أحدث المشاركات
صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 36

الموضوع: نصوص القصة القصيرة التي شاركت في مسابقة الواحة الأولى

  1. #1
    الصورة الرمزية إدارة الرابطة الإدارة
    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    المشاركات : 1
    المواضيع : 7191
    الردود : 1
    المعدل اليومي : 0.00

    افتراضي نصوص القصة القصيرة التي شاركت في مسابقة الواحة الأولى

    هنا تنشر النصوص التي شاركت في مسابقة الواحة الأولى تحت تصنيف " القصة القصيرة" بواسطة أصحابها كي يتعرف القراء من أعضاء وزوار على هذه المشاركات ويتم الاحتفاء بها بما تستحق.

    وعليه فإننا نهيب بالجميع بما يلي:

    * الأخوة الأعضاء من شارك في المسابقة بسرعة نشر نصه هنا بشكل منسق وجذاب ، وأؤكد أن النشر هنا للنصوص التي تم إرسالها لبريد مسابقة الواحة وليس لأية مشاركات جديدة.

    * الأخوة الذين شاركوا في المسابقة ولما ينتسبوا للواحة سرعة التسجيل في عضوية ملتقى الواحة ونشر نصوصهم بأنفسهم كي يكون لهم فرصة للفوز بأحد جوائز المسابقة.

    * باقي الأخوة الأعضاء عدم المشاركة هنا بردود وتعليقات والالتزام بالرد فقط في موضوع "على هامش المهرجان" لتظل هذه الصفحة مخصصة للنصوص المشاركة في المسابقة فقط.


    تحياتنا
    الإدارة

  2. #2
    قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر - بلطيم
    العمر : 44
    المشاركات : 285
    المواضيع : 38
    الردود : 285
    المعدل اليومي : 0.06

    افتراضي

    قصة قصيرة :- هذه الليلة ....

    بقلم/ سامح عبد البديع الشبة

    إنها ليلة ليست كالليالى ... لا تشبه ولا ليلة ... ليلة أسدل الظلام الحالك فيها ردائه ... القمر بين أحشاء السماء يستحى أن يولد أمام الدجى ... توارى خلف سحب الظلام الدامس .
    الطريق يبدو أمامى خالياً من الآدميين ، وما من بصيص ضوء يجتاز هذا السكون المخيم على الطريق ، وجاءت هذه الليلة ، وكان الصمت اللعين الذى دفعنى للخروج فى هذا الوقت المتأخر .
    الليل أمامى طويل وممد بطول الشارع ، فعندما انتهيت من روتينى اليومى ، وتمددت على سريرى ، وجدت السهد يغزو أجفانى معلناً أنه ... لا للنوم هذه الليلة ، ونعم للأرق والوحدة ... وبالشعور بالبرودة ... ربما يرجع السبب فى ذلك قلة الطعام المهضوم ... أو قلة الداخل إلى المعدة .
    ألف البطانية وأمسد قدمى بكفى عسى أن تدفأ ، وأتعجب كثيراً ... أعجب كيف لها أن تنام ويزداد شخيرها بجوارى دون أن تس ببرودة هذه الليلة - بل وحبات من العرق تتلألأ وتزين جبينها .
    - أنا الآن بخير .
    نهضت بفتح باب الشرفة ، وأخذت أمعن النظر فى البيوت القريبة منى ... فأجد أحبال غسيلٍ خالية من المتعلقات الشخصية ، وأشم روائح لطبيخٍ منبعثة من عند جارتى مدرسة الاقتصاد المنزلى .
    تركت امرأتى تغط فى ثباتها العميق ، أطبقت على أذرع الوحدة داخل الغرفة الرطبة ، وجدتنى بعد طول تفكير قد تهيأت للخروج ... فتحت الباب وتسللت فى هدوء ... وإلى الشارع قد خرجت .
    أرانى أخوض فى دروب المدينة وقدماى لا أعرف لها مدى ... أين النهاية ... فلا أعرف ... فالليل سواد قاتم وخيفة موحشة .
    يتراءى لى الطريق كثعبان يتلوى ... خفت انتابتنى لحظات خوفٍ وفزع ... أبحث عن صديق أقضى معه ليلتى ... رجل أكلمه ويكلمنى ... أغنى له " الليل لما خلى " ، ويغنى لى " أقبل الليل " ... أفضفض له عن أيام عزوبيتى ... ويفضفض لى عن أيام ميلاد طفله الوحيد .
    الان ... بينى وبين الطريق ثأر ... وأرق ... ووجع .
    دفعنى غرق البيوت والبنايات فى بحور النوم العميق إلى الغناء ، فتعالى صوتى عالياً ، ماراً بكشك الجرائد ... ومكتب البريد ... وحلقة السمك ... وسوق الخضار ... والسنترال ... وكبائن ميناتل ... وغمرنى إحساس بالسعادة ... وارتفعت نبرات الصوت تدريجياً ... فلا أحد يسمع غناءى ... لا أحد ينصت لموسيقى حنجرتى ... ويتفرج على وأنا نجم يتلألأ على رصيف المحطة .
    حتى سمعت عواء كلاب ... ظهرت فجأة ... تسمرت أمامى ... تسمرت أمامها وشللت خائفاً ... شاحباً ... ارتجف ... أهتز بعنفس ... رحت أهز رأسى آسفاص - لعلهم يفهمون إشارتى وإمائاتى - على خروجى فى هذا الوقت المخصص لحياتهم .
    صرت كطفلٍ خائف ... فما الذى دعانى للخروج فى هذه الليلة الممطرة .
    فدارت حولى تتشمم رائحتى ... سكتت عن النباح المستباح ... وقررت فى هذه اللحظة الاشتباك معهم فى معركة لا أدرى عواقبها ... فهممت بالاقتراب منهم ... إلا أنهم سبقونى ... واقتربوا رويداً ... رويدا ... واشتبك بنطالى بأسنان أربعة كلاب ... تتراوح أعمارهم ما بين ( 3 - 5 ) سنوات ... وتختلف ألوانهم بدرجات متفاوتة ... وهم كلب منهم بالانصراف - أظن أنه أكبرهم - فتبعته بقية الكلاب فى استسلام وخنوع .
    فى الطريق ... عاوت الانطلاق بخطىً مغلفة بالخوف والحذر ، تدور عينى فى كل الأمكنة ... مهيئاً نفسى لأى كلبٍ يحاول الاقتراب من البنطال ... أمسكت بقطعة جريد خضراء أهش بها الناموس الذى لازمنى ولا يكاد يفارق جسدى .
    انعطفت إلى اليمين ... وكان نباح الكلاب يصلنى متموجاً متقطعاً ... ومضيت أتجول بين الأزقة المظلمة ... أدخل يميناً وأنعطف يساراً ... حتى كدت أن أتيه فى هذه المدينة .
    - غريبة عنى هذه الأزقة والشوارع .
    غادرت الزقاق ... وانعطفت مع أول شارع بدا لى فى المدى .
    - شارع التحرير .
    أروقة الليل تتلقفنى ... فوجدت قدماى تقودانى إلى حيث بعض الرفقاء فى السهر ... يقضون ليلهم فى قهوة الشعيرى ... ذلك المكان الذى يتسامرون فيه ويفضون لبعض ما جرى فى يومهم ... ويلقون على كاهل كل منهم هم الآخر .
    أسمع ضحكاتهم ... فقد دنوت منهم ... وانجذبت إليهم .
    فى ذلك المكان أدهشتنى تلك الوجوه الساهرة فى هذا الوقت المتأخر ... حاولت الاندماج مع أحدهم فى أى كلام أو الضحك معه على أية نكتة أو " إفيه " ماسخ ... فلم أجد لذلك مدخلاً ... فران الصمت على المجلس للحظات ... رأيت خلالها كثير من علامات الاستفهام الفضولية ... يبرق فى عينى أحدهم سؤال محير عن سبب تشريفى لهم هذه الليلة ... خاصةً أنهم كثير ما ألحوا على بالسهر معهم ... فأوهمتهم أنه الأرق والسهاد .
    تبادلوا النظرات ... تبادلوا التحية ... احتفى بعضهم ببعض وخاصةً الاحتفاء المغالى فيه الذى يبدونه لى .
    أفاقنى الأستاذ سعد من شرودى بسؤاله عن نسبة الزيادة فى الأجر الذى اتفقنا عليه مع صاحب العمل ... تاهت الإجابة من لسانى ... وهل أصارحه بأن هذه الزيادة لا قيمة لها بسبب تلك الزيادة فى السعار التى أعلنتها محلات البقالة والمطاعم والأقمشة ... أم أغضبه وأصارحه بأنى منذ جلوسى بينهم لم أنصت إلى أحاديثهم ... وأنى طوال الوقت مشغول بتلك المرأة القابعة فى المنزل تنتظر عودتى حتى تحيل على الدنيا حطاماً وركاما .
    دون مقدمات قررت الانسحاب ... تركت الجميع فى ذهول ... تبعنى صياح الأستاذ على " انتظر يا رجل " ... لم أعره أى اهتمام ، ومضيت ... وها أنا بعد اجدنى ضالاً فى متاهات الليل ... آه ... إنها بانتظارى الآن أمام عتبة البيت ... تقف وبيدها نابوت زان طويل استعداداً لاستجواب قد يطول حتى عصر الغد ... وقد تطردنى من المنزل ... وربما أبيت فى العناية المركزة ... ليتها نائمة الآن ... كم أتوسل إليك إلهى ... هل اكتشفت أمرى ... هل علمت أنى فككت قيودها وأنى طوال ذلك الوقت خارج البيت ... آه ... ستقوم قيامتى إذن ... ستنطبق على السماء .
    فوجئت بقدماى تتوقفان فجأة أمام بيتٍ ألقى الظلام ردائه عليه ... بدأ جسدى يرتعش وقد غمره فيضان العرق المتدفق مختلطاً بقطرات المطر ... ولولا أنى أخشى المبيت بين جدران قسم شرطة البرلس ما كنت فكرت فى الدنو من هذا البيت .
    تعثرت قدماى بعتبة البيت ... الريح جأرت من خلفى ... كأن إعصاراً سوف يدك الدنيا هذه الليلة ... هل سأنجو من هذا الإعصار الكاسح ... أدعوك إلهى .
    أخرجت المفتاح ... أدخلته المزلاج ... دار فى ضجر ... أأسحبه قبل أن يتم دورته ... سمعت تكة المزلاج تنطق ... فى هدوء وحذر ولجت إلى الداخل .
    استدرت ... يأتينى صوت موتور لتوليد الطاقة من تلك المرأة البدينة ... انتابنى خوف ... أغلقت الباب ... تقدمت خلال الردهة الضيقة ... الغرفة معتمة ... لك الحمد يارب ... اطمأنت سريرتى ... عاود قلبى نبضه الطبيعى ... دلفت إلى الغرفة ... ربما توك متيقظة تصطنع النوم ... الغرفة تبدوا قفراً كصحراء القلب الجافة ... شخيرها يمزق رداء السكون ... ليتها لا تقوم .
    فى لحظات كنت مستوياً بجوارها ... السرير يأن تحت وطأة ثقلها ... النافذة أمامى ترقبنى بزجاجها المشروخ ... بعض التموجات الضوئية تتسلل منها إلى الداخل ... انعكس على محتويات الغرفة الواقعة كأشباح ترصدنى ... يأخذنى الشخير إلى وجهها المكتنز - مازال يرطبه قطرات العرق - والشامات السوداء الصغيرة المتناثرة على جلد وجهها ورقبتها - أقصد لغدها - أدهشنى وجهها وتابعت النظر إليها ... إلى الجثة الهامدة بجوارى ... أظافرها التى كانت تلتمع بطبقة من قشر الطماطم .
    عيناها مغمضتين ... ولكنها يبعثان شرراً يذيب جبالاً ... وجدتنى أذوب بسرعة تحت الغطاء فى اضطرابٍ وخوف ... خوف طفل يخيل إليه أن عفريتاً يتبدى له فى الظلمة ... اصطكت أسنانى فى عنف ... أكاد أبكى ... تتقافز فجأة إلى مسامعى بعض الوشوشات والهمس صادرةً من الصالة ... يزداد انكماش فى صدرى ... أنكمش ... يجف حلقى ... هيئة رجل ما تتمثل أمامى ... يقف جوارى ... يدنو منى ... يمسك برقبتى ... يعتصرها فى جنون وغل .
    أرفع الغطاء عن وجهى ... كدت أغرق فى لججٍ عميقةٍ لا قرار لها ... تنفست شهيقاً طويلا ... خيال ما تحرك على عتبة باب الغرفة ... تأخذنى عيناى إلى حيث تحرك الخيال ... حركة خفيفة متسارعة تشدنى مرةً أخرى للحياة ... إنه الفأر الذى لم أقدر على ملاحقته فى الصباح ... يتسلل فى خفية داخل الغرفة ... تغوص أسنانه فى أحد ساقى السرير ... آهـ ... لقد صار ضخماً عما تركته فى الصباح ... آهـ ... الدور سيأتى على إما عاجلاً أو آجلاً .
    الفأر استقر فى مكانٍ ما تحت الدولاب ... أراه يرمقنى بنظراتٍ قوية تحيلنى إلى عالم الموتى ... كأنه يتحدانى إن إستطعت حتى إطلاق صيحة أخيفه بها .
    أسمع خرير الدماء فى عروقى ينساب إلى وجهى ... صار جمرةً متقدة ... تصلبت نظراتى فجأة على الفأر ... لا أكاد أحس بدقات قلبى ... معذرةً فقد توقف النبض من فرط سرعة الدقات ... أرجوا الهدوء ... فقد رحلت إلى العالم الآخر .
    ( تمت )


    الاسم/ سامح عبد البديع الشبة

    sameh_ss_center@yahoo.com

  3. #3
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Feb 2006
    العمر : 52
    المشاركات : 77
    المواضيع : 14
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    كلب الأستاذ بسطاوي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    بسطاوي شخص ظريف ،خفيف ، لطيف ، عفيف . تلك والله صفاته بدون لف أو دوران ، فأنا أعرفه منذ كنا نجلس متجاورين في آخر الفصل ، نمد أيدينا فنقطف حبات النبق بينما الأستاذ بهنس مدرس النحو والصرف يدير لنا ظهره ليوضح لنا ما غمض عنا ، فاسم الفاعل غير اسم المفعول ، وأسلوب المدح غير الذم ، يقول الجملة مفيدة ، ويستدير ممسكا بالطباشير وينزل الخط ليشرب ماء ، ونحن ندفع أذرعنا خارج النافذة ، ونخطف الحبة المخددة باحمرار خجل ، ونقذفها في أفواهنا المفتوحة دوما للضحك:
    قم يا بن العمدة اعرب " أكلت السمكة حتى رأسها ."
    وأنا ألكزه في جنبه دون أن يلمحني الأستاذ بهنس بعصاه : قل له .. خلينا في البهائم . سمك أيه يا بسطاوي؟!
    وتنزل العصا الرفيعة اللهلوبة على أصابعي لتلسوعها ، فأصرخ من شدة الألم : أه.. يا أيدي .. إصبعي طار.
    يضج الفصل بالضحك ، وأجازى بعشر ضربات متتالية دون فاصل زمني للراحة فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، ويضرب الجرس فيندفع الطلاب من الباب المفتوح ، ويصمم المدرس أن يكمل العدد الذي تطوع به ، دون أن أجسر على المساومة ، ولو فعلت لقال لأبي أنني طالب مشاغب، بليد،كسول ، ولو فعل يكون في ذلك حرماني من القرش الكامل الاستدارة أو التعريفة المثقوب ، والذي يربطه طلاب الثانوية المشاغبون بدوبارة من المنتصف تماما ، ويرمونه وراء صف البنات الخارجات يتهادين من مدرسة الثانوي المجاورة ، فينزل على مؤخرة إحداهن ، لو سمعوا صوتا متوجعا : آي .. تستمر المطاردة التي تنتهي غالبا بجلسة صلح وتصاف عند الجسر الصخري المقام فوق الرياح ، وتتماسك الأصابع المرتجفة لحظات من عمر الزمن الهارب ،ويعود صاحب الحظ السعيد لبيته وهو في نشوة وسعادة أن بنتا جميلة كلمته ، وتركت معه منديلها المطرز بوردة ، والمعطربرائحة " الياسمين "، وخصلة شعر من قصتها النازلة على الجبين كهلال.لكننا كنا أطفال أصغر منهم بكثير . نرى كل شيء ونراقب الأحداث بفضول غريب دون أن نشارك ، فدورنا هو أن نرى ونسمع ولا نتكلم .
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    كان هذا أيام زمان ، والذي يرجع لعشرين عاما مضت، فقد تلاعب الزمان بنا ، حيث فشلت في الحصول على شهادة جامعية فرضخت للأمر الواقع وعملت كاتب محامي ، أجهز الدوسيهات ، وأسجل القضايا في ملفات بخط منمق جميل هو كل ما أورثنيه الأستاذ بهنس ذي الحول الخفيف والعرج الطفيف .
    بسطاوي الذي شق طريقه كالصاروخ دخل كلية المعلمين ، ونزل مصر العتيقة فسكن حي الأزهر وعاد بشهادة جامعية أعطته الحق أن يدرس في بلاد الصعيد ، وأغرب شيء أنه أختار نفس المادة التي كان لا يطيقها ويسخر منها ، ويراها كاللوغاريتمات. أصبح بسطاوي أفندي مدرس لغة عربية ، ولو كنت مكاني . هنا بالضبط جالسا في مكتب عبد الودود الصايغ محامي الجنائيات لرأيته قبل عشرة سنوات عائدا كل خميس بحقيبة سوداء ، ومن خلفه يهرول اثنان من بقايا العمودية التي ذهبت من أبيه إلى أخيه على الطنطاوي في حياة والده طويل العمر ، فأبقت لهم بعد العز وبقايا السمعة الحسنة الدوار الكبير والسور الحديد والأشجار الأثيثة .نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    قلت لكم ، وأقسم بالمولى عز وجل غير حانث أنه لا توجد في قلبي ضغينة ، وأنتم طلبتم فقط شهادتي عن الرجل ، والشهادة أمانة ، وكاتمها يصوب رأسه في النار عشرين حولا أو يزيد.
    سأحكي لكم عن واقع الجرو ، نعم ، الجرو الأسود. فقد أولع بسطاوي ونحن في مقاعد الدرس بنهاية الصف السادس بالمدرسة الابتدائية ، حيث كان التعليم دسما ، والفصول متسعة ، واليوم مبروك يزيد عن الأربع والعشرين ساعة ، ساعة أخرى للبكور ، حدثني بسطاوي ولم يكن يخفي عني شيئا أنه قد أوصى الخفير بجرو ، والجرو كلب صغير ، غرير ،له ذنب صغير يبصبص به في حبور كلما فرح ، وجد فيه ضالته ، وقد أحضر له الرجل ما طلب ، وتناول في الخفاء عرقه، نصف جنيه كامل يكاد يغطي نصف هذه الطقطوقة التي أضع عليها صينية الشاي للزبون .
    وفي طرف قصي من الدوار القديم للعمدة جهز مخبأ ، فيه أخفى الجرو الصغير ، وكان يحدب عليه ، يسقيه ، ويطعمه ، ويحسس على شعره الناعم ، وبيديه يحممه في وعاء كبير من الفخار الصيني جاء به من المطبخ قرب المغرب.
    والولد إلى البندر طار ، كنت معه هذه المرة ، أقترح علي أن أشاركه في اختيار اللون ، فاخترت أن يكون الستان اللماع باللون الأحمر ، فاشتراه على الفور ، ومعه طوق من جلد الماعز الطري ، وسلسلة من المعدن الذي لا يصدأ ، وعاد ، وقد كنت معه ، أتبعه بهدوء إلى المخبأ ، وهناك جهز جروه حتى صار أجمل ما تقع عليه اعين إنسان إذا ما أراد رؤية حيوان أعجمي لا ينطق سوى : هو هو هو .
    نباح خافت ضعيف ، وسره الصغير في بير ، ويبدو أن بسطاوي أفشى السر لغيري ، والله هذا عين ماحدث ، فأنا لم أكن يوما واشيا ولو وهبوني كنوز الدنيا ومال قارون ، فأخبر الولد مرسي جاد الله مدرس الدين أن بسطاوي ابن العمدة نجس لا يحق له لمس المصحف ، فلما سأله عن السبب ، صاح في الفصل بطريقة من يكشف جريمة لا قبل لأحد باحتمالها : عنده كلب ، يحمله بيديه ويقبله ، واسأل زيدان .
    كان بسطاوي يجلس منكمشا بجواري ، فضيق الأستاذ عرفات ما بين حاجبيه ، وحرك سبابته فهب على الفور واقفا ، وأنا أدخلت يدي من النافذة المفتوحة بعد أن رميت حبتي نبق كنت قد نجحت في هبشهما: قل يا زيدان !نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    سارعت بالنفي كأي رجل شجاع يؤتمن على أسرار الأصدقاء : لم أر شيئا يا معلمي .
    فضحك المدرس حتى بانت نواجذه وربت على كتفي برفق : طبعا . أنت أشجع طالب في الفصل ، تعال لتقسم على المصحف.هل عنده في البيت كلب؟
    أرتج الأمر علىّ ، خرجت من فمي دون أن أدر : لا ، لا ، ليس كلبا والله . هو جرو . جرو صغير لا يعض إنسانا ، ولا يؤذي أحدا.
    امتقع وجه بسطاوي فقد أوقعت به دون أن أتخير الكلام ، وارتفعت العصا والتهبت أيدينا ، واحمرت من شدة الضرب. صحيح أن العمدة الذي عرف بالمصيبة التي فعلها ابنه قد أمر أحد رجاله أن يلقي الجرو الآن وحالا في الرياح، بطوقه وشريط الستان ، وبالسلسلة المعدنية جزاء ما فعل المارق ، خاصة بعد أن عثر العمدة على أطباق من فخار ، وقطعة من الجوخ التي كان قد اشتراها ليجمل المجلس الأرضي داخل المخبأ ، إلا أنني شعرت بالعار يلاحقني ، وهو لم يعد ينظر في وجهي فيما تلى ذلك من أيام.
    حزنت وملأني شعور بالأثم ، إذ أنني أردت أن أدافع عن بسطاوي ، فأدنته بكلماتي .
    تسللت بعد المدرسة ، ووقفت وراء أشجار الكافور ، وهناك رأيت كل شيء. أمسك العمدة بالكلب ، وهمّ ليطوح به ، فبكي بسطاوي بدموع غزيرة غسلت وجهه، وطلب من أبيه أن يتركه لجروه خمس دقائق قبل أن يلقى حتفه، عندها تدخلت الأم ، وقالت للعمدة : دع رجالك يسربونه ، ولا تقتل روحا بريئة.
    قلب العمدة الكلام في رأسه ، واقتنع بالفكرة ، فالأرواح ملك ربنا ، ولما رأى العينين قد احمرتا من شدة البكاء ، خفف حكم الإعدام بالنفي خارج نطاق القرية. حينها انكب بسطاوي على يدي أبيه ، وقبلهما ، وتوسل إليه في طلب أخير : اترك لي الطوق ، وشريط الستان والسلسلة المعدنية .
    على مضض وافق الأب على طلب ابنه لكن بعد شرط واحد ، أن يقسم على المصحف الشريف أنه لن يفعلها طالما العمدة على قيد الحياة .
    فحم البكاء بسطاوي وكنت بعيدا عنه لكنني ألمح صدره يعلو ويهبط ، شجعته الأم أن يقسم ، والخفر جاءوا بالمصحف المغلف برقائق جلد غزال: يالله يا بسطاوي . أقسم.
    لم يرض العمدة أن يقسم الولد قبل أن يتوضأ ؛ ليكون طاهرا ، وما هي إلا دقائق حتى عاد الولد وأقسم وجسده يرتعش ، وحينها سلم العمدة الجرو لخفير أمين ، هو بالتأكيد الذي باع الكلب الصغير لصديقي بسطاوي فقد كنت أعرفه بوشم في صدغه ، كما أعرف علامات الجرو ، ومنها نقطتان حمراوتان فوق خطمه ، مع جرح صغير لا يكاد يرى خلف أذنيه الصغيرين بعد أن جرده من زينته ، ووضعها في يد الابن.
    هل تسأل لماذا أحكي لك هذه الحكاية ، أنا نفسي لا أعرف ، لكنني سأكون صريحا معك أكثر وأقول لك أن المدرس العاقل الرزين الذي عاد من قلب الصعيد ليخطب أجمل فتيات القرية ، وينجب ولدا وابنتين ، قد ذهب عقله ، وإلا ففسر لي ما رأيته بأم عيني منذ أسبوع ، ومن يومها وأنا أعرف أن هناك شيئا غير صحيح يحدث في القرية .شيء هو بين الجنون واللوعة
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي.
    عمدة بلدنا الحاج مختار توفاه الله من حوالي ثلاثة أشهر ، كان نوارة البلد ، فيده سخية تعطي الجميع ، بكاه الأبناء كثيرا ، حين كنا أمام قبره غطى بكاء بسطاوي على صوت الملقن ، وجاء طنطاوي بثلاثة من المقرئين ليتولوا قراءة القرآن على روحه ، أما خضرة الأبنة الوحيدة فقد لبست الأسود ، وصاحت لحظة خروجه : فايتنا لمين يا ابويا؟!
    ما علمته بعد ذلك أن بسطاوي باع نصف فدان ، وسافر إلى مكان لا يعرفه أحد ، وعاد بكلب " وولف" ، كلب حراسة قوي الجرم ، خطمه الرمادي ضارب إلى الزرقة ، له نباح مخيف ، وضعه في أقصى الدوار ، أكاد أقول أنه نفس مكان المخبأ القديم ، وقد سمعت الخبر فاستغربت جدا ، وحين أرسلني الأستاذ عبد الودود الصايغ المحامي صاحب المكتب لاستيفاء توقيعات الموكلين ، والحصول على جزء من أتعاب القضية وجدت نفسي أتسلل دون أن أعرف كيف حدث هذا ، إلى المخبأ الذي أودعنا فيه الجرو قديما . فوجئت بالوولف الجبار ، يزداد نباحه ، ومن قوته كاد يخلع السلسلة المثبتة بحلقة حديدية في جذع شجرة التوت العتيقة.
    لمحني ، وعاد إليه هدوئه ، كأنه يعرفني ، أو لعله ظن أنني مررت به يوما ، كانت السلسلة المعدنية الصغيرة مشبوكة في طرف سلسلة أكبر وأطول كثيرا ، وكان الطوق القديم الذي اشتريته معه من البندر يتدلى من الطوق الجلدي الجديد المحكم ، أما شريط الستان اللماع ، فقد عرفته لأول وهلة ، وكيف لا وهو الذي طلب مني أن اختار اللون الذي يعجبني فاخترت الأحمر .
    تقدمت خطوة ، وأنا أحكم قبضتي على الملفات ، الموجودة تحت إبطي .
    جثوت أمامه تفصل بيننا مسافة بسيطة ليصل إليه همسي ، كانت شفتاي ترتجف ، وأنا أعترف بجرمي : والله ما قصدت أن أخون صاحبي ، ولا أن أكشف سره ، كل ما خطر في ذهني يومها أن الجرو صغير ، لطيف ، لا يؤذي إنسانا . فلت لساني قبل أن يفكر عقلي . إنني مثقل بذنب عظيم يسمم عليّ أيامي . أنت كلب والكلاب أمناء في نقل الكلام ، فقل له أنني لم أكن لأوقع به أبدا ، قل له بأي لغة تختارها. نعم هو أمر قديم ، لعله نسيه تماما ، لكنني لم أنس ، كان مجرد جرو . جرو صغير مسالم . فكيف غضب الأستاذ عرفات . من يومها خاصمني دون أن يتفوه بكلمة . نظرة حزن ولوم تسكن عينيه. حتى انه امتنع تماما عن قطف حبات النبق ، حين مددت له يدي مرة بحبة لذيذة ، قال بأسى : صارت الحبات ممررة . أرجوك يا " وولف " . قل له أنني أخطأت . لكنه خطأ لم يكن مقصودا . والله يعلم حسن نيتي . قل له يا وولف!
    في اللحظة التي تهيأت فيها لتصفية حساب قديم مع نفسي ، وحين انتهيت من اعترافي ، سمعت وقع أقدام تقترب ، كان بسطاوي بشحمه ولحمه ، لم يبد أي استغراب أن رآني في هذا المكان القصي . لقد اقترب مني بعد أن رآني أجثو لأعترف للكلب بخطيئتي ، قال والدموع تترقرق في عينين حزينتين: لا عليك يا زيدان . لقد سامحتك.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    وقبل أن أتفوه بكلمة ، تقدم مني وابتسم رغم الدمع الذي انسال على وجنتيه : لم يكن بمقدورك أن تفعل غير هذا . صدقني لقد سامحتك ، وسامحت أبي .
    وبيده خلص الكلب الضخم من سلسلته ، ومسح على شعره الأسود الغزير كأنه ليل: هذا صديقي . تشممه ، لترحب به كلما جاء إلى هنا .

    كنت أطوي عشرين عاما من الألم ، من عمري الذي غمرته آثام الخطيئة ، وأنا أعود لمقعد الدرس ، أقف في وجه الأستاذ عرفات ، وأحاول أن أقنعه: أنه جرو . مجرد كلب صغير ياأستاذ . لا يعض إنسانا ولا يؤذي أحدا .
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعينقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  4. #4
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    الدولة : الرياض
    العمر : 51
    المشاركات : 45
    المواضيع : 6
    الردود : 45
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي

    قصة قصيرة كحياة رزان...! ¹


    تنام جزيرة "فَـرَسان" كل ليلة محتضنة أحلامها المستحيلة... قابعة وسط الماء الأزرق المالح الذي يستمد ملوحته من عرق ودموع الكادحين تارة ومن فضلات يخوت النخبة تارة أخرى!

    وحين يصبح ناسها قبل بزوغ شمس الوطن؛ فهم لا يعبأون من أي جهة ستطل عليهم... وذلك بعد عقود من مضغ أسطورة شمس الشمال!

    "رزان"... تلك السمراء الجميلة المسكونة ببراءة وطهر الطفولة... غضة العود كثرى تهامة... تلعب مع صويحباتها اللائي يبتكرن ألعابهن كأبدع ما يكون، دون أن يسطي أحد على حقوقهن الفكرية وذلك على اعتبار أن "فَـرَسان" لم تخالطها براثن العولمة بعد!
    وإلا فباقة ألعابهن لا تفوق باقات قناة "سبيس تون" أو"المجد" فحسب؛ بل إنها تبز خزعبلات "دزني لاند" بذاتها!

    تشعر "رزان" بوخزات في بطنها كالسكاكين لا تكاد أمعاؤها الرقيقة تطيقها... لينطلق بها أبوها كالبرق نحو "العبّارة"... الوسيلة الوحيدة لربط "فَـرَسان" بالخريطة! مبحراً بها تجاه مستشفى جازان المدعوم بالكوادر الطبية العمالية /العالمية! حيث لم تحظ فرسان بهم بعد.

    يُعمل صاحب المشرط سلاحه المدبب في بطن صاحبة الرقم كذا... _هكذا تتم معاملة المرضى هناك_ يستأصل الزائدة الدودية ثم يرمم الآثار و يدمدم المسألة فيمضي.

    تفيق "رزان"... تعاود اللعب كطير أطلق سراحه... ثم لا تنسى أن تروي لبنات المدرسة كافة التفاصيل منذ الألم وحتى الغيبوبة الصغرى:
    (فاطمة... فاطمة... شوفي الخيوط اللي في بطني... تصدقين خيطوني زي الثوب!)
    (تصدقين لو قلتي لي قبل العملية كان كلمت أمي تخيط بطنك أحسن لك من خياطين المستشفى!) ردت عليها فاطمة بروحها الساخرة.
    تكركر الصغيرات محتفلات بسلامة "رزان" المؤقتة!

    بعد مرور شهرين تعاود الآلام أمعاء "رزان"... وتزداد وطأة الألم والحمى التي لا تنفع معها المسكنات الرخيصة... ثم يعاود الأب جريانه مع الريح مفجوعاً نحو رحمة مستشفى فرسان المتواضع...

    خبرة حكماء المستشفى لم تسعفهم لمعرفة سر آلام الصغيرة!
    لا يفكر الأب كثيراً قبل انطلاقه بـ"رزان" نحو مرفأ "العبّارة"... بانتظار موعد الرحلة الإجبارية.

    أمواج البحر تتماهى مع أمواج الحياة لتؤجل الرحلة نحو مستشفى جازان الأقل رداءة من سابقه!
    يوما... يومين... ثلاثة... و "رزان" تتألم وقلب الأب يتألم و "فَـرَسان" تأن... بينما أصحاب المكاتب الوثيرة يبدلون مشالحهم عند كل احتفال!

    (لا تقلق يا "أبا رزان" لقد تم اكتشاف سر آلام ابنتك ولله الحمد... فقد بينت الأشعة وجود جسم غريب في أحشائها وسنقوم بعمل اللازم لإزالته هذا كل ما في الأمر...) طبيب مستشفى جازان يطمئن الرجل بعد وصوله لإسعاف "رزان".
    (أهذا كل ما في الأمر؟!!) يصيح "أبو رزان" في وجه الطبيب (أي جسم غريب؟! وعن ماذا تتحدث؟!)
    (لا تنفعل أرجوك...) يخلع الطبيب نظارته ليكشف عن عينين باردتين:
    (هذا يحدث كثيراً في مستشفيات منطقتنا الراقية فالطبيب بشر يخطئ ويصيب وقد كان قدر ابنتك يومها أن الجراح نسي كمية لا بأس بها من "الشاش" في بطن ابنتك! هذا كل ما في الأمر...) كرر الجملة الأخيرة بثقة كادت أن تفقد "أبا رزان" بقية تماسكه ثم أكمل الطبيب مرافعته:
    (فربما كان مجهدا ليلتها جراء كثرة المرضى... وعلى أية حال هذا كلام في الماضي...)
    (الذي هو نقصان في العقل طبعاً) قاطعه "أبو رزان" بحرقة ثم طوى شريط الكوابيس الجاثمة على أفقه وقال:
    ( والان أيش بتسوي للبنت ؟!)
    ( اطمئن... الأمر أسهل مما تتوقع، عملية بسيطة لا تستغرق نصف ساعة وبترجع بنتك زي الحصان)

    ينتظر "أبو رزان" خارج غرفة العمليات والساعة لا تكاد تحث دقائقها على المرور، وقد أودع قلبه للمجهول، وفلذة كبده بين مشارط بشرية تخطئ ولم يرها قط تصيب!

    أربع ساعات استغرقها احتساؤه للصبر والانتظار المحرق...
    يخرج الجراح وقد تصبب جبينه عرقاً واسود ّوجهه كقطعة "الشاش" التي تتدلى من يده: ( المعذرة يا أبارزان... وأنا في طريقي لانتشال قطعة "الشاش" اللعينة، قمت بقطع القولون خطأ ً... وقد تم عمل أنبوب خارجي للتصريف وابنتك على ما يرام الآن... برضه أنت إنسان مؤمن بقضاء الله وقدره و...)
    (قلّي أنك مجهد أنت الآخر ... وأنك بشر تقصب وتصيب! يا أخي أنتم من أي مجزرة تخرجتم؟!) انفجر "أبو رزان" في وجه الجراح شاهرا ًيديه على وجهه...
    (ألا يوجد في هذا الكون أداة تدريب غير ابنتي "رزان" كي تمارسوا عليها أخطاءكم؟!
    انتم ما تخافون الله؟!)
    (لا حول ولا قوة إلا بالله... لا حول ولا قوة إلا بالله...) سُمعت حوقلته في كل ردهات المستشفى... ثم هام على وجهه بحثاً عن مسؤول وما من مسؤول.

    ظلت "رزان" تحت المهدئات المقلقات وتحت متابعة الطاقم الـ..فاقد الشيء... قرابة الشهرين... حتى قدر لصحفي من أبناء المنطقة أن يكشف جزءً من الحجاب لينتشر الخبر الصاعقة بسرعة لدى الناس ثم يصل ببطء لأسماع الوزير الذي أمر بنقلها لأحد مستشفيات العاصمة.

    استبشر "أبو رزان" خيرا... فعلى الأقل سوف يغادر بؤرة التجريب التي ظلت "رزان" ترزح في كنفها طيلة الأيام العجاف الماضية...

    في الأسبوع الثاني بدت على محيا "رزان" ابتسامة مشرقة... ولعلها بوادر استجابة للعلاج المكثف الذي أعطي لها منذ وصولها إلى "الرياض"... وكانت "أم رزان" متفائلة بعودة سريعة لجزيرتهم الحالمة ففي تلك الليلة أخذت تجهز الحقيبة فمن يدري فربما يكتب الطبيب ورقة الخروج في أي لحظة!

    ازرقّ وجه رزان فجأة وبدأت بالسعال ثم تقيأت سائلاً أسود لم يعرفه أبواها فصرخ الأب في وجه الممرضة الآسيوية المسكونة بالسلبية: (أن نادي الطبيب بالحال) فاتصلت بالطبيب الموجود في بيته على جواله فقام بإعطائها بعض التوجيهات بعد سؤالها عن خطورة الحاله وختم كلامه بوصفة "فيفادولية" ناجعة.

    (ماما... بابا... أنا تعبانة وأبغى أنام... ) ²
    نامت "رزان" وارتاحت كما ينام ويرتاح المأتمنون على أرواحنا... وتركت لنا أنموذجاً _سينسى_ للقابعين على هامش الخريطة!


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



    عبدالرحمن الخلف
    أبو نزار
    29 ربيع الأول - 1427هـ

    ____________________________
    1- للأسف... القصة ليست من نسج الخيال!
    2- حسب صحيفة "الجزيرة" فالعبارة مقتبسة من آخر جملة نطقتها "رزان"


  5. #5

  6. #6
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : المغرب
    العمر : 38
    المشاركات : 47
    المواضيع : 6
    الردود : 47
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي الرجل الرمانة

    مُواؤهــُــــــــــــــــ ــــــــــم

    للقلب أنين غير جاثم على التاريخ . و حيث أن التاريخ لا يصدُق إلا نادرا ، كان يخيّل لي كثيرا من أحيان منفلتة أنّه حكاية مبتورة من حكايات ألف ليلة و ليلة.. ذاك أن زمن الرجل الرمّانة كان شديد الاختلاف، مضغوطا بغير ما مطاطية بزمننا الذي يكثر فيه التشابه..!!
    عنق من كان أشبه بعنق الآخر؟؟! عنق الزرافة أم عنقه؟! لم يكن أحد في حيّنا ليميّز الأمر ، و لا كان ليكفّ عن التفكير بانبهار في سرّ تلك الرمّانة المتبوعة ببذرة كالشوكة وسط عنقه..نعم ، فالله إذ خلق للرجال الآخرين تفاحة تتراقص متناغمة مع كل همس، زرع له عوضا عنها ماهو أشبه برمّانة ناضجة كثيفة الاحمرار.كانت تثيرني تلك البذرة أسفل الرمّانة..تتشنّج قاسية،بريّة ..قادرة على القضم بصمت ربّما!!
    و لهذا أو لذاك كان أهل الحيّ يخافون الرجل الرمّانة – كما كنت أسميه- . ألأنّه لا يشبههم كان بالنّسبة لهم غريبا و منفّرا ؟!
    قيل أنّه خُلق بالرمّانة مُدَاعبَةً برفيقتها البذرة .. أنّه أيضا عاش دون ذاكرة و لا ربع و لا أهل،مكتفيا و مرتاحا باعتزال الحياة في شرفته، فيها يأكل و ينام و يرعى صبّاراته..مستأنسا في ذلك برفقة مجموعة من قطط الشارع المتّسخة بيضاء وسوداء..كما لو أنّه كان راغبا في إيجاد من يساعده على حسم أمر مّا.
    ما همّ لونُ القطط سكّان حيّنا بل مواؤها عند منتصف كلّ ليلة بشكل غير منقطع ولوقت ليس بقصير.قد كان المواء يزعجهم لكن ما كان يزيد من هذا الإزعاج هو فضولهم الأكثر عطشا.ماشغلني المواء البتّة ، كنت أتباهى بيني و بين نفسي بحزنه الأبيض.. بعسل قلبه المصفّى و غير القابل للتّهجين.كأنّه إجابات لأسئلة كثيرة.إحساسي به كان فاتنا بعبقريّة غامضة.. وحده مواؤهم كان يصرّ على أن يفسده ..كانوا مهمومين بمعرفة سبب مواء القطط ، و خائفا كنت من ذلك! لعلّهم كانوا يموءون أكثر من القطط.. فهل أموء أنا؟!

    مُواؤهــُــــــــــــــــ ــــــــــا

    غدوت أنتظر اليوم السابق لأفهم أكثر.منذ قررت تعقّب أثر إحساسي اللعين و التاريخ يولّي للوراء وسط تيهي.اليوم الثالث كان أول الأيام.. سرى صقيعه داخلي .كنت أهاب الأرقام الفردية و منها الرقم ثلاثة..كانت تلك الأرقام تعطيني الانطباع بأنها خائنة ، و كانت الخيانات تبحث عني دائما لكنني كنت أخلف مواعيدي معها. عكس هذه القطط الوفيّة في موائها المركّز بقوة . أوداج الرجل الرمانة ماضية في احمرارها أكثر و أكثر كلما لعقتها القطط.. البذرة أسفل الرمانة نضجت متشكلة رمانة ثانية..و أنا ، لا ذاكرة لي .
    لَكُنتُ ظللت موجوعا بالبرد وخواء الذاكرة لولا اليوم الثاني..فيه استشعرت شيئا من دفء .كانت القطط حينها بدأت للتوّ بالمواء حين استيقظت من نومي .مواؤها كان أكثر إيلاما من صوت لا يجد له صدىً . شرفة الرجل الرمانة مقابلة لشرفتي
    .كاد نُواحي يستجيب لمواء القطط لولا تلك اللقطة الرهيبة التي التقطتها عيني..
    اللاّشيء و اللاّوقت ناوشاني بمكرٍ و الرجل الرمّانة قُبالتي واقف أمام إحدى صباراته يبكي و يبكي و بنتحب ..كأنّه يقرأ عليها تراتيل الموت .. أهو بوذي عتيق أم يهودي جعل من صباراته نباتات للمبكى عندما لم تستوعب حيطان الأرض بكاءه؟! عيني احتضنت بِرَيبٍ البذرة أسفل الرمانة و هي تشاكس مخاضها .. تصارع لتجد شكلا مّا..و القطط تستعد الانقضاض على أوداج الرجل الرمانة لتلعق دمعه ..و أنا ، أجادل الفراغ لاهثا ، و لا ذاكرة لي.
    عند اليوم الثالث / الأول، كنت أرتجف كجمرة وسط الجليد.. أفقت من نومي لأحلم واقعا أذهلني.. الرجل الرمانة في شرفته يترصد واحدة من صباراته و عيناه كاميرا تلتقطان ما ستأتي به الصبارة .. بذرته أسفل الرمانة تتنطّط مثلي .. تتفـّح الصبّارة و تظهر نبتة الوردة الحمراء .. تزهر الوردة رويدا رويدا كأنها تريك تفتّحها و تباهيها بوجودها المزهر .... و الرجل الرمانة يبدو مزهوّا غير مدرك لشيء مثلما هي ذاكرتي .. لكن في غفلة و بإبهار تنكمش الوردة تدريجيا على نفسها و تذوّي و تسقط ..كأنّها الجمال المكثّف للحظات فقط .. يذوب زهوّ الرجل الرمانة .. يفتر فرحه بسرعة .. يبكي مستمرّا بعدم إدراكه لأي شيء .. و القطط تموء بحزن .. في حين ذاكرتي فارغة تتراقص على صوت مواءها ..

    مُوائــــــــــــــــــــ ـــي

    أخبرني أحدهم لاحقا في اليوم الصّفر حيث لا نهايات ولا بدايات أن القطط في ليلة مبحوث عن تاريخها كانت تموء بشدّة كما لم تفعل من قبل متأثّرة بموت الرجل الرمّانة ..برحت ذاكرتي في تيهها بعد هذا الخبر .. أمّا سكان الحيّ فبدوا مستغربين من البذرة التي نبتت وسط عنقي على حين غرّة . . قد أعطوني اسم " الرجل البذرة" لم أكن قلقا بشأن البذرة بقدر ما كنت منشغلا بالبحث عن قطط تشاركني موائي !

  7. #7
    في ذمة الله
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    المشاركات : 3,416
    المواضيع : 107
    الردود : 3416
    المعدل اليومي : 0.67

    افتراضي

    هل أستحق الطرد ؟!!


    عدت لموطني ومنبت رأسي ، بعد سنين غربة ؛ قد طال أمدُها ، وكنت أظن أن لا عودة بعدها ، لكن الحنين أعاد الشوق ؛ فمررت مرور العابرين ، أتلمس رؤية الأحباب ، ولم أكن أظن أن للقدر ميعاد .
    فتلاقينا ؛ وانبسطت أسارير الوجد بجوانحنا .
    فجذبتني وألقت بي بظل شجيرة جمعت بيننا يوما ما ، فكانت شاهداً على عظيم تلك المشاعر بيننا ، فرأيتها قد تعالت بل كادت تناطح السماء بوارف أغصانها ، فاغتبطت ؛ وسررت بمجلسي مع من سقتني يوماً شهد الخضاب فارتوى لها وريد القلب وأتلف ، فعاد الوئام بعودتنا والجلوس تحت وارف ظلها ؛ واسترجعنا الذكريات ، وشاهدتنا … من شاهدة إياه ليوم يسبق آخر لقاءاتنا… قبل أن أزف خبر هجرتي عن بلدتي ، بسبب تعالي عشيرتي وتجبرها بالرأي في حقوق الأبناء من الإنتساب والأنصهار بعرق غير عرق بني العصب .
    فحالوا بيني وبين رغبتي ورغبتها ؛ بحلال الله وسنته .
    فعهدت نفسي على الترحال حتى أجد لي دولة أخرى تنعمُ شعابها بحُسن الرأي دون إسفاف أو إجحاف أو تعالي في حقوق البشر ؛ لكنها باغتتني بالسؤال ، كي تبعدني عن إجترار الأحزان وما قد فات ، فقالت : أين نحن منك الآن ؟
    فانشق بوجهي الابتسام وأنا أرفع أهداب عيني لعين محدثتي وسائلتي ، مباغتاً إياها بطيف استخفافي بالسؤال ، فجاءت إجابتي قصراً عني كالمتأسفِ من سوء الحال قائلاً : ـ
    بعد انفراط العقد ، وتناثر حباته ، لم يعد لي مكان ، بصحبة أهل ينكرون حقي ويستخفون برأيي .
    **هذا هو حالنا جميعاً أيها الخل المهاجر ، بتباعدك ، جفتنا كل القوافي .
    هكـذا ، تجاوبت وردت سؤالي ؛ وباغتتني بتنهيدة مصحوبة بالرد والإيجاب .
    فهززت رأسي ذات اليمين ، وذات اليسار تعجباً وتأسفاً ، وكتمت أنفاسي مخافة أن تصرخ بعلو الأندهاش ؛ والتعجب من تجافيها في الرد ... بكلمة حبيبي ، ومن حالنا نحن بني الإنسان ، فهل هكذا أصبحنا غرباء الديار والأوطان ؟!! وسط صحبة كنا فيما مضى نظن أنهم لنا أحباب ، وللمحبة أحق من كل الخلان ؟ !!
    فخرجت عني تنهيدة أسفرت عما يجيبه لسان الحال ، لكني سارعت أتجاوب معها وأحاورها ، كي لا تتركني وتمضي ، وحتى يسفر لقاؤنا عن حقيقة ما آل إليه حالنا ؛ نحن الأحباب .
    حاولت جمع شتات الفكر ، فنظرت إليها بتحدي السؤال ، وما كان التحدي … إلا تحدي الذات ؛ وحاولت أن أمهد الطريق للعديد من الإستفسارات .
    فكان سؤالي إليها غير ما تأمله وآ أمله : ـ
    لماذا أنتِ أصبحتِ غريبة الدار والديار ؟ فما أجد لكِ فكرا أو عقيدة تسعين لتأكيدهما ونشرهما بين أهلك ؟ غير حب صار مآله مآل الخلان ؟
    وظـللت رامياً النظر إليها محدقاً شطر عينيها بتحدي العالمين المستشفين ببواطن النفس .
    فلقد رميت ، وما رمى إلا قلبي الموجعِ .
    فـوجدت عبوسا اعتراها ، وكدرِ زان محياها ، فاستبشرت نار الجواب ، فأرخيت جفن الحياء .
    ولم أكد ، حتى سمعت صوتها مخنوقاً بالجواب : ـ
    يا لبئس الحال والترحال ، فإلى أين المفر ؟! فإن كنت أنتَ من ترميني بالجهل ، فلمن سألجأ بعدكَ ؟! وكان منكَ صريح هذا الاتهام ! فبالله عليكَ من منا يستطيع أن يحيا بلا عقيدة أو فكر ؟ من منا لا يؤمن بالله الواحد الديان ؛ أليست تلك عقيدتنا نحن وأنبياء الله ؟! والفكر أيضا ألم يكن سمة بني الإنسان !! وميزان التوازن لديه بحُسن العقل وفطنة ذو الألباب !! وميزة فرقته عن بهائم الخلق !
    يا صديقي لقد تجبرت بالسؤال ، وتناسيت إنك أنت من هاجر وخلف وراءه القلب والدار . إنك بسؤالك هذا قد فرطت حقاً حبات العقد ، وأكثرت من تناثره ؛ وتباعده ! فأرحل ولا تعُد … فإذا كان هذا هو حالكَ الآن ، من تسفيه للعقول ، وإستأثارها ؛ فأذهب حيثما كُنت ، ولا تعُد ؛ فربما وجدنا بعدكَ من يجمع حبات العقد ، دون أن يبخس حقا أو قدرا.

    حمـلت نفسي على قدمي وارتحلت ؛ والألم يعتصرني ، ونبرة التأسف بصوتها تطاردني ، لسوء فكري أمامها ؛ وإدراكي صدق جوابها .
    فـأسفت لما آل إليه حالنا ؛ ويا لسخرية القدر ؛ فما كان مني طرح السؤال هكذا ! فأنا من هاجر لتعنت بني جلدته ، بتسفيههم للرأي ، ولتشددهم وغلوهم في الحكم . لقد هاجرت أنشد وطناً آخر ؛ أعليه بسمو الرأي ، وتمجيد الفكر بالتشاور ، وحُسن العقيدة ، دون إسفاف أو تسفيه للرأي .
    وها أنا أقع فيما وقع فيه أسلافي ومع من ؟ مع من أحببت ، ولوصالها سعيت . فأصبحت مطروداً ولست بمهاجر ؛ ويحك يا عقل !! أين كنت حين طرحت هذا التساؤل ؟؟
    فهل يا ترى أصبحت الجاني ؟ بعد أن كنت المجني عليه ؟ تساؤل مازال يراودني ، ويؤرقني ليلا ، ولست أدري ... هل كنت أستحق حقاً مثل هذا الطرد ؛ ممن أحببت ؟


    ملحوظة : هذا العمل تم الإشتراك به في الخاطرة أيضا .
    مع خالص التحايا والتقدير .

  8. #8
    أديبة
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    المشاركات : 261
    المواضيع : 16
    الردود : 261
    المعدل اليومي : 0.05

    افتراضي

    موعد مع القدر

    في بيت ريفيّ صغير، يتكئ بصمت بحضن تلة وارفة الظلال ، دافئ كأشعة الشمس ، ربيعي رغم الشتاء ..تحيط به الورود وتعشش بين جنباته الطيور ، كان يغفو بأمانٍ تاركاً هموم الحياة تنزلق عبر جدرانه الخارجية لتمحوها حبات المطر .
    هذا البيت بناه أبو مروان لعائلته ، و كان هو كالزائر بحكم سفره المتواصل ..كلما عاد من سفره ، كان يقول : ( لن أسافر مجدداً) و لكنه سرعان ما يعود عن قراره بحكم الأعباء المثقلة على كاهله بسبب إبنته( مروى)، التي و منذ ولادتها تعاني من تشوهات خلقية بأسفل ظهرها ، مما أدى الى تقلص عضلاتها وبالتالي باتت كالمقعدة .
    البارحة فقط ، كان هو وعائلته والقرية بأكملها على موعد مع الفرح ..فرح طالما أنتظره ( زفاف إبنته الكبرى مايا ) ، و لأول مرة يشهد هذا البيت فرحاً كبيراً ..الأنوار تلألأت ، وباقات الورود انتشرت في كل ركن منه، والزغاريد أوصلها نسيم الليل للقرية المجاورة .

    كان أبو مروان بطوله الفارع وبوسامته يبدو أميراً بمهابته ، ابتسامته العريضة لم تفارق شفتيه ، كان كالفراشة ، ينتقل بين عائلته ، يضم العروس ويقبلها ..يثني على مايا وفستانها الأنيق ، يحملها بين ذراعيه ويدور بها ، وهي تصرخ ( بابا كم أحبك ) .

    كان الفرح يسبق خطواته ويرسمه على وجوه كل المدعوين ، وصل العريس وأهله ، فتعالت أصوات الطبول ، وتشابكت الأيدي ، وتمايلت الأجساد بحركات أستعراضية راقية .. كانت الأرض تهتز تحت وقع أقدامهم طربة ..إمتد العرس لساعات الصباح الأولى ، وبعدها أوصلوا العروس لمنزلها الزوجي ، و ذهب كل في حاله، وعادت العائلة لتنام قريرة العين ما عدا أبو مروان الذي جافاه النوم لفترة ثم استسلم مكرهاً .
    أفاقت العائلة والقرية إلا أبو مروان نام ولم يفق .. رحل بثوب الفرح وعلى وجهه إبتسامة

  9. #9
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Sep 2004
    الدولة : أرض السرد
    المشاركات : 508
    المواضيع : 62
    الردود : 508
    المعدل اليومي : 0.09

    افتراضي صــــــــورته


    قصة قصيرة




    صــــــــورته

    بقلم : سمير الفيل


    ما الذي جعلني بغير إرادة مني أفز من نومي قبل أن تدق السادسة صباحا؟ أتحسس ذقني النابتة كشوك القنفذ . أرفع عن بدني الغطاء ، وأتجه من فوري إلى الحمام . أوارب ضلفتي الشباك ، وأضغط زر النور مغمضا عيني عن الضوء الباهر ، أمد يدي شبه منوم باحثا عن ماكينة الحلاقة على الرف الزجاجي ثم بعد دقائق أخرج مشدود القامة لأبصر أجسادهم الصغيرة ملتفة بملاءات رقيقة تعتذر للشتاء عن تأخره ؟
    أصفق الباب خلفي ، وأتحسس عظام الترقوة ، وثقل البيادة التي خلّــفتها منذ أزمان ؟ هل هو نداء خفي أم توق عارم أن أذهب إليه وأحدثه مثلما كنت أفعل حينها ؟
    لماذا هذا العسف وروحي مثقلة بنظرته المحددة ونداء متخاذل يشدني إلى قاع الجب؟
    حين انشق الصمت بقذيفة عمياء ، واجهت الموت والعجز ، إذ غلت الرمال ، وغطى وهجها وجهي . لم أر منه سوى أشلاء منثورة تصرخ مطحونة في كمد وغيظ ، والجنازير تدور ، والتروس العملاقة تصخب .
    يدي تهتز بفنجان القهوة البني ، وشمس الصحراء تدبغ جلدي . قالت لي نظرته الوجلة : " لا تنس أن تكفنني !" .
    لم أفعل لأن الزرقة بانت آفاقها المحترقة تضغط على صدورنا بنيران كثيفة . همس الشاويش فتحي :" كيف ننقل الموتى ، وهجومهم الضاري يكاد يفتك بنا ؟ "
    قماش الأفرول الكاكي تمزق تحت الأبط . إندلع ألم هائل في الحلق ومرارة ، قلت ولم يسمعني أحد : " نكفنهم ، هم لحمنا الغالي " .
    ارتجفت شفاههم اليابسة ، قال الشيخ يحيى : "الرمل غسيل طاهر، والرمل كفن ".
    إلتف شريط أسود حول الصورة في إطارها الخشبي . كانت نظرته حزينة ، وضعت يدها في حجرها وهزت الرأس : " ربنا يغفر له " . ولم تمسح الأم دمعة تسللت للوجه الشاحب الهضيم .
    هي ـ المرأة الشابة ـ التي تقدمت مني ، جلست في مواجهتي تماما . سألتني : " هل أحس (محارب ) بألم ؟ هل نطق اســـمي قبل أن يصعد ؟ ألم يتذكر أولاده، وبناته ؟ " .
    شفتان يابستان تتحركان باللوعة والأسئلة . اختلط لحمه في النقطة 145 بالأرض الرملية وشجيرات الصبار القزمية ، وخنافس سوداء تجري مجنونة بالضجيج ،وأربطة الميدان ، وجثث الدبابات الخرساء تفوح منها رائحة تزكم الأنوف .
    على عتبة البيت رفعت وجهه الصغير أتأمله . من فرط تشابهه مع أبيه محارب الصعيدي أنكرته !
    ضحك نفس الضحكة لكنها كانت خالية من خشونة ألفتها ، سألني وهو يتفرس في وجهي : " معك حاجة حلوة ؟ " .
    ندت عن صدري تنهيدة ، أخذته من يده وهبطت السلالم . عند البقال كانت صورته أيام الشباب مع أولاد الحتة بنفس ابتسامته الأخاذة خلف الزجاج مثبتة . تأملتها ، قلت لصاحب الكشك : " إعطني شيكولاتة بسرعة " .
    امتدت يدي بالنقود ، نسيت في اضطرابي أن آخذ الباقي . قلت في نفسي سوف أظل حريصا على زيارته .
    اليوم كم من الأعوام مرت ولم أره ؟
    جاء الجرسون وتناول حسابه سألني : " أتطلب شيئا آخر ؟ " .
    نظرت حولي ، كان يوم عطلة رسمية ، والراديو يذيع أغاني حماسية ، وحناجر تصرخ ، فتنهمر كلمات زنة ألف رطل . تناثرت شظاياها في عقلي ، تطحن مشاعري بضراوة لا قبل لي بها .
    هبت ريح باردة ودقت ساعة الميدان السابعة ، قلت : " لعله انتهى الآن من الجامعة ! "
    ناوشتني الذكرى ركبت المترو على غير إرادة مني ، وقهوة الصباح البنية حركت أحزاني القديمة .
    هبطت في الميدان ، وتهيأت لرؤية البيت . تفحصت المكان فلم أجد له أثرا .
    سألت وعلمت أن صاحب البيت استخرج رخصة بالهدد ، وأن أسرة محارب التي كانت تسكن بالإيجار نقلت عفشها منذ أعوام ورحلت إلى جهة غير معلومة .
    في المنحنى واجهني كشك البقالة . كانت الصورة مازالت مثبتة ، وقد أكلت الشمس نضارة الوجوه ، ومحت الملامح . اشتريت قطعة الشيكولاتة ، وسرت على غير هدى أبحث في الطرقات .

  10. #10
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Feb 2006
    المشاركات : 11
    المواضيع : 2
    الردود : 11
    المعدل اليومي : 0.00
    من مواضيعي

    افتراضي

    يوم وصل كاظم إلى الدار الآخرة

    يذكر أنه عندما اقترب من آخر نخلة في محيط القرية رأى السماء تقترب منه شيئا فشيئا ثم تلتصق بجسده تماما.
    " يبدو أنه الموت" تمتم.. ثم دخل في عماء تام.
    وعندما بُعث من موته , دهش لأن ملائكة الله ينتعلون أحذية عسكرية ويرطنون بلغة لا يفهمها, ثم مرت لحظة طويلة قبل أن يدرك أنه في السجن وأنه سيمر بآلام كثيرة قبل أن يصل إلى الدار الآخرة.
    أسند ظهره إلى حائط السجن وراح يرفع بصره عن حذاء السجان باتجاه الأعلى ولكنه لم يستطع الوصول بنظره بعيدا لأن ركلة العسكري كانت كفيلة بإعادته إلى حيث كان ,على أنها لم تكن كافية لإيصاله أبعد من ذلك, فهاهو يستيقظ من جديد في السجن.
    لا تبتئس كثيرا فالركلة في /أبو غريب/ تعني أن الطعام يوشك أن يصل- قال أحدهم من زاوية معتمة,هذه هي لغتهم يا صديقي ,الركلة تعني الطعام وعقب البندقية الاستيقاظ أما اللكمة هناك( تعرف أين..) فتعني أن استعراض التعري قد بدأ وهكذا.....
    فهم مفردات تلك اللغة تماما مع مرور الوقت, حتى أنه أصبح يفهم الجمل المركبة, المكونة من عدة مفردات أحيانا, فمثلا الركلة واللكمة معا, تعنيان الطعام عاريا, أدرك أيضا أن هناك مرادفات لبعض مفردات تلك اللغة فعلى سبيل المثال : في حال عدم توفر البندقية فان وضع القدم على الرقبة يعني أيضا الاستيقاظ.
    ***********************
    /امشي الحيط الحيط يا كاظم/ قالت زوجته التي تحبه على الرغم من أنها استغرقت وقتا طويلا حتى اقتنعت بأنه لا يملك من العمر سوى ثمانية وعشرين عاما." كيف يمكن أن أقبل الزواج منك وأنت تشارف على الخمسين"- قالت له عندما تقدم لخطبتها.
    /امشي الحيط الحيط يا كاظم/
    لقد طبق طوال عمره تلك القاعدة بحذافيرها, ولكنه في ذلك اليوم المشؤوم اضطر للابتعاد قليلا عن/الحيط/ لتأمين لقمة الأولاد, ثم سمع صوت إطلاق نار
    وشعر بسخونة تجتاح يده , راح يركض ويركض ويركض فبدا له أن غابة النخيل تمتد إلى نهاية العالم وأخيرا سقط.
    ***********************
    وضّح لهم مرارا أن الفأس التي كان يحملها لم تكن لقتل أحد, ولكن دون جدوى. لذلك فهو مقتنع الآن تماما أن الفأس مفردة من مفردات لغتهم وتعني القتل, خلافا لما تعنيه في العراق.إن لم يكن بالفأس فكيف يقتلعون الأعشاب من أرضهم إذن؟ سأل نفسه مرارا دون أن يتوصل إلى جواب.
    كم عملية تفجيرية نفذت ,كيف وأين وكم قتلت يا رقم /3005/؟ سأل المترجم.
    لا أدري عن أي شيء تتحدث يا سيدي, أجاب وهو يحاول إخفاء عريه.
    يا لكم من شعب بربري , صرخ المحقق بعد أن تلقى الجواب من المترجم, ألا تدركون أننا جئنا لتحريركم بينما أنتم تحاولون قتلنا؟ ألا تفهمون أن من حق الإنسان أن يكون حرا, يساهم في تقرير مصير بلده وبنائه, ويمارس التعددية السياسية والفكرية,ويتذوق حلاوة الديمقراطية؟
    لم يفهم كاظم الكثير مما قيل ولكنه يفهم تماما أن من أول حقوقه أن يكون مستور العورة. ترى هل يستطيع النظر في وجه زوجته مرة ثانية؟.
    التعددية السياسية والفكرية, أمعن التفكير طويلا في معنى هذه الجملة, ولكنه قرر أخيرا أن الألم يشتت ذهنه كثيرا , ولذلك فإنه سيسأل أحدهم بعد خروجه –إن خرج طبعا- وان لم يكتب له ذلك, فإن أول سؤال سيسأله لأهل الآخرة هو هذا السؤال.
    ***********************
    لم يستطع النهوض في هذه المرة, مثلما يفعل في كل مرة يعيده فيها الجندي من التحقيق ويرميه على أرض الزنزانة, حاول ترتيب الأفكار التي يضج بها دماغه, حاول جاهدا وأخيرا استطاع التقاط صورة أولاده, ها هي حقائبهم المدرسية , تقافزاتهم في فناء الدار , أيديهم الصغيرة الملوحة ,وجوههم المرحة. تقفز زوجته إلى المشهد/امشي الحيط الحيط يا.../ يقترب سقف السجن منه, تتشوه الصور, يبتعد السقف, يحاول استعادة الصور, السقف من جديد.....
    لن يصمد طويلا, قال أحدهم.
    - لا بد أن التعذيب كان قاسيا هذه المرة, كان ذلك واضحا من صوت الصرخات.
    - ألا تعتقد أنه من الأفضل له أن....؟
    - نعم أعتقد ذلك.
    لم يكن كاظم متأكدا, عندما كان سقف السجن يقترب منه شيئا فشيئا , أكان ذلك الحديث يدور بين مسجونين أم ملاكين.
    "أرجو أن تكون الرحلة طويلة جدا هذه المرة, على كل حال لا تنس أن تسألهم يا كاظم عن معنى التعددية السياسية والفكرية"- قال لنفسه بعدما التصق السقف تماما بجسده.....




    فهد حسين العبود

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. عباءة الحب .. القصيدة التي شاركت بها في مسابقة #كتارا
    بواسطة مصطفى الغلبان في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 24-05-2017, 12:15 AM
  2. مصطلح "استخلاص السمات" مع نصوص أقاصيص القرآن والحديث وقصصهما القصيرة، لا "النقد"
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 16-06-2010, 12:01 PM
  3. نصوص الخاطرة التي شاركت في مسابقة الواحة الأولى
    بواسطة إدارة الرابطة في المنتدى مهْرَجَانُ رَابِطَةِ الوَاحَةِ الأَدَبِي الأَوَّلِ 2006
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 23-05-2006, 02:24 PM
  4. النصوص الشعرية التي شاركت في مسابقة الواحة الأولى
    بواسطة إدارة الرابطة في المنتدى مهْرَجَانُ رَابِطَةِ الوَاحَةِ الأَدَبِي الأَوَّلِ 2006
    مشاركات: 44
    آخر مشاركة: 20-05-2006, 06:50 PM