أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: مناورة

  1. #1
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Sep 2005
    المشاركات : 165
    المواضيع : 37
    الردود : 165
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي مناورة

    مناورة
    استلقى على السرير بكامل ثيابه , استعرض نعل حذائه على مرآة الخزانة المقابلة وتنفس بارتياح , تاركا للخادم مهمة الاعتناء بالطائر الحر , القادم للتو من عند بائعه بقفصه المذهب محمولا بين يدي صبي أجير
    ما كان يوما من هواة الصيد , طرا ئده تأتيه إلى باب بيته مذعنة , لكنه يأبى وبعنف . أن ينافسه أحد على اقتناء الأشياء الجميلة والثمينة .
    *********
    نقلت البصر بين رأسها المرتسم على صفحة المرآة مستسلما لأصابع المزين الرشيقة وبين حذائها الذي سيكون محط نظرها في السهرة القادمة , هربا من عيون مفترسة سوف تحيطها , هربا من ظنون دنسة تلحق بها بعد كل سهرة مشابهة , تكدر صفوها , أطلقت تنهيدة تختزل حرائق الروح في لجة الصمت , مولية ظهرها للثوب الأنيق , القادم من متجره هذا المساء من أجل سهرة مفاجئة .
    *********
    انبثق القمر من الشرق , راح يتهادى فوق بساط من مزق الغيوم الصقيعية البيضاء , ناثرا سناه خارج أسوار ذلك القصر المحصن بأرتال مدربة من الكلاب السمينة , غير آبه بأضواء النيون المتناثرة في كل مكان , محولة نهاره المكفن بظلمة الستائر الصفيقة , كما ليله , إلى ما يشبه انعدام الزمن في أزلية السجون .

    *********
    وقف أمام مرآته يعيد حلاقة ذقنه , يفيض تيها ومرحا , يسكب العطور أنهارا على مفاصل جسده , يرسل سحب العبق الحاد إلى خارج حدود الجدران والأسوار , منتظرا ضيوفا أجلاء ذوي كروش بارزة , وعيون فارغة , ليستعرض أمامهم أثمن مقتنياته .
    *******
    وقفت أمام مرآتها تستكمل زينتها , الصقر قابع بذل في قفصه يلوك قهره ,و يمسحها مرة تلو مرة , بنظرة استهجان وشفقة , نظراته الحادة اخترقت عظامها , أخرجتها من نفسها ودت لو تعانقه , لو تزرع قبلاتها على نصل منقاره الأحدب , على رأسه المتقد شموخا وعنفوانا ولكن ... هذا الجارح ا لحاقد على من سلبه حريته وآذاه في نقطة أمانه , قد لا يدرك مغزى اندفاعها وحجم عواطفها فيباغتها بنقمته .
    *******
    حاقد ؟ هذا الوحش الجميل حاقد وحق له الحقد , مسحت قضبان القفص بحنان , نسيت زينتها وجثت أمامه : كلانا يا صديقي غاضب حاقد , يملك جسدا جميلا حق لمالكنا الفخر باقتنائه , جسدك مزين بريشه وجسدي مزين بما يجلبه من أثواب وحلي ,كلانا اقتنص من علياء كرامته ليعرض هنا , فرجة للمتفرجين , ضمن ما يقتنيه صاحب الكلاب

    *******
    أغلقت باب غرفتها بحذر واحتضنت القفص أمام دهشة الطير اللائذ بالسكون , دلفت الى الشرفة , الشرفة تخاصر القصر , تدور حوله , راقصة بحليها من المصابيح الملونة , ضيوف اليوم لم يصلوا بعد , من وصل منهم لن يغامر بكهولته فيغادر القاعات المدفأة ليقارع الصقيع على الشرفة وحيدا , السلم المفضي للسطح مشحون بالظلام , الظلمة تنضح رعبا , الرعب يمتزج بنشوة النصر , برعشة البرد , بقلق المغامرة , ينشر شحنات كهربائية متلاحقة في عمودها الفقري , الطير يبدي حركات قلقة , تجثو تشد القفص الى صدرها بقوة أكبر , بحنان أكثر , العينان المتوحشتان للصقر تجوسان المكان بنظرات سريعة متفحصة ثم تستقران عند عينيها مستفسرتين : ماذا أنت فاعلة ؟ تفتح الباب الحديدي الثقيل المؤدي الى السطح فيغمرها النباح , وضوء القمر , صخب القصر ينأى عن مسمعها , ضجة الموسيقى تختفي , والطائر يفرد صدره للأفق متحفزا لاستكشاف المجهول .

    ************
    الأفق عاتق ميزان في إحدى كفتيه ريح و نباح , وفي الأخرى أب منكسر ذليل النظرات البرد يخترق عظامها , الطير في قفصه يرتعش بعنف , تهدأ الريح فتستقيم قامات السرو , ينطلق النباح من جديد , نباح لا يشبه النباح تنصت برعب , مستمدة الشجاعة من عيني الصقر المتقدتين داخل قفصه الذي تعانق , العينان تحدقان في الفراغ المظلم , ترصدان هدفا خفيا , تلتمع شهوة الموت في العينين الحادتين , وهما تمتصان ضوء القمر , يعكس الضوء كل ما فيهما من شراسة ووحشية ,تستبد بها نشوة التحدي , تتمنى لو يتحول هذا الصقر رجلا , تتمنى لو تتحول هي ... تتمنى وتتمنى وأين منها الأمنيات .... تنتفض بشدة , تختلج جوارحها , تمد ذراعيها من عري الثوب الجديد لتعانق القفص , بعنف يعادل قهرها , تتحطم القضبان, يصفق الصقر بجناحيه فتصفق معه شغاف قلبها .
    ***********

    الريح تزأر في سياج السرو , يخفت صوت النباح , تفرد جناحي ثوبها الجديد على امتداد قضبان القفص ,ينبت فيهما الريش , تغمض عينيها مأخوذة بسكرة الطيران , يشتد زئير الريح ,فيخمد النباح ينتفض الصقر مبتهجا , كوة صغيرة فتحت في جدار عبوديته , يتحدى الظلمة ويطير , تلحق به , سكرى بنشوة طيرانها الأول , يبتعدان , مخلفين ورائهما سطح قصر كبير يغرق في بحر النباح , و جسدا يشخب دمه قانيا من ذراعين عاريتين ناعمتين جرحهما معدن القفص .

  2. #2
    الصورة الرمزية عماد عنانى على قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : May 2006
    المشاركات : 744
    المواضيع : 20
    الردود : 744
    المعدل اليومي : 0.15

    افتراضي


    كلاهما هاربا من قفصه الذهبي

    ليبقى هو وحيدا

    او

    ليبقى مع ضيوفه يري فى عيونهم مرآته

    تعكس ما فى عقولهم الفارغة وكروشهم الممتلىء

    وهم كثيرون أكثر من أن يجمعهم قصره



    عالم من الجمال والروعة سطرته أناملك
    فرأينا الوجه الحقيقى لمجتمع تحكمه المادة
    وصار فيه الحب عند الكثيرين ارخص من أن يذكر
    ...
    اسعدني بأنى كنت أول العابرين هنا
    تحياتى خالصة من القلب

    ووعد بالمتابعة

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  3. #3
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 510
    المواضيع : 6
    الردود : 510
    المعدل اليومي : 0.10

    افتراضي

    الاخا ابتسام..انه عالم الذت المستوحشة كل يذهب الى ما يريد ان يكون
    رائعة هي كلمات بل اقرب الى ان تكون قصة جميلة

    محبتي وودي
    مريم

  4. #4
    الصورة الرمزية حسنية تدركيت أديبة
    تاريخ التسجيل : Jan 2006
    الدولة : طانطان
    المشاركات : 3,592
    المواضيع : 309
    الردود : 3592
    المعدل اليومي : 0.69

    افتراضي

    كل منهما كان يبحث عن الحرية
    ضج عقلها من فلسفته في فن الامتلاك
    فآثرت الحرية
    رائعة جدا تابعتها بشغف كبير وشوق اكبر ممتعة للغاية
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    شاعرة
    تاريخ التسجيل : Jan 2010
    الدولة : على أرض العروبة
    المشاركات : 34,923
    المواضيع : 293
    الردود : 34923
    المعدل اليومي : 9.37

    افتراضي

    تفرد جناحي ثوبها الجديد على امتداد قضبان القفص ,ينبت فيهما الريش , تغمض عينيها مأخوذة بسكرة الطيران , يشتد زئير الريح ,فيخمد النباح ينتفض الصقر مبتهجا , كوة صغيرة فتحت في جدار عبوديته , يتحدى الظلمة ويطير , تلحق به , سكرى بنشوة طيرانها الأول , يبتعدان

    رحم الله القائل
    " وشر من الموت أن ترى الموت شافيا "
    المبدعة ابتسام شاكوش
    قرأت هنا نصا متقدما جدا وقصة فائقة الروعة
    وككل القصص المذيلة بتوقيعك، تقف القصة معلما في حيز من الابداع

    أرفعها اعجابا

    دمت متألقة
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

المواضيع المتشابهه

  1. مُناوَرَةُ الْمَوْتِ !
    بواسطة رقية الحارثية في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 28-03-2010, 03:27 PM