أحدث المشاركات
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 13 من 13

الموضوع: مذكرات معلمة

  1. #11
    قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Jul 2004
    الدولة : غزة فلسطين
    العمر : 68
    المشاركات : 2,005
    المواضيع : 323
    الردود : 2005
    المعدل اليومي : 0.35

    افتراضي

    10
    البحث عن طريق
    3- رقم 9
    في عدة امتحانات تالية ، تدربت جيدا على الخروج من مأزق الخلل في عدد الدرجات ، وعوّدت نفسي ألا أكتب أحد عشر سؤالا في امتحان عدد أسئلته ودرجاته عشرة ! ! وفررت بخوف أقرب إلى الفزع من الأسئلة التي لا يمكن بها قياس التطور الحقيقي في اللغة مثل :
    * تكلم عن . .
    * اكتب ما فهمت من . . .
    * ماذا تعرف عن . . .
    * اكتب شروط تقديم الخبر على المبتدأ . . .
    * ما رأيك في . .
    فكم درجة يمكنك أن تعطي على إجابة مثل هذا السؤال ؟ وما أهميته في تعليم اللغة ؟ وأي الإجابات ستعتبرها صحيحة وأيها خاطئة ؟ ما هي الحدود الفاصلة بين الإلمام بالموضوع والتعبير بلغة صحيحة عما تعرفه من الموضوع ؟ لقد كانت الأسئلة من هذا النوع شبحاً بالنسبة لي وكانت مخاوفي منها مساوية تماما لمخاوفي من نوع آخر من الأسئلة يسوي بين وحدات اللغة ، ويسطح شعور الطالب بدلالالتها، وبالمواضع المختلفة المتمايزة في اختيارات الكلمات المناسبة لتوضع فيها، وهي ذلك النوع الذي ينتشر بكثرة ملحوظة في كتب التعليم الرسمي فلذلك ربما تراها مألوفة جداً وعادية عندما تقرأها :
    * ضع سوى بدلا من إلا وغيِّر ما يلزم .
    * اكتب مرادف الكلمات الآتية.
    * استعمل أداة نداء أخرى في الجمل الآتية .
    * اجعل الجملة للمفردة المؤنثة المخاطبة ثم للمثنى ثم للجمع ثم لجمح المخاطبات !!
    وأتمنى ألا أعرض طلابي أبداً لهذين النوعين من الأسئلة ، مهما كانت الخسائر الناتجة عن فقده ؛ لأن ما أراه من مخاطر فقد دقة القياس وفقد المدركات اللغوية الحية ، وفقد التمييز الدقيق بين استعمالات الكلمات والتراكيب ، وفقد الشعور بالمعنى . . هذه المخاطر أكبر كيرا من فوائد هذين النوعين من الأسئلة . فبحثت في مخازن الذاكرة عن أسئلة أخرى تقيس أشياء يمكن إدراكها بالحواس فأصبحت أسئلة الامتحانات من قبيل :
    * صحح الخطأ : (ويتضمن أخطاء في المعنى وأخطاء في التراكيب ورسم الكلمات وعلامات الترقيم ) وتحسب درجة لكل خطأ وتقسم على قسمين ؛ أحدهما لمعرفة الخطأ ، والآخر لمعرفة صوابه ، وجميع الأخطاء مستمدة من أخطاء الطلاب .
    * اختر الجواب الصحيح .
    * اختر الكلمة المناسبة مما بين الأقواس .
    * اكتب سؤالا مناسبا لهذا الجواب .
    * اكتب الجواب الصحيح .
    وأسئلة أخرى كثيرة يمكن الحصول على نماذجها من مخازن التدريبات في مدرستنا . وكان برنامج تدريس اللغة يتحرك مع الامتحان ، ويدوران في فلك واحد: ينبغي أن يلمس الأولاد اللغة (دلالاتها وتراكيبها)، وأن يفهموها بدقة . وتركت أحياناً مساحة خطأ واحد للطالب استوحيتها من السؤال الحادي عشر، وهي في تلك المرة كانت مخرجاً ، بدأت بعد ذلك أتعمد إضافة سؤال واحد زائد عن عدد الدرجات 0 فيحصل الطالب الممتاز جدا على 11 من 10ويحصل آخرون على 6أو 8 بخطأ واحد مغفور! ولم يكن الأمر يخلو من متعة لي ولهم 0 في ترقب لمعرفة من الطالب الذي سيتكرر حصوله على الدرجة الزائدة التي أصبحت - لطلاب في عمر الجامعة أو نهاية الثانوية - كالنجوم والصور التي نلصقها لطلاب الابتدائية . ثم بدأت أقيس تطوري أنا ، وأدرج اسمي ني نهاية قائمة الأسماء ، وأطلب منهم أن يكتبوا درجتي ، وهي المتوسط الحسابي لدرجاتهم جميعاً 0 ومع الوقت . . أعطاني الطلاب اسما خاصا وهو (رقم 9) لأن رقمي في كشف الأسماء كان رقم (9) ، وعندما تندروا به أمامي لأول مرة (كمحاولة متوجسة نصف حذرة لمعرفة طبيعة رد فعلي ) فوجئوا باشتراكي معهم في المزحة ، ولذلك تشجعوا على إخباري بأن : رقم (9 ) لن يكون أبدا متفوقا أو من الأوائل ، طالما ستبقى درجته متوسطا حسابيا للأبد ، وأن الأمر في يدهم وكل مستقبله الوظيفي متوقف على اجتهادهم أو على الدرجات التي " يرغبون " في الحصول عليها ! ! ومع ذلك ، فقد كان الطلاب الثمانية يتنافسون دائماً ليرفعوا درجة (رقم 9) وكان (رقم 9) . . لما يزل باحثا عن طريق ! وعلى هذا الطريق انتهت محاولات الوصول إلى تقويم مفيد وحقيقي وذي قدرة على القياس الدقيق إلى المحطة التالية أوصافها :
    1_ وجود امتحان مستوى شبه ثابت (بمعنى أنه ثابت النمط غير ثابت الأسئلة بعد) .
    2_ تثبيت نظام الامتحانات الدورية في نهاية كل دورة ، ثم تعديله _بعد التجربة _إلى مرتين في الدورة (مرة كل شهر) ، ثم أخيرا وهو المطبق حتى الآن : مرة كل أسبوعين .
    3_ إعلان نتائج كل فصل على لوحة الإعلانات التي اشتريناها خصيصا لهذا الغرض ، وتتضمن قائمة الأسماء اسم المعلمة أو المعلم ودرجته .
    4_ أصبحت لدينا مجموعة ثابتة من أنماط جديدة لأسئلة اللغة العربية وتدريباتها بدأنا تعميمها على جميع الفصول ومن أهمها : * صحح الخطأ (جمل متفرقة أو نص كامل أو واجبات قديمة ، وفي كل من هذه التنويعات يمكن أن يوضع خط تحت الخطأ للطلاب المبتدئين أو لا يوضع في المستويات الأعلى ، ولتدرج الصعوبة يمكن تدريج مستوى الأخطاء ويمكن إخبار الطلاب بعدد الأخطاء في السؤال ، ويمكن أن تتضمن ورقة الامتحان الصورة الصحيحة للخطأ جزءاً من أسئلة أخرى بحيث يساعد هذا الطالب المبتدئ عن طريق الإيحاء أو التذكير غير المباشر، مع مراعاة عدم الإكثار منه ) . (ويفيد هذا السؤال في تنمية دقة الملاحظة والفهم اللغويين ) .
    * اشرح بجملة : (يهدف إلى تدريب الطالب على التعبير عن نفسه عندما تخونه الذاكرة في الكلمات المعينة للمعاني ، وقد اتضح أن هذا السؤال متعدد الفوائد في تكوين التفكير اللغوي للطالب وتدريبه على تجزئة المعاني وتفسير أشياء عملية ، والتفرقة النظرية بين دلالات كلمات قد تبدو من الخارج متشابهة أو متقاربة ، وهو ينمي قدرات المدرسين أيضاً على التعامل مع المستويات المختلفة من الطلاب بمرونة ويوسع آفاق فهمهم اللغوي) . مثـال: * قلم :
    1_ شيء نكتب به .
    2_ الشيء الذي أكتب به .
    3_ به أكتب .
    4- أكتب
    5_ آلة الكتابة .
    6_ أكتب فيه .
    ويلاحظ أن الإجابتين رقمي 4، 6خاطتان ، لأن الرابعة ليست شرحا لكلمة ما ، وهي ناتجة عن نسيان الطالب حرف الجر وتدل على ضعف شديد في قدرته على التعبير والتركيب ورقم 6هي خلط في حرف الجر بين (به 0 فيه ) وهي أيضاً شرح كلمة (دفتر أو ورقة ) وليس (قلم ) ولو كتب المدرس في السؤال نفسه كلمة (دفتر) فإنه يقلل احتمالات وقوع هذا الخطأ لأن الطالب إذ كان يقظا سيصل إلى الكلمة الأخرى فيكشف خطأه ويصححه ، ولو كان الطالب في بلد تستعمل عاميته (في) بدلا من (ب) مل بعمى بلاد الشام ، فإن احتمالات وقوع الخطأ تزداد كثيرا .
    * اكتب السؤال : تنويعات هذا السؤال هي:
    1_ اكتب عشرين سؤالا جوابها موجود في النص .
    2_ اكتب
    3 أسئلة جوابها موجود في الجملة التالية .
    مثلا:
    أحمد طالب في مصر . الجواب : من هو أحمد . ماذا يعمل أحمد . أين يدرس أحمد . . إلخ .
    3_ اختر السؤال المناسب لهذا الجواب : (جملة وتحتها قائمة أسئلة أحدها فقط هو السؤال الذي تجيبه الجملة أعلاه ) .
    4_ أسأل عن الفعل الموجود في الجمل الآتية . (وتنويعاته :
    أسأل عن الزمن . .
    أسأل عن . . ) ويفيد هذا السؤال في تدقيق استعمال الطلاب للأسئلة ، وعلى المدى الأبعد يفيدهم في المحادثة وهي ركن أساسي من برامج تدرينا إن لم تكن هي " الركن الأساسي" .
    5_ تضم جميع الامتحانات والتدريبات بعد نهاية الدورة إلى ملف لدى الإدارة يعرف باسم "مخزن التدريبات" لتفيد في تجارب تالية .
    6_ خرجت آخر امتحانات اللغة العربية ملائمة جدا للمقاييس والشروط التي تحددت ليكون الامتحان "جيدا " . ولكن هل نجح هذا الامتحان في القياس ؟ في الحقيقة لا . وهذا هو الخطأ الذي لمت نفسي عليه مدة طويلة بعد ذلك . وسأحكي في مرة تالية قصته بالتفصيل .



    ( يتبع )

  2. #12
    قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Jul 2004
    الدولة : غزة فلسطين
    العمر : 68
    المشاركات : 2,005
    المواضيع : 323
    الردود : 2005
    المعدل اليومي : 0.35

    افتراضي

    11
    ابحث عن طريق
    4- النتيجة زائفة يا أولاد
    في هذه الدورة كان كل شيء يسير على ما يرام ، أو هكذا بدا ، وخاصة في ظل ثبات النظام وانتظام جميع المدرسين على عقد الامتحانات الدورية الأربعة ، وتسليم نتائجها للإدارة وذلك بعد تركها معلقة على لوحة الإعلانات لفترة كافية . وكان فصل المتفوقين جزءاً من طالعي السعيد خلال تلك الدورة الناجحة ، وبدأت إعداد الامتحانات الأربعة تدريجياً مع مرور الزمن وانقضاء عدد أكبر من الدروس ، وتطور مستوى الطلاب بما يوشك أن يؤهلهم للتخرج .
    وفصل المتفوقين الذي يتمنى كل مدرس أن يكون له ، يتمتع بمزيتين أساسيتين الأولي عدم التذمر من الواجبات ، وهو ما يتكرر على نحو ضاغط في كل الفصول الأخرى ، مع اختلاف درجات التذمر التي قل تبلغ تجاهل الواجبات تماماً ، في بعض فصول الأشقياء ، بغرض الضغط على المدرس حتى ييأس من تقرير الواجبات على الطلاب ، ويعيد تشكيل برنامجه بحيث لا تمثل الواجبات عنصرا أساسياً يتوقف عليه التعليم .
    أما المزية الثانية ، وهى الأروع والأكثر جاذبية لكل مدرس ، فهي مزية مركبة من ارتفاع الدرجات عموماً ، والارتفاع المنتظم الملحوظ في معدل التقدم من امتحان لآخر. كل هذا يساعد المدرس العادي والعبقري أيضاً على أن يتأكد من عبقريته وقدرته على التعليم ، عندما يعزوها _كما كنت أفعل _ إلى مهاراته الخاصة المميزة وإخلاصه وبرنامجه الأمثل لتعليم اللغة .
    المخادع في الأمر هو أن الطلاب ، ببساطة ، يريدون أن يتعلموا ، أو يعرفون كيف يفعلون ما يريدون ، وبعضهم يتميز بمهارات خاصة في التعلم ، وهذه هي ثلاثة أنواع الطلاب الذين يتكون منهم فصل المتفوقين في أي مدرسة ! ! لقد شردت واستطردت في شرح مزايا فصل المتفوقين وهو أمر طبيعي ومؤكد أنه أكثر إبهاجا من شرح عيوب المدرسين . لكن هذه هي نهاية تطور الامتحانات وينبغي أن أذكرها ، فأنا أمينة مع نفسي كما ذكرت مراراً ! ! في فصل المتفوقين تم تنفيذ نظم الامتحانات الأربعة بدقة :

    * الامتحان الأول:

    في دروس الأسبوعين ، بسيط ويشتمل علي الأسئلة الأساسية في برامج هذه المدرسة وهي الأسئلة الشهيرة : اشرح بجملة 0 وصحح الخطأ ، وما شاء المدرس من أسئلة أخري ، وهدفه قياس مستوى الطالب في دروس هذين الأسبوعين .

    * الامتحان الثانى :

    أكثر شمولاً وينبغي أن يغطى كثيرا مما تعلمه الطالب من قبل ، لأنه أقرب إلى أن يقيس مستواه العام في اللغة ، وهذه هي نتيجة " منتصف الدورة " . وقد نجح الامتحانان نجاحاً باهراً في دقة القياس ودلالاته وتوافرت لهما جميع عناصر الامتحان المثالي ، بأسئلته المحددة وتوزيع درجاته البسيط الذي يجنب المدرس الخطأ في تقدير الدرجة ، وانطباق الأمثلة بدقة على ما يراد امتحان الطالب فيه من مادة لغوية ، وتصويب كل سؤال نحو هدف مغاير بحيث يشمل مجموع الأسئلة في النهاية كل ما يراد اختباره ، وتوفير بعض الأسئلة المسلية للطلاب والتي تقيس فهمهم أيضاً حتى لا يملوا من طول الامتحان ورتابة نظام الأسئلة ، وتقدم الأسئلة للطلاب تدريبات جديدة وأفكارا تفتح لهم آفاق التفكير اللغوي لتتجاوز فائدتها القياس الفردي المجرد لمستوى الطالب ، هذا بالإضافة إلي وضوح رأس السؤال والدلالة الأحادية لكلماته (أي ألا تكون محتملة أكثر من معنى فيضل الطلاب فهم ما هو مقصود بها ) وغير ذلك من مواصفات الامتحان ، التي درسونا إياها عند إعدادنا للتدريس ، والتي خلصت إليها من تجربتي التي سردتها في هذه المذكرات . وهكذا كان الامتحانان خليقين بأن يملآني غروراً وشعوراً بالعبقرية الذاتية فأقع فوراً في شرك جديد خلال الامتحانين التاليين ! ! وأحياناً تتبين لنا درجة تفاهة أنفسنا والحياة التي نصنعها حولنا ، لشدة حماقة ما نقع فيه من أخطاء وتفاهة أسبابها الحقيقية ، ولكم يكون العالم كريها ووجودنا مخزياً في هذه اللحظات !

    * الامتحان الثالث :

    سول لي الكسل في ذلك اليوم ألا أكتب امتحانا ووجدت مبررات مقنعة جداً وبعضها تربوي أيضاً ، فقد تعود الطلاب علي خط المدرسة نفسها منذ وقت طويل ، وانه من الأجدر لتعليم اللغة الثانية أن يعود الطلاب على مطالعة الخطوط المختلفة ، وخاصة إذا استفدنا من شكاوى كثيرة نسمعها منهم ، عندما يتعرضون لقراءة خط الموظفين في الإدارات الحكومية فلا يستطيعون ، فلماذا لا أجرب فكرة جديدة أن أعطيهم واجبات لطلاب قدامى_ أنا احتفظ بمعظم واجبات طلاب الفصول المتميزة _وأطلب منهم تصحيحها وهكذا يتدربون ويجدون في امتحانهم نوعاً من الفكاهة ، ويرون كذلك أخطاءهم كم تكون مضحكة أو شنيعة عندما يقرأها الغير، وكذلك فقد جربت هذا الامتحان من قبل ونجح _كان ذلك طبعاً قبل أن أدقق معاييري وأكتشف طريقة لحساب المستوى بدقة _كان مفهوم النجاح آنذاك مختلفاً ومستوي وعيي أنا أقل كثيراً . وآخر مبرر قوي توصلت إليه هو أن الامتحان الثالث يعد تدريباً أكثر مما يهدف إلى القياس الحاسم . وقد نفذت الفكرة ، ففي الصباح استخرجت من المخزن واجبات مجموعة من الطلاب تقترب في مشاكلها اللغوية ومستواها من هذه المجموعة ، وكتبت علي اللوح بهدوء : صحح الأخطاء في هذا النص . ووزعت على كل طالب أحد الواجبات . طبعا_وغني عن الشرح _كان من المستحيل إعطاء درجات في هذا الامتحان ، فلا أخطاء الطلاب متماثلة ، ولا واجباتهم متساوية في الطول وعدد الأخطاء ، وليس هناك أي حساب ولو تقريبي لعدد الأخطاء في النص الواحد ولم أعط أي طالب أية درجة ، وبالتالي فإن هذا لم يكن أي نوع من أنوع القياس وكانت هذه أسوأ تحاربي في إعداد الامتحانات وأتفهها على الإطلاق .

    * الامتحان الرابع :

    وفي الامتحان الرابع قررت التكفير بعمق عن تلك السقطة وطبقت كل ما أعرف من مواصفات على امتحان عظيم يتكون من مائة سؤال بمائة درجة يضاف إليهما درجتان للمتميزين ، ويشمل كل ما ينبغي أن يعرفه الطالب منذ التحق بالمدرسة من أساسيات . وفاجأت الطلاب به ، وكانت النتيجة مدمرة! لأن جميع الطلاب حصلوا على درجات في غاية الانخفاض ، وبعضهم حصل على 28% وأعلاهم على بضع وسبعين ، وهي درجات أقل من مستواهم الحقيقي ، غير أن عامل المفاجأة 0 والامتحان المكون من مائة نقطة نصفها على الأقل يعتمد على دقة الملاحظة والذكاء (وهو ما يتدرب عليه الطلاب كثيراً عندنا ونشدد على أهميته وتوسيع نطاق أعماله ) كل هذا أدى إلى هذه النتيجة المروعة . وفي النهاية قررت أن أنطوي على اكتئابي وألا أعلن النتيجة الفاضحة لأحد ، ولم أعط الطلاب أوراقهم ليتعلموا من أخطئهم ، كما هي عادتي ، وكتبت على لوحة الإعلانات نتيجة تعبر عن الفروق بينهم ، لاعن مستوياتهم الحقيقية ، ولا عما حصلوا عليه في الامتحان وهكذا حققت آخر تجاربي زيفاً هائلاً .

    تقويم نهائي:

    في الحقيقة لم يكن الأمر كله " زيفا هائلا " كما نعته في آخر صفحات هذه المذكرات ، لكنه تضمن عددا متدرجا من الأخطاء التي يحدث أن نقع فيها جميعاً مع اختلاف درجات إخلاصنا ، وحبنا لعملنا وطلابنا . . لكنني طالما نصحت زملائي المستجدين في العمل 0 بألا تكون أخطاؤهم إلا سماداً يغذون به تربة تجاربهم المفيدة . . وهكذا فإننا في الحقيقة تقدمنا كثيراً في المدرسة بشأن الامتحانات ، وأخيراً أصبح لنا أسلوب ثابت وقادر على تحقيق نتائج يمكن تطويرها تدريجيا ، وأصبح نظام الامتحانات محدداً تماماً ولا تمكن مخالفته بسهولة الآن . والآن في الاجتماع الدوري قالت مديرتنا ، إنها سعيدة بما توصلنا إليه خلال عامين من تجارب القياس ، وإنها مطمئنة الآن أن بإمكانها تفريغ ذهنها من هذا العبء الخاص ( بفوضى نظام القياس ) لتتفرغ للتطوير في مجالات أخرى مهمة جداً . أريد أن أسجل في مذكراتي أنني اليوم أشعر بأننا بدأنا نبني نظاما تعليميا في مدرستنا ، أعنى أخيرا أصبح يمكن أن يطلق على ما نعمل فيه اسم "نظام تعليمي" .

    ( يتبع )

  3. #13
    قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Jul 2004
    الدولة : غزة فلسطين
    العمر : 68
    المشاركات : 2,005
    المواضيع : 323
    الردود : 2005
    المعدل اليومي : 0.35

    افتراضي

    12
    القربة المقطوعة



    مذكراتي اليوم لن تكون طويلة ، التطويل في الحديث عن شئ يعرفه الناس قد يكون مملاً . لكنني أريد فقط أن أذكر صديقي المعلم رمضان صادق ، الذي لم ينصفه طلابه ، وأردت أن يكون هذا اعتذاراً له عن العالم الذي وضعه في موقف أليم فارغ بعد كل الوقت الذي قضاء مفكراً وباحثاً لكي يكون هذا الموقف نفسه 0جميلاً ومفيداً نافعا .
    وقد بدأ اتصالي بالقصة علي هذا النحو :
    مع بداية الفصل الدراسي الجديد ،اتصل بي هاتفيا صديقي الذي يعمل " معلماً " في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة حلوان ، وأخبرني أنه مكلف هذا الفصل بتدريس مادة اللغة العربية والأدب لطلاب السنة الثانية بقسم اللغة الفرنسية ، وأن ثمة كتاباً تقرره الكلية على كل أقسام اللغات ، وأن برنامجه يتكون من عدد من الساعات لا أذكره ، وأذكر أنه بحسب خطته التعليمية كان لديه نحو 10-12 ساعة على مدار العام فائضة عن حاجة المقرر 0 لذلك يفكر أن يوسع إمكانيات المادة المحدودة في الكتاب المقرر بمناقشة عدة موضوعات تختم بتكليف الطلاب بعمل بحث ما ، يكون تطبيقاً عمليا لمناقشتهم النظرية ويكون كذلك تدريبا للأولاد على الكتابة العلمية في سن مبكرة_ بالنسبة لبرامج التعليم في بلادنا_ و أيضا يعمق كل هذا تجربتهم في الدراسة الجامعية كما ينبغي أن تكون .
    واقترح لبحث موضوعين : رفاعة الطهطاوى ، وطه حسين ؛ على أن يطب مهم إجراء دراسة موجزة لتأثير الثقافة الفرنسية على هذين الشخصين باعتبارهما من أعلام الفكر العربي في العصر الحديث .
    وقصَّ عليَّ زميلي العزيز أحلامه في براءة شديدة ، وهو يتخيل أنه ربما يكتشف بهذه التجربة بعض الطلاب الموهوبين فيكلفهم بعمل دراسة على تأثر لغة هذين العالمين باللغة الفرنسية في كتاباتهم العربية ، ثم سألني رأيي ، فوافقته على كل ما قال .
    وبدأت أقترح عليه تفريعات للمناقشة ، تتصل بأحداث الحياة الفكرية هذه الأيام ، وتتصل بما يبني _ في ظني _ أن يعرفه طالب الدراسات الأوربية العربي وهو مقدم عليها ، مثل الجامعة الفرنكفونية المنشأة حديثا في مصر : أهدافها وأثارها ، وما دار من خلاف شغل الرأي العام المثقف لفترة من الوقت حول تغيير اسم أحد الشوارع من اسم مفكر عربي إلى اسم شخصية فرنسية مشهورة ، واقتراح بعض الجهات الاحتفال بمرور عدد من الأعوام على الحملة الفرنسية على مصر . وافق زميلي العزيز على كل أفكاري ، ولاحظ أنها مرتبطة بتربية الفكر أكثر من تعليم الأدب ، ولما أعرب عن ملاحظته هذه ، دخلنا في مناقشة طويلة حول أهداف التعليم القائم حاليا ، وما ينبغي أن يكون هدفا للتعليم الذي نعتبر أنفسا رسلا حاملين أمانته ، وعلينا تبلغيها في كل غرفة درس ، ني كل سؤال نلقيه على الطلاب ، وفي كل جواب يحصلون عليه منا. وقال لي إنه يفكر أن عليه تعويد الطلاب على البحث عن العلم ، وعلى قراءة المراجع الأساسية المتصلة بالموضوع ، وأن يعلمهم دائما فلسفة الموضوع وأبعاده الحضارية ، وضحك ضحكة لا تخلو من غضب عندما قلت له إنه يتكلم عن " تعليم عال " على ما يبدو . وقال : وماذا تريدين أنت أن تعلميهم في الجامعة ؟ وكانت فرصة عظيمة لأجد ضحية جديدة تضطر إلى الاستماع بحب إلى نظريتي في الأساسيات ، وقلت : إن طلابنا في الجامعة يفتقدون كل ما ينبغي أن يكونوا قد عرفوه في الدراسة الثانوية ، وأهم ما ينبغي أن يميز طالب الجامعة ، ذلك هو أساسيات العلوم ، والاختيار المحب الواعي لما يدرس ثم لما يعمل فيما بعد، وبما أن الأمر الثاني قد أصبح أقرب إلى الاستحالة ، في الظروف القاسية الضاغطة التي تفرض على شبابنا ما لم يختاروه ، وتجبرهم على قبوله بحكم لقمة العيش ، والضرورات الاجتماعية الأخرى ، لذلك ينبغي أن نجعل الأساسيات هي هدفنا الحالي فنعيد شرح حقائق العلم وبداهاته بطريقتنا الجديدة ، بحيث نجعلهم يعرفون أن له علاقة بحياتهم ، وأن العلم يمكن أن يقال في كلمات بسيطة ، ويمكن أن يشغل جزءا من تفكير الإنسان في حياته اليومية العادية ، وأننا بشر مثلهم يمكن أن نتكلم في أشياء تتصل بحياتهم وأن نهتم بهمومهم ، وأن نعاني كآبائهم ، وأن نمازحهم دائما ، ونقول إننا لا نعلم أحيانا، وإننا غير متأكدين ، وإننا سنبحث وسنسأل أساتذتنا، ونسألهم لنتعلم منهم أحياناً. . فتصبح محاضراتنا فيما بعد هي اختيارهم المحب الواعي، ويتذكرون ما نقول ، ويتكلمون عنه . . ويستزيدون منه . قال زميلي العزيز : إذن نفقد القيمة العليا للتعليم الجامعي ، الارتقاء بعقل الإنسان ، ونتملق الطلاب لكي يحضروا دروسنا ، ويدرسوها . . هذا غير صحيح الطالب يجب أن يرتفع بعقله إلى التعليم الجامعي والثقافة التي تقدمها له الجامعة وليس العكس . قلت : وهل تريد أن نبني ثقافة على أرض جوفاء تحتها ؟ هل تظن أنها هكذا يمكن أن تكون مفيدة فيما بعد؟ أو حتى حقيقية ؟ وتريد أن تذهب إلى غرفة الدرس فتتكلم عن أشياء لا يهتم بها أحد لأنه لا أحد يعرف لماذا هي مهمة ؟ وتريد أن يحضر الطلاب محاضراتك إجباريا كما يحضرون لكل الأساتذة ، ويستمعون إلى ساكن البرج العاجي وهو يعزف ألحانه الكلاسيكية التي لا تمثل لهم كثر من ضوضاء خالية من المعني؟ ! وقد طالت مناقشتنا على هذا النحو، وأنا وعدت بألا أطيل مذكراتي اليوم لأن هذا الموضوع يعرفه كل الطلاب والمعلمين . أريد فقط أن أسجل نهاية القصة في إيجاز شديد : لقد اتفقت مع زميلي المثالي على صيغة وسطي، بين طريقتي المبالغة في العملية وطريقته المبالغة في حماية القيم الكلاسيكية للجامعة ، وأدخلنا فيها كل ما نريد أن يتعلم طلاب السنة الثانية بقسم اللغة الفرنسية ء وقال رمضان إنه سيعيد قراءة كتابين مهمين قبل أن يدخل غرفة الدرس ، لكي يراجع ما يري الخلفية الفكرية للموضوع هما: "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا " للأستاذ الجليل محمود شاكر و" ثقافة الغزو" للمفكر العربي الإسلامي محمد عمارة . وبعد موعد المحاضرة بساعات ،اتصل بي رمضان صادق ليخبرني بالنتائج العظيمة للمحاضرة التي جهدنا كل هذا الجهد في الإعداد لها، قال : لقد كان الطلاب يتسربون من غرفة الدرس واحدا بعد الآخر، وكنت أستمر أنا في المحاضرة ، لقد وفقت جدا في صياغتها ، وفي تضمين المعلومات التي أردت تضمينها، وكذلك " الدسائس" الفكرية التي أردت أن "أدسها" - مشيراً بذلك إلى القيم الفكرية والأخلاقية التي نبثها في ثنايا الموضوع ليتعلمها الطلاب دون أن ينتبهوا إليها فينفرون ، إذا انتبهوا، من فكرة الموعظة المباشرة ويتخذون موقف مضاداً لها بالجملة - وتحدثت عن صراع الحضارات المختلفة وتلاحمها في الوقت نفسه ، وتبدت لي في ذلك الوقت معان لم تكن جلية هكذا من قبل ، وشرحت للطلاب موضوع البحث ، ولم أكن أعرف أنني أستطيع أن اجعل موضوع البحث جذابا إلى هذه الدرجة ، وأدخلت بعض التعديلات على اتفاقنا سأخبرك بها. . . . لقد كان كل شيء يمضي على أحسن مما توقعت بالنسبة للمحاضرة . لكن الطلاب كانوا يتسربون . . . وكنت أنا مستمراً في الشرح ، ويتزايد صراعي مع الإحباط والرغبة في الانهيار.

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

المواضيع المتشابهه

  1. 000 برزخ معلمة 000
    بواسطة ماجد سليمان في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 22-04-2019, 09:21 AM
  2. معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية
    بواسطة عبد الرحيم صابر في المنتدى المَكْتَبَةُ الدِّينِيَّةُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 18-05-2013, 08:49 PM
  3. نصيحة معلمة
    بواسطة إيمان رمزي بدران في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 20-12-2009, 06:25 PM
  4. رسالة حب من معلم رياضيات إلى معلمة رياضيات
    بواسطة عطية العمري في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 18-04-2009, 09:34 AM
  5. مقتل معلمة في غزة
    بواسطة أم محمد العمري في المنتدى الإِعْلامُ والتَّعلِيمُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 12-12-2004, 05:10 PM