛ فإنّ إدراكنا للصورة شامل ومتزامن ، فالمعلومات تنكشف أمامنا في آن واحد . ذلك أنّ القراءة ناتجة عن مسار العين التي تتنقّل بين الرموز لتؤّسس محور الرؤية .
هذا المسار شخصي وغير محدود في بدايته ، وهو الشيء الذي يجعل من الصورة أحيانا أداة تواصل غير مكتملة . إذ إنّها تمتصّ قراءات وتأويلات مختلفة ناتجة عن طبيعتها المعقّدة .
والقراءة تعني اختراق الحدود التقريريّة ( الظاهر ) ، في محاولة للكشف عن الإيحاء ( الباطن ) لاستخلاص مختلف العلاقات بين العناصر التشكيليّة والأنساق التعبيريّة . وتتولّد عن ذلك عمليّة التفكيك لكلّ مركّبات الأثر الفنّي ونسيجه الداخلي بغية استجلاء ماتخفيه الرموز والدلالات . وفي الأثناء تتحدّد قناة التواصل بين الباث ( الفنان) والمتلقّي (القارئ) عبر الخطاب . ( راضية العرفاوي )
تتميز الصورة بالغموض كما تحمل معاني متعددة ، يضاف إلى ذلك أن الرسالة التي تنقلها لا يمكن فك رموزها توًا . على النقيض من ذلك نجد أن الرسالة اللسانية قادرة على تحقيق تواصل خال من اللبس .
فيما يتعلق بغموض الرسالة البصرية نقول إن غموضها يعتبر على الأجدر ميزة أكثر مما هو عيب . كما أن غموض الصور يشكل غناها ، فالصور تنقل دلالات ، ومن الصعب أن نعرف ماذا تعني، وكيف تقوم بذلك .
لقد وفرت السميولوجيا الأيقونية – باعتباره علمًا حديثًا نسبيا- إمكانية دراسة الصورة في ذاتها. ترتكز سميولوجية الصورة على مناهج تحليل مستعارة من اللسانيات ، مادامت هذه الأخيرة قد بلغت درجة من النضج العلمي : إنها تَعتبِرُ الصورة نسقًا يحمل في نفس الوقت الدلالة والتواصل . وعليه فإنها تعالج الصورة كنسق يمكن أن نتحكم علميًا في قوانين اشتغاله .
هكذا يمكن أن نعتبر الصورة كالإشارة ، أي أنها أداة تكمن وظيفتها في نقل الرسائل ، وهو ما يفترض وجود سَنَنٍ تنتج بمقتضاه تلك الرسائل . إن فك رموز الرسائل يحتم امتلاك سَنَن ، وبدون ذلك لن نتقدم بخطى حثيثة في قراءة الصورة .
هناك موقفان متناقضان ، حسب تصور Thibault-Laulan، من الصورة ، فمن جهة هناك التأمل الذي يحيل على المظهر الصوري للصورة ، وهناك من جهة أخرى الفعل الذي يرتكز على فهم وتشخيص وفك رموز الرسالة ، وهو الأمر الذي يحيل على مضمون الرسالة .
يتعلق الأمر في الحالة الأولى بالقراءة الإستاتيكية (الساكنة ) ما هو ظاهر وباد. وهو ما نسميه في اللسانيات بالإيحاء ، أما في الحالة الثانية فإننا نتحدث عن قراءة دلالية (ما معنى هذا) .
نجد هذين المستويين من القراءة ضمن كل أشكال التواصل بالصور، سواء تعلق الأمر بالإعلان الإشهاري أو بالقصص المصورة أو بالتلفزة. إن لغات الصورة كيفما كانت ، لها جميعها نقطة انطلاق مشتركة : الارتكاز على الإدراك البصري .
بيد أننا لا نكتفي أبدًا ، أمام صورة أو فيلم ، باستعمال الإدراك البصري وحده ، إذ إن هذا النشاط يكون مرفوقًا دائمًا باستثمار خيالي- أقل أو أكثر قوة - يعمل على استكمال النظرة الخالصة .
لا توجد قواعد لغة خاصة بالصورة الخالصة ؛ لأن اللغة الأيقونية غير مختزلة في سَنَنٍ موحد قابل لأن يطبَّق على كل الرسائل السمعية البصرية ؛ ففي الحد الذي يفك فيه رمز الصورة على كلٍّ من المستوى الأيقوني والمستوى الاجتماعي ، تتجاوز الصورة الإطار الصوري . إن الموضوع السمعي البصري يقدَّم للمتفرج كنسيج ، يستقبل منه في بداية الأمر إدراكًا بصريًا عامًا ، بعد ذلك يبحث عن تشخيص الدلالات المعروفة سابقًا . ومع ذلك ، فإنه يقوم ، في الواقع ، باكتشاف متدرج للعلامات.(...). ترتكز كل رسالة سمعية بصرية على عدد كبير من الرموز التي توجد بمعزل عن الرسالة ، ومجموع ذلك يكون الرسالة. وهناك صنفان كبيران من الرموز :
أ- الرموز التخصيصية، وهي الرموز المختصة بنمط التعبير المستعمل ، مثال ذلك :"الكرة" في القصة المصورة .
ب- الرموز غير التخصيصية (غير المحددة) ، وهي الرموز الحاملة لدلالات تُعدَّل بواسطة نمط التعبير الذي يقع عليه الاختيار ، ومن ثم فهي تشكِّل على الخصوص رموزًا "سوسيوثقافية" مثال ذلك : سيارة ، لباس ، بحيث يحيلان مباشرة علي قيمة اجتماعية وثقافية .
في الفوتوغرافيا تعكس الصورة في كليَّتها الواقع ، كما يصعب فصل كل ما يدخل في صياغة الدلالات عن هذا التمثيل . يتعلق الأمر بضبط الصورة ، وبالضوء ، وبزاوية التقاط الصورة ، وبعمق المجال . . . إلخ. هكذا لا نجد دائمًا الواقع في الرسالة الأيقونية ، وإنما نجد الدلالات التماثلية للواقع التي يعاد اشتغالها بواسطة الرموز التخصيصية . وعليه يظهر معنى الرسالة الأيقونية عندما يصبح المشاهد قادرًا على ترجمة الرسالة ، وإعادة المجهول معلومًا ، وجمع المعطيات البصرية ضمن معرفة موجودة سابقا. ( جوديت لازار : الصورة )
4 ـ سيمياء الزمان والمكان والعلاقة بينهما :
لعل من الفضول العلمي أن نستفسر عن الزمن الذي حدثت فيه هذه الرواية ، وإلى أي مدى كانت تعود إلى الوراء لإبراز العناصر السردية ذات العلاقة بالمسرود ، ورغبة في إظهار المسرود له . قد يعود الزمن في بعض الأعمال الأدبية إلى الوراء بعشرات السنين، فيضطرب في الامتداد عبر الماضي الطويل ، ويسمى بالزمن التاريخي ، كما يتجسد ذلك في كلام (جلال الدين) في رواية " حمامة سلام " ، وهو الطالب الأزهري ، خطب في مسجد القرية يوم الجمعة بدل الإمام الغائب ، فقال: " لقد وقع العالم في حرب طاحنة لا يعلم إلا الله مداها... حرب على رأسها هتلر الذي أصبح اسمه يتردد على الألسن" . (بلقاسم دفة : التحليل السيميائي للبنى السردية ) .
إن العلاقة التي تربط الزمان بالمكان هي علاقة تكامل ، فكل منهما يكمل الآخر، ومن ثم لا وجود لأحدهما دون الآخر ، بمعنى أن هذه العلاقة أساسية ؛ لأنها تشخص جدلية في الحياة ، وتشخص جدلية الواقع الروائي في حد ذاته . والجدير بالملاحظة ، أن الزمن والمكان في رواية الزلزال مثلاً متداخلان ، متمازجان ، حاضران حضورًا دائمًا ، قد يستحيل معه تناول أحدهما بمعزل عن الآخر...وإن كنا قد سمحنا لأنفسنا بهذا الأمر، فإنما يكون ذلك على المستوى الإجرائي لا غير. ( كرومي لحسن :حركية الزمان وجمالية المكان ) .

5ـ الوظائف السردية للشخصيات :
يقصد بالوظيفة السردية للشخصية ما تمثله هذه الشخصية من شخصيات لها ملامحها الخاصة في المجتمع ، دون الخوض فيما قامت به هذه الشخصية في النص من أدوار ، إنما نستنبط من هذه الأدوار الموجودة في النص الدور الذي تمثله هذه الشخصية في المجتمع .
فهناك مثلاً : الطيب ، الخبيث ، الانتهازي ، الوقور ، فاعل الخير ، المنافق ، الغوِيّ، الناصح الأمين ، الاستبدادي ، الظالم ، المتكبر ، . . . إلخ ( في الرجال ) .
كما أن هناك ربة البيت ، الأم المهتمة بأبنائها ، الزوجة المتفانية في خدمة زوجها ، البنت المدللة ، المرأة اللعوب ، المرأة المترجلة ، . . . ( في النساء ) .
وهناك القائد الفذ ، الزعيم المتسلط ، الحاكم العادل ، العميل للعدو . . . إلخ ( في السياسة ) . وهكذا .
6 ـ سيميائية البناء الخارجي للشخصيات :
يقصد بالبناء الخارجي للشخصية الملامح الخارجية لهذه الشخصية : شكل الوجه وحجمه ، شكل العينين ولونهما ، شكل الأنف ، العنق ، طول الشخص ، عرضه ، ما يلبسه ، مشيته ، طبيعة تحركه ، جلسته ، نبرات صوته . . . إلخ .
وهنا ليس المقصود مجرد وصف لهذه الملامح ، إنما ما يمكن أن نستنبطه من دلالات من هذه الملامح ، وما يمكن أن تشير إليه هذه الملامح من معانٍ ضمنية يريد الكاتب أن يوصلنا إليها .
7 ـ سيمياء الملامح الداخلية للشخصيات :
يقصد بالملامح الداخلية للشخصية الصفات النفسية والعقلية والفكرية والاجتماعية والخُلُقية والعقائدية التي تتمتع بها الشخصية في النص نفسه ، مثل : الانطواء ، العصبية، الغيرة ، الذكاء ، الإهمال ، سعة الأفق ، سعة الاطلاع ، البلادة ، السخاء ، الكرم ، التدين ، الإلحاد ، التعصب ، التسامح ، مساعدة المحتاجين ، الشراهة ، القسوة ، التكبر ، التواضع . . . إلخ .
إن التعرف على هذه الملامح ، تساعدنا في التعرف على ما يرمي إليه الكاتب من ذكر مثل هذه الملامح ، وخاصة التركيز على واحدةٍ أو أكثر منها في النص ، وبالتالي يساعدنا في الدراسة السيميائية للنص بصورة أفضل .

يسرى علي آل فنه
18-09-2005, 11:33 AM
استفدت من الشرح

شكراً لك وجزاك الله الخير

د. سلطان الحريري
18-09-2005, 05:23 PM
الحبيب عطية العمري:
موضوع جدير بالقراءة والمتابعة، وقد أفدت كثيرا مما جاء فيه من تعريفات ، سأعود مرة أخرى للقراءة الثانية المتأنية ، فربما وجدت ما أقوله بعد ذلك..
أشكرك شكرا جزيلا على اهتمامك في مجال النقد ، وأرجو أن نولي مجال النقد ما يستحقه في واحتنا؛ فهو جانب لم يأخذ حقه .
لك خالص الود والتقدير

عطية العمري
21-09-2005, 10:32 AM
الأخت يسرى والأخ سلطان الحريري
شكراً لكما مروركما على هذا الموضوع والاهتمام به
ولكني أطمح في سماع رأيكما فيه وفي كيفية توظيفه لصالح أبنائنا وبناتنا الطلبة والطالبات
مع جزيل الشكر والاحترام

سمو الكعبي
31-03-2010, 03:14 PM
موضوع يستحق الوقوف جعله الله في موزازيين كاتبه

أحمد عيسى
03-04-2010, 01:50 PM
رغم أنه موضوع قديم ، لكني استفدت جداً منه ..
يستحق القراءة بكل تأكيد ..

شكراً للكاتب على هذا الموضوع الثري

عبدالله العبدلي
03-04-2010, 03:39 PM
البحر الزّاخر: عطية العمري ، موضوعك يستحق الوقفات والتأمل كونه يخص النصوص الأدبية التي تكون بمنأى عن التقريرية المباشرة التي ملتها الأسماع ، فالسميائية تركز على نصوص سوريالية تحتاج لتحليل دقيق يفك غالب رموزها حتى تبدو شيئا يسبح بخيال القارئ نحو آفـاق بعيدة ، ولقد أعجبتني تجربة الدكتور عبدالملك مرتاض الجزائري في هذا الجانب حينما قرأت له تحليلا سيميائيا لقصيدة (شناشيل ابنة الجلبي ) لبدر شاكر السياب.
موضوعك هذا يدل على أنك رجل سامق تعتلي صهوات العلم فلا عدمناك.

عطية العمري
25-12-2010, 01:49 PM
الأخت الكريمة سمو الكعبي
الأخ الكريم أحمد عيسى
الأخ الكريم عبدالله العبدلي

بارك الله فيكم على مروركم وعلى كلماتكم الرقيقة
ودمتم بألف خير

محمد عز الدين
04-06-2012, 10:14 PM
هل من الممكن الحصول على دراسة سيميائية تطبيقية

عطية العمري
23-06-2013, 04:13 PM
هل من الممكن الحصول على دراسة سيميائية تطبيقية



تحليل سيميائي مقترح لنص " سباق العِقبان والنسور "
من كتاب " المطالعة والنصوص "
للصف العاشر الأساسي في فلسطين / الجزء الثاني
عطية العمري

مقدمة :
النص الذي بين أيدينا عبارة عن قصة قصيرة ، تقوم على الفكرة ، وهي قصة رمزية على لسان الطيور، وتهدف إلى تعميق الوعي الوطني ، ومؤلفها فؤاد حجازي أديب عربي معاصر من مواليد المنصورة بمصر ، وقصته التي بين أيدينا من مجموعته القصصية ( الأسد ينظر في المرآة ) الصادرة عام 1990م الموجهة للفتيان .
والسيميائية أو السيميولوجيا هي " دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية " ( بنكراد ، 2003 ) . وهي في حقيقتها " كشف واستكشاف لعلاقات دلالية غير مرئية من خلال التجلي المباشر للواقعة ، إنها تدريب للعين على التقاط الضمني والمتواري والمتمنِّع ، لا مجرد الاكتفاء بتسمية المناطق أو التعبير عن مكنونات المتن " ( بنكراد ، 2003) .
وقد تمت الاستعانة في هذا التحليل بعدة دراسات عربية وأجنبية لعل من أبرزها :
1- دراسة سعيد بنكراد ( 2003 ) بعنوان : " السيميائيات : مفاهيمها وتطبيقاتها " .
2- دراسة بلقاسم دفة ( 2003 ) بعنوان : التحليل السيميائي للبنى السردية في رواية (( حمامة سلام)) للدكتور نجيب الكيلاني .
3- دراسة سعد بوفلاقة ( 2000 ) بعنوان : " التحليل النصي لجزء من بائية ابن خفاجة الأندلسي " .
وسيتم في هذا التحليل تناول النقاط التالية :
1- سيميائية العنوان 2- سيميائية الصور الواردة مع النص 3- سيميائية البناء الداخلي للشخصيات الواردة في النص 4- سيميائية البناء الخارجي للشخصيات 5- سيميائية الزمان والمكان 6- سيميائية الأحداث 7- سيميائية بعض العبارات الواردة في النص .
وأود قبل البدء في هذا التحليل أن أنوه إلى أن التحليل السيميائي يتأثر بدرجة كبيرة بشخصية من يقوم بالتحليل وبالظروف المحيطة به ؛ ولذلك فإن التحليل السيميائي لنص معين قد يختلف من شخص إلى آخر ، ومن منطقة لأخرى ، ومن فترة زمنية لأخرى ؛ وهو بذلك مجال خصب للإبداع ، فلا قيود عليه إلا أن تكون هناك دلائل في التحليل المقترح على صحة ما ذهب إليه من قام بعملية التحليل .
كما أود أن أنوه إلى أن التحليل السيميائي يركز على جانبين : 1- الرمزية والدلالات 2- ربط النص بالواقع ، ولكن ليس بالضرورة أن يقتضي ذلك التطبيق الدقيق على أشخاص بعينهم أو أماكن بعينها أو قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية بعينها .

1 ـ سيميائية العنوان :
اهتم علم السيمياء بالعنوان في النصوص الأدبية ؛ باعتباره علامة إجرائية ناجحة في مقاربة النص بغية استقرائه وتأويله ( دفة 2003 ) . والنص الذي بين أيدينا هو بعنوان " سباق العقبان والنسور " ، وهذا العنوان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمضمون النص ؛ فهو يتحدث عن سباق جرى بين مجموعة من العقبان ومجموعة من النسور ، ولكن يجب التنويه إلى عدة ملاحظات على هذا العنوان منها :
1- يتضح من العنوان أن هذا السباق لم يكن سِباقاً في جو من الألفة والمحبة وحسن الجوار ، ولكنه في جو من التنافس غير الشريف والطمع ومحاولة الاعتداء على حقوق الآخرين . ولعل اختيار العقبان والنسور له دلالته الخاصة على ذلك ، فهو سباق بين طيور جارحة تتميز بالقوة والشدة ، ولو كان سباقاً بين مجموعتين من الحمام ، أو بين البلابل والحساسين مثلاً لاختلفت الدلالات .
2- لا يتضح من العنوان طبيعة هذا السباق ، وإن كان يفهم ضمناً أنه سباق في الجو نظراً لأنه سباق بين طيور .
3- لقد اختار الكاتب أن يكون سباقًا بين العقبان والنسور ، والمعروف أن النسور أقوى وأشد من العقبان ، والنسر هو الذي يطلق عليه ملك الجو ، فلم يكن السباق إذن بين قوتين متوازنتين ، وهو بذلك يعكس طبيعة الصراع الأبدي بين الأقوياء والضعفاء ، وربما لو اختار الكاتب أن يكون سباقًا بين النسور والحمائم مثلاً لكان أقرب إلى الواقع ؛ لأن العقبان ليست ضعيفة ولكنها أقل قوة من النسور فقط .
4- المقصود بالسباق هنا ليس سباقاً عادياً ، إنما المقصود منه صراع بين قوي وضعيف ، وإن كان في ظاهره سباقاً .
5- لعل اختيار النسور بالذات ، تلك الطيور الفتاكة ، التي لاتحسب حسابًا لأحد ، ربما جاء ليرمز إلى من يطلقون على أنفسهم القوة التي لا تُقهر ، والقوة التي جعلت لنفسها حقًا في أن تحتل أي بلد وتعتدي على أي بلد دون أن يملك أحد أن يقول لها : لماذا ؟ أما اختيار العقبان بالذات فربما يرمز إلى الدول العربية التي عندها مواطن قوة كثيرة لم تستغلها وتخيلت أنها لا قِبَل لها بتلك القوة التي لا تقهر ، فجاء هذا النص ليصحح المفاهيم ويوضح أنها _ لكي تتغلب على القوة التي لا تقهر ـ عليها أن تثق بنفسها وبإمكاناتها ومقدَّراتها .

2 ـ سيميائية الصور :
يمكن القول إن ما ترمز إليه الصور المصاحبة للنص بمكوناتها وأشكالها وألوانها تكاد تتطابق مع عنوان النص ، فالصورة الأولى جاءت مرافقة لمقدمة النص ، والتي عنونت بعنوان " بين يدي النص " ، واحتلت هذه الصورة جزءًا لا بأس به من الصفحة ، وفيها مجموعة من النسور تواجه مجموعة من العقبان تنظر إلى بعضها البعض في حدة وغضب ؛ ليؤكد أنه صراعٌ وليس سباقًا . وفي أسفل الصورة صقر طائر في الجو ليدلل على طبيعة السباق ، وهو أنه سباق طيران في الجو. ولعل اختيار اللون الأسود لهذه الصورة جاء ليدلل على الحقد والكراهية التي تؤطر هذا السباق ، أو بالأحرى هذا الصراع .
أما الصورة الثانية فإنها تشمل نسرين ، يفرد أحدهما جناحيه ، مستعرضاً قوته ، رافعاً رأسه إلى أعلى ، وبجانبه نسر آخر يقف ضاماً جناحيه خافضاً رأسه . ولعل المقصود بالنسر الأول تلك القوة العظمى التي تستعرض قوتها على العالم كله ، أما النسر الآخر فهو تلك القوة التي تستمد قوتها من القوة الأولى ، وتعيش في حمايتها ، ولكنهما على أية حال نسران من نفس الفصيلة ، ومن تلك الفئة الظالمة الباغية . وقد لوِّنت الصورة باللون الأزرق؛ ربما لتشير إشارة واضحة إلى تلك القوتين ، فالعلم الأمريكي يحتوي على اللون الأزرق ، والعلم الإسرائيلي كله باللون الأزرق ، حتى علم الأمم المتحدة هو باللون الأزرق .
وأما الصورة الثالثة فهي صورة لنسر وصقر طائرين أثناء السباق ، وكل منهما يرفع رأسه إلى أعلى ؛ دليلاً على رغبته في التغلب والانتصار على الآخر ؛ وهذا يدلل على أن من هو أقل قوة لم يستسلم للأقوى منه أو يخضع له . ووجود شمس الصباح بحجم كبير في أعلى الصورة ، واللون الأزرق للنسر والصقر في أسفلها يدلل على أن شمس الحرية والنصر ستشرق حتماً . ولكن كان من الأفضل تلوين الصقر بلون مخالف للون النسر .
أما الصورة الرابعة فهي للنسور في نهاية السباق ، لا تبدو ملامحها جيداً ، دليلاً على حيرتها وحزنها مما يوحي بأنها خسرت هذا السباق ، كما أنها تنظر في اتجاه واحد بعيداً ، مما يوحي بأنها ستغادر المكان إلى مكان آخر . أما اختيار اللون الرمادي لهذه الصورة فله دلالاته أيضًا ؛ " فاللون الرمادي هو مزيج من الأبيض والأسود ، النور والظلمة ، الوضوح والغموض ، الأمل واليأس . ومن دلالات هذا اللون أنه علامة على الغموض والفوضى ، وعلى اختلاط الأمور ، وعدم الاستقرار " ( كرير 2004 ) . وهو ما يدل على الغموض الذي ينتظر مستقبل هذا القوي المتجبر بعد أن فوجئ بعجزه عن فرض إرادته على الجميع .

3 ـ سيميائية البناء الداخلي الشخصيات :
وردت في النص عدة شخصيات هي : قائد النسور ، قائد العقبان ، العقاب الحكيم ، أحد النسور ، العقبان التي اشتركت في السباق ، النسور التي اشتركت في السباق ، بقية النسور ، رئيس فريق العقبان التي اشتركت في السباق ، جميع العقبان في المنطقة ، الطيور والحيوانات من أهل الجبل .
ونبدأ بقائد النسور ، فهو الذي يقود جماعته للاعتداء على الآخرين والاستيلاء على ممتلكاتهم واحتلال وطنهم ، وهو بذلك يمثل رئيس تلك الدولة العظمى التي تريد فرض هيمنتها على الآخرين . ولكنه يشاور باقي النسور في أمر المسابقة حين عرض عليه حكيم العقبان ذلك ، إنه ينادي بالديمقراطية ، ويطبقها على أفراد شعبه فقط ، أما الآخرون فعليهم القبول بما يمليه عليهم . ولكن هذا القائد حين يجد أن حساباته لم تكن صحيحة ، وأنه هُزم مرتين من حيث توقع النصر ، لا يجد بدًا من التخلي عن أطماعه في هذا المكان بالذات ، ولربما فكر في مكان آخر يكون أصحابه أقل قوةً ، أو أقل عزيمةً في مقاومة المحتل .
أما قائد العقبان فعلى النقيض من الأول ، إنه يمثل القائد الذي يقود شعبه إلى النصر ، وهو القائد الذي لا يجد غضاضةً في مشاورة أهل الرأي والمشورة ( العقاب الحكيم ) ، إنه القائد الذي يحلم به الجميع ليخلصهم من نير الاحتلال ، ولو كان هذا الاحتلال أقوى عددًا وعدة . فهذا العقاب القائد استطاع أن يطرد النسور التي احتلت أوكار العقبان، رغم أن النسور أقوى وأصلب عودًا من العقبان . كما أنه على اتصال وثيق بجنوده وقواته المسلحة ( العقبان المشتركة في السباق ) ، يرفع من معنوياتهم حين يتعرضون للهزيمة ( الجولة الأولى من السباق )، ويبصِّرهم بمكامن القوة التي لديهم والتي يمكن أن يستغلوها لتحقيق النصر ، ويدفعهم إلى عدم الاغترار بالنفس حين يحققون النصر ( الجولة الثانية ) ؛ حتى يحققوا مزيداً من الانتصارات . إنه القائد الحكيم الحريص على شعبه الذي يعرف نفسه ويعرف عدوه معرفةً جيدة ، ورغم ذلك لا يستبد برأيه ، ولكنه يشاور من هم أهلٌ للمشورة ، إنه القائد الذي نحن جميعاً في الدول العربية والإسلامية ، بحاجة ماسة إليه .
أما العقاب الحكيم فيمثل مستشاري القائد أو الرئيس ، فهذا العقاب يتميز بالذكاء والحكمة ومعرفة قدرات شعبه وقدرات عدوه ، وعندما يجد أن عدوه أقوى منه ، لا يجزع أو يتنازل أو يستسلم ، بل يفكر تفكيراً عملياً يقلب به موازين القوى لصالح بلده وشعبه ، إن الكاتب كما لو يريد أن يقول لنا : إن هذه الصفات هي التي يجب أن تتوافر في مستشاري الرئيس أو القائد ، إن كنا حقاً نريد تحقيق النصر .
ثم تطالعنا شخصية أحد النسور الذي أراد أن ينصح قائده بقوله : " ولكن . . . إذا خسرنا السباق؟" ، فلا يجد من قائده المتعجرف إلا التهكم والسخرية والتأكيد على أنهم منصورون لا محالة . إن هذا النسر يمثل صوت الشعب في البلاد التي يكون للزعيم أو القائد فيها الكلمة الأولى والأخيرة ، حيث لا يؤبه لهذا الصوت ؛ فتكون الخسارة والندامة على الجميع .
أما العقبان التي اشتركت في السباق فتمثل الجندي الذي يضحى في سبيل وطنه ، الواثق من قائده وتوجيهاته إليه، الذي لا ينهار لأول هزيمة يتعرض لها ، بل يستجمع قوته ، ويستغل جميع إمكاناته ، فيحقق النصر على عدوه ، ويطرده من أرضه . إنه الجندي الذي نُعِدُّه ليوم النصر القادم .
وأما النسور التي اشتركت في السباق ، فتمثل الجيش الذي يدَّعي أنه لا يُقهر ، إنه واثق من نفسه إلى حد الغرور والاستهتار بقوة خصمه ، ولما انتصر في الجولة الأولى ، اعتقد أنه منصور إلى الأبد ، ولكنه فوجئ بأن تعرض للهزيمة ( في الجولة الثانية ) ، فلم يستفد من هذه التجربة ، ولم يأخذ منها العبر ، فتعرض إلى هزيمة ثانية اضطرته إلى الإقلاع عن احتلال بلاد الآخرين ونهب خيراتهم .
أما قائد فرقة العقبان التي اشتركت في السباق فكان يتمتع بصفة القائد العسكري الممتاز؛ لقد تمالك نفسه بعد الهزيمة (في الجولة الأولى )، وأخذ ـ بالاشتراك مع العقاب الحكيم ـ في لوم العقبان بلطف دون تعنيف، وأتاح المجال للعقاب الحكيم ليرشدهم، وينبههم إلى مصادر القوة لديهم لاستغلالها، مما كان له الدور الأكبر في حسم نتيجة السباق لصالحهم.
وهناك بقية العقبان التي جاءت في نهاية السباق ، مما أعطت دعما معنويًا للعقبان التي كانت في المنطقة، ورادعاً للعدو فأدرك أنه أمام قوة أكبر من القوة التي يراها في المنطقة ، إنها ترمز لأبناء الشعب في الشتات ، الذين عليهم أن يقدموا الدعم المادي والمعنوي لوطنهم وشعبهم في صراعه ضد أعدائه ، لا أن يبقوا بعيداً وكأن الأمر لا يعنيهم .
أما بقية الحيوانات والطيور من أهل الجبل ، التي جاءت في نهاية السباق أيضاً ، فتمثل الدول العربية والإسلامية، لقد تكاتفت وجاءت لتساعد العقبان في صراعها مع النسور ، مما جعل قائد النسور يحسب لها حساباً ، فلولا قدومها لتحول السباق إلى صراع دموي ستكون العقبان هي الخاسرة فيه ، ولكن حينما رأى قائد النسور هذه الحيوانات أدرك أنه لا قِبَل له بها ؛ قرر الانسحاب وترك المنطقة لأصحابها . وكأن الكاتب يقول : إنه لا غنى لأية دولة عربية أو إسلامية عن باقي الدول العربية والإسلامية في صراعها ضد أعدائها .

4 ـ سيميائية البناء الخارجي للشخصيات :
لم يفصِّل الكاتب كثيرًا في الوصف الخارجي لشخصيات القصة ، ما عدا ما قاله قائد النسور : انظر إلى مخالبنا القوية ، وانظر إلى مخالبهم الضعيفة ، وانظر إلى مناقيرنا الحادة ، وانظر إلى مناقيرهم المعقوفة . وهذا يدلل على أن النسور أقوى من العقبان من الناحية المادية ؛ مما دفعهم إلى محاولة احتلال أوكار العقبان .

5 ـ سيميائية الزمان والمكان :
اختار الكاتب أن تكون أوكار العقبان مكانًا لأحداث قصته ، فهذا المكان يمثل الوطن الذي يعيش فيه أهله في أمن وأمان ، حتى يداهمهم عدو طامع يريد احتلاله واستغلال خيراته وثرواته . ثم اختار أن تكون هذه الأوكار " في أرضٍ ذات جوٍّ معتدل ، ساطعةٍ شمسها " ، في طريق رحلة الطيور السنوية كل شتاء " هربًا من ثلوج أوروبا إلى دفء إفريقية " . إننا نفهم من هذا الوصف بأن المكان يوجد في منطقة الشرق الأوسط ، في حين أن النسور المعتدية الطامعة قدمت من أوروبا ، فليس من الغريب أن نستنتج أن المكان المختار يمثل إحدى دول الشرق الأوسط التي يطمع الغرب في احتلالها ونهب خيراتها . واختار الكاتب أيضاً أن تكون منطقة جبلية تحيط بها السهول ، وأن يبدأ السباق من قمة جبل إلى السهول المحيطة لإحضار الفرائس ، ومن ثم العودة إلى قمة الجبل ، حتى تكون نتيجة السباق واضحة مرأيةً للجميع ، لا يمكن الطعن فيها .
أما الزمان ، فاختار الكاتب له الشتاء ، عندما تقوم الطيور المهاجرة برحلتها السنوية "هربًا من ثلوج أوروبا إلى دفء إفريقية" ، والشتاء في هذه المنطقة معتدل يغري أهل أوروبا بالقدوم إليها ، فهي قد تمثل أحد أسباب الأطماع الاستعمارية في الوطن العربي .

6- سيميائية الأحداث :
تبدأ الأحداث بمجموعة من العقبان ، تعيش في أوكارها آمنةً مطمئنة ، كأي شعب حر مستقل يعيش في وطنه ، وبلغ من الأمن والأمان فيه ، أن خرج الجميع لجلب الطعام ، ولم يتركوا أحدًا يحرس المكان . وعند عودتها من رحلتها اليومية لجلب الطعام ، وجدت مجموعة من النسور القادمة " من أوروبا " قد احتلت هذه الأوكار دون وجه حق ، اللهم إلا أن هذا المكان أعجبها ، وأنها تملك القوة الكافية للسيطرة عليه ، وطرد أهله منه . وعندما استهجنت العقبان ذلك ، واستفسرت عن السبب ، أجابها قائد النسور إجابة المتعالي المتكبر الذي لا يملك إلا منطق القوة " أنهم قرروا الاستيطان في هذه الجبال"، فما دام الأسياد قد قرروا فما على العبيد إلا أن يخضعوا لرغبات أسيادهم . وليس ذلك فحسب ، بل " طلب من العقبان أن تبحث لها عن مكانٍ آخر " . وحينما حاول قائد العقبان أن يكلمه بمنطق العقل وقال له : " هل هذا جزاؤنا أن أتحنا لكم فرصةً للراحة ، وإصابة شيء من الغذاء قبل مواصلة رحلتكم ؟ " ، ما كان من قائد النسور إلا أن " شمخ بمنقاره ناحية السماء ، وقال : لماذا يتحتم علينا الرحيل ؟ ارحلوا أنتم ، وسوف نستضيفكم إذا حضرتم في أي وقت " . وهكذا صار المعتدي هو صاحب الحق ، وأصبح أهل البلاد الأصليين ضيوفًا فقط في وطنهم ، ولكن لا يحق لهم الإقامة الدائمة فيه . ثم بعد أن كرر قائد العقبان تأكيده بأن هذا وطنهم ، لم يكن من النسور إلا أن رفرفت بأجنحتها ، وأبرزت مخالبها ، استعراضًا لقوتها ، فالمسيطر هنا منطق القوة وليس منطق الحق .
ماذا تفعل العقبان ، وقد احتُلت أوكارها ، ولا قِبَل لها بطرد المحتل بالقوة ، فهو أقوى منها بكثير ، هل تستسلم وتترك وطنها نهبًا للعدو المحتل ؟ هل تقاتل عدوها ولو كان في ذلك فناؤها ؟ هنا نظر حكيم العقبان ـ مستشار القائد ـ فوجد أن موازين القوى ليست في صالحه ، فلا يوجد في المنطقة من يساعد العقبان ، بل بالعكس لا توجد إلا الطيور المهاجرة التي قد تساعد النسور إذا لزم الأمر . فلا بد إذن من الحيلة ، واتباع الوسائل السلمية ، ولكن دون تفريط بالحقوق ، بل يجب إبقاء الهدف الأساسي ـ وهو التحرير ـ نصب أعين العقبان جميعًا. اقترح العقاب الحكيم على قائد النسور إجراء سباق بين خمسة نسور وخمسة عقبان ، والفريق الفائز يكون من حق أهله الإقامة في هذا المكان ، فابتسم قائد النسور لأنه واثق من نفسه ومن جماعته لدرجة الغرور ، وأكد هذا التوجه أحد النسور عندما قال : " لن نخسر شيئًا ، انظر إلى مخالبنا القوية ، وانظر إلى مخالبهم الضعيفة ، وانظر إلى مناقيرنا الحادة ، وانظر إلى مناقيرهم المعقوفة " . إنه منطق القوة الذي يحكم دائمًا تصرفات العتاة المتجبرين في الأرض .
طارت النسور وضحكت ، دون أن تستعد للسباق ، بينما اجتمعت العقبان للتشاور في الأمر ، وهنا يبرز أحد العقبان معترضًا : " هذه بلادنا من قديم الأزل ، فلماذا نُخضع إقامتنا فيها لنتيجة سباق قد نخسره ؟ " . وقد يبدو كلامه منطقيًا ، ولكن العقاب الحكيم يقنعه ـ دون اللجوء لفرض رأيه ـ أنه ما من حل آخر ، " ثم من قال إن العقبان تخسر سباقًا فوق جبالها ؟! " . فالعقاب الحكيم ركز على الروح المعنوية ، وأراد أن لا يكون ضعف العقبان ماديًا قياسًا إلى قوة النسور ، سببًا في الهزيمة النفسية للعقبان .
تَمَّ تحديد شروط السباق ، ومنها أن من يفُز في مرتين يكن له حق الإقامة . وابتدأ السباق ، فكان النصر حليف النسور في الجولة الأولى ، فأخذت النسور نشوة النصر ، بينما لم تحطم الهزيمة العقبان معنويًا ، بل كانت الهزيمة حافزًا لمراجعة أوضاعهم، وتحديد أسباب هزيمتهم ، لإمكانية تغيير خططهم الحربية ، واكتشفت العقبان أن السبب الرئيس كان التفاوت في الروح المعنوية بين الفريقين ، فقد كانت النسور أثناء السباق تبث روح اليأس لدى العقبان " . لذلك قام العقاب الحكيم ، بتشجيعهم ، ولكي يكون تشجيعه مقنعًا ، ذكر لهم بعض المزايا التي يتمتعون بها دون النسور، ومن أهمها أنهم أهل المنطقة ، ويعرفون مساربها والتيارات الهوائية بين الجبال ، فلا بد أن يستغلوا هذه الميزة لصالحهم . إن هذا يجب أن لا يكون غائبًا عن أي شعب يقاوم محتليه ، فأهل مكة أدرى بشعابها .
ابتدأت الجولة الثانية من السباق ، فكان النصر حليف العقبان هذه المرة ، لأن النسور أخذتها نشوة النصر، أما العقبان فقد استفادت من أخطائها السابقة . ولكن العقاب الحكيم حذَّر العقبان من أن يقعوا فيما وقع فيه النسور في الجولة الأولى ، فقال لهم : " إياكم أن تتعالوا على النسور ، لما تحقق من نصر في المرة السابقة ، انسوا ذلك تمامًا ، وأرونا همتكم ، وأحِدّوا من أبصاركم ، واستجمِعوا كل قواكم" . أما قائد النسور فكان رد فعله التوبيخ لمجموعة النسور ، وتوعَّدهم بالطرد من جماعة النسور إذا لم يفوزوا في المرة القادمة ، ولم يشجعهم ، ولم يعطهم توجيهات خاصة للاستفادة من أخطائهم . وكان نتيجة كل ذلك أن كان النصر حليف العقبان في الجولة الثالثة أيضًا . وفي ذلك توجيه للقادة والدول والشعوب في كيفية التصرف في كل من حالتي النصر والهزيمة .
من المنطقي أن يكون المكان من نصيب العقبان ، بناء على شروط السباق التي تم الاتفاق عليها ، ولكن القوي لا يلتزم بالقوانين إلا إذا كانت في صالحه ، فقد استعدَّت النسور للانقضاض على العقبان . وهنا حضرت جميع العقبان ( التي تمثل المواطنين في الشتات ) ، كما حضرت جميع الطيور والحيوانات من أهل الجبل ( التي تمثل دول الجوار ) ؛ فأدرك قائد النسور أنه لو نشبت معركة لكسبتها العقبان ؛ فطأطأ رأسه ، وأشار للنسور وباقي الطيور الحليفة بالرحيل . وفي ذلك عبرة عميقة وضحها العقاب الحكيم بعد أن هنأ قائد العقبان حين قال : " حسنًا فعلت الغربان القادمة من البلاد المجاورة حين وقفت في صفنا " .

7 ـ سيميائية بعض العبارات الواردة في النص :
سوف نناقش فيما يلي الدلالات والإشارات المحتملة لبعض العبارات الواردة في النص كنموذج ، ويمكن لمن أراد أن يبحث في سيميائية عبارات أخرى في ضوء الفهم العام والتفصيلي لمضمن النص :
1 ـ " استفسرت العقبان عن سبب ذلك ، فأخبرهم قائد النسور أنهم قرروا الاستيطان في هذه الجبال " : أي أنهم ليست لديهم أدلة على أحقيتهم بهذه البلاد ، ولكن منطق القوة يقضي بأنه ما دام القوي قد قرر شيئًا ، فما على الضعيف إلا أن يقبل ذلك صاغرًا ، ولو كان في ذلك هلاكه وطرده من أوطانه . وهذا هو المبدأ السائد في العالم في هذه الأيام ، والأمثلة من الواقع أكثر من أن تُحصى .
2 ـ " شمخ قائد النسور بمنقاره ناحية السماء " : دليل على الكبرياء والتعالي على الآخرين ، والاستهتار بهم ، والاغترار بقوته . فالأقوياء في هذا العالم غرتهم قوتهم ، فتكبروا على خلق الله ، واستهانوا بهم ، ولم يتورعوا عن نهب خيراتهم بغير وجه حق .
3 ـ " أدرك عقاب حكيم أن كارثةً سوف تحدث للعقبان ، إذا تقابل الفريقان " : وهذا دليل على أنه يجب تحديد موازين القوى قبل اتخاذ قرار بمحاربة العدو ، فإن كانت موازين القوى في غير صالحنا ، فكرنا بحلول بديلة ، بشرط عدم التنازل عن الحقوق الثابتة .
4 ـ " ابتسم قائد النسور " : دليل على السخرية من اقتراح العقاب الحكيم ، وعلى ثقته بأن النسور سوف تفوز في السباق لا محالة . وهذا منطق القوي دائمًا في هذه المعمورة .
5 ـ " وطلب ـ قائد النسور ـ مهلة يشاور فيها باقي النسور " : دليل على أنه يطبق الديموقراطية على أبناء جنسه فقط ، أما الشعوب الأخرى فإن معاملتها تكون بالقهر والتسلط .
6 ـ " طارت النسور وضحكت " : دليل على اغترارها بقوتها ، واستهتارها بالعقبان وقوتها ، وسخريتها من هذه العقبان .
7 ـ " سرعان ما عادت النسور تحمل فرائس من حيوانات ضخمة ، تلوَّت بين مناقيرها ، عاجزة عن الإفلات ، وقد سالت من بعضها الدماء " : دليل على قوة النسور ، وعلى أنها فازت في الجولة الأولى عن جدارة .
8 ـ " وبعد قليل جاءت العقبان ، وقد حملت فرائس من حيوانات هزيلة ، تلوَّى أحدها وهرب من صائده" : دليل على ضعف العقبان لدرجة أنها جاءت بحيوانات هزيلة ، ورغم ذلك استطاع أحد هذه الحيوانات الهزيلة الإفلات من صائده .
9 ـ " فهي ـ أي النسور ـ كما تعلمون ، لها سمعة كبيرة في الصيد والقنص " : دليل على أن الهزيمة النفسية لدى الجنود تؤدي إلى الهزيمة المادية .
10 ـ " كنت أطير جيدًا ، وإذا بنسر يقترب مني ، ويقول : ماذا تفعل ؟ نحن النسور لنا شهرة . . . " : دليل على أن النسور استخدمت الحرب النفسية على العقبان في الجولة الأولى ؛ مما كان له أثر في نصرهم على العقبان في هذه الجولة .
11 ـ " قال قائد العقبان لفريقه : أثبتم أنكم أبناء هذه الجبال " : دليل على أن أصحاب الأرض الذين هم أدرى بخباياها مع ميزة في الحرب لا توجد لدى عدوهم ، وبالتالي فإن ليهم عاملاً آخر من عوامل النصر .

الخاتمة :
تناولنا في هذه الورقة تعريف عام بالسيميائية ، وألقينا نظرة سريعة على كيفية التحليل السيميائي للنصوص الأدبية ، مع التطبيق على أحد موضوعات كتاب ( المطالعة والنصوص ) للصف العاشر ، مع التأكيد على بعض الأمور ، منها :
1ـ أن التحليل السيميائي للنصوص الأدبية لا يقتضي تناول هذه العناصر التس تناولناها فقط ، وإنما هناك عناصر كثيرة جدًا يشملها التحليل السيميائي ، وما ورد هنا إنما هو مثال فقط .
2 ـ لو قام شخص آخر بتحليل نفس النص سيميائيًا ، فإنه قد يصل إلى نتائج غير التي توصلنا إليها ، المهم أن تكون النتيجة منطقية ، ويوجد في النص ما يؤيدها ؛ وبذلك فإن التحليل السيميائي مجال خصب للإبداع .
3 ـ يمكن للمعلم أن يستفيد من التحليل السيميائي في إعداد أنشطة إبداعية لطلبته ؛ وهناك نية لإعداد أنشطة لإبداعية على هذا الموضوع ، يكون مثالاً يفتح المجال للمعلمين لإعداد أنشطة مشابهة .
عطية العمري

عطية العمري
23-06-2013, 04:18 PM
تحليل سيميائي مقترح لنص

بردة كعب بن زهير
للصف العاشر الأساسي في فلسطين / الجزء الثاني
عطية العمري

مقدمة :
عندما بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأخذ يدعو إلى الإسلام ، انطلق كعب بن زهير بن أبي سلمى ، وأخوه بُجَير ، يستطلعان أمر هذا الدين الجديد ، حتى بلغا " أبرُقَ العزّاف " ، وهو ماء في الطريق إلى المدينة ، فقال كعبٌ لبُجَير : القَ الرجل ، فأنا مقيم ٌ لك ها هنا ، وانظر ما يقول لك ، فقدمَ بجير على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فسمع منه وأسلم . فبلغ ذلك كعبًا ، وكان نَدِمَ على رغبته في الإسلام ، فهجا الرسولَ - عليه السلام - ونال من أعراض المسلمين ، فلما بلغ ذلك الرسولَ - عليه السلام – أهدر دمه . فكتب بجيرٌ إليه يخبره الخبر . وعندما فتح المسلمون مكة ، كتب بجير إلى أخيه يأمره أن يأتي إلى الرسول – عليه السلام – ويبايعه على الإسلام ، فأقبل على الرسول بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رَحُبَت ، وكان ملثمًا بعمامته ، فقال : يا رسولَ الله ، هذا رجلٌ يبايعك على الإسلام ، فبسط – عليه السلام – يده ، فحسر كعبٌ عن وجهه ، وقال : هذا مكان العائذ بك يا رسولَ الله ، اأنا كعب بن زهير ، فَتَجَهَّمَتْهُ الأنصار ، وأغلظت له ؛ لِما كان منه ، وأرادت الفتك به ، وأَحَبَّ المهاجرون أن يسلم ، ويُؤَمِّنَهُ الرسولُ – عليه السلام – فأمَّنَهُ ، فأنشد هذه القصيدة ، فكساه الرسولُ بُردةً ، فسُمِّيَت هذه القصيدة ( البُردة ) .
وهذه القصيدة من شعر المخضرمين ، وهم الشعراء الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام ، وقد افتتحها الشاعر بالغزَل ، جريًا على عادة شعراء الجاهلية ، ثم تحدَّث عن الناقة التي حمَلَتهُ إلى المحبوبة ، ثم جاء على الغرض الرئيس الذي قال من أجله قصيدته ، فاعتذر إلى الرسول الكريم ، واستعطفه ، بعد أن أظهر خوفه وجزعه ، ومدح الرسول – عليه السلام - ، ثم مدح المهاجرين الذين رغبوا في إسلامه .
وكعب بن زهير ، شاعر مخضرم ، شهد الجاهلية والإسلام ، وهو ابن الشاعر الجاهلي الحكيم زهير بن أبي سلمى ، توفي سنة ستٍّ وخمسين للهجرة .

1 ـ سيميائية العنوان :
يتحدث العنوان عن بُردة ، وهي الثوب المخطط ، وهذه البردة كانت أصلاً للرسول – صلى الله عليه وسلم – ولكنه كساها كعب بن زهير ؛ فسميت : " بردة كعب بن زهير " . ولكن لماذا اختيرت هذه البردة لتكون عنوانًا للنص ؟! الواقع أن هذه البردة كان لها شأن عظيم في حياة كعب ؛ لأنها حولت حياته من إنسان مهدور الدم ، إلى إنسان معزز مكرَّم ، قد بلغ من رضا الرسول – صلى الله عليه وسلم – عنه أن كساه بردته . فهذه البردة تحمل معاني الرضا والأمن والأمان والسلامة والإسلام ، بعد الخوف والشدة وإهدار الدم وضيق الأرض بما رحُبَت بسبب ما قام به كعب من هجاء للرسول - صلى الله عليه وسلم – ونَيله من أعراض المسلمين .

2 ـ سيميائية الأسماء :
استهل الشاعر قصيدته بذِكر " سعاد " ، وأغلب الظن أن " سعاد " ليست شخصية حقيقية ؛ فلقد سمَّى الشاعر الجاهلي له محبوبةً رمزًا لغويًا ، واسمًا فنيًا ، وعنوانًا موضوعيًا ( عبد الجليل ، 1982 ، 51 ) . ومن الملاحظ أن اسم " سعاد " لم يستعمله الشعراء الجاهليون إلا في المدح . فالشاعر كعب بن زهير استعمل هذا الاسم في مدح الرسول – صلى الله عليه وسلم – في هذه القصيدة . واستعمله ربيعة بن مقروم حين مدح مسعود بن سالم بن أبي سلمى بن ربيعة في قصيدته التي مطلعها :
بانت سعادُ فأمسى القلبُ معمودا وأخلَفَتْكَ ابنةُ الحُرِّ المواعيدا
واستعمله الأعشى حين مدح هوذة بن علي الحنفي في قصيدته التي مطلعها :
بانت سعادُ وأمسى حبلُها انقطعا واحتلَّت الغَمرَ فالجُدَّينِ فالفَرَعا
واستعمله الأعشى أيضًا حين مدح إياس بن قبيصة الطائي في قصيدته التي مطلعها :
بانت سعادُ وأمسى حبلُها رابا وأحدَثَ النأيُ لي شوقًا وأوصابا
حتى أن إبا نواس ، الشاعر العباسي، قد استعمله عندما مدح العباس بن عبيد الله في قصيدته التي مطلعها:
حلَّت سعادُ وأهلُها سَرِفا قومًا عدًى ، ومحلةً قذفا
فليس عبثًا أن يقف كعب بن زهير ليختار سعاد ، مستهلاً بها أبياته ، مصرحًا باسمها ، واصفًا ما وصف ـ وهو الحريص على إبعاد أية مظنة من مظان الاتهام ـ مادحًا أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ، معتذرًا ، راجيًا الصفح والعفو ، خائفًا من الفتك به ، مختبئًا وراء كلماته ، ويصادف شعره من رسول الله رضًا ليطلب إليه أن يكشف له عن وجهه ، وما سعاد في هذا الصدد سوى رمز يهدف إلى ما يريده الرجل ، ويكشف عما يأمله المذنب ( عبد الجليل ، 1982 ، 26 ) . وسعاد هي التي لا يشقى صاحبها ، ولا يخيب طالبها بالأمل الباسم والحياة الواعدة ( عبد الجليل ، 1982 ، 163 ) .
ولكن لماذا يُستخدم هذا الاسم بالذات في القصائد التي غرضها الأساسي المديح ؟! إن من يمدح إنسانًا إنما يريد من ذلك أن ينال شيئًا من الممدوح ، سواءً أكان ذلك مالاً أو جائزةً أو رضًا أو عفوًا عن ذنب اقترفه ، فإذا حقق له الممدوح ما يريد فإنه سيكون في سعادةٍ غامرة .
فكأن كعب بن زهير يقول : أسعِدني يا رسول الله بالعفو عني ؛ فأنت الكريم القوي الشجاع ، الذي يعفو عند المقدرة ، وقد أعطاك الله القرآن الكريم ، وحولك المسلمون المهاجرون ذوو الصفات الحميدة والأخلاق الفاضلة . . . إلخ .

3 ـ سيميائية البناء الداخلي للشخصيات :
وردت في القصيدة عدة شخصيات هي على الترتيب : سعاد ، الناقة ، الوشاة ، الشاعر نفسه ، أصدقاء الشاعر ، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، المسلمون المهاجرون .
أما سعاد فإنها تتصف بالصفات التالية : تخلف الوعد ، لا تقبل النصيحة ، تتغير كثيرًا في تعاملها، تنقض العهود . ولكن ما علاقة هذه الصفات بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب العفو منه؟ أغلب الظن أنه يشير بهذه الصفات إلى السعادة التي يبحث عنها ؛ فقد تخيلها فتاةً يحبها اسمها سعاد، ولكنها فارقته وأخلفت وعده ، ولم تدم على حال ، وهو يتمنى أن تعود إليه ، ولا يكون ذلك إلا بعفو الرسول – صلى الله عليه وسلم – عنه . إذن فالشاعر يرمي من وراء ذكر محبوبته المفترَضة التي فارقته ، أن يستعطف النبي – صلى الله عليه وسلم – لكي يعفو عنه ، فيجعله سعيدًا .
أما الناقة فلم ترِد أوصاف معنوية لها ، حتى في النص الكامل للقصيدة .
وأما الوشاة فلم نعرف عنهم سوى أنهم قالوا له : إنك مقتولٌ لا محالة . ولعله كان يقصد بالوشاة هنا من لم يُسلموا بعد ، فهم يريدون أن يثنوه عن الذهاب للرسول ليعلن إسلامه ، وذلك بتخويفه من فتك الرسول به . وربما كان يقصد بالوشاة الأنصار الذين تجهَّموه عندما كشف عن وجهه ، وأغلظوا له ، وأرادوا الفتك به . فكأنه يقول للرسول – صلى الله عليه وسلم – : اعف ُ عني يا رسول الله ، ولا تقتلني، ولا تطع هؤلاء الذين يريدون قتلي والفتك بي .
وأما الشاعر نفسه فإنه يتصف بما يلي : لا يسمع لكلام الوشاة ، يؤمن بالقضاء والقدر ، يؤمن بأن مصير كل إنسان هو الموت ، يأمل بالعفو من رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، يؤمن بالقرآن الكريم، جاء تائبًا معتذرًا معلنًا إسلامه .
وأما أصدقاء الشاعر فقد تخلوا عنه ، وكل منهم ادَّعى أنه مشغول ، ولا يقدر على مساعدته . وربما قصد الشاعر من وراء ذلك أن يبين للرسول – صلى الله عليه وسلم – أن الأعداء قد حاولوا ثنيَهُ عن إعلان إسلامه ، وأن الأصدقاء قد تخلوا عنه في محنته ، فلم يبق له أمل ورجاء إلا في رسول الله أن يعفو عنه ويتجاوز عن زلته .
وأما الرسول – صلى الله عليه وسلم – فقد اختار الشاعر من صفاته : أنه شجاع ، يهابه من يقف أمامه ، وتخافه سباع الجو وسباع البر ، وكلامه فاصل حاسم لا يُرَدُّ ، وهو نورٌ يهتدي به الناس . وذِكْرُ الشاعر لهذه الصفات بالذات يحمل في طياته حثًا للرسول – صلى الله عليه وسلم – على العفو عنه ؛ لأنه إن عفا عنه فإن هذا العفو ليس ناجمًا عن ضعف وخَوَر ، إنما هو العفو عند المقدرة ، ثم إن الرسول لم يأتِ للانتقام وسفك الدماء ، إنما جاء نورًا وهاديًا للعالمين ، فهذا الرسول بهذه الصفات حريٌّ به أن يعفو عمَّن جاءه تائبًا نادمًا على ما بَدَرَ منه .
وأما المهاجرون من قريش فقد خصهم الشاعر بمدحه لأنهم أحَبّوا أن يُسلِم ، وحثوا الرسول على أن يؤمِّنَه ويعفو عنه . فمن صفاتهم التي ذكرها الشاعر : لم تكن هجرتهم عن ضعف ، أو قلة سلاح ، أو خوف من الأعداء ، ولا حُمقًا وانعزالاً عن الناس . وهم أنوفهم مرفوعة إلى أعلى عزةً وفخارًا ، وهم أبطال في المعارك ، ولكنهم لا يفرحون كثيرًا إذا انتصروا ، ولا يجزعون إذا هُزِموا ، وهم شجعان لا يفرون من المعركة .

4 ـ سيمياء البناء الخارجي للشخصيات :
وردت في القصيدة أوصاف خارجية لكل من : سعاد ، والناقة التي حملتها إلى البلاد التي ذهبت إليها بعد رحيلها من بلد الشاعر .
أما سعاد فمن ملامحها الخارجية التي وردت في القصيدة : أنها في صوتها غُنَّة ، تنظر خافضةً عينيها ، وهي مكحولة العينين ، ضامرة البطن ، رقيقة الخاصرة ، كبيرة العجز ، متوسطة الطول ، أسنانها برّاقة ناصعة البياض . وما دام الشاعر يقصد بسعاد سعادته المفقودة التي يتمنى رجوعها ، فإنه يشير هنا كم هي جميلة تلك السعادة التي ستحل عليه إن عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما الناقة التي حملت محبوبته سعاد ، ففيها كل الصفات الجميلة . ومن هذه الصفات التي نستنبطها من النص الكامل للقصيدة : عتيق ( كريمة ) ، نجيبة ( قوية خفيفة ) ، مرسال ( سريعة ) ، عُذافرة ( صلبة عظيمة ) ، قوية على السير ، كثيرة العرق ، حادة البصر ، ضخمة العنق ، غلباء (غليظة العنق ) ، وجناء ( عظيمة الوجنتين ) ، عُلكوم ( شديدة ) ، مُذكَّرة ( عظيمة الخلقة تشبه الذُّكران من الأباعر) ، واسعة الجنبين ، طويلة العنق ، جلدها في غاية النعومة والملاسة ، مداخلة النسَب في الكرم ، مهجَّنة ( كريمة الأبوين ) ، قَوداء ( طويلة الظهر والعنق ) ، شمليل ( خفيفة سريعة ) ، عَيرانة ( تشبه الحمار الوحشي في سرعته ونشاطه وصلابته ) ، ممتلئة باللحم من كل الجوانب ، ذيلها غليظ طويل كثير الشَّعَر ، قَنواء ( محدودبة الأنف ) ، يظهر للعارف بالإبل الكرام كرمٌ ظاهر في أذنيها لحسنهما وطولهما، في خديها سهولة وليونة ، غاية في الإسراع في سيرها ، أعصاب قوائمها شديدة كالرماح السُّمر .
هذه الصفات كلها صفات مدح ، فلماذا أسهب الشاعر في مدح هذه الناقة بالرغم من أنها ساعدت في بُعد محبوبته سعاد عنه ؟

5 ـ سيميائية الزمان والمكان :
حدثت أحداث هذا النص بعد فتح مكة ، حيث كان المسلمون في أوج قوتهم وعزتهم ، فليس أمام كعب بن زهير إلا أن يندم عما بدر منه بحق الرسول – صلى الله عليه وسلم – والمسلمين ، ويطلب العفو من رسول الله ، كما ليس أمامه إلا أن يعترف بأن الإسلام هو الدين الحق ، وأنه لا أحد يستطيع أن يقف في وجهه .
أما الزمن الذي حدثت فيه الأحداث المفترضة المذكورة في القصيدة ، فإنه يشمل :
1 ـ فترة ما قبل رحيل محبوبته سعاد ، حيث كان يعيش في أمن واستقرار ، وهي تشير إلى الفترة التي عاشها الشاعر قبل أن يهدر الرسول - صلى الله عليه وسلم – دمه ، حيث كان يعيش في أمن واطمئنان .
2 ـ فترة رحيل محبوبته سعاد ، حيث المعاناة والآلام النفسية التي قاساها ، وهي تشير إلى الفترة التي عاشها منذ أن أُهدِرَ دمه حتى قدومه على رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وما كان فيها من معاناة.
3 ـ الفترة التي ألقى فيها قصيدته على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفيها يتحدث الشاعر بصريح العبارة - دون إشارة أو تلميح – عن أمله في أن يعفو رسول الله عنه ؛ حتى تعود إليه سعادته .
أما المكان فقد ألقى الشاعر قصيدته بحضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأغلب الظن أن ذلك في المسجد النبوي ، الذي هو في المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية آنذاك ، حيث القوة والعزة والمنعة . وبذلك نجد أن الزمان والمكان يتعاضدان في إبراز الظرف الذي حدثت فيه الدواعي التي دعت إلى قول هذه القصيدة ، وما كان يطمح إليه الشاعر من إلقائها .
وأما الأحداث التي ذكرها الشاعر في قصيدته ، فقد حدثت في عدة أماكن ، وكل مكان منها له دلالاته وإيحاءاته . فالمكان الأول هو مكان إقامة الشاعر ، فهذا المكان يشير إلى ما كان عليه الشاعر من أمن واطمئنان وسعادة ، حيث كانت محبوبته سعاد ( التي تشير إلى السعادة ) قريبة منه ، يسعد بلقائها والقرب منها . أما المكان الثاني فهو الطريق الذي سلكته سعاد عندما غادرت الديار لتفارقه ، فهذا المكان يشير إلا المرحلة الانتقالية التي عاشها منذ إهدار دمه حتى قدومه على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ، حيث عانى ماعانى من الشدة والخوف والقلق وعدم الاستقرار . أما المكان الثالث فهو مكان حقيقي وليس مفترضًا ، وهو المكان الذي يقف فيه ليُلقي قصيدته ، وهذا المكان – كما سبق أن قلنا – هو المسجد النبوي في المدينة المنورة .

6 ـ سيميائية الأحداث الواردة في النص :
تبدأ الأحداث بفراق محبوبته سعاد ، ورحيلها من دياره إلى ديار أخرى بعيدة عنه . والشاعر يشير بذلك إلى أنه كان يعيش سعيدًا آمنًا مطمئنًا ، ولكن هذه السعادة لم تدم ، بل فارقته عندما توعَّده رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأهدر دمه .
ثم يبدأ الشاعر بوصف محبوبته سعاد بأوصاف حسية غاية في الجمال ، ولكن صفاتها المعنوية ليست كذلك ؛ فهي تخلف الوعد ، ولا تقبل النصيحة ، وتتغير كثيرًا في معاملتها ، ولا تفي بالوعود . وكأن الشاعر يشير إلى أن سعادته كانت في ظاهرها جميلةً جذابة ، ولكنها في حقيقتها وجوهرها عكس ذلك ؛ لأنها لم تكن سعادة قائمة على الإسلام والإيمان بالرسول – صلى الله عليه وسلم - .
ثم يتحدث الشاعر عن وصول سعاد إلى بلاد بعيدة لا يمكن الوصول إليها إلا على ظهور النوق الكريمة النشيطة . وكأن الشاعر يريد أن يقول : إن عودة السعادة إليه ليس بالأمر الهين أو اليسير ، ولا يقدر عليه إلا الكريم الشجاع ( يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وفي ذلك ترقيق لقلب الرسول لكي يعفو عنه .
ثم يذكر الشاعر أن الوشاة خوفوه وقالوا له : إنك مقتول لا محالة ، ولكنه لم يلتفت إلى أقوالهم ؛ لأنه يؤمن بالقضاء والقدر ، وأن كل ما قدَّر الرحمن مفعول . ولعل الشاعر يقصد بالوشاة أولئك الذين لم يؤمنوا بعد ، وحاولوا أن يثنوه عن الذهاب إلى رسول الله والاعتذار إليه . وربما يقصد بالوشاة الأنصار من أهل المدينة الذين تجهموه وأغلظوا له وأرادوا الفتك به عندما اكتشفوا أمره .
كما يذكر الشاعر

النص الكامل لقصيدة " بانت سعاد "
لكعب بن زهير
1- بانت سُـعادُ فقلبي اليـومَ متـبولُ مُتَيَّــمٌ إثْرَهــا لم يُفدَ مكـبولُ
2- وما سُعادُ غَـداةَ البينِ إذْ رحـلوا إلا أغَنُّ غضيضُ الطرفِ مكحولُ
3- هيفـاءُ مُقبِلةً ، عجـزاءُ مُدْبِـرةً لا يُشتَكَى قِصَرٌ منهـا ولا طُـولُ
4- تجلو عوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتسمت كأنَّــهُ مُنهَـلٌ بالـراحِ معلـولُ
5- شُجَّت بذي شَـبَمٍ من مـاءِ مَحْنِيَةٍ صافٍ بأبطحَ أضحى وَهْوَ مشمولُ
6- تنفي الرياحُ القَـذَى عنهُ وَأفرَطَهُ من صَوْبِ غاديـةٍ بِيضٌ يعاليـلُ
7- فيـا لهـا خُـلَّةٌ لو أنها صَدَقَتْ بِوَعْدِهـا أوْ لَوَ أنَّ النُّصحَ مقبولُ
8- لَكِنَّها خُـلَّةٌ قد سِـيطَ من دَمِها فَجْـعٌ وَوَلْـعٌ وإخلافٌ وتبديـلُ
9- فما تدومُ على حالٍ تكونُ بهـا كمـا تَلَوَّنُ في أثـوابِـها الغـولُ
10- وما تَمَسَّكُ بالعهدِ الذي زعَمَت إلا كما يُمْسِـكُ المـاءَ الغرابيـلُ
11- فلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّت وما وعَدَتْ إنَّ الأمـانِيَّ والأحـلامَ تَضليـلُ
12- كانت مواعيدُ عُرقوبٍ لها مَثَلاً ومـا مواعيدُهـا إلا الأبــاطيلُ
13- أرجو وآمُلُ أن تدنو مَوَدَّتُهـا وما إخـالُ لَدَينـا منكِ تنويــلُ
14- أمسَتْ سُعادُ بِأرضٍ لا يُبَلِّغُهـا إلا العِتـاقُ النَّجيباتُ المراسـيلُ
15- ولن يُبَلِّغَهــا إلا عُذافــِرةٌ لها على الأيـنِ إرقـالٌ وَتَبغيـلُ
16- من كُلِّ نضَّاخةِ الذِّفْرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعلامِ مجهولُ
17- ترمي الغُيُوبَ بِعَينَي مُفرَدٍ لَهَقٍ إذا تَوَقََّـدَتِ الحِزّانُ والمِيــلُ
18- ضَخْـمٌ مُقَلَّـدُها، فَعْمٌ مُقَيَّدُهـا في خَلٌقِها عن بناتِ الفَحلِ تفضيلُ
19- غلباءُ، وَجْناءُ، عُلكوم، مُذَكَّرةٌ في دَفِّهـا سَـعَةٌ قُـدَّامُها مِيـلُ
20- وَجِلْدُها من أطومٍ ما يؤيِّسُهُ طِلْـحٌ بِضاحِيَةِ المتْنَينِ مهزولُ
21- حَرْفٌ أخوها أبوها من مُهَجَّنَةٍ وَعَمُّهــا خالُـها قَوداءُ شِمليلُ
22- يمشي القُرادُ عليها ثُمَّ يُزْلِـقُهُ منها لَبـانٌ وأقـرابٌ زهـاليلُ
23- عَيرانةٌ قُذِفَتْ بالنَّحضِ عن عُرُضٍ مِرفَقُها عن بناتِ الزَّورِ مفتـولُ
24- كأنما فـاتَ عَيْنَيْهـا ومَذْبَحـها من خَطْمِها وَمِنَ اللَّحْيَيْنِ بِرٌطِيلُ
25- تُمِرُّ مثلَ عسيبِ النَّخلِ ذا خُصَلٍ في غارِزٍ لم تَخَوَّنْـهُ الأحاليـلُ
26- قَنواءُ في حُرَّتَيها للبصيرِ بهـا عِتْقٌ مُبِينٌ وفي الخَدَّيـنِ تَسهيـلُ
27- تَخْدي على يَسَراتٍ وهي لاحِقَةٌ ذوابلٍ مَسُّـهُنَّ الأرضَ تحليـلُ
28- سُمْرِ العُجاياتِ يَتْرُكْنَ الحَصَى زِيَمًا لم يَقِهِـنَّ رُؤُوسُ الأُكْـمِ تَنْعيلُ
29- كأنَّ أوبَ ذِراعَيها وقد عَرِقَـتْ وقد تَلَفَّـعَ بالقُـوْرِ العساقيــلُ
30- يومًا يظلُّ بهِ الحِرباءُ مُصْطَخِدًا كأنَّ ضاحِيَـهُ بالشَّمسِ مَمْلـولُ
31- وقال للقوم ِحادِيهِمْ وقد جَفَـلَتْ وُرْقُ الجَنادِبِ يَرْكُضْنَ الحَصا قِيلوا
32- شَدَّ النهارِ ذراعًا عَيطلٍ نَصَفٍ قامـت فجاوَبَـها نُكْـدٌ مثاكيـلُ
33- نوَّاحةٌ رِخْوَةُ الضَّبْعَينِ ليسَ لها لَمَّـا نَعَى بِكْرَها الناعونَ معقولُ
34- تفري اللَّبانَ بِكَفَّيْها ، وَمِدْرَعُهـا مُشَقـَّقٌ عن تراقيـها رعابيـلُ
35- تسعى الغُواةُ جَنابَيها وقولَـهُمُ إنَّـكَ يا بـنَ أبي سُلمَى لَمَقتولُ
36- وقال كُلُّ صديقٍ كنتُ آمُلُـهُ لا أُلْهِيَنَّـكَ إني عنـكَ مشـغولُ
37- فقلتُ خَلُّوا سبيلي لا أبا لكُمُ فكُـلُّ ما قَـدَّرَ الرحمَنُ مفعـولُ
38- كلُّ ابنِ أنثى وإنْ طالت سلامَتُهُ يومـًا على آلـةٍ حَدْبـاءَ محمولُ
39- نُبِّئتُ أنَّ رسـولَ اللهِ أوعدَني والعفـوُ عندَ رسـولِ اللهِ مأمولُ
40- مهلاً هداكَ الذي أعطاكَ نافلةَ الـــــقرآنِ فيهـا مواعيـظٌ وتفصيـلُ
41- لا تَأخُذَنِّي بأقوالِ الوشاةِ ولم أُذنِبْ ولو كَثُـرَتْ فِيَّ الأقاويــلُ
42- لقد أقومُ مقامًا لو يقومُ بِـهِ أرى وأسمـعُ ما لو يسـمعُ الفيـلُ
43- لظلَّ يرعدُ إلا أن يكونَ لهُ منَ الرســولِ بإذنِ الله تنويــلُ
44- حتى وَضَعْتُ يميني ما أُنازِعُهُ في كفِّ ذي نَقَمـاتٍ قيلـُهُ القيـلُ
45- فَلَهْوَ أخْوَفُ عندي إذ أُكَلِّمُهُ وقيـلَ إنَّـكَ منسـوبٌ ومسؤولُ
46- من ضَيْغَمٍ بِضَرَّاءِ الأرضِ مُخْدَرَهُ في بطنِ عَثَّرَ غيـلٌ دونَـهُ غيلُ
47- يغدو فيُلحِمُ ضرغامَينِ عيشُهما لحـمٌ منَ الناسِ معفورٌ خراديـلُ
48- إذا يساوِرُ قِرْنًا ، لا يَحِلُّ لـهُ أن يتركَ القِـرْنَ إلا وهـو مفلولُ
49- منهُ تظلُّ سـِباعُ الجوِّ نافـرةً ولا تَمَشَّـى بِوادِيْــهِ الأراجـيلُ
50- ولا يزالُ بِواديهِ أخـو ثِقـةٍ مُضَرَّجُ البِـزِّ والدُّرسـانِ مأكولُ
51- إنَّ الرسولَ لَنورٌ يُستضاءُ بهِ مُهَنَّـدٌ من سُـيوفِ اللهِ مسـلولُ
52- في عُصبةٍ منْ قُرَيشٍ قالَ قائلُهم بِبَطنِ مكَّةَ لمَّـا أسـلَموا : زولوا
53- زالوا فما زالَ أنكاسٌ ولا كُشُفٌ عندَ اللقـاءِ ولا مِيـلٌ معازيـلُ
54- شُـمُّ العرانين أبطالٌ ، لُبوسُهُمُ منْ نَسجِ داوودَ في الهيجا سرابيلُ
55- بِيضٌ سوابغُ قد شُكَّت لها حَلَقٌ كأنهـا حَـلَقُ القَفعـاءِ مَجْدولُ
56- ليسوا مَفاريحَ إنْ نالت رِماحُهُمُ قومًا، وليسـوا مجازيعًا إذا نيلوا
57- يمشون مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إذا عَرَّدَ السُّوْدُ التَّنابيـلُ
58- لا يقَعُ الطَّعْنُ إلا في نُحُـورِهِمُ و

عطية العمري
23-06-2013, 04:21 PM
تحليل سيميائي مقترح لنص
" يحيى بن يعمر .. شجاعة في الحق "
للصف العاشر الأساسي في فلسطين / الجزء الثاني
عطية العمري

مقدمة :
النص الذي بين أيدينا مقالة تاريخية تصور مقارعة بين الحجَّاج ويحيى بن يعمر ، ليست بالسيف، ولكنها بالحجة على الملأ من الناس ، كان فيها يحيى صاحب الحجة المفحِمة التي جعلت الحجاج يبهت ، وغاية ما قام به أن نفى يحيى إلى خراسان .
والمقالة التاريخية لون من ألوان المقالة الموضوعية ، وتعتمد على جمع الروايات والأخبار والحقائق ، وتمحيصها وتنسيقها وتفسيرها وعرضها . وللكاتب أن يتجه في كتابتها اتجاهًا موضوعيًا صِرفًا تتوارى فيه شخصيته ، وله أن يضفي عليها غلالة إنسانية رقيقة ، فيزينها بالقصص ، ويربط بين حلقات الوقائع بخياله ، حتى تخرج منها سلسلة متصلة مستمرة. ويُعنى كاتبها ـ كما في كل ألوان المقالة الموضوعية ـ بوضع تصميم وخطة لما يكتب . وخطة المقالة هي أسلوبها من حيث التقسيم والترتيب ؛ لتكون قضايا المقالة مترابطة ، بحيث تكون كل قضية نتيجة لما قبلها ، مقدمة لما بعدها ، حتى تنتهي جميعًا إلى الغاية المقصودة ، وهذه الخطة تقوم على المقدمة والعرض والخاتمة .
والنص للدكتور محمد رجب البيومي ، وهو باحث عربي من مصر ، سخيُّ العطاء ، ولد عام 1923 م ، وتلقَّى تعليمه في جامعة الأزهر ، وتدفقت بحوثه ومقالاته عبر الكثير من كبريات المجلات المصرية والعربية . حصل على جوائز كثيرة من مجمع اللغة العربية ، والمجلس الأعلى للفنون والآداب بمصر ، وهو عضو مجمع البحوث الإسلامية ، ورئيس تحرير مجلة الأزهر المصرية . له ديوان شعر مطبوع بعنوان : " صدى الأيام " ، وله مسرحيات شعرية ، وهو ما فتئ يحاور ويحاضر ، ويكتب عما يكابد .

1 ـ سيميائية العنوان :
لو نظرنا إلى عنوان النص لوجدناه يتحدث عن " يحيى بن يعمر " ، وهو أحد التابعين، عاش في زمن الدولة الأموية ، وبالذات أيام حكم الحجَّاج في الكوفة باعتباره أحد ولاة الدولة الأموية . ولكن النص لا يتناول جميع جوانب حياة يحيى بن يعمر ؛ ولذلك فقد حدد العنوان جانبًا واحدًا من حياته ، وهو جانب الشجاعة ، ولكنها ليست شجاعة في ميدان المعركة ، إنما هي شجاعة في ميدان قول الحق أمام سلطان جائر . إذن فقد جاء عنوان النص ليحدد بالضبط مضمون النص وفكرته العامة . وعند دراستنا للنص كاملاً لا نجده يخرج عن هذا النطاق .
ويمكن ملاحظة بعض الأمور على هذا العنوان ، منها :
1 ـ يتحدث العنوان عن الشجاعة في الحق ، وكأنه يطلب منا أن لا نخشى في الله لومة لائم ، وأن نقول كلمة الحق في وجه الطغاة المتجبرين ـ وما أكثرهم في هذا الزمان ـ وأن نكشف أخطاءهم وألاعيبهم ، ولكن بالمنطق والحجة الساطعة المفحِمة إ مما يجعل موقف هؤلاء الطغاة ضعيفًا أمام الشعوب .
2 ـ إن يحيى بن يعمر شخصية حقيقية ، ولكن اختيار هذا الاسم بالذات ليكون عنوانًا وشخصية مركزية في النص ـ بالرغم من أن تاريخنا مليء بقصص الشجاعة في الحق ـ له دلالة خاصة ، فهو يحيى (يحيا) رغم شجاعته في الحق ، فلم يستطع الحجاج قتله ، وبقي حيًا ؛ وفي هذا حث لنا على الشجاعة في قول الحق ، دون خوف من الموت ؛ فإن الموت والحياة بيد الله وحده . ثم إن يحيى هو " ابن يعمر " ، فشجاعته كانت نتيجتها العمار لا الخراب ، فقد كان من نتائجها أن ألغى الحجاج قراره بمعاقبة من يقول إن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما أن اسم " يحيى بن يعمر " من الأسماء التي تأتي علو وزن الفعل المضارع الذي من دلالاته الاستمرار ، فالحياة والإعمار مستمران بفضل شجاعة هذا التابعي العظيم ، وربما لو أنه لم يقم بقول الحق في وجه الحجاج لكان الموت والقتل وخراب البيوت من نصيب الكثيرين ممن يثبت أنهم يحبون الحسن والحسين .

2 ـ سيميائية الصور :
وردت صورتان مصاحبتان للنص ، جاءتا في الصفحتين الثانية والثالثة من النص البالغ طوله أربع صفحات بالإضافة إلى صفحة المقدمة .
أما الصورة الأولى فهي ـ كما يبدو ـ للحجاج يقف مزهوًّا ، رافعًا رأسه في كِبْرٍ وخُيلاء ، لا يمكن لمن يرى هذه الصورة إلا أن يحكم بأنها صورة لإنسانٍ متكبرٍ متغطرس ، فإذا عرفنا أنها صورة لحاكمٍ أو والٍ ، عرفنا أنه لا بد أن يكون ظالمًا متسلطًا على شعبه .
وأما الصورة الثانية فهي نفس الصورة السابقة ، ولكن يقف إلى جانبها إنسان ضعيف الجسم ، رث الثياب ، ينظر إلى الحجاج في خوفٍ شديد ، فقد فتح فمه وعينيه ، ووضع يده على رأسه ، تتخيله حين تنظر إليه أنه يرتعد خوفًا ؛ ولذلك فإننا بالتأكيد نحكم أنه ليس يحيى بن يعمر ، فمن كان شجاعًا في قول الحق ، فإن ملامح الشجاعة تبدو واضحةً عليه ، ولكن ربما هي صورة لواحد من عامة الشعب ؛ ليدلل ذلك على مدى الرعب الذي يصيب من يقف أمام الحجاج ، وبالتالي فإنه يريد أن يصور لنا مدى بطش الحجاج بأفراد شعبه ورعيته ، وهو دليل على مدى شجاعة يحيى بن يعمر ؛ لأنه لم يجهر بالحق في وجه أي حاكم ، وإنما في وجه حاكم ترتعد فرائص من يقف أمامه ، ولكن هذا الحاكم الظالم لم يستطع أن يفعل شيئًا ذا بال في إنسانٍ كشف عيوبه وحججه الباطلة أمام الملأ ، فلا نامت أعين الجبناء .

3 ـ سيميائية البناء الداخلي للشخصيات :
يدور النص حول شخصيتين محوريتين ، هما : يحيى بن يعمر ، والحجاج بن يوسف الثقفي ، وهناك الشخص الذي أراد أن يمدح الحجاج حين أفحمته حجة يحيى بن يعمر . أما شخصية الحسين بن علي فكانت مجرد مادة للمناظرة بين يحيى والحجاج ، فهو قد استشهد منذ مدة . كذلك هناك الشخصية الجماعية متمثلة في الذين أحبوا الحسين ولكنهم لم يستطيعوا التصريح بهذا الحب خوفًا من بطش الحجاج.
أ ـ أما يحيى بن يعمر فكان يتصف بما يلي : كان من المتضلعين من علوم اللغة والشريعة ، ومن أفاضل التابعين ، وشارك مشاركة مثمرة في غرس بذور النحو مع أبي الأسود الدؤلي ، ثم إنه كان كاتبًا لا يتلقى العلم مشافهةً فحسب ، بل يدون ويسجل ، كما أنه المخترع الأول لنقط الحروف بالاشتراك مع ناصر بن عاصم الليثي ، وله آراء كثيرة جدًا في الفقه والتفسير والحديث ، كما اتصف بالشجاعة الأدبية في الحق ، والجرأة الخلقية في مواجهة الطغيان .
ومن مجمل هذه الصفات يمكن إبراز الملاحظات التالية :
1- يجب أن يؤثِّر العلم في سلوك صاحبه ؛ فكل هذه العلوم التي برع فيها يحيى بن يعمر كانت دافعًا له لأن يسعى إلى الإصلاح وتصحيح الخطأ ، ولو كان في ذلك تعريض نفسه للخطر .
2- إن إيراد هذه الصفات العلمية ليحيى بن يعمر ، ثم ذِكر أنه قارع الحجاج بالحجة والبرهان ، وتحداه ، لهو إشارة إلى الواجب الملقى على عاتق العلماء والمثقفين في بيان الحق وعدم السكوت على الباطل . وكما قال الإمام أحمد بن حنبل : " إذا سكت العالِم ، وجَهِلَ الجاهل ، فمتى يتبين الحق ؟! " .
3- في إيراد هذه الصفات إشارة خفية إلى ذم من يمكن أن نسميهم " علماء السلطان " الذين لا يستخدمون علمهم إلا لتبرير أخطاء الحاكم ، أو تزيين ما يفعله الحاكم في عيون الشعب . ولكنهم لو كانوا كيحيى بن يعمر لكان خيرًا لهم في الدنيا والآخرة .
ب ـ أما الحجاج بن يوسف الثقفي ، فقد كان من أكثر الشخصيات التاريخية إثارةً للجدل ؛ فقد اتصف بالعديد من الصفات الإيجابية ، إلى جانب العديد من الصفات السلبية :
ـ فمن صفاته الإيجابية أنه كان رجلَ دولةٍ قويًا ، اتصف بالفصاحة والذكاء والحزم ، وأصلح النقد ، واعتنى بمشاريع الري ، وفتح بلدانًا كثيرة ، حتى أن خيوله وطئت بلاد السند والهند .
ـ ومن صفاته السلبية : القسوةُ ، وأخْذُ مناوئيه بالشبهات ، وإطلاقه العنان للسيف ، وقتله ابن حواري رسول الله عبد الله بن الزبير ، وسعيد بن جبير وهو من خيرة التابعين ، بالإضافة إلى قتل خلقٍ كثير .
ولكن الكاتب قد ركَّز على مقالته التاريخية هذه على الصفات السلبية ، وخاصة بطشه بمخالفيه ، وخاصةً من يقول إن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن هذه المخالفة هي محور شجاعة يحيى بن يعمر ،وصدعِهِ بالحق في وجه الظالم .
ومن مجمل ما ذُكر من صفات الحجاح في النص ومقدمته ( بين يدي النص ) يمكن إبراز الملاحظات التالية :
1- إذا اتصف الحاكم أو القائد أو الزعيم بصفات حسنة وأخرى سيئة ، فإن صفاته الحسنة ليست حجة للسكوت على أخطائه ، وخاصةً إذا كان فيها ظلم للرعية .
2- يجب أن يكون الحاكم أو الزعيم رحيمًا برعيته ، وقدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال له ربه في القرآن الكريم : " فبما رحمةٍ لنتَ لهم ، ولو كنتَ فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك " .

4 ـ سيميائية البناء الخارجي للشخصيات :
لم يرِدْ في النص أية ملامح خارجية لشخصيات النص ، اللهم إلا شكل الحجاج عند مناظرته ليحيى بن يعمر ، حيث بدا "كالح الوجه ، مقطب الجبين" دليلاً على اهتمامه بهذه المناظرة أيما اهتمام ، وعلى خشيته أن تكون نتيجة المناظرة في غير صالحه ، وهو ما حدث بالفعل .

5 ـ سيميائية الزمان والمكان :
زمان النص هو عصر الدولة الأموية ، وعلى وجه الخصوص زمن الحجاج بن يوسف الثقفي عندما كان واليًا على الكوفة .. وهذا الزمن له دلالاته الخاصة ، فهو زمن القهر والظلم والقسوة وتكميم الأفواه . واختيار الكاتب لهذا الزمان بالذات ربما لأنه يشبه إلى حد كبير الوقت الحاضر الذي نعيشه ، حيث لا يجرؤ أحد ـ إلا من رحم ربي ـ أن يقول للظالم : كفى ظلمًا ، واحكم في رعيتك بما يُرضي الله. فهو دعوة للعلماء والمفكرين الذين يعلمون الحق ولا يجرؤون على التصريح به ، أن يقولوا الحق ويبينوه للناس ، ولا يخشوا في الله لومة لائم ، فلا خوف من سلطان جائر ،فهذا يحيى بن يعمر قد واجه من هو أشد ظلمةً وقسوة من هؤلاء الظلمة الجبابرة ، فنصره الله عليه ولم يتعرض لسوء .
أما المكان فهو مدينة الكوفة ، وما أدراك ما مدينة الكوفة ؟! إنها مدينة العلم والأدب من ناحية ، وهي بمثابة العاصمة الثانية للدولة الأموية ( حيث كانت دمشق عاصمة الدولة الأموية ) . فهذه المدينة فيها ما لذَّ وطاب من مباهج الدنيا وزينتها وزخرفها وخيراتها التي يسعى الكثيرون إلى التمتع بها . إن هذه المدينة تجمع بين متناقضين : طلب العلم والسعي لمرضاة الله ، وكذلك الاستغراق في الملذات والنعيم الدنيوي . وربما كان الكاتب ـ وهو المصري الجنسية ـ يشير إلى مدينة القاهرة ، التي فيها الأزهر الشريف والجامعات المصرية الشهيرة ، وكذلك فيها كل مباهج الحياة وزخارفها ، وفيها الأماكن التي يقصدها الناس من جميع بقاع العالم للتمتع والترفيه . إن اختيار الكاتب لهذا المكان بالذات فيه دعوة للعلماء والمفكرين والمصلحين أن يقتدوا بيحيى بن يعمر ، الذي لم يلتفت إلا لقول الحق وبيانه للناس ، ولم تستطع الدنيا بمباهجها أن تسيطر على قلبه .

6 ـ سيميائية الأحداث :
تبدأ الأحداث بانتشار حب أهل الكوفة للحسين بن علي ، وتضايُق الحجّاج من هذا الحب ، ومقاومته له بكل وسيلة . وهذا حال الكثير من الحكام الظلمة ، فهم يكرهون أن يلتفَّ الشعب حول أحد غيرهم ، حتى لو كان ميتًا ؛ لأنهم يعتبرون ذلك كرهًا للحاكم ، ومناهضة لهم بشكل غير مباشر .
ماذا يفعل الحجّاج لكي يبدد حب أهل الكوفة للحسين بن علي ؟ لقد قام بعدة خطوات هي :
1- عرف سبب هذا الحب ، وهو قرابة الحسين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فحاول أن ينفي أن يكون الحسين من ذرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن انتساب الحسين لفاطمة لا يغير من الأمر شيئًا ، فالأب هو المعتبر في النسب دون الأم على قول من قال :
بنونا بنو أبنائنا ، وبناتُنا بنوهنَّ أبناء الرجال الأباعدِ
2- استخدم أسلوب الخُطَب المطولة . وما أكثر ما يحاول الحكام الظلمة استخدام الخُطَب الرنانة للتغطية على جرائمهم ، وتقديم الكلام المعسول لشعوبهم دون عمل إيجابي نحوهم . وقد تحمل هذه الخُطَب التحذير المبطن للمخالفين ولمن تحدثه نفسه بالخروج عليه .
3- استخدم الشدة بحق من يَثْبُتَ أنه يخالف الحجّاج ، سجنًا وتشريدًا . وهذا ديدن كل الظلمة على مرِّ الزمان ، حيث تمتلئ السجون بالمخالفين ، وتُستَخدَم بحقهم كل ألوان التعذيب والقسوة .
4- بثَّ العيون والجواسيس وكاتبي التقارير ليأتوه بأخبار من يهمس بمخالفة الحجاج . وهذا الأمر متعارف عليه أيضًا في كل زمان ومكان يوجد فيه حكام ظلمة .
إن هذه الخطوات الأربع التي اتخذها الحجّاج تكاد أن تكون هي نفسها التي يقوم بها الحكام الظلمة في الماضي والحاضر وفي كل وقت وحين .
بعد ذلك وصلت للحجاج أنباء بأن يحيى بن يعمر سئل عن الحسين وانتمائه لمحمد صلى الله عليه وسلم فأجاب في المسجد الجامع : إن الحسن والحسين من ذرية رسول الله ، وإن الحجّاج يحكم ولا يفتي ، فإذا أفتى فعن غير عِلم واعتقاد .
مما سبق يتضح ما يلي :
1- إن يحيى بن يعمر قد تحدَّى الحجاج صراحةً .
2- وأنه قد أعلن تحديه له على ملأ من الناس ، بل وفي المسجد الجامع ، حيث اعتبر الحجاج ذلك تحريضًا ضده .
3- إن يحيى بن يعمر قد طعن في علم الحجاج ، وقال بأنه ليس أهلاً للفتوى .
4- إن يحيى بن يعمر هو عالِمٌ جليل ، وهو مسموع الكلمة ، محترَم الرأي ، فإذا أفتى بما يعارض الحجاج فقد تمكَّن من قلوب الناس ، وذهبت دعوى الحجاج في الحسين أباديد .

لقد أدرك الحجاج ـ وهو الداهية ـ أنه لا يستطيع أن يستعمل مع يحيى بن يعمر القسوة والشدة ، وإلا فإن ذلك سيؤلِّب الجماهير عليه ، فماذا يفعل ؟
1- قرر أن يطلب من يحيى بن يعمر أن يأتي بنص واضح من القرآن الكريم يؤيد دعواه .
2- عقد مجلسًا حاشدًا من أعوانه ووجهاء الكوفة حتى يشهدوا عجز يحيى بن يعمر في إثبات صحة دعواه ـ كما قدَّر الحجَّاج ـ .
3- حرص على أن يحضر المجلس شيعة يحيى بن يعمر ومقدِّرو علمه وفضله ؛ لينكشف أمامهم في المعمعة ، فيضيع ما يُنسب إليه من علم وثبات .
4- أرسل من يُحضر يحيى ليتجرع كأس الهزيمة على انكسار .
إن كل هذه الأمور تدل على عدة أمور من بينها :
1- إن الحجاج كان يحسِب ليحيى بن يعمر أكبر الحسابات . وهكذا فإن الحكام الظلمة يحسبون حسابًا للعلماء العاملين ، فلا يجب أن يخشى العلماء بطش الحكام .
2- إن الحجاج لم يجرؤ على استخدام الشدة بحق يحيى بن يعمر ، فليس أمامه إلا محاولة التغلب عليه وقهره بالحجة المفحمة ـ بحسب رأيه ـ .

تبدأ المناظرة ؛ فيسأل الحجاج يحيى بن يعمر عن صلة الحسين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيرد يحيى في كبرياء : الحسين والحسن من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنْ غضِبَ الحجّاج . فيتنمَّر الحجاج متحفزًا ويصيح : ألَدَيكَ دليلٌ من كتاب الله ؟ فيرد يحيى في ثقة بالغة : معي الدليل من القرآن ، فيستغرب الحجاج ويتهكم ، ويؤكد أنه قرأ القرآن مئات المرات فما وجد فيه أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله . ولكن يحيى بن يعمر يقرأ على الحاضرين الآيات ( 83 ـ 85 ) من سورة الأنعام، وفيها إثبات أن عيسى بن مريم من ذرية إبراهيم ، وهنا يلتفت يحيى بن يعمر إلى الجمهور قائلاً : أيكون عيسى بن مريم من ذرية إبراهيم بنص القرآن ، ولا يكون الحسين من ذرية رسول الله ، وبينهما من القرابة الدانية أكثر مما بين عيسى وإبراهيم ؟
مما سبق يمكن استنتاج ما يلي :
1- كان يحيى بن يعمر يردُّ على الحجاج في كبرياء ، وفي ثقة بالغة ، فلم يضعف أو يرتجف أمام الحجاج . وهذا درس للعلماء في أن لا يخشوا إلا الله ، مصداقًا لقوله تعالى : " الذين يبلِّغون رسالات الله ولا يخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله " .
2- إن يحيى بن يعمر كان على درجة من العلم والذكاء جعلته يستطيع استنباط الدليل على صحة رأيه من القرآن الكريم ، بالرغم من أن غيره ـ ومنهم الحجّاج ـ لم يصلوا إلى هذا الاستنباط . وهذا دليل على أن العلم ليس كلمة تقال ، بل العالِم هو من يستطيع استنباط ما لم يستطع غيره استنباطه ، وليس العلم ـ بالضرورة ـ مرتبط بالشهادات ؛ فهناك من يحمل شهادة ، وهناك من تحمله الشهادة .
لقد جاء الدليل صاعقًا قاصمًا ، وقد اعتصم الحجَّاج بذكائه ليسعفه بردٍّ مضلِّل فما استطاع ، وبدت الفرحة والشماتة في عيون الجالسين ؛ فزادت من ضيق الحجّاج وانبهاره ، وفي هذا دليل على كره الناس للحجّاج ولكل ظالم مستبد . ثم رأى الحجاج أن يتراجع في موقفٍ ضائق يضغط عليه بآصاره ؛ فابتسم في تصنُّع وقال : اجلس يا يحيى ، فقد فاتني هذا الاستنباط .
إن ذلك يشير إلى عجز الحجّاج وفشله في مسعاه لإحراج يحيى بن يعمر ، فهل يستسلم ؟ هل يصرف القوم وهو في حالة فشل ؟ كلا .. لأن كل ظالم مستبد يحرص على أن لا يظهر بمظهر العاجز أمام الجماهير . هنا لجأ الحجّاج إلى ما اعتقد أنه يجيده ، وهو الفصاحة وعدم اللحن في القرآن الكريم ، فسأل يحيى بن يعمر سؤال الواثق من نفسه : أتجدني ألحن في قولي يا بن يعمر ؟ وهنا يفحمه يحيى بن يعمر مرةً أخرى بأنه يلحن ، حتى في القرآن الكريم ، وذلك حين رفع المنصوب في كلمة "أَحَبَّ " الواردة في الآية 24 من سورة التوبة ؛ فتغير وجه الرجل وحدثته نفسه أن يهم بصاحبه ، ولكن انهياره النفسي أورثه ترددًا لا عهد له به . وهكذا فإن الحق حين يصدع به صاحبه فإنه يلجم كل ظالم مستبد .

وهنا يبرز أحد المطبلين للسلطان ، فيحاول إنقاذ الموقف بتغيير مجرى الحديث ، فأخذ يسأل الحجّاج عن مدينة واسط التي شيدها باذلاًَ جهده الجاهد في التعمير والتثمير ، وكان الحجاج قد ارتاح إلى هذا الانتقال المنقِذ ، فأخذ يسهب فيما فعله وأنفقه على بناء هذه المدينة ، ثم رأى أن يصانع يحيى ؛ ليظهر أمام الناس بأن هزيمته لم تنل من نفسه ، فقال ليحيى : لم تذكر لنا رأيك في مدينة واسط يا يحيى ! فسكت الرجل ولم يردّ ، وتوجهت العيون إليه ، فزادت من حرج الحجّاج وتورطه ، فأعاد عليه السؤال مغيظًا ، فقال يحيى : أيها الأمير ، ماذا أقول عن واسط ، وقد شيَّدْتَها من غير مالك ، وسيسكنها أهلك ؟!
إن هذا المشهد يشير إلى عدة أمور يجب أن لا تفوتنا ، ومنها :
1 ـ كل حاكم ظالم له مجموعة من المنتفعين الذين يزينون أعماله للناس وينقذونه في المواقف الحرجة ، فيجب كشف ألاعيبهم ؛ لأن الحاكم الظالم يعتمد عليهم اعتمادًا كبيرًا .
2 ـ إن الحاكم الظالم لا يستسلم بسهولة أما مناوئيه ، ولكن على العلماء والمصلحين أن لا ييأسوا من الاستمرار في قول كلمة الحق في سبيل الإصلاح حتى يحققوا أهدافهم .
3 ـ إن السكوت في بعض المواقف أبلغ من الكلام ، كأن يطلب منه الحاكم الظالم أن يبدي رأيه في أمرٍ ما ، فيرفض الكلام ، كما فعل يحيى بن يعمر .
4 ـ إن سكوت العالم في مثل هذه المواقف ليس ناتجًا عن ضعف فيه أو في حجته ، وإنما ليغيظ هذا الحاكم الظالم أو يحرجه أمام شعبه .

نفَذَ صبر الحجّاج ، وتلهَّب الجمر في عينيه ، ثم صاح : ما حملك على هذا ؟ فقال يحيى في اعتداد : ما أخذ الله ـ تعالى ـ على العلماء في علمهم ألا يكتموا الناس حديثًا . فأطرق الحجّاج منخذلاً ، وساد صمتٌ حائر غمر المكان لحظات ، ورأى أن يقوم بعملٍ ينقذ خشيته ، فصاح بيحيى : لا تساكنِّي ببلدِ أنا فيه ، فاذهب منفيًا إلى خراسان . وعندما ذهب يحيى إلى خراسان وجد صيته الطائر يسبقه هناك ، ورأى الجميع يتحدثون بمجابهته للحجاج مكبِرين مقدِّرين ، ودنا خراساني ، فسأله في تعجُّب : ألم تخشَ سيف الحجّاج ؟! فردَّ في إيمان الواثق : لقد ملأتني خشية الله ، فلم تَدَعْ مكانًا لخشية إنسان .
مما سبق يمكن استنتاج الأمور التالية :
1 ـ يجب على العلماء عدم كتمان علمهم خوفًا من بطش السلطان .
2 ـ إن نفي العلماء والمصلحين ، التي يعتقد الحاكم الظالم أنه يخدمه ويخدم مصالحه ، قد يكون فيه الخير الكثير للعالم والمصلح ودعوته وانتشارها .
3 ـ من خشي الله حق الخشية ، لا يخشَ أحدًا غيره ، وأحق الناس بهذا الأمر هم العلماء والمفكرون والمصلحون .

7 ـ سيميائية بعض العبارات الواردة في النص :
سنناقش فيما يلي الدلالات والإشارات المحتملة لبعض العبارات الواردة في النص كنموذج ، ويمكن لمن أراد الاستزادة أن يبحث في سيميائية عبارات أخرى في ضوء الفهم العام والتفصيلي للنص :
1 ـ وقد شاء له القدر أن يُبتلَى بالحجّاج ، أو يُبتَلَى الحجّاج به : فيه إشارة على أن طريق الإصلاح ليست مفروشة بالورود والرياحين ، بل هي طريق صعبة وشاقة ، وفيها من الابتلاءات ما يمحِّص العلماء والمفكرين والمصلحين ؛ ليميز الخبيث من الطيب ، والصادق من الكاذب .
2 ـ فأجاب في المسجد الجامع : "إن الحسن والحسين من ذرية الرسول " : في ذلك إشارة إلى أن على العلماء والمصلحين أن ينشروا ما ينادون به ليصل إلى أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب ، ولا يقتصروا على بعض الناس الذين لا يحتمل أن يبلغوا الحاكم الظالم ؛ لأن العالم أو المصلح يجب أن لا يخشى في قول الحق لومة لائم .
3 ـ ثم هو ـ أي يحيى ـ يناصر في اعتدال ، فلا يوازن بين الصحابة لينصر فريقًا على فريق : في ذلك إشارة إلى أن العالِم أو المصلح يجب أن يكون هدفه الإصلاح ونصرة الحق ابتغاء مرضاة الله ، وأن لا يكون هدفه نصرة فريق أو جماعة أو فئة .
4 ـ الحسين والحسن من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنْ غَضِبَ الحجّاج : في ذلك إشارة إلى أن العالِم أو المصلح يجب أن لا يحسب حسابًا لغضب السلطان أو الحاكم عندما يصدع بدعوته أو بقول الحق وبيانه للناس .
5 ـ فيتنمر الحجاج متحفزًا : دليل على شدة غضبه لدرجة أنه كاد يفتك بيحيى كالنمر الذي يتحفز للانقضاض على فريسته ، وكذلك كل حاكم ظالم لا يتورع عن محاولة البطش بمخالفيه .
6 ـ فيتطلع يحيى إلى الحاضرين ، ثم يصيح بصوت مجلجل ، وإيمانٍ وثّاب : فيه إشارة إلى أن هدف المصلح يهتم بأن تبلغ رسالته إلى الناس بالدرجة الأولى قبل أن تصل إلى الحاكم الظالم .
7 ـ وبدت الفرحة والشماتة في عيون الجالسين : دليل على العلاقة السيئة بين الحاكم الظالم وأفراد شعبه ، وهذا لن يكون في صالحه بحالٍ من الأحوال .

عطية العمري
23-06-2013, 04:23 PM
تحليل سيميائي مقترح
لنص"إلى أخي الذي يطلب العلم في الخارج"
للصف العاشر الأساسي / الجزء الثاني
إعداد / جمعة محمد عسفة ( رحمه الله )
تعريف بالكاتب :
هو علي بن مصطفى الطنطاوي، ولد في مدينة دمشق في 12 حزيران 1909 م ، لأسرة ذات علم ودين. أما أبوه الشيخ مصطفى فكان من العلماء المعدودين في الشام وتوفي عام 1925.
نال علي الطنطاوي البكالوريا سنة 1928. ثم ذهب إلى مصر ودخل دار العلوم العليا، ولكنه لم يتم السنة وعاد إلى دمشق في السنة التالية فدرس الحقوق في جامعتها حتى نال الليسانس سنة 1933.
ابتدأ الطنطاوي التدريس في المدارس الأهلية في دمشق وهو في الثامنة عشرة من عمره، وقد طبعت محاضراته التي ألقاها على طلبة الكلية الوطنية في دروس الأدب العربي عن (بشار بن برد) في كتاب عام 1930.
عام 1941 دخل الطنطاوي سلك القضاء، فعين قاضياً في النبك مدة أحد عشر شهراً ثم قاضياً في دوما (من قرى دمشق)، ثم قاضياً ممتازاً في دمشق مدة عشر سنوات فمستشاراً لمحكمة النقض في الشام، ثم مستشاراً لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوحدة مع مصر.
يعد الشيخ علي الطنطاوي أحد رموز الدعوة الإسلامية الكبيرة في العالم العربي وشخصية محببة ذائعة الصيت نالت حظاً واسعاً من الإعجاب والقبول، وله سجل مشرف في خدمة الإسلام والمسلمين.
ترك الطنطاوي عدة مؤلفات منها : تعريف عام بدين الإسلام، صور وخواطر.
بين يدي النص
النص عبارة عن رسالة إخوانية كتبها الكاتب إلى أخيه الأصغر الذي سافر إلى بلاد الخارج يطلب العلم ، وهي فن من الفنون الأدبية التي يكتبها الأدباء عامة من غير العاملين في دواوين الدولة، وهي غير محددة بموضوعات معينة، وإنما يكتبها الأدباء في مناسبات خاصة أو مطارحات أدبية ومساجلات بلاغية فيما بينهم.
وكان من أشهر كتاب تلك الرسائل: أبو حيان التوحيدي، وأبو بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني. وتناولت الرسائل العديد من الأغراض: كالمدح والهجاء، والشكوى والعتاب، والتهنئة والاعتذار، والاستعطاف والاستجداء، والنصح والإرشاد، والصداقة والإخاء، والفخر والاعتزاز بالنفس، والوصايا.
سيميائية العنوان
يعتبر العنوان بنية مستقلة ذات علامة تواصلية ما بين النص والقاريء ، فالعنوان يشكل لحظة تأسيس الوعي لدى القارئ ، وإذا ما تمعنا في عنوان نص " إلى أخي الذي يطلب العلم في الخارج " نجد ما يلي :
1-هناك ترابط بين العنوان ومضمون الرسالة الإخوانية التي كتبها علي الطنطاوي ، فالعنوان يبرز بصورة واضحة أن الرسالة موجهة إلى أخيه الذي يدرس في الخارج ، أي خارج البلد الذي تربى وترعرع فيه، والقاريء لنص الرسالة يجد أن الكاتب يخاطب أخاه الذي سافر للخارج طلباً للعلم ، فالتوافق بين العنوان والمضمون موجود .
2- لم يفصح الكاتب في العنوان عن مصدر الرسالة أي من كتبها بل اكتفى ذكر من ستصل الرسالة إليه وهو الأخ ، وقد يكون السبب في ذلك أن مصدر الرسالة معروف وغير خفي ويظهر من مفردات عديدة وردت في النص ، إضافة إلى أنه من جمال العنوان الإيجاز والاختصار والإيحاء إلى المضمون .
3- وكذلك ذكره كلمة الخارج في العنوان، ولم يفصح عن اسم الدولة التي ذهب إليها أخوه ، وهذا يتناسق مع المضمون حيث لم يذكر كاتب النص ما يدل أو يشير صراحة إلى البلد الذي سافر أخوه إليه ، إنما دارت الفكرة حول بلد في الخارج تحمل ثقافة غير ثقافة البلد الذي كان يعيش فيه .
سيميائية الصور :
تظهر في الدرس صورتان هما :
1-الصورة الأولى : وهي الموجودة في فقرة " بين يدي النص " ويتضح فيها صورة الباخرة ودخانها وأيدي المودعين تلوِّح للمسافرين من بعيد ، وبنظرة متأنية إلى هذه الصورة نجد ما يلي :
أ- ضخامة السفينة مقارنة بالبحر الذي بدا وكأنه جزء بسيط منه ، وقد يتناسب هذا مع نفسية المودع للمسافر، حيث يكون جل همه وتركيزه فقط على الحدث الأبرز وهو سفر الأحبة وأداته السفينة، وبالتالي كان التركيز على السفينة التي يركب فيها المسافرون، فلا يكادون يرون غيرها، وبالتالي يبدو البحر صغيرًا مقارنة بالسفينة ؛ لأنه بعيد عن دائرة الاهتمام بالنسبة للمودع .
ب-يظهر في الصورة صورة منديل يمسك به أحد المودعين، وهذا يوحي بأن المودعين تتساقط من عيونهم الدموع حزنًا على وداع أقربائهم وأحبتهم وهذا يستدعي وجود منديل يجففون به دموعهم.
ج-يظهر في الصورة أيضًا الدخان المتصاعد والمائل نحو جهة اليسار، وهذا يوحي بأن السفينة قد بدأت بالانطلاق، وهذا يتناسق مع تلويح المودعين بأيديهم .
د-يلاحظ عدم ظهور صورة أي مسافر في السفينة وقد يوحي ذلك بعدة أمور منها :
*أن السفينة أصبحت بعيدة عن المودعين وبالتالي لا تكاد تظهر صور المسافرين، بينما تظهر صورة المودعين ، وهذا يتناسب مع نفسية كاتب النص الذي كان ضمن المودعين بروحه لا بجسمه ، حيث يشعر بأنه ضمن هؤلاء المودعين، وبالتالي كانت صورتهم واضحة . وكذلك نجد في النص بعض العبارات التي توحي ببعد المسافر لا المودع ومنها " تنأى بك عني " ، "حتى تصير نقطة صغيرة على شاطئ الأفق تم تنحدر إليه وتختفي وراءه " . فهذه العبارات توحي ببعد المسافر .
2-الصورة الثانية : وهي الموجودة بين أسطر النص ويظهر فيها :
أ- رأس المسافر والمرسوم على شكل دائرة ، وشكل الدائرة يوحي بالدوران، والمعروف أن المسافر إذا دخل مكانًا غريبًا عليه فإنه يشعر بأن الدنيا تدور كلها من حوله ؛ لأنه يرى أشياء لم يرها من قبل ، وقد تتناسب مع العبارة الواردة في النص " وقد أخذك دوار البحر " فالمسافر عبر البحر قد يصاب بالدوار والذي قد لا يفيق منه إلا بعد أيام .
ب-تظهر في الصورة عمارات وأبراج عالية لكن من الملاحظ أنها مائلة مع أنها على الحقيقة تكون قائمة وقد يوحي ذلك بعدة أمور منها :
*أن حضارة الغرب مهما كانت متقدمة وراقية ومبهرة فإنها مبنية على باطل وأنها سرعان ما تنهار ، وبالتالي فاعوجاج صورة المباني يوحي بقرب انهيارها ، وأنها غير مبنية على أسس متينة ، وليس المقصود البناء بحد ذاته بل الحضارة التي أدت إلى وجود مثل هذا البناء.
*تظهر المباني رفيعة من أسفل وعريضة من أعلى مع أن الذي ينظر للمباني العالية من بعيد يرى بأن المبنى من أسفل يكون أعرض بكثير من المبنى من أعلى ، وقد يؤكد هذا ما طرحناه في النقطة السابقة من أن الحضارة المتمثلة بجزء منها كالمباني العالية قائمة على أصول ضعيفة.
*قد يوحي ميلان المباني إلى عظمة الحضارة ورقيها من حيث الفن المعماري التي وصلت إليه دول الغرب من بناء أبراج فيها من الفن ما فيها ،بحيث تبنى مائلة دون أن تتعرض للوقوع .
*تظهر في الصورة أيضاً صورة المسافر وحيدًا وهو يحمل حقائبه الثقيلة ولا تظهر صورة لأي مظهر من مظاهر الحياة فيها ،وهذا قد يشير إلى شعور المسافر حينما يدخل بلدًا جديدًا لم يعرفه من قبل، حيث يشعر بالوحدة لأنه لا يكاد يعرف أحدًا فيه .
سيميائية الشخصيات
الشخصيات التي برزت في النص هي ( شخصية الكاتب – شخصية المسافر –شخصية الأخ الآخر للكاتب):
أولاً: شخصية الكاتب .
1- وقد عبر عنها الكاتب بالضمير ولم يذكر اسمه صراحة ودليل ذلك : ( ذهبتُ ، ودعتُكَ ،خبرني ، نفسي ، أدري ... ) والنص مليء بهذه المفردات المتضمنة لضمير المتكلم ، وهذا يتناسق مع فن الرسالة التي تكون عبارة عن حديث موجه لشخص آخر .
2-الكاتب من الشخصيات الدعوية المشهورة على مستوى الوطن العربي ، وهو صاحب نزعة دينية ، وهذا طغى على أسلوبه في النص ، حيث ركز على النصائح والتحذيرات المنبثقة عن الدين الحنيف، ونقده لبعض الظواهر الاجتماعية التي لا يحبذها الدين الإسلامي ،وناقش قضية طالما أرَّقت المجتمع العربي المسلم الذي كان يعاني من تبدل عقول أبنائه الذين كان يدرسون في الخارج وقلوبهم وألسنتهم ، وبالتالي كان المجتمع يخسر العديد منهم بسبب انبهارهم بالحضارة الغربية ، وهذه الموضوعات عادة يهتم بها أصحاب الدعوة إلى الله عز وجل .
3-ظهر الكاتب نفسه بشخصيتين الأولى تغلِّب العقل على العاطفة ، ويظهر ذلك حينما ذهب يستعجل أخاه بالسفر ، ويحثه عليه لما يرى بأنه مصلحة لأخيه ولوطنه . والشخصية الأخرى غلبت عليها العاطفة ، فتراه ينهار على كرسيه ويشعر بالضعف مع عدم حبه لذلك .
4-الكاتب يظهر نفسه بصورة الأخ المحب لأخيه حبا جما وعاطفته نحوه عاطفة جياشة لا يرقى إلى مستواها إلا عاطفة الأبوة ، وقد يكون شعور الكاتب بهذا الشعور نابع من كونه الأخ الأكبر والمسافر هو الأخ الأصغر خاصة إذا ما علمنا بأن الأب قد توفاه الله ،وبالتالي شعر الكاتب بأنه الأب ، فحلت عاطفة الأبوة في قلبه وكيانه وشعوره.
5-يعتز الكاتب بوطنه وتراثه العربي والإسلامي ، ويعتقد أن وطنه العربي المسلم هو وطن لديه الحضارة والتاريخ ،ويعتز بشرقيته ، ويظهر هذا من العديد من العبارات التي وردت في النص مثل :"فما أنت من بلد خلو من المدنية والعمران ،فإنك ابن المجد والحضارة ...."
6- يُبرز الكاتب نفسه أيضًا على أنه الوصي على أخيه الأصغر ، ففي نهاية النص يأمره بأن ينفض يده من العلم إن كان لا يجيء إلا بذهاب الدين والخلق ، وأن يعود إلى بيته ، وهذا يُظهر العادات والتقاليد الاجتماعية التي كانت سائدة في تلك الفترة والتي كانت تعطي للأخ الأكبر أحقية السيطرة على بقية أفراد الأسرة ، خاصة في ظل عدم وجود الأب ، حيث توفي أبوه وكان عمره سبع عشرة سنة أما المسافر وهو الأخ الأصغر فقد كان عمره ثلاثة شهور .
ثانياً: شخصية المسافر :
1- وهو الأخ الأصغر للكاتب ، والتي عمل الكاتب على إبرازها دون تسميتها ،وعبر عنها بألفاظ مثل " أخي " أو بالضمير أو بالخطاب الدال عليها مثل " دخلتَ ،أودعك ، إنك ،...."
2- وصف الكاتب أخاه بالذكاء والتميز ، ويظهر ذلك من خلال نجاحه في مسابقة الرياضيات والفيزياء، حيث كانت الوزارة لا تريد إلا مبعوثا واحدا فقط .
3- يُظهر الكاتب شخصية أخيه بالشخصية التابعة، والمرتبطة بالأسرة ارتباطًا وثيقًا تصل لحد الاتكالية وعدم القدرة على الاستقلالية وتحمل التبعات ، رغم أنه قد اقترب من سن العشرين.
ثالثاً : شخصية الأخ الآخر للكاتب ( ناجي ) :
1- وأبرزه الكاتب على أنه الذي صاحب أخيه إلى الباخرة وودعه في سفره وهي شخصية ثانوية في النص ، ولكن يبدو أنها شخصية قادرة على مواجهة الصعاب، وقادرة على وداع من أحبت أكثر من أخيها الأكبر .
سيميائية الزمان والمكان :
أولاً: المكان
1-لم يبرز الكاتب المكان الذي انطلق منه أخوه للسفر، ولا المكان الذي كان يعيش فيه الكاتب وقتذاك، حيث سافر لعدة بلدان عربية وعمل فيها ، إلا أن المتفحص في النص يصل إلى نتيجة مفادها أن السفر كان منطلقًا من سوريا ، وأن الكاتب كان يعمل مدرسًا في سوريا ؛ ودليل ذلك أن الكاتب ذكر أن هناك مسابقة البعثة التي تم عقدها وشارك فيها أخوه، وهذه المسابقة بالتأكيد كانت داخل وطنه سوريا، فالدول الأم ترسل أبناءها للبعثات ، ولا ترسل أحدا غيرهم ، وبالتالي كان السفر من سوريا .
2-كذلك لم يبرز الكاتب الدولة التي سافر إليها أخوه : هل هي دولة عربية أم أجنبية ، ولكن السياق يدل على أنها دولة أجنبية ؛ ودليل ذلك قوله : " إنك تمشي إلى بلد مسحور ، ذلك البلد الغريب الذي لا ترى فيه إلا وجوها تنكرها ،أين الأساتذة الذين كان لهم فضل في تعليم هؤلاء القوم ، عودوا إلى الشرق شرقيين ... " إلا أن الكاتب أيضاً لم يحدد اسم تلك الدولة الغربية، ولكن قد تكون من بلاد أوروبا التي تقع على مشارف البحر المتوسط .
ثانياً: الزمان :
1- لم يتطرق الكاتب أيضاً إلى زمان كتابة الرسالة ، ولكن المتتبع لتاريخ الكاتب حيث مات أبوه سنة 1925 م ، وكان عمر الكاتب حينها 17 سنة ، وكان أخوه الأصغر المسافر عمره 3 أشهر ، فإذا كان عمره قد قارب على العشرين عامًا كما ذكر الكاتب في النص حين السفر، فإن هذا يعني أن الكاتب كان عمره 37 سنة على الأكثر ، وهذا يعني أن الرسالة كتبت في العام 1945 كحد أقصى ، وإذا ما علمنا أن الكاتب عُيِّن سنة 1941 قاضيا في سوريا ، وترك مجال التدريس ، فقد يبدو هذا متناقضًا مع ما ذكر في نص الرسالة أنه حين سافر أخوه كان يعمل مدرسًا ، ولكن يبدو أن قول الكاتب " في طريق العشرين " قد تعني العمر بعد 16 عاما.
ملاحظات عامة :
إن المدقق في النص فإنه يستخلص ما يلي :
1- إن الكاتب لم يذكر تاريخًا لكتابة رسالته ولم يسمِّ أخاه، بل اكتفي بقوله " أخي " وهي كلمة تقال لكل مسلم فجميع المسلمين إخوة فقد قال تعالى : " إنما المؤمنون أخوة " وهي لفظة يستعملها الدعاة كثيرًا في أحاديثهم مع الناس لفحواها ومضمونها ودلالتها الدينية ، وكذلك لم يحدد البلد الذي سافر إليه أخوه ، إنما وصفه وبيَّن إيجابياته وسلبياته ، وهذا يدعونا للقول بأن الكاتب أراد من هذه الرسالة أن تكون صالحة لكل زمان ومكان ولكل شخص مسافر إلى بلاد الغربة ، ذات الحضارة والثقافة المختلفة عن حضارة العرب المسلمين .
2- الرسالة بمضمونها وأهدافها هي رسالة إخوانية دعوية، أي أن الهدف الأساسي منها هو الدعوة إلى الله عز وجل ، وذلك بالتنبيه على معايب الحضارة الغربية ؛ حتى لا ينبهر بجمالها ضعيف النفس ، فيختلف لسانه وقلبه ، ولذا تضمنت الرسالة بعض النواهي وبعض النصائح القيمة لكل مسافر إلى بلاد الغربة .
3- تضمنت الرسالة أيضاً نقدًا للحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في الأربعينات ، والتي كانت تربية الأولاد فيها نوعًا من الاتكالية على الآخرين، أي على الأب أو الأم أو الأخ الأكبر ، بحيث لا يستطيع الأخ الأصغر أن يُكون شخصيته المستقلة ، ويشق طريقه بحرية ، بل هو مقيد بالنظام العائلي ، وقد تحدث الكاتب صراحةً عن ذلك حينما قال :"ولكنها يا أخي خطيئة تربيتنا الاتكالية " ، فقد وصفها بالخطيئة ، حيث يشعر الكاتب أن أخاه ضحيتها ، وإذا ماعلمنا أن الكاتب سافر إلى مناطق عدة ودولاً شتى ، فإن ذلك قد يكون له الأثر الأكبر على قناعاته بضرورة إعطاء الحرية والاستقلالية لدى أفراد العائلة .
4-كذلك نقد الكاتب بصورة خفية النظام الذي كان سائدًا في تلك الفترة ؛ فلا يعقل أن تقوم الوزارة بإرسال مبعوث واحد فقط للرياضيات ليدرس في الخارج، فإمكانات الدولة يجب أن تكون أكثر من ذلك ،فقد قال الكاتب : " ولا تريد الوزارة إلا مبعوثا واحدا في العلوم الرياضية "وهذا يعني حرمان الكثير من أبناء سوريا المميزين من التعليم في دول متقدمة أخرى .
5-مضمون الرسالة يوحي بالتضامن الأسري القوي في تلك الفترة ، فالأخ الأكبر مكانته كمكانة الأب في الأسرة ، وهذا ما يميز الأسرة العربية المسلمة، فسفر الأخ كان يشكل بالنسبة للكاتب أمرًا صعبًا للغاية ، وكأن أحدًا ما سلخ قطعة من جسده .
6-العقلانية والموضوعية في الحكم على الأشياء ، فرغم تخوف الكاتب من تأثير الحضارة الغربية على أخيه، إلا أنه كما ذكر مساوئها و حسناتها ، وحث أخاه على أن يدرس عادات القوم وأحوالهم فيأخذ ما حسن منها، ويترك ما ساء.
7-اعتزاز الكاتب وافتخاره بأرضه ووطنه وإسلامه وشرقيته ، وهذا يؤكد انتماءه لوطنه النابع من ولائه لدينه .

عطية العمري
23-06-2013, 05:30 PM
تحليل سيميائي لقصيدة
د. كمال غنيم (خذ بيدي!)
سائدة العمري

النص مناجاة أم أثقلتها الجراح بعد طول انتظار لعودة الابن العزيز من سجون الاحتلال الذي سلبها معنى المحبة والأمان، تكتنز بالصور المعبّرة، والألفاظ الموحية، تحمل بين سطورها دلالات عظيمة، بحيث تلتف كلماتها بخيوط تنسجها عبقرية مبدع.
والنّص للشاعر الفلسطيني المعاصر الناقد الأدبي الدكتور : كمال غنيم

بين يدي النص:
خذ بيدي !
مهداة إلى والدة الأسير البطل عبد الهادي غنيم
في فراش مرضها الصعب وسط تباشير الحرية القادمة
كانت تفتح عينيها وتغلقهما، ولا تنسى أن ترحب بزائريها في مرضها منذ عشرين يوما، وكانت عيناها تفيضان دمعا إذا دعا الزائرون لها بالشفاء حتى ترى ابنها البطل الأسير عبد الهادي غنيم... ذلك الدعاء الذي رافقها على مدار عشرين عاما منذ عمليته البطولية التي قام فيها بقلب حافلة إسرائيلية من طريق عال على مشارف القدس.
لم تبيض عيناها من الدمع، لكن وهنت قواها... ووعود تحرير الأسرى تتصاعد، ودعاء القادمين يتزايد بتماثلها للشفاء حتى ترى ابنها البطل الأسير. قرأت في صمتها وتمتماتها رسالة أم مجاهدة صابرة ، ما زالت على ثقة بالله أن الفجر قريب، نسأل الله أن يمد في عمرها ويمتعها بالصحة لتنعم برؤية ابنها البطل بعد كل هذا الغياب والعذاب.
د. كمال أحمد غنيم

اكتب إليه، وقل له:
جاهدتُ حتى آخر الأنفاس يا ولدي.
ما زلت أزعم أنني سأراك يوماً،
ما يئستُ للحظةٍ
يا فلْذة الكبدِ.
عشرون عاما تنقضي
وأنا هنا
أرنو لباب الدارِ... يُفتح في الغدِ.
كُتبت عليّ مواجع الصبر الجميل
فقلت:
يا نجمَ الكواكب غرّدِ.
هذي الكواكب قد تأجج نورها
والليل آذن بالرحيلِ...
فخذ يدي.
إني أصارع كي أراكَ
فهل تجود بعودةٍ ميمونة في الموعدِ.
ظلت خطاكَ
ترنّ في أذني هنا
وأنا أحرّك جمرةً في الموقدِ.
اللهَ يا جمرَ المواقدِ...
كم أرى نفسي تذوبُ
فدى المحب المفتدي.
أأنا أُقلّب جمرنا!
أم أننا
جمرٌ يُقلّب في أيادي المعتدي؟!
لا تبتئسْ!
فالحلم حلمٌ صادقٌ
والسجن وهمٌ زائلٌ بعد الغدِ.
حتى وإن عادت خطاك إلى هنا
ووجدتني
غادرتُ عبر المسجدِ.
سترفرف الروح المحبةُ
في العلا
ويزول وهمُ الظالم المتبددِ.
هذي ربوع الكونِ
تفتح بابها للفجرِ
يعصف بالظلام الأسودِ.
إني أراك هنا
وأنت تزورني
والشمس تضحك بالشعاع المنشِدِ.
قل للذين تمترسوا ببنادقٍ
مزجت دموع الأمهات بعسجدِِ:
سلمت يمين الصانعين كرامةً
والذلّ كلّ الذلّ للمتردد!
11 ليلاً
12-4-2007

أولاً: سيميائية العنوان والإهداء
ينطلق العنوان بكل ما ينوء به من آلام الأمّ المثقلة بالجراحات، حتى أمست غير قادرة على أن تبرح مكانها، الذي التصقت به تنتظر بزوغ وجه ابنها الحبيب، تحادثه وكأنّه أمامها رغم بعد المكان، وعصف الزمان، فتهتف به قائلة ( خذ بيدي ) فهو رغم بعده المكاني إلاّ أنّه ما زال قابعاً في ناظريها، متغلغلاً في أعماق حشاياها، فإن كان الجسد بعيد، فالروح لم تبرح قلبها أبداً، فإذا بها تطلب منه أن يأخذ بيدها يساعدها على نفض غبار الضعف والألم الذي اعتصر قلبها، وأنهك جسدها فلم تعد قادرة على النهوض والتخلّص من وحل الهموم، التي حاولت يائسة أن تنتزع صورته من فؤادها، وترى في قولها ( بيدي ) إشارة إلى الأمل الذي يبرق في سماء أحلامها وهي ترنو إلى التقاء قريب مع ابنها الحبيب.

ثانياً: سيميائية الأسماء
" ولدي " أروع ما قيل من أسماء بما يحمل من معاني الحنان والعطف والأمان، بما يتفلّت فيه من الأمان وبوارق الحياة ، استغنت به الأم عن الاسم الحقيقي رغم ما يعنيه من رسم خاص ومميز لشخصية عزيزة و متجذّرة في نفس الأم، لأنّ هذا اللفظ يجدد في قلبها قربه منها ووجوده معها، فهي لا تحتاج إلى أن تنادي باسمه لأنّه ليس ببعيد عنها فهو أمامها متمثّل أمام ناظريها بل يتحرك بداخلها ، يجدد ضربات القلب كلما تحرك في الشرايين والأوردة كلّما دفعه القلب لإحياء خلايا الجسم ، بدفئه وحبّه. فهو ليس بذلك الشخص ذو القوام المعتدل؛ وإنّما هو ذلك الجزء الفارّ من كبدها، الذي تقافز من بين أضلاعها، كدمية تمثّل كل معاني الأمل في الحياة، فهو ليس " عبد الهادي " وإنّما " ولدي " " كبدي " الذي تحاول أن تتشبّث بالنسيم القادم من صوبه، تناديه بكل لواعج الحبّ تبثّه كل حبّها، تغمره بحنانها، تشعره بمسيس حاجتها إليه، و تهالك قواها أمام الانتظار الطويل.

ثالثاً: سيميائية الصور
يبدأ النّص برسم صورة جميلة موحية تخرج القارئ من عالم الوعي لتأسره في داخل سطور النّص فيعيش مع الأم التي تجلس على سرير اللهب تصارع الأنفاس التي تحاول أن تشقّ طريقها بين ركامات الزمن التي ترسبت في جسدها المثقل بالجراحات، وهي ما زالت ترقب باب الدار بكل لهفة وأمل تنتظر شروق شمس حياتها الذي تأججت الكواكب وهي ما زالت تنتظر أشعته الذهبية التي تنير فضاءها .
ثمّ إذا بكلمات النّص تستقبلك بأروع ما يمكن أن يصف الحال التي عاشتها الأم، وهي تجالس الموقد، فلا فرق بينهما قد اجتمعا وتصالحا، إذ بينهما قاسم مشترك؛ فكل واحد منهما مرآة تعكس الآخر؛ فهي حين تخاطب جمر المواقد، لم تخاطبها اعتباطاً، ولكن الإنسان دوماً يبحث عن من يشاطره الإحساس، يبحث عن مثيله الذي يرى فيه نفسه، الذي تعرّض لنفس المواقف. فلم تجد الأمّ من يماثلها غير جمرات المواقد، تلك التي تتأجج احمراراً، تذوب في نفسها في بطء خرافي، فتشاركها الأم نفس الشعور، فهو إحساس واحد، ألم... تآكل ... احمرار... ذوبان... وصمت مطبق.
ولكن رغم كل هذه الصور الملتهبة، إلاّ أنّ هناك بارق أمل يتجدد، وطيف جميل يرفرف حين ترسم الأم صورة روحها الطاهرة النقيّة وهي تحوم حول ولدها عند تحرره من الأسر، فهي تشدد بأنّه وإن لم يكن هناك لقاء فالأمل منبثق من الإصرار والعزيمة المتفجرة في قلوب الماثلين في زنازين الكرامة، والقابعين على الثغور، فهذا الأمل سيشرق في الأفق ليبدد ظلام الليل ذاك الأسود.

رابعاً: سيميائية الزمان والمكان والعلاقة بينهما
عشرون عاماً تنقضي
وأنا هنا ...
التحم الزمان بالمكان حتّى أصبحا جسراً واحداً لا انفصال بينهما، تمرّ عليهما آهات الألم، وعذابات الشوق، فالعشرون من الأعوام الطويلة التي حملت في جنباتها كل آهات وعذابات الفراق ، كل الألم والتّوجّع الذي فتّت القلب فبات الجسد منه ساكناً بلا حركة، فالحمل ثقيل والجسم ضئيل، لذلك ما كان من الأمّ إلاّ أن تلتصق بهذا المكان نفسه لا تحيد عنه، تستقبل باب الدار علّ الحبيب يدق بأقدامه أوتار قلبها بوقعها على درجات باب الدار، فتنطلق أغنيات الحنين تبعث الحياة من جديد.
عشرون عاما من الصبر والاحتمال ، عشرون عاما من لهيب الشوق الذي يعصف بأوراق العمر فيبعثرها في كل مكان بلا عودة، عشرون عاماً وما زال الأمل يتجدد، (فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين).

خامساً: سيميائية الشخصيات بوظائفها وملامحها الداخلية والخارجية
تظهر في النّص شخصيّة محورية تتربّع عرش النّص؛ إذ تحتل مركزاً جوهرياً، فهي تشع بملامحها في جوانب الأسطر الشعرية، هذه الشخصية الصامدة الصابرة التي تحدّت كل آلام السنين رغم مرور عشرين عاماً، فهي المرابطة المثقلة بالألم والجراحات التي تحرق في أحشائها فتتقلّب فيها بصمت رهيب، وهي في صمتها تظهر ملامح الأمل والتفاؤل الذي تنبعث خيوطه بين كلمات النّص رغم الشقوق التي صدعت النّفس، وحفرت طريقها في ملامح شخصيتها.
وإلى جانب هذه الشخصية العملاقة، تظهر بوضوح شخصية الابن الذي لهجت الأم بمناداته، وحثّه على مدّ يد العون لها، وبثّها الدفء الذي ترنو إليه.

المربع السيميائي للنص
يتمحور النّص في أربع محاور أساسية تقوم بينها علاقات مختلفة باتجاهات مختلفة يوضّحا المربع السيميائي التالي:

نجد من خلال المربع السيميائي لعناصر النص أنّه تكون لدينا ثلاث نتائج بين مفرداته هي:
- علاقة تضمن بين الأم والابن وهي كذلك بين المحتل والسجن.
ويدل عليها شوق الأم لابنها وطلبها أن يأخذ يدها وقولها سترفرف الروح المحبّة.
والأسر للابن من قبل الاحتلال الذين يقلّبون الناس في العذابات.
- علاقة تناقض بين الابن والسجن، وكذلك بين الأم والمحتل.
ويدل عليها قولها : لا تبتئس، سيزول وهم الظالم المتبدّد.
قولها هذي ربوع الكون.تفتح بابها للفجر.يعصف بالظلام الأسود.
- علاقة تضاد بين الأم والسجن، وكذلك بين الابن والمحتل.
الأم تكره السجن الذي يحجب عنها ابنها.
بينما الابن يقاوم الاحتلال لذلك يسجن.

ريمة الخاني
15-12-2013, 09:22 AM
السلام عليكم ودراسة نظرية يتبعها تطبيق عملي يختزل كل ما سلف من دراسات تضع السيمياء على طاولة البحث والتشريح والتفكيك ,كي تكون أقرب تناولا وسهولة في الممارسة النقدية.
كل التقدير والاحترام.

بهجت الرشيد
18-12-2013, 08:19 PM
دراسة قيمة
والحقيقة كنت دائماً أبحث عن دراسة لقصيدة ( بانت سعاد ) ، ورغم قراءتي هنا وهناك ، فقد وجدت في دراستك ما أصبو إليه

فشكراً أستاذ عطية العمري

وبارك الله فيك



تحاياي

ربيحة الرفاعي
08-01-2014, 02:52 AM
بحث فائق الأهمية في التحليل السيميائي للنصوص كأسلوب نقدي متعمق يشكل بذاته لونا إبداعيا مائزا

سأعود إليه هنا لقراءات كثيرة لأستفيد

دمت بخير

تحاياي

نداء غريب صبري
16-01-2014, 02:36 AM
بحث هام وموصضع يستق الدراسة

شكرا لك اخي

بوركت

عطية العمري
09-04-2016, 02:15 PM
السلام عليكم ودراسة نظرية يتبعها تطبيق عملي يختزل كل ما سلف من دراسات تضع السيمياء على طاولة البحث والتشريح والتفكيك ,كي تكون أقرب تناولا وسهولة في الممارسة النقدية.
كل التقدير والاحترام.

بارك الله فيكِ أختي الكريمة

عطية العمري
09-04-2016, 02:17 PM
بارك الله فيك أخي الكريم بهجت الرشيد

عطية العمري
09-04-2016, 02:21 PM
بحث فائق الأهمية في التحليل السيميائي للنصوص كأسلوب نقدي متعمق يشكل بذاته لونا إبداعيا مائزا

سأعود إليه هنا لقراءات كثيرة لأستفيد

دمت بخير

تحاياي


بارك الله فيكِ أختي الكريمة

عطية العمري
09-04-2016, 02:22 PM
بحث هام وموضوع يستحق الدراسة

شكرا لك اخي

بوركت

بارك الله فيكِ أختي الكريمة