أحدث المشاركات
مشاهدة تغذيات RSS

حسين لون بللو

دقته صلى الله عليه وسلم في اختيار الكلمات

تقييم هذا المقال
المقدمة
الحمد لله الوافي الميعاد، الذي رفع السموات بلا أَوْتَاد، ثم الصلاة والسلام على أفصح العِباد، سيد من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه الجُهاد، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد.
أما بعد: فإن البلاغة النبوية الشريفة، يتجلى فيها ملامح لا تحصى، وشفافية لا تعد، وقد حصرت العقول من فصاحتها، فإن لم تكن قرءاناً جاءت من أجله، لتوضح مشكله ومتشابهه، فهي وحي الإله إلى رسوله بطريقة إلهامية أو حلمية، ومما يؤكد جزالة أحاديثه، وسهولة ألفاظه، قوله صلى عليه وسلم "أَنا أَفصَحُ العَرَبِ !بَيْدَ أَنِّي مِن قُرَيش" وإن كان بعض اللغويين لا يرى لأحاديثه بلاغة تدرس، واستشهدوا بأقوال لا تقبل، فمن هنا يٌفهم ما لدراسة بلاغته من أهمية فائقة فقد تناول الباحث جانبا من هذه البلاغة، بعنوان "دقته صلى الله عليه وسلم في اختيار الكلمات"
تمتاز البلاغــــة النبوية باللطافة والرشاقة، وأناقة الإبداع، ورصانة الألفاظ، فمن حســـــــن صياغتها كأنها مصنوعة لكنها مطبوعة مبدوعــــة ، قال الرافعي "هـــذه هي البلاغة الإنسانيـة التي سجــــــدت الأفكار لآيــــتها وحسرت العقول دون غـايتها لم تصنع وهي من إحكـــــــــــام كأنها مصنوعة، ولم يتكلف لها وهي على السهولة بعيدة ممنوعة"
فقد كانت البلاغة النبوية ، فريدة في نـوعهـــا ، متميزة في كل المزايا البلاغية، اتصف كلامه صلى الله عليه وسلم بـحسن الموسيقى، ورنانة العبارة ، ونـــبرة مثيرة ، ونغمـــة موقظــــة للعواطف والخواطر ، ويظهر هذا جليا في حديث عمر بن عوف الأنصاري قــال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البِرّ لَا يـــَـبْلى والذنْب لَا يَنـْـــسى ، و الديّان لا يـــموت اعمل ما شئت كما تدين تدان “……… تبدو رنانة الألفاظ النبوية واضحة وظاهرة ، في قوله صلى الله عليه وسلم" البِرّ لا يَبْلى ، والذَنْب لا يَنْسَى، " حيث استعمل كــــلمات المتوافقـــــة في النغمــــة والموسيقى ، وهي مختارة من الخــــيط الموسيقي الواحد الرنين، فإذا كررت هذا الحديث تجد في كل مـــرة يزداد وتـــره ترفعـــا وتجويدا، كأنه رنم طير رنان ، تصرف إليه النفوس، وتميل إليه الأفئدة ، وتسرق نغمته العقول، وترقص لأجله الغصون ، وتــتـمتع به المســــــامع، لأجل صوته اللامع ، ونـبرته الرشيقـة ، وصوته الأنــيق ، فكـلامه صلى الله عليه وسلم رصينا مرصعــــا لأن الجــو الذي يعيش فيه يـدع إلى ذلك، فالعرب آنذاك مهتمون بزخارف القول، وأناقة الألفاظ، ودقة العبارة. ويمتاز أسلوبه أيضا بـــالجزالة والوضوح والدقــة في الوصف، والتعبير والإبــداع في التشبيــه والتصويــر، والموسيقى الرائعــــة في الألفاظ ، والإيجاز في القول ومجانبة التكلف، هـذه هـي البلاغة النبويــة التي تتجلى مـلامـحها بـالمطالعــة المتداومة ، والمراجعة المتأنية والعيش في الحوض النبوي الشريف، فبالتدبر في جوامع كلمه نحظ بمعرفة أسرار بلاغته ،و نبوغ كلامه ، وإيجاز ألفاظـه ، وسهولـــة عبارتـــه صلى الله عليه وسلم والـدقة في اختيار كلماته .


دقته في اختيار الكلمات
يمتاز الحديث النبوي بالدقة في اختيار الكلمات الموحية بأغـراض ساميـة ونبيلــة ، من حيث محتوياتها ومدلولاتها " فــــكان النبي صلى الله عليه وسلم يدقق اختياره للكلمات الرنانــــــة التي تتسلسل في آذان المخاطبين ويروع معانيها من تلك الأجراس الصوتية الحُلْوة " مثل قوله صلى الله عليه وسلم لأنجشة " رُوَيْدَكَ يَا أَنْجشة ارْفق بالقَوَارير" تبدو دقتـــه ظاهرة وواضحة، في هذا الحــــــــــــــــــــــ ـديث حيث اختار كلمة الـــــقوارير ، من كلمات كثيرة التي توحي إلى الضعف ، ومطالبة الحماية ، ومضادة القساوة، لما تـتميز بـه كلمة القوارير مـن إيحاء لغوي، وألحــان مثيرة في خلجات نفس المخــــاطب، وفي ســــويداء قلبه، ويجد القارئ أن كلمـــة القوارير التي هي جمع قــــارورة، وهي إنـاء من الزجـــاج، قد استعملت هنا وتراد بهــا المرأة ،لأن الولد يــقر في رحمها ، كما يـقر الماء في القارورة ، أو تشبيها لها بالـــزجاج من حيث الضعف لأن القارورة هي أضعف شيء ، فــلا تقبل اللعب ولا القوة والجـبروتـية، فـإذا أجـبرتـه انـكسر فــإذا انكسر فـسد ، ولا يعــود إلى العرجون القديم ، قال الشاعر:
إِنَّ القُلوبَ إِذا تَنـــَـــافَرَ وُدَّهَا مِــثْلُ الـزُّجَـــــاجَةِ قَطعُهــــا لا يُجبر
هكذا النســـاء وهكذا وصفهن المصطفى صلى الله عليه وسلم بـــالقوارير لما بـينـهما مـــن علاقة دلالية مع قرينة إيحائية معنوية ، فـرسولنا الحكيم ، يخاطب العقول لا الأجساد ، فلمعرفة مدلول هذا الحديث لابد من استئمال العقل والتدبر.
فقد تمتاز بلاغتـــه باستعمال كلمات تصور المشهد والحــادثـة تصويرا فنياً مؤثـراً في نفسية المخاطب، كما اختار كلمة "فَتـَنْـدَلـِـقُ " التي تـوحي إلى خـروج الشيء بـالسرعــة لتصوير مشهد العالم الفاشل، الذي لا يـعمل بعلمه في الـدنيا ، حيث قـــال أسامة بن زيد قـال سمـعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يُؤْتَى بـِــالرّجل يَـوْمَ القيامةِ، فَيُلْقَى في النار فتندلق أَقْتابَ بَطْنه فَيَدُور بها كما يدور الحمار في الرِحَى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون مـالك يا فلان ؟ ألـم تكن تــــأمر بالمعروف وتـنهى عن الـمنكر، فيقـول : بلى ، كنت آمر بالمعروف ولا آتيـه، وأنهى عن المنكر وآتيه ، " فـإن كلمة الاندلاق التي تدل على خروج الشيء فـجــأة ، تصور لنا مشهد العالم الفاشل في بطن جهنم ، حقا إن هذه لصورة رهيبة تقشعر لها الأبـــدان ، وتــرتـعد مــنها القلـوب ، وهي صورة رجل عالم تخرج أقتـاب بطنه من شدة العذاب، فيدور ويجول وأمعـــاءه جــارية على الأرض كما يدور الحمار إذا قيد على الطاحون.
فهــــــذه هي خصية كلامية يتصف بها كلامه صلى الله عليه وسلم ، فالألفاظ تطيعه كــــــــأنهـا جمل وبيده عنـــــــــــــانه يتـــصرف به كيف يشاء ، ومتى شــــــــــــــاء ، ولا نعرف أن لمثل هذه الفصاحة طـــــريق الاكتساب إلا مـــوهبـــة من الله قال الــــرافعي " ولا نعلــــــــــــــم أن هذه الفصاحة قد كـانت له إلا توفيقا من الله وتـــــوفيقا " فكلامه مـــــــــــزيـن وإن لم يقصــــــــد تزينه ومـــرصع وإن لم يقصد ترصيعه، فمن التكلــــــــــــــــف والصنعــــــــة بعيد ونزيه ، قــــــــال الـرافعي "كان أفصح العـرب على أنــــــــــــــــــه لا يتكلف القــــول ، ولا يقصـــــد تزينه ولا يبغي إليه وسيلة من وسائل الصنعة ولا يجاوز به مقدار الإبداع في المعنى الذي يريده".

السهولة والجزالة

فهــــاتان سيمتان فنيتان رصينتان ، يزيدان النص جمالا وروعة ، فبعد تتبع الأحاديث النبوية ومراجعتها مراجعة متواضعة ، وجد أن أكـــــثرية هذه الأحاديث تتصف بهــــاتين الصفتين الحميدتين اللتين يـــلام النص إذا لم يتصف بهما وصاحبه ، كما عـــــابوا أبــــا تمام لاستعـمـاله الغريب الوحشي ، فالأحاديث النبوية عامة هي مــوصوفة بالسهولة والجزالة والبساطــــة والقــــوة ، لأنه لا يقصد بكلامه شيئا سوى الإبــــلاغ ، وبث الفضيلــــة في مسامــــع الصحابة ، فــلم يخرج بكلامه عن المــدار الأصيل للغة ، وهو الفهم والإفهــــام ، وهذه الخصية الحميدة ، و السيمة الرفيعة، يجب أن يتصف بها الداعية لتحقيق مقاصده ورغائبه المنشودة ، في إطار دعوته الإسلامية .
وتجدر الإشارة إلى أن أحاديث الأحكام والقوانــين أسهل عبارة، وأبسط تركيبا ، من غيرها "فالسهولة في الألفاظ والبساطة في التعبير ، وعــــدم الاستغــــلاق المعاني سمة السائدة لاسيما في أحاديث الأحكام والقوانين الشــــرعية " مثل حـــــديث عائشة رصي الله عنها قالت: قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم " الرضاعة تحرم ما تـحرم الولادة"
فعبارة هذا الحديث سهلة عذبة ، يـفهـمـها العـالي والـداني ، ويـستنبط منهـا العالم والطالب حكما شرعيا ، لأن الحديث يشتمل على قضية يـفتـقر إليها العامـة، فصــــــلاة الله وسلامه على من يخاطب حسب مقتضى الحال.
وتظهر جزالة أسلوبـه ، وسهولـة عبارتـه، وبساطـة ألفاظـه ، وقـوة تراكيبـه جـلية في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ومنعا وهات ، وكره لكم قيل وقــال ، وكثرة الســؤال، وإضــاعــة المـــال ،"يتجلى حسن تدققـه وتحققـه في استعمال الكلمات السهلـة الجزلـة، الموحية إلى أغراض منشــودة مربوطة بنفسية المخاطب وعـواطفه حيث إذا نظرت إلى بعض المفردات المـوجودة في هذا الحديث مثل كـــلمة "عقوق " وكلمة "وأد" وكلمـــــة "إضاعة" فــإنها توحي إلى ما لا تــــوحي إليه غيرهـــــا من المفــردات العربية المتقاربة لها في المعنى والـدلالة حيث أن كـلمة العقـوق وحـدها تـدل عــلى الإساءة والتضيـيع لحقهم وعـدم البر والطـاعــة ،ولا يمكن أن تنوب واحدة من هذه الكلمات مـحل كـلمة العقوق وتؤدي ما تـقوم به كلمة "العقوق" من الـدلالة ، مع ذلك لا يحتاج الطالب إلى مراجعة القاموس لاكتشاف معنى مفردات الحديث ، لأنها لم تكن غـريـبة وحشية، ولا سـوقية متدانية ، فــــــالكلام عن خصائص البلاغة النبوية لا ينتهي في هذه العجلة إلا أن يخص الطالب بـحثا مستقلا لدراسة خصـائص بـلاغته صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان موضوعنا الحالي جزءا من هذه الخصائص المتراكمة في أحاديثه.


الخاتمة

بهذا القدر اليسير تتم هذه الجولة العلمية المتواضعة التي بدأت بالمقدمة ثم الكلام عن مدى بدى بلاغته صلى الله عليه وسلم في اختيار الكلمات فمن خلال هذه الرحلة العلمية توصل الباحث إلى نتائج كثيرة منها:
_ إن كلامه صلى الله عليه وسلم عامة يتصف بالسهولة والبساطة والشفافية في المعنى والدقة في اختيار الكلمات لأنه أوتي له جوامع الكلم.
يتميز أحاديثه صلى الله عليه وسلم بالنغمة الرائعة، والموسيقى المثيرة للعواطف المستمعين.
يختص أسلوبه صلى الله عليه وسلم بالنظم الجميل، ونساقة التعبير، وقوة التركيب، ودقة المعنى .

قائمة المصادر والمراجع:
- الرافعي، إعجاز القرءان، ط 1 ، 1421—2000م، دار الكتب العلمية بيروت .
-الصابوني ، محمد علي ، من كنوز السنة ، ط1، 1430—2009م، المطبعة المصرية .
-أبو موسى ، التصوير الفني في الحديث النبوي ، ط1409ه – 1988م ، المكتبة الإسلامية بيروت.
-اللأوي لقمان ، من خصائص أسلوب النبوي ، ورقة الندوة قدمت لقسم اللغة العربية في جامعة عثمان بن فودي صكتوا نيجيريا .
- البخاري صحيح البخاري
-مسلم، صحيح مسلم
- النسائي، سنن النسائي
- ابن الأثير، النهاية في غريب الأثر،ط 1399هـ - 1979م، المكتبة العلمية – بيروت.

أرسل "دقته صلى الله عليه وسلم في اختيار الكلمات" إلى Digg أرسل "دقته صلى الله عليه وسلم في اختيار الكلمات" إلى del.icio.us أرسل "دقته صلى الله عليه وسلم في اختيار الكلمات" إلى StumbleUpon أرسل "دقته صلى الله عليه وسلم في اختيار الكلمات" إلى Google

الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
غير مصنف

التعليقات


HTML Counter
جميع الحقوق محفوظة