أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 17

الموضوع: فلسفة الحب .. عند الطنطاوي

  1. #1
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,293
    المواضيع : 574
    الردود : 10293
    المعدل اليومي : 1.77

    افتراضي فلسفة الحب .. عند الطنطاوي

    قرأت هذا الموضوع في أحد المنتديات للأخ الفاضل السهل الممتنع فأحببت أن أنقله ولاأدري ماهورأيكم به

    أختكم
    بنت البحر


    قراءة في فلسفة الحب عند الشيخ علي الطنطاوي

    إعداد .. أحمد علي آل مريع !!

    القراءة في كتيب عدد صفحاته [ 41 ] صفحة من الحجم المتوسط

    ولأن حقوق الطبع للمؤلف ، وحفظا لحقوقه سنورد بعض ما جاء في تلك القراءة .. بشيء من الإيجاز !!



    الحب في شباب الطنطاوي !

    يأخذ [ الحب ] في أعمال الطنطاوي طابعا فلسفيا عميقا ، قد لا يستطيع القارئ أن يقف على أبعاده ومراميه ، أو أن يفقه جوانبه المختلفة من خلال نظرة واحدة ، أو قراءة عابرة لنتاجه الذي فلسف فيه هذه العاطفة المتجذرة في نفوس البشر التي ينعتها بقوله :

    " الحب عالم من العواطف ، ودنيا من الشعور ، فيها كل عجيب وغريب "
    رؤية متباينة تباين السنين التي عاشها ، ومختلفة اختلاف الطيف واختلاف المدن والبلدان التي مر بها ، أو حط فيها في رحلته الطويلة .

    وإني لأكاد أجزم بأن الطنطاوي كان في صباه عاشقا قد برحه الوجد ، أو هكذا ظهر لي في كثير من أعماله ، التي لا تزال
    آثار الصبا عليها بادية جلية ، وإن احتفظت باتزان الشيوخ وأخلاق العلماء وحشمة العربي .

    ولا يرى الطنطاوي حرجا في التصريح بالحب أو الكتابة فيه كما هو الشأن عند بعض المتأخرين . ويرى أنه من التزمت الشديد أن ننهى الناس عن التعبير عن عواطفهم ، أو أن نحول بينهم وبين جوانحهم بحجة واهية لا تقوم على أساس معلوم من الدين وبخاصة وأن هذا السنن قد رسمه علماء أجلاء من قضاة وأصوليين وفقهاء ، جاءت لهمن من الأبيات في الحب المُرقّصات المُطربات . وما كان التحفظ ليحول بينهم وبين نقل مشاعرهم إلى الناس في أسلوب بديع لا يخلو من الحشمة والجلال والوقار .

    وقد أخذ الشيخ على عاتقه أن يبين ذلك ، وأن يمحو ما هو شائع في عصره نتيجة ما يروج بعضهم : من أن الدين قد حظر على المشاعر والعواطف ، وأنه قد حرم حتى مجرد الإحساس بالحب فكيف بالكتابة فيه وإذاعة لواعجه !!

    يقول :

    " قال لي شيخ من المشايخ المتزمتين وقد سقط إليه عدد من [ الرسالة ] فيه مقال لي في [ الحب ] : ما لك و [ الحب ] وأنت شيخ وأنت قاض ، وليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في [ الحب ] وأن يعرضوا للغزل ؟ ! ..

    فضحكت وقلت له : أما قمت مرة في السحر ، فأحسست نسيم الليل الناعس ، وسكونه الناطق ، وجماله الفاتن ، فشعرت بعاطفة لا عهد لك بمثلها ، ولا طاقة لك على وصفها ؟ ! أما سمعت مرة في صفاء الليل نغمة عذبة من مغن حاذق قد خرجت من قلبه ، فهزت منك وتر القلب ، ومست حبة الفؤاد ؟ ! أما قرأت قصة من قصص الحب أو خبرا من أخبار البطولة ، فأحسست بمثل النار تمشي في أعصابك ، وبمثل جناح الطير يخفق في صدرك ؟ ! أما رأيت في الحياة مشاهد البؤس ؟ ! أما أبصرت في الكون روائع الجمال ؟ !

    من الذي يصف لذاذاتك وآلامك ، وبؤسك ونعمائك ؟ ! لن يصورها اللغويون ولا الفقهاء ولا المحدثون !! كل أولئك يعيشون مع الجسم والعقل محبوسين في معقلهما .. لا يسرحون في فضاء الأحلام ، ولا يوغلون في أودية القلب ، ولا يلجون في عالم النفس ، فمن هم أهل القلوب ؟ ! إنهم الشعراء يا سيدي !! وذلك هو الشعر !

    ومن أين عرفت أن العلماء قد ترفعوا عنه والكتب مملوءة بالجيد من أشعارهم في الحب والغزل ووصف النساء ؟ !!

    ويقول في موضع آخر :

    " من حرم الكلام في الحب ؟
    ما في الحب شيء ولا على المحبين من سبيل !! إنما السبيل على من ينسى في الحب دينه ، أو يضيع خلقه ، أو يهدم رجولته ، أو يشتري بلذة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنم .. "

    والطنطاوي نفسه يعترف بأنه قد تحدث عن الحب فلم يبلغ ما في نفسه ، ولم يوفه حقه ، لأن اللغة نفسها عاجزة عنه ، قاصرة دونه ، يقول في صدر إحدى فتاويه المنشورة في جريدة الشرق الأوسط :

    " أنا أقول من قديم : إن لغات البشر قاصرة عن التعبير عن المشاعر والعواطف ، بل أنها تعجز – أحيانا – عن تصوير بعض مشاهد الطبيعة .. لذلك أطلقنا هذه الكلمة الواحدة ذات الحرفين : الحاء : التي تمثل الحنان ، والباء : التي تبدو الشفتان عند النطق بهما كأنهما متهيئتان لقبلة .. كلمة واحدة نطلقها على ألوان متعددة ، هي إلى الاختلاف أقرب منها إلى الائتلاف .. ولن ألج في متاهات الكلام عن الحب .. فلي فيه مقالات وقصص تملأ عشرات من الصفحات منشورة فيما طبع من كتبي وفيما لم ينشر من كتاباتي "


    والحق أن ما يقال عن لفظة [ الحب ] في العربية ينسحب على لفظتي [ amour ] الفرنسية ، و [ lovi ] الإنجليزية .. وهذه ملاحظة ذكية من الطنطاوي ، واستشعار عميق ، بما وراء الحروف من المعاني الدافئة ، هذا الإحساس ستجاوز حدود اللغة القومية ليشمل اللغة الإنسانية بعامة . وكأني بالشيخ يؤكد – ضمنا – إحدى عبقريات ابن جني التي أودعها كتابه الخصائص ، ولا سيما في البابين اللذين عنونهما على طريقته العجيبة في انتقاء مصطلحاته وهما [ باب إمساس الألفاظ أشباه المعاني ] و [ باب تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني ] وهي عبقرية فذة حيث فطن إلى دراسة اللغة من حيث هي : ظاهرة إنسانية حية ، ونتيجة حتمية لمقدمات من حاجات الإنسان ورغباته وميوله ، بغض النظر عن أصل اللغة وجغرافية انتشارها .

    وإذا كانت معاناة الأدباء وآلامهم تسهم بشكل واضح في رسم ظلال قاتمة خلف التجربة الإبداعية وخلق فلسفة ذات ابعاد مأسوية ، فإن شفافية نفس على الطنطاوي ، وحسه المرهف يريان الكون لحمة واحدة مبنية على الحب والتضحية ، تجمعه أواصر القربى وتوحد بين عناصره وشائج الألفة ..

    يقول :

    " لولا الحب ما التف الغصن على الغصن في الغابة النائية ، ولا عطفت الظبية على الطلا في الكناس البعيد ، ولا حنا الجبل على الجبل في الوادي المنعزل ، ولا أمد الينبوع الجدول الساعي نحو البحر ، ولولا الحب ما بكى الغمام لجدب الأرض ، ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع .. ولا كانت الحياة "


    يتبع
    حسبي اللهُ ونعم الوكيل

  2. #2
    الصورة الرمزية سلطان السبهان شاعر
    تاريخ التسجيل : Apr 2004
    الدولة : شمال الجزيرة !!
    المشاركات : 3,808
    المواضيع : 145
    الردود : 3808
    المعدل اليومي : 0.65

    افتراضي

    هذا الكتاب عندي

    وحسبنا ان المرحوم اطلع عليه وفرح به كثيرا .

    الأديب آل مريع معيد في كلية أبها ، وصاحب اسلوب ماتع

    دمت لنا زاهية
    ما دام أن الموت أقرب من فمي
    فمجرّد استمرار نبضي معجزة .........

  3. #3
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,293
    المواضيع : 574
    الردود : 10293
    المعدل اليومي : 1.77

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلطان السبهان
    هذا الكتاب عندي

    وحسبنا ان المرحوم اطلع عليه وفرح به كثيرا .

    الأديب آل مريع معيد في كلية أبها ، وصاحب اسلوب ماتع

    دمت لنا زاهية

    أما أنا فليس عندي الكتاب
    سأتابع نقل ماتوفر من نشر ٍ لهذا الجمال
    ليكون بمتناول من يود ذلك
    أهلاً بك أخي الفاضل
    سلطان السبهان
    أختك
    بنت البحر

  4. #4
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,293
    المواضيع : 574
    الردود : 10293
    المعدل اليومي : 1.77

    افتراضي

    ويتابع الكاتب النشر كاتباً

    والحب عند الطنطاوي يحجب العقل ويغطيه ، ويعمي البصر والبصيرة معا ، فتتوارى عن ناظري العاشق كل هنة تتصف بها محبوبته ، فلا ترى عيناه غير جمالها ، ويروح ينسج من خيالاته الحالمة حولها ثوبا براقا مشرقا ، حتى يحسبها من تهويمات الحب خلقت دون سائر البشر من نور ، وخلقوا هم من الطين ، فلا يطلب غيرها ولا يهيم بسواها ...

    يصيب الحب العاشق بنشوة تتضاءل معها قيود الاتزان ، فتجعله يهذي بما لا يدري ويتلفظ بما لا يعي ، ويأتي ما لا يريد ، ويبكي وهو يضحك ، ويضحك وهو يبكي ..

    الحب في الوقت ذاته زنبقة الجبل الطاهرة التي تحيل الكون إلى شذا ربيعي ، وتحمل الإنسان إلى عوالم عزيزة من المثال ، فتتراءى له الحياة جميلة جذابة مشرقة الأمل .. أحلى من الحلم ، وأجمل من بلوغ المنى .. يقول :

    " ما كان يدري من قبله – أي الحب - ما اللذة وما الحياة ، وما كان يحس أنه يعيش حقا ، وأن له قلبا ، وما كان يدرك من قبله بهاء النهار ، ولا فتنة الليل ، ولا سحر القمر ، وكان كل ذلك عنده كالألفاظ بلا معنى ! يفهم منه ما يفهمه الأعجمي إذا تلوتَ عليه غَزَلَ العرب !! فلما عرف الحب أدرك أن وراء هذه الألفاظ معاني تهز الفؤاد وتستهوي القلب .. وكان يمشي في طريق الحياة كما يمشي الرجل في المتحف المظلم فطلع عليه هذا الحب نورا مشرقا أراه هذه التحف الفاتنات ، وهذه الروائع "

    وبالرغم من موافقته بشار بن برد في أن الأذن تعشق قبل العين أحيانا .. إلا أن العين تظل بريد القلب ، ونافذة الفؤاد ، أو كما يقول - شوقي - لغة الهوى :

    وتعطلت لغة الكلام وخاطبت ** عينيّ في لغة الهوى عيناك !

    ولذلك عزف الشعراء المجانين ليلاهم على أوتار العيون الحورية ، وعلى أهداب الحسناوات نسجوا خيوط الغرام الوردية ، ورددوا في أشعارهم " عيون المها " و " لحظ العيون " .. يقول – رحمه الله – في ضرب التصوير :

    " ويرى عينيها فيحس كأنما دارت الأرض به ، وهو يحدق فيهما ، ثم أسرعت في دورانها ثم اختفت بما عليها ، ولم يبق في الوجود إلا عينان . قال الله : كونا ؛ فكانتا فعولان بالألباب ما تفعل الخمر "

    وفي إيمان مطلق يؤكد الطنطاوي فكرة الاتحادية بين كياني المحبين .. اتحادية تضمحل معها الأشكال والفوارق والعناصر ، وتذوب أمامها التقاليد والأعراف ؛ فإذا الحبيبان شطران في كيان واحد بما في هذا الكيان من حياة ، وحب ، وأحلام ، ورؤى ، وخيالات ، وأحاسيس ، وهي فكرة قديمة عرفها الأدب العربي مذ ألهم الحب شعراءنا رائعات الشعر ، ومعجزات القصيد :

    أنا من أهوى ومن أهوى أنا ** نحن روحان حللنا بدنا !

    يقول الطنطاوي :

    " يمضي عمره بعيدا عنها خاليا قلبه من حبها ، لا يدري بوجودها ، ثم يراها مرة واحدة ؛ فيحس أنه قد عرفها من الأزل ، وأنه لم يفارقها ساعة ، ويقسم أنها ما خلقت إلا له ، ولم يخلق إلا لها ، ولا يعيش إلا لها وبها ، فهما روح في جسدين : هي : هو !! وهو : هي !! ينظر بعينيها ، ويسمع بأذنيها ، ويطرب وهو بعيد عنها إن سمعت نغما عذبا ، ويبتسم وهو في أعماق منامه إن رأت في منامها حلما حلوا ... "

    يتبع

  5. #5
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,293
    المواضيع : 574
    الردود : 10293
    المعدل اليومي : 1.77

    افتراضي

    وإذا كانت فلسفة بعض السفسطائيين وأصحاب النظرة البايلوجية الصرفة تقوم على أساس من أن الجمال اتجاه مجرد من أي هدف ، أي : جمال غير مقصود أن يراه أحد أو يستمتع به أحد [ جمال من أجل الجمال ] فإن الفلسفة الطنطاوية تجعل من الجمال دافعا إلى الحب ، ومن نشدان الجمال سبيلا إلى الكمال الذي فطر الإنسان على طلبه ، يقول :

    " إن البشر يكدون ويسعون ويسيرون في صحراء الحياة ، وقيد نواظرهم كواكب ثلاثة ، هي هدفهم ، وإليها المسير ، ومنها الهدى ، وهي السراج المنير ، وهي :
    الحقيقة !
    والخير !!
    والجمال !!!
    وإن كوكب الجمال أزهاها وأبهاها ؛ وإن خفي صاحباه عن بعض الناس فما يخفى على أحد ، وإن قصرتْ عن إدراكهما عيونٌ فهو ملء كل عين .
    والجمال بعدُ أس الحقائق ؛ فلولا جمال الحقيقة ما طلبها العلماء ، ولولا جمال الخير ما دعا إليه المصلحون . وهل ينازع في تفضيل الجمال إنسان ؟ ! أو هل في الدنيا من يؤثر الدمنة على الجنة المزهرة ؟ ! والعجوز الشوهاء على الصبية الحسناء ؟ ! "

    ومفهوم الجمال عند الطنطاوي لا يقف عند حدود الحس أو الشكل فحسب ، بل يتعداه إلى المشاعر والمعنويات ، ومثلما يكون الجمال والحسن مشاهدا فإنه يكون أمرا معنويا يدرك بالقلب والوجدان ، كـ : جمال الإخلاص ، وحسن التضحية ، وبهاء الوفاء ..

    يحكي لنا ذلك على لسان [ فرج ] إحدى شخصيات قصته " ثلاثون ألف دينار " ؛ فيقول :

    - سهيلة : أتحبني وقد صرت عجوزا ؟ !
    - فرج : الجمال هو : الإخلاص يا سهيلة ، أحبك دائما ، إني أراك أجمل النساء "

    ويُعرِّض الطنطاوي بالجمال الحسي في مكان آخر ؛ فيقول :

    " من قال لكم إن الجمال هو هذا ؟ ! إن الجمال هو الإخلاص !! "

    وحسب [ الحب ] من البهاء والحسن أنه يطهر النفوس ، ويمحو صورة الرذيلة والحسد ، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ، ويحمل على كريم الطباع ، وعظيم الشمائل ، يقول :

    " لقد صهرها بحبه وصهر ماضيها الملوث فأحاله بنار الهوى جوهرا خالصا ، ورفعها من حضيض الضيق الذي كانت تتقلب في ظلماته إلى سماء عالية رحيبة ، وليس كـ [ الحب ] – إذا لم يكن في حرام – مطهرا للنفوس ، ومصلحا للأمم ، وحافزا للفضيلة "

    فالحب عنده عاطفة خيرة ، واثب إلى الجمال حسا ومعنى ، نازع إلى البراءة والطهر . يقول الشيخ أبو عبد الرحمن الظاهري : " لا أنكر ما يبعثه الحب من الأريحية وصقل النفس ، والمحبون أخف عباد الله نفوسا وألينهم حديثا ، وأعذبهم نبرة ، وأصفاهم عشرة ، وآنسهم مجلسا "


    يتسع الحب في كتابات الشيخ حتى يغدو مالئ الدنيا وشاغل الناس ، ويضيق عالم الحب حتى يتقوقع في حدود الأنا يقول عن امرأة تعيش مع من تحب :

    " إنها في جنة الحب – إن الدنيا على سعتها أضيق من هذا العيش الذي تعيش فيه مع من تحب "
    ويضعف الحب حتى يختبئ وراء النظرة والهمسة ، والرعشة ، والبسمة المومضة من الثغر الجميل ، ثم يقوى .. يقوى .. حتى أنه ليفعل بالدنيا الأفاعيل ، يقول :

    " الحب أضعف مخلوق وأقواه !! يختبئ في النظرة الخاطفة من العين الفاتنة ، وفي الرجفة الخفيفة من الأغنية الشجية ، وفي البسمة المومضة من الثغر الجميل ، ثم يظهر للوجود عظيما جبارا ، فيبني الحياة ويهدمها ، ويقيم العروش ويثلها ، ويفعل في الدنيا الأفاعيل .. "

    ويعجب الطنطاوي من [ الحب ] كيف كتب لنفسه هذا الخلود الفاعل في ظل وجود الذي لا يؤمن إلا بما هو مادي صرف ، وهذا ما جعل العقل يستشكل حقيقته الروحية التي صورها أساطين العشاق ، يقول :

    " الحب أحجية الوجود .. ليس في الناس من لم يعرف الحب ، وليس فيهم من عرف ما هو الحب !! الحب مشكلة العقل التي لا تحل ولكنه حقيقة القلب الكبرى !! "

    ولذلك كان الحب جوهرا فوق الزمان والمكان ، يحيا معه الكون ، ومعه يفنى ويزول ، لا تمحوه السنون ، ولا تعفي على ذكرياته الأيام ، ولا يزيد صبابته كر الجديدين إلا نضارة وجمالا ، يقول :

    " لا ، إن الفناء لا يقوى عليها .. إن الفناء لا يدرك حقيقتها ، كما أن النسيان لا يقوى على محو صورها .. "

    والحب - بعد – إشراقة للنفس وحياة للروح فمن لم يحب فليس من الأحياء في شيء ، وإن كان حيا في جسده متحركا ببدنه ، ويصور الطنطاوي حالة رجل ماتت محبوبته فيقول :

    " قد ماتت في نفسه كل رغبة إلا رغبة الموت ، وماذا بقي له في الحياة بعدما فقد الحب ؟ ! "




    يتبع .. الحب في كهولة الطنطاوي !

  6. #6
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,293
    المواضيع : 574
    الردود : 10293
    المعدل اليومي : 1.77

    افتراضي

    الحب في كهولة الطنطاوي !
    وهكذا نجد الحب عند الطنطاوي في الفترة الأولى حبا رومنتيكيا مفعما بالحيوية والنشاط ، والتدفق والتطلع والفضيلة ، لا يخمل ولا يتلاشى لأنه قائم على فيض الحقيقة الأبدية التي تجمع الكون وتؤلف بين عناصره ، ومن قرأ أعمال الرومانسيين من مثل [ سكندر دوما ] و [ فيكتور هوجو ] يدرك إلى أي مدى كان الشيخ متأثرا بالعاطفة الرومنتيكية ، بيد أنها لم تدم طويلا حيث نجد الحب عنده هرم وشاب ، فذهب حسنه ، وولى بهاؤه ، وفقد بريقه ، وذلك بعد أن دب المشيب إلى الشيخ ، وتصارمت عنه السنين ، وتوالت عليه الأيام بالأفراح والأتراح ، وبعد أن طوى الموت كثيرا من خلصائه وأحبائه ، واضطلع بالعديد من المهام الدعوية والتربوية والعلمية التي فرضت نفسها عليه بشكل أكثر من ذي قبل في أواخر الخمسينات من القرن العشرين أو قبلها بقليل ، يقول :

    " الحب ربيع الحياة المزهر ، ولكن الربيع ينتهي .. ولا بد أن ينتهي الربيع .. أيام الحب كأس مترعة بالشراب ، ولكن الكأس تفرغ ، ويحس الإنسان بالظمأ ، ولا بد أن تفرغ الكأس "

    الحب الذي كان ينعته الطنطاوي في شبابه بقوله : " الحب مشكلة العقل التي لا تحل ، ولكنه حقيقة القلب الكبرى " استحال في كهولته إلى سراب زائل ووهم فان ، وخرافة نسجتها خيوط الأباطيل ، يقول : " إن الحب العذري الشريف حديث خرافة ، لا يروج سوقه إلا على المجانين والشباب "

    وفي موضع آخر يقول :
    " لقد كنت إذا كتبت عن الحب أغرف من معين في نفسي يتدفق ، فجف النبع حتى ما يبض بقطرة ، وخلا الفؤاد من ألم الهجر ، وأمل الوصال ، وبطل سحر الغيد ، وطمست شمس الحقيقة سُرُجَ الأباطيل !! "

    والحب في كهولته كذبة كبرى تواطأ البشر على صنعها ليخدعوا بها أنفسهم ويزينوا رغباتهم ، يقول :

    " وما الحب الذي افتن في وصفه الشعراء ، وفي تحليله الأدباء ، إلا ما تجده أنت سواء بسواء ، ولكنك أخذته مجردا مكشوفا ، فعرفه الناس فلم يخدعوا عنه ، وأخذوه فلفوه بمثل ورق [ الشكلاة ] ليخدعوا عن حقيقته الناس .. وشر الداء ما خفي واستتر .. "

    وإنا لنعجب كيف أصبحت لفظة الحب التي تغنى بها الشيخ ووقّع على أوتارها ، سيمفونيات الإبداع مجرد تكرار فارغ ، لا ظلال فيه ولا فائدة منه ، أو اقتباس عبارة قالها آخرون فقدت بريقها ومعناها ، يقول :

    " وماذا في مجلس الحب إلا هذا الكلام الفارغ ، تقول له أحبكَ ويقول لها أحبكِ ويعيدان هذه الكلمة حتى لا يبقى لها معنى .. ثم يملان ويسكتان .. "

    وإذا كانت أعمال الشيخ التي سطرها بأعصاب الشباب تجعل من الجمال دافعا إلى الحب ومن نشدان الجمال سبيلا إلى الكمال الذي فطر الإنسان على طلبه ، فإنه في كهولته يرى أن الدافع إلى الحب غريزة أرضية ، هي طلب البقاء ، أو الجوع الجنسي الناجم عن الاحتقان المادي يقول معرفا بهذه الفكرة :

    " وما الحب مهما زخرفه الشعراء ، وزوقه الأدباء ، إلا رغبة في الاتصال الجنسي لم تجد طريقها .. "

    وهكذا يُهبِط الطنطاوي الحب من برجه العاجي الذي وضعه فيه أيام الصبا والشباب ، عاطفة طينية مجردة عن السمو والروحانية ، وبالتالي فإنه سوف يفقد كثيرا من مصداقيته ، وسوف ينتابه التحول ، ويطرأ عليه التغيير ، ولذا فإنه لا يصح أن يكون أساسا وحيدا لما يفترض فيه الدوام والاستمرار ، لذلك يصرخ في وجه من خدعه بريق الحب فأراد أن يبني عليه عش الزواج الهادئ المطمئن ، فيقول :

    " لا ... لا يصح أن يبنى الزواج على الحب وحده ، إلا إن صح أن تبني العمارة على أساس من الملح في مجرى الماء "

    كان الشيخ في سالف الأيام يجوز لنفسه الكتابة في الحب ولا يرى بأسا بإذاعة لواعجه ، ولكنه الآن – في الكهولة – يكفر بملة الحب ! .. ويتنكب طريق العاشقين ، ويقطع آخر صلاته بهم ، فيطلب إليهم أن يتركوه في وحدته ، فلا يقطعون عليه خلوته مع نفسه وشيته ، التي كشفت له زيف المشاعر ، وطمست بنور بصيرتها سرج الأوهام ، يقول :

    " ولو أني بليت بحب جديد لأعاد لي الحب أيامي التي مضت .... وأين مني الحب ؟ لم يعد ينقصني بعد هذه السن والتجربة إلا أن يتعبدني الحب !! وأن أعود إلى الجنون بعد العقل .. كلا ما أنا من ددٍ ولا ددٌ مني ، فاتركوني أيها العشاق .. اتركوني فقد أنستني الأيام كيف يكون الغرام ..

    ماذا يبتغي العشاق مني ** وقد جاوزت حد الأربعين ؟ !!
    ما بقي علينا إلا الكلام في الحب "

    ويصرح الطنطاوي في ذكرياته وهي آخر ما كتب – فرغ منه عام 1408 هـ - أنه بات يكرم شيبته عن هذا الهراء الذي يسمونه الحب .. وكأنه ما كتب في الحب من قبل ولا ألّف ، يقول :

    " وهربت منها وقلبي عندها ، ولو وضعت في هذه الحالة قصة لكانت من أروع القصص ، وأنا قادر على كتابتها !! ولكني أكرم شيبتي أن أعود الآن إلى هذا الهراء .. وأرحم الشباب من القراء .. "


    يتبع

  7. #7
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Nov 2005
    الدولة : هنا .. تماماً !!
    المشاركات : 603
    المواضيع : 45
    الردود : 603
    المعدل اليومي : 0.11

    افتراضي

    رائعة في اختياراتكِ دائماً يا أختي العزيزة / زاهية


    لكِ كل تقدير


    أحمد فؤاد
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  8. #8
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Nov 2005
    المشاركات : 472
    المواضيع : 19
    الردود : 472
    المعدل اليومي : 0.09

    افتراضي

    زاهية مررت من هنا وقد قرأت هذا الموضوع في أحد المنتديات وأعتقد قرأت ردي عزيزتي وسأعود لأرتب أفكاري ................زاهية دائما سباقة للمواضيع الجميلة

  9. #9
    الصورة الرمزية د. محمد حسن السمان شاعر وناقد
    تاريخ التسجيل : Aug 2005
    المشاركات : 4,318
    المواضيع : 59
    الردود : 4318
    المعدل اليومي : 0.81

    افتراضي

    سلام الله عليكم
    الاخت الفاضلة الاستاذة زاهية
    لقد اجدت اختيار المقالة التي تتكلم عن علم من اعلام
    الادب والفكر الاسلامي الوسطي , الشيخ علي الطنطاوي
    اديب ومفكر وصاحب حديث طلي حلو ممتع , نشأت على
    محبته ومحبة احاديثه الاذاعية التي لم اكن افوتها مع طفولتي
    وفترة المراهقة , ثم صرت اتابع احاديثه عير الاذاعة والتلفزيون
    عتدما انتقل الى المملكة العربية السعودية , مرغما على مغادرة
    دمشق .
    ويحكم الشيخ في رأيه امران عمق ايمانه ودينه القويم وورعه ,
    وتراث مجتمعي عميق الجذور , ولئن كانت لديه بعض الجرأة
    في كلامه عن الحب في بداياته الادبية والفكرية , فقد كان حريصا
    ان لايحيد ابدا عن الرؤيا الاسلامية الملتزمة دونما تقوقع , وعندما
    اصبح الشيخ شيخا وتقدم به العمر , ارتفع على مايبدو عن المشاعر
    والعواطف وارتقى ليكون مربيا اسلاميا ومجتمعيا صالحا , فآثر ان
    لايركّز على الحب وحرارته , لاجهلا ولا ضعفا في شعوره الجمالي
    ابدا , ولكنه تجاهل العالم المربي الذي اراد ان يوجّه دفة السفينة
    نحو مسار فاضل صالح .
    سلمت يداك ايتها الفاضلة الاخت زاهية , على هذا الجهد في تقديم
    هذا الموضوع , ولقد اسعدتني دون شك بانتقائه وتقديمه , بارك الله
    بك .

    اخوكم
    السمان

  10. #10
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,293
    المواضيع : 574
    الردود : 10293
    المعدل اليومي : 1.77

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد فؤاد
    رائعة في اختياراتكِ دائماً يا أختي العزيزة / زاهية


    لكِ كل تقدير


    أحمد فؤاد
    الروعة أخي الفاضل أحمد فؤاد
    في المتلقي الذي يعرف كيف يستفيد
    مما يقرأ ويستشعر جمال المادة التي أمامه
    أحسبك والله حسيبك من أصحاب الروعة
    فكراً وتلقيا
    دمت بخير
    أختك
    بنت البحر

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. فلسفة الحب في عيد الحب
    بواسطة عبد الله شوقي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 10-07-2015, 01:55 AM
  2. مع الشيخ سعيد الطنطاوي
    بواسطة د عثمان قدري مكانسي في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 13-08-2009, 05:28 PM
  3. فلسفة اللا فلسفة
    بواسطة مصطفى سلام في المنتدى التَّفكِيرُ والفَلسَفةُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 22-12-2006, 01:39 PM