أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: ملف كامل : تاريخ فلسطين

  1. #1
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Dec 2002
    العمر : 36
    المشاركات : 362
    المواضيع : 127
    الردود : 362
    المعدل اليومي : 0.06

    افتراضي ملف كامل : تاريخ فلسطين

    فلسطين قبل الإسلام



    سكن الإنسان أرض فلسطين منذ العصور الموغلة في القدم، وهناك آثار تعود إلى العصر الحجري القديم (500 ألف – 14 ألف ق.م)، والعصر الحجري الوسيط (14 ألف – 8 آلاف ق.م) حيث يطلق على هذا العصر في فلسطين الحضارة النطوفية نسبة إلى مغائر النطوف شمال القدس، وأصل النطوفيين غير معروف حتى الآن وتركزت حضارتهم على الساحل وعاشوا في المغائر والكهوف كمغائر جبل الكرمل .

    وفي العصر الحجري الحديث (8000 – 4500 ق.م) انتقلت حياة الإنسان في فلسطين إلى الاستقرار، وتحول من جمع الغذاء إلى إنتاجه، وفي أريحا ظهرت أول الدلائل على حياة الاستقرار، وهي تعتبر – حتى الآن – أقدم مدن العالم حيث أنشئت نحو 8000 ق.م.

    وامتد العصر الحجري النحاسي من (4500 – 3300ق.م)، وقد كشف عن مواقع حضارية أثرية تعود إلى تلك الفترة في منطقة بئر السبع، وبين جبال الخليل والبحر الميت، والخضيرة على السهل الساحلي .

    وتميزت بداية الألف الثالث قبل الميلاد بظهور الإمبراطوريات القديمة في الشرق، وقد رافق ذلك التوصل إلى الكتابة والبدء بتدوين التاريخ، ومن هنا تبدأ العصور التاريخية في فلسطين .

    ويطلق على الفترة الممتدة من (3300 – 2000 ق.م) اسم العصر البرونزي القديم، وقد تميزت هذه الفترة بظهور المدن التحصينية الدفاعية التي قامت على هضاب مرتفعة، وانتشرت بأعداد كبيرة، وكانت غالبيتها في وسط وشمال فلسطين، ومن أهم المواقع بيسان ومجدو والعفولة ورأس الناقورة وتل الفارعة غرب نابلس. وفي الألف الثالث قبل الميلاد زاد عدد سكان فلسطين ونمت المدن وأصبح لها قوة سياسية واقتصادية مما يمكن تسميته عصر "دويلات المدن" .

    وخلال الألف الثالث قبل الميلاد هاجر إلى فلسطين العموريون (الأموريون) والكنعانيون، وكذلك اليبوسيون والفينقيون (وهما يعتبران من البطون الكنعانية)، وعلى ما يظهر فقد كانت هجرتهم إلى فلسطين حوالي 2500 ق.م، حيث استقر الكنعانيون في سهول فلسطين، وتركز العموريون في الجبال، واستقر اليبوسيون في القدس وما حولها وهم الذين أنشأوا مدينة القدس وأسموها "يبوس" ثم "أورسالم"، أما الفينيقيون فاستقروا في الساحل الشمالي لفلسطين وفي لبنان .

    ويرى ثقات المؤرخين أن العموريين والكنعانيين واليبوسيين والفينيقيين قد خرجوا من جزيرة العرب وأن سواد أهل فلسطين الحاليين وخاصة القرويين هم من نسل تلك القبائل والشعوب القديمة أو من العرب والمسلمين الذين استقروا في البلاد إثر الفتح الإسلامي لها .

    لقد كانت هجرة الكنعانيين واسعة في تلك الفترة بحيث أصبحوا السكان الأساسيين للبلاد، واسم أرض كنعان هو أقدم اسم عرفت به أرض فلسطين، وقد أنشأ الكنعانيون معظم مدن فلسطين، وكان عددها – حسب حدود فلسطين الحالية – لا يقل عن مائتي مدينة خلال الألف الثاني قبل الميلاد وقبل قدوم العبرانيين اليهود بمئات السنين. ومن المدن القديمة فضلاً عن أريحا والقدس مدن شكيم (بلاطة، نابلس) وبيسان وعسقلان وعكا وحيفا والخليل وأسدود وعاقر وبئر السبع وبيت لحم .



    فلسطين في عهد العرب الكنعانيين


    جاء العصر البرونزي الوسيط (2000 – 1550 ق.م) حيث شهد النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد حكم الهكسوس الذين سيطروا على فلسطين خلال القرون (18 –16ق.م) وعلى ما يظهر ففي هذا العصر (حوالي 1900ق.م) قدم إبراهيم عليه السلام ومعه ابن أخيه لوط عليه السلام إلى فلسطين وهناك ولد إسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام .

    وبدأ العصر البرونزي المتأخر (1550 – 1200) بانزواء حكم الهكسوس ودخول فلسطين تحت سيطرة الحكم المصري المطلق، أما العصر الحديدي (1200 – 320ق.م) فيظهر أنه في بدايته (1200 ق.م تقريباً) استقبلت فلسطين مجموعات مهاجرة من مناطق مختلفة أبرزها هجرات "شعوب البحر" التي يظهر أنها جاءت من غرب آسيا ومن جزر بحر إيجه (كريت وغيرها) وقد هاجمت هذه الشعوب في البداية سواحل الشام ومصر ولكن رعمسيس الثالث فرعون مصر صدها عن بلاده في معركة بلوزيون "قرب بور سعيد" وأذن لها أن تستقر في الجزء الجنوبي من فلسطين، وورد في النقوش الأثرية اسمها "ب ل س ت "، ومنها جاءت تسميتهم "فلسطيون" ثم زيدت النون إلى اسمهم (ربما على اعتبار الجمع) فأصبحوا فلسطينيين وقد أقام الفلسطيون خمس ممالك هي مدن غزة وأشدود وجت وعقرون وعسقلان وهي مدن المرجح أنها كنعانية قديمة غير أنهم وسعوا ونظموها ثم أنشاوا مدينتين جديدتين هما اللد وصقلغ، واستولوا على بقية الساحل حتى جبل الكرمل كما استولوا على مرج ابن عامر، وسرعان ما اندمج الفلسطيون بالكنعانيين واستعملوا لغتهم وعبدوا آلهتهم (داجون وبعل وعشتار)، ورغم أن الفلسطيين ذابوا في السكان إلا أنهم أعطوا هذه الأرض اسمهم فأصبحت تعرف بفلسطين .

    ويظهر من الدلائل التاريخية المقارنة أن موسى عليه السلام قاد بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة في النصف الأخير من القرن 13 ق.م أي أواخر العصر البرونزي المتأخر، الذي شهد هو وبداية العصر الحديدي بداية الدخول اليهودي إلى فلسطين، ثم قيام مملكة داود وسليمان عليهما السلام 1004 – 923 ق.م التي انقسمت إلى مملكة إسرائيل 923 – 722 ق.م ومملكة يهودا 923 – 586 ق.م والتي حكمت كل منها جزءاً محدوداً من أرض فلسطين. ومنذ 730 ق.م دخلت فلسطين بشكل عام تحت النفوذ الآشوري القادم من العراق حتى 645 ق.م ثم ورثهم البابليون في النفوذ حتى 539 ق.م، وكان الآشوريون والبايليون يتداولون النفوذ على فلسطين مع مصر. ثم إن الفرس غزوا فلسطين وحكموها 539 – 332 ق.م. ثم دخلت فلسطين في العصر الهلينستي اليوناني حيث حكمها البطالة حتى 198 ق.م ورثهم السلوقيون حتى 64ق.م عندما جاء الرومان وسيطروا على فلسطين، وبعد انقسام الإمبراطورية الرومانية ظلت فلسطين تتبع الإمبراطورية الرومانية الشرقية "دولة الروم" وعاصمتها القسطنطينية حتى جاء الفتح الإسلامي وأعطاها صبغتها العربية الإسلامية سنة 636م .



    دولة الحق ومسيرة الأنبياء على الأرض المقدسة

    كان إبراهيم عليه السلام أول الأنبياء الذين نعلم أنهم عاشوا في فلسطين وماتوا فيها، وإبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء فمن نسله جاء الكثير من الأنبياء كإسحاق ويعقوب ويوسف وإسماعيل ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام .

    ولد إبراهيم عليه السلام – حسبما ورد من آثار – في "أور" في العراق وعاش هناك ردحاً من الزمن حيث قام بتحطيم الأصنام ودعا إلى التوحيد وواجه النمرود وألقمه الحجة، وألقي في النار عقاباً له على تحطيم الأصنام فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وهاجر إبراهيم ومعه ابن أخيه لوط في سبيل الله، {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} .

    ويظهر أن إبراهيم في البداية هاجر ومن معه إلى حران (الرها) وهي تقع الآن في جنوب تركيا إلى الشمال من سوريا، ومن هناك هاجر إلى أرض كنعان "فلسطين"، قال تعالى {ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين}، وحسب تقدير المؤرخين فإن قدومه إلى فلسطين كان حوالي 1900ق.م وكان هذا التاريخ بالنسبة لتاريخ العراق القديم يمثل نهاية عهد "أور الثالثة" التي حكمها السومريون وبداية العصر البابلي القديم الذي سيطرت فيه العناصر السامية القادمة من جزيرة العرب "العموريون" .

    نزل إبراهيم عليه السلام في شكيم قرب نابلس ومنها انتقل إلى جهات رام الله والقدس ومر بالخليل ثم ببئر السبع حيث استقر حولها زمناً ثم ارتحل إلى مصر، وكان ذلك يوافق تقريباً عهد الأسرة الحادي عشر أو الثاني عشر لفراعنة مصر، وعاد من مصر ومعه "هاجر" التي أهداها الزعيم المصري، وذكر في رواية أنها ابنة فرعون أو إحدى الأميرات، ثم عاد إلى فلسطين فمر بجوار غزة حيث التقى أبا مالك أمير غزة، ثم تجول بين بئر السبع والخليل، ثم صعد إلى القدس، ثم إن لوطاً عليه السلام انتقل إلى جنوب البحر الميت حيث أرسل لأهل تلك المنطقة، بينما مكث إبراهيم عليه السلام في جبال القدس والخليل، وقد ولد إسماعيل عليه السلام لإبراهيم من زوجته هاجر، ثم رزق بإسحاق بعد ذلك بثلاثة عشر عاماً من زوجته سارة، ويبدو أن إبراهيم رزق بأبنائه وهو في سن كبيرة نستشف ذلك من قوله تعالى على لسان سارة {يا ويلتا أآلد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً}.

    ويبدو أن إبراهيم عليه السلام تردد على الحجاز أكثر من مرة، فقد أحضر إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة وقصة سعي هاجر بين الصفا والمروة وتفجر ماء زمزم مشهورة، ثم إن إبراهيم عاد فبنى مع إسماعيل الكعبة {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}. غير أن مركز استقرار إبراهيم ظل فلسطين، وفيها توفي حيث دفن في مغارة المكفيلة قرب "الخليل" وهي المدينة التي سميت باسمه عليه السلام. وقيل إنه عمّر 175 سنة .

    عاصر إبراهيم عليه السلام حاكم القدس "ملكي صادق" وكان على ما يبدو موحداً وكان صديقاً له، وفي تلك الفترة كان المؤمنون بالله قلة نادرة، فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم قال لزوجته سارة عندما أتى على جبار من الجبابرة "ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك"، ويظهر أن ذلك حدث عندما ذهبا لمصر، ولعلنا نستشف هذا المعنى من قوله تعالى {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله}.

    وعلى كل حال فإن أبا الأنبياء إبراهيم الخليل كان رسولاً من أولي العزم من الرسل، وكان له دوره الدعوي في نشر رسالة التوحيد في فلسطين حيث كان يؤسس المساجد ويقيم المحاريب لعبادة الله في كل مكان ذهب إليه. ويظهر أنه لم يجد عناء أو عنتاً من أهل فلسطين ولم يضطر لتركها بسبب دينه ودعوته فظل مستقراً يتنقل بحرية فيها حتى توفاه الله .

    أما لوط عليه السلام فقد استقر جنوب البحر الميت حيث أرسل إلى قرية "سدوم" وهؤلاء كانوا يفعلون الفاحشة بالرجال "اللواط" وقد نهاهم لوط عن هذا فأعرضوا واستكبروا فانتقم الله منهم فجعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل {ولوطاً إذ قال لقومه أتاتون الفاحشة ما سبقكم بها من العالمين، إنكم لتأتون الذكران شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون، وما كان جواب قومه إلا أن قالوه أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون، فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين}، {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد} .

    ويشير القرآن الكريم إلى أن إبراهيم عليه السلام قد عاصر رسالة لوط وهلاك قومه. فقد جاءه الملائكة وبشروه بإسحاق واخبروه بأنهم مرسلون لتدمير قوم لوط فقال لهم {إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينّه وأهله إلا امرأته . . }، وهكذا نصر الله سبحانه رسوله لوطاً وطهر أرضه المباركة من {القرية التي كانت تعمل الخبائث}، وجاءت البشرى لإبراهيم بإسحاق ليحمل راية التوحيد من بعده على الأرض المباركة وليتواصل انتشار النور الإلهي فيها .

    وعاش إسحاق في أرض فلسطين ورزقه الله سبحانه يعقوب عليه السلام "إسرائيل" والذي يعتبره اليهود أباهم، وكان إسحاق ويعقوب منارات للهدى بعد إبراهيم عليه السلام، وانظر إلى البيان القرآني في إيجازه وروعته {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} .

    ولد يعقوب عليه السلام في القرن 18 ق.م (حوالي 1750ق.م) في فلسطين، غير أنه هاجر على ما يظهر إلى حران "الرها" وهناك تزوج له أحد عشر ابناً منهم يوسف عليه السلام بينما ولد ابنه الثاني عشر بنيامين في أرض كنعان "فلسطين" وقد رجع يعقوب عليه السلام وأبناؤه إلى فلسطين وسكن عند "سعيّر" قرب الخليل، وقصته وقصة ابنه بوسف مشهورة ومفصلة في سورة يوسف من القرآن الكريم. وهي التي تحكي تآمر إخوة يوسف على يوسف وإلقاءه في البئر واكتشاف قافلة له وبيعهم إياه في مصر، حيث شبّ هناك ودعا إلى الله وصمد أمام فتنة النساء وصبر في السجن حتى أكرمه الله بأن يوضع على خزائن مصر بعد تأويله الرؤيا وثبوت براءته. ثم إن يوسف استقدم أباه يعقوب وإخوته إلى مصر حيث رد الله البصر إلى يعقوب بعد أن ابيضت عيناه على فراق يوسف، كما عفا يوسف عن إخوته، وتذكر بعض الروايات أن يعقوب عاش في مصر 17 سنة غير أن دفن عليه السلام إلى جوار جده وأبيه إبراهيم وإسحاق في الخليل .

    ويبدو أن تلك الفترة التي عاش فيها يعقوب وأبناؤه في مصر كانت توافق حكم الهكسوس لمصر وهم أصلاً من غير المصريين، ويمثل حكمهم الأسرتين 15 و 16 من الأسر التي حكمت مصر، واللتين امتد حكمهما لمصر من 1774 – 1567 ق.م .

    وعلى كل حال، يظهر أن يوسف وإخوته أبناء يعقوب "إسرائيل" نعموا بحرية العمل والعبادة في مصر وكان لهم دورهم في الدعوة إلى التوحيد، غير أن الأمر لم يستمر على حاله في أجيالهم المتعاقبة، فوقع بنو إسرائيل تحت الاضطهاد الفرعوني حتى أرسل الله موسى عليه السلام إلى فرعون لإخراج بني إسرائيل منها إلى الأرض المقدسة .

    بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام

    لقد كان بنو إسرائيل في تلك الفترة هم أهل الحق وحملة راية التوحيد، وكان فرعن مصر في ذلك الزمان متكبراً متعجرفاً يدعي الألوهية، وكان مفسداً يضطهد بني إسرائيل فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين}، وقد ولد موسى عليه السلام في هذا الجو وتربى في بيت فرعون في تدبير رباني محكم، وقصة موسى ونشأته ودعوته لفرعون وخروجه ببني إسرائيل وهلاك فرعون أشهر من أن تروى .

    قدر الله سبحانه أن يعطي تلك الفئة المؤمنة في ذلك الزمان أرض فلسطين {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} .

    وأرسل موسى عليه السلام إلى فرعون بهذا الأمر، يعاونه في ذلك أخوه هارون الذي بعث رسولاً أيضاً {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين، حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل}، غير أن فرعون يأبى ويتكبر ولا يؤمن بالآيات والمعجزات التي جاء بها موسى، ويؤمن السحرة الذين حشدهم فرعون بدعوة موسى، ويسقط في يد فرعون، ويبدو أن الذين أظهروا إيمانهم وانضموا إلى بني إسرائيل كانوا عدداً محدوداً من أولاد وفتيان بين إسرائيل وكان إيمانهم مقروناً بخوف من أن يفتنهم فرعون {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين}. ثم إن موسى عليه السلام قاد من آمن من قومه شرقاً فأتبعهم فرعون وجنوده، وحدثت قصة انشقاق البحر وإنقاذ الله سبحانه لبني إسرائيل وهلاك فرعون وجنوده {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين} .

    ونقف هنا عند بعض الآراء والروايات التاريخية التي يظهر منها أن عدد من خرج مع موسى من مصر كان حوالي ست آلاف فقط أو خمسة عشر آلفاً على بعض الروايات. أما تلك الفترة من الناحية التاريخية فكانت على ما يبدو خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وكان خروج بني إسرائيل من مصر تحديداً في حوالي الثلث الأخير من ذلك القرن. وهي فترة توافق حكم "رعمسيس الثاني" المشهور في هذا العصر بـ"رمسيس الثاني"، ومن تقدير الله أن جثة هذا الفرعون معروضة في أحد المتاحف المصرية الآن، وهذا يذكرنا بقوله سبحانه {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} .

    وبعد إنقاذ الله سبحانه لبني إسرائيل تبرز فصول معاناة موسى وهارون معهم، ويظهر من صفات هؤلاء ضعف الإيمان والجهل والجبن، فمن كادوا يخرجون من البحر حتى أتوا على قوم يعبدون أصناماً، {قولوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة !!!}، ثم عندما يذهب موسى لميقات ربه يعبد قومه العجل رغم وجود هارون بينهم !! {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار}، {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي}، وكادوا يقتلون هارون عندما نهاهم عن كفرهم وهو الذي قال لأخيه موسى {إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} وغيرها من المواقف .

    ثم يقود موسى بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة ويقول لهم {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}، ولكنهم يختارون الارتداد على أدبارهم، {قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون}، ولا ينفع فيهم النصح فيكررون، {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فأذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون}، ويعلق سيد قطب رحمه الله على موقف بني إسرائيل هذا فيقول :"إن جبلة يهود لتبدو هناك على حقيقتها، مكشوفة بلا حجاب ولو رقيق من التجمل، إن الخطر ماثل قريب، ومن ثم لا يعصمهم منه حتى وعد الله لهم بأنهم أصحاب الأرض، وأن الله قد كتبها لهم، فهم يريدونه نصراً رخيصاً، لا ثمن فيه، ولا جهد فيه، نصراً مريحاً يتنزل عليهم تنزل المن والسلوى" . . "وهكذا يحرج الجبناء فيتوقحون، ويفزعون من الخطر أمامهم، هكذا في وقاحة العاجز لا تكلفه وقاحة اللسان إلا مد اللسان"، {فأذهب أنت ربك!} فليس بربهم إذا كانت ربوبيته ستكلفهم القتال، {إنا ها هنا قاعدون}، لا نريد ملكاً، ولا نريد عزاً، ولا نريد أرض الميعاد، ودونها لقاء الجبارين، هذه هي نهاية المطاف بموسى عليه السلام، نهاية الجهد الجهيد، والسفر الطويل، واحتمال الرذالات والانحرافات والالتواءات من بين إسرائيل !

  2. #2
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Dec 2002
    العمر : 36
    المشاركات : 362
    المواضيع : 127
    الردود : 362
    المعدل اليومي : 0.06

    افتراضي

    اسم فلسطين



    فلسطين . . هذا البلد الصامد صمود بشريتنا، الخالد خلود كوكبنا، لم تعرف البشرية والأرض بلداً أكثر منه عراقة، عاش فيه الإنسان الفلسطيني - كما تفيد آخر المكتشفات الأثرية - منذ ما يربو على المليون ونصف المليون سنة خلت، وقد وجدت هياكله العظيمة وآثاره الحجرية في عدة مواقع من فلسطين، ويطول بنا المجال إذا ما حاولنا تتبع هذه المسيرة عقب الحقب السحقية في القدم، ولذا سنترك تلك المراحل الأولى من تطوره ونقف عند الأخيرة من تلك المراحل .

    في العصر الحديث الوسيط ما بين 10،000 - 8،000 سنة ق.م ظهر النطوفيون في فلسطين، وجاءت تسميتهم نسبة إلى وادي النطوف غربي القدس، وتعتبر الحضارة النطوفية الحضارة الأولى عن طريق تقدم الإنسان وارتقائه، فمن خلالها وصلت التحولات الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين قمتها، فبعد أن بلغ النطوفيون درجة عالية من التقدم وضع الأساس المادي والفكري ا لمباشر للانعطاف الجذري والأهم في تاريخ البشرية، إلا أن أهم ما امتازت به هذه الحضارة انتقالها بالإنسان من مرحلة الصيد وجمع الطعام إلى مرحلة الزراعة وتدجين الحيوان، وبذلك تحول من الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد الإنتاجي، وكان القمح والشعير أول ما زرع الإنسان .

    وليس لدينا دليل على ممارسة أي شعب آخر غير النطوفي للزراعة في مثل هذا العصر البعيد .

    وإذا أردنا تتبع أفضال الزراعة على الرقي البشري لاحتجنا إلى عدة دراسات، فرأينا الاكتفاء برأي "غولايف" في كتابه (المدن القديمة) حيث يذكر أن الزراعة وتدجين الحيوان والتبديلات المرتبطة بهما قد حولت بوضوح - أكثر من أي شيء آخر - ظروف تطور الحضارة البشرية وغيرت بيئة الإنسان الطبيعية وبيولوجيته، وغيرت كل كوكبنا إلى درجة معينة، وانطلاقاً من هذا يكون الإنسان النطوفي الفلسطيني قد قدم للبشرية خدمات جليلة هي الأساس الأول للحضارة الحديثة .

    الدور العموري الكنعاني اليبوسي

    ومرت الأيام والقرون والحقب منحنية الهامة أمام دور النطوفيين في ارتقاء البشرية، وظل الإنسان الفلسطيني يخترع الحضارة تلو الأخرى، كلها حضارات عريقة اتصلت مع غيرها من الحضارات الإنسانية.

    وفي الألف الخامسة ق.م دخلت فلسطين في طور جديد من أطوارها حين وفد إليها من قلب الجزيرة العربية قبائل العموريين والكنعانيين ومعهم اليبوسيين الذين تفرعوا عنهم، وقد فرض الوافدون الجدد أنفسهم على سكان البلاد الذي ذابوا بهم على مر الزمن، وفيما بعد طبّعوا البلاد بطابعهم الخاص وحملت البلاد أسماءهم .

    لا نملك حتى الآن وثائق تاريخية توضح لنا اسم فلسطين قبل الهجرات العربية - التي ذكرناها - إليها، أما بلاد الشام بأكملها فقد عرفت في النصوص الأكاديمية في الألف الثالث ق.م على أنها "أمورو" أو الأرض العربية، كما تطلق هذه النصوص على شرقي البحر الأبيض المتوسط (بحر أمورو) وتأتي هذه التسمية نسبة إلى الشعب الأموري أو العموري، وهو أول شعب سامي رئيس في سورية وفلسطين، وبعض الباحثين يرون أن الكنعانيين انبثقوا من العموريين انبثاق اليبوسيين من الكنعانيين .

    وقد ورد في الموسوعة الفلسطينية أن بعض الباحثين يرون أن اسم أرض الملوريا - وهو أحد مرتفعات القدس - صححه العلماء على أنه أرض العموريين أو الأموريين .

    وقد عرفات بأسماء أخرى أطلقتها الشعوب المجاورة لها، وفي ذلك يقول "مظفر الإسلام خان" في كتابه - تاريخ فلسطين القديم - "إن الأرض الفلسطينية الواقعة جنوبي سورية هي أرض صنعت التاريخ وصنع فيها التاريخ، وقد أطلقت شعوب كثيرة على هذه الأرض أسماء كثيرة، ولعل أقدم هذه الأسماء أسماء "خارو" للجزء الجنوبي، و"رتينو" للجزء الشمالي، اللذين اطلقهما قدماء المصريين، وقد تكون كلمة "رتينو" تحريف كلمة سامية، أما خارو أو خورو فقد تكون تحريفاً لكلمة (حوري) وهم الحواريون المذكورون في التوارة.

    أرض كنعان

    ثم سميت البلاد "أرض كنعان" أو كنعان، كما نصت عليها تقارير قائد عسكري عند ملك - ماري- ووجدت بوضوح في مسألة "أدريمي" - ملك الالاح - تل العطشانة من منتصف القرن الخامس عشر ق.م. وأقدم ذكر لهذه التسمية في المصادر المسمارية من "توزي" يعود تقريباً إلى الفترة نفسها، وهذه الصيغة تقارب كثيراً إلى الفترة نفسها، وهذه الصيغة تقارب كثيراً الصيغة التي وردت في رسائل "تل العمارنة" ويذكر الدكتور فيليب حتى في كتابه (تاريخ سورية ولبنان وفلسطين) أنه قد أطلق كنعان في أول الأمر على الساحل وغربي فلسطين ثم أصبح الاسم الجغرافي المتعارف عليه لفلسطين وقسم كبير من سورية.

    كما يذكر "البروفيسور روبنسون" في كتابه (تاريخ اسرائيل) أن الاسم كنعان يستخدم في بعض الأحيان كلفظ له طابع الشمول، يميز سكان فلسطين الذين سكنوها منذ القدم، ويبدو أنه يشمل "الفينقينين"، وهكذا فإن الاسم الذي سبق الاسم "فلسطين" بكل أشكالها اللفظية، أو الاسم الرئيس بين أسمائها السابقة هو الاسم كنعان وهذا الاسم أو الكلمة لا زال حياً حتى الآن .

    ولما نزل الفلسطينيون وهم على ما يرى بعض ثقاة العلماء أقرباء الكنعانيين ومن نفس جنسهم - الساحل الكنعاني الجنوبي حوالي 1185 ف.م أدعى الساحل باسمهم "فلسطين" وأطلقت هذه التسمية من قبيل تسمية الكل باسم الجزء، وقد ورد ذكر اسم "الفلسطينيين" في عدد من المصادر المصرية، وخاصة على اللوحات الجدارية لمدينة "هابو" من أيام "رمسيس الثالث" سماهم المصريون باسم Pist .

    كما ورد ذكرهم في المصادر الآشورية في صيغتين متقاربتين، فغالباً ما يكون أصل كلمة فلسطين - فلستينا- التي ترد في السجلات الأشورية في أيام الملك الآشوري "أددنيراري الثالث 800 ق.م" إذ يذكر هذا الملك على مسلته أنه في السنة الخامسة من حكمه أخضعت قواته "فلستو" وأجبرت أهلها على دفع الجزية، وفي عام 734 ق.م جعل الملك "تغلات بيلاسر الثالث" أرض فلستيا هدفاً له .

    وعلى أية حال يستنج من النصوص المختلفة أن المقصود من هذا المصطلح "الساحل الفلسطيني" الأرض الفلسطينية الممتدة بين سيناء جنوباً وغور الأردن شرقاً، وقد استعمل الإغريق هذا اللفظ بادئ الأمر للدلالة على المنطقة الساحلية، وتتركز صيغة التسمية عند المؤرخ اليوناني "هيرودوتس 484 - 425 ق.م على أسس آرامية بالستاين ونجد عنده أحياناً أنه اسم يطلق على الجزء الجنوبي من سورية أو سورية الفلسطينية بجوار فينيقية وحتى حدود مصر .

    وقد استعمل هذه التسمية الذين اتبعوه من كبار المؤرخين أمثال : سترابو وديودوروس وبطليموس وبليني، ومع مرور الزمن حل اسم بالتسين محل الاسم الشامل سورية الفلسطينية، وقد أصبح اسم فلسطين في العهد الروماني ينطبق على جميع الأرض المقدسة، وقد صك الإمبراطور فسباسيان هذا الاسم على نقوده التي أصدرها عقب قهره لليهود عام 70م، وبذلك أعطاها الصفة الرسمية، وورث البيزنطيون هذا الاسم عن الرومان، ومن بالستين انبثقت كلمة فلسطين العربية .

    ومن خلال استقراء أسماء فلسطين طوال تاريخها العريق يتضح لنا بجلاء أن الإنسان الفلسطيني قد امتلك هذه البقعة من الأرض من حوالي المليون ونصف المليون سنة خلت، ولم ينقطع عنها في يوم من الأيام حتى يومنا هذا، إنه أقدم امتلاك على وجه الأرض باستنثاء الدليل الوحيد - الذي لا يركن له صدقه - وهو الدليل التوراتي الذي تدلل المكتشفات الأثرية على ضعف ووهن وانهيار حججه التاريخية، الأمر الذي جعل الكثيرين يعيدون النظر في إعادة كتابة تاريخ فلسطين، بحيث يكون لعلم الآثار دور أكثر أهمية في رسم الخطوط الموضوعية لهذه الكتابة .

    عروبة القدس من خلال أسمائها

    وعلى الرغم من أن استقراء أسماء فلسطين كاف تماماً للدلالة على عروبة "القدس" - روح فلسطين وقلبها - التي عرفها الزمن فصاغها قلادة علقت على صدر فلسطين. وكاف أيضاً للدلالة على انقطاع أي صلة لليهود بها ودحض أي حق لهم في تملكها إلا أنهم لم يتورعوا عن تبرير هذا الإثم في حق الجغرافيا بإثارة مسألة قداسة القدس بالنسبة لليهود وليفصلوا منها حججهم الرامية إلى امتلاك المدينة. وحرصاً منا على تفتيت وإزاحة الكتل الضخمة من الادعاءات المزيفة، رأينا أنه سيكون من الأهمية، بمكان خاص استقراء أسماء القدس منذ أقدم عصورها وحتى هذا اليوم الذي نعيش فيه .

    وبغض النظر عن المسخ التوراتي وعلى ضوء المكتشفات الأثرية الحديثة فإن أول اسم عرفت به القدس، هو الاسم الذي سماها به سكانها الأصليون "الكنعانيون" وهو "يرو-شاليم" أو "يرو -شلم" وشالم وشلم اسم لإله كنعاني معناه السلام .

    وربما ورد أول ذكر لمدينة القدس كتابة في الوثائق التي عثر عليها في "عبلاء-تل مرديخ-في شمال سورية، وهي وثائق مكتوبة على ألواح من الآجر بالخط المسماري وبلغة سامية غربية، وترجع إلى أواسط الألف الثالث ق.م، وترد في الوثائق أسماء عدة مدن منها - سالم- التي يرجح البعض أنها تشير إلى القدس .

    لكن أول اسم ثابت لمدينة القدس وهو "اوروسالم" أو "اوروشالم" إنما ورد فيما يسمى بنصوص اللعنة، وهي تتضمن أسماء البلدان والمدن والحكام الذين كانوا فيما زعم من أعداء مصر، وكانت العادة هي كتابة أسماء الأعداء على الأواني الفخارية ثم تحطيمها في أحد طقوس السحر التأثيري، أي الذي يرمي إلى التسبب في سقوط الأتباع العصاة، وثبت أن تاريخ تلك الأواني يرجع إلى فترة حكم الفرعون "سيزوسترس الثالث 1878-1842 ق.م" وكانت كلها أسماء تسع عشرة مدينة كنعانية من بينها اوروسالم .

    وهناك من يذهب في أصل أوروسالم أو اوروشالم إلى أن الاسم مكون من مقطعين "سالم أو شالم" وهو إسم إله، وأورو: وهي كلمة تعني أسس أو أنشأ، فيكون معنى الاسم "اوروسالم" أسسها سالم، ويعتبر الاسم اسماً عمورياً، بدليل أن أول اسمين لأميرين تاريخيين من القدس هما: "باقر عمو" و"سزعمو" وهما اسماه عموريان، والعموريون كما أسلفنا هم سكان كنعان الأصليون، ولغة العموريين تدعى غالباً الكنعانية، كما أن اسم الكنعانيين يشمل العموريين أحياناً .





    ويتضح مما تقدم أن التسمية أورشليم التي يحاول الصهيونيون اليوم عدها من الأسماء العبرية هي في الحقيقة كلمة كنعانية عربية أصيلة، وكيف تكون كلمة أورشليم عبرية واللغة العبرية لغة حديثة جداً ولدت في القرن الرابع ق.م وتبلورت في القرن الخامس الميلادي وبعده؟!

    وبعد نصوص اللعنة بحوالي خمسمائة عام اسم اوروسالم مرة ثانية فيما يعرف بألواح تل العمارنة، وهي ست رسائل بعث بها "عبدي خيبا" - ملك أوروسالم في القرن الرابع عشر ق.م - إلى فرعون مصر "اختانون" يشكو فيها من الخطر الذي تتعرض له مدينته من جرّاء هجمات ما يعرف بالعبيرو .

    كما أن "سليمو أو سالم" ذكرت في سجلات "سنحاريب" ملك أشور في عداد المدن التي تدفع له الجزية، وقد ظل اسم أورشليم شائعاً منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا ومنه جاء الاسم الإفرنجي "جيروزاليم" .

    ومن أسماء القدس القديمة أيضاً "يبوس" نسبة إلى اليبوسيين، وهم كما ذكرنا فرقة من الكنعانيين سكنوا القدس وحولها،وذكر بعض الباحثين أن اليبوسيين لم يكونوا سوى أسرة أرستقراطية تعيش في القلعة وفي عزلة عن سكان البلدة نفسها، ومن المحتمل أن يكون اليبوسييون هم الذين أصلحوا التحصينات القديمة على الآكمة، وقاموا ببناء الحي الجديد على المنحدر الشرقي بين السور وقمة التل .

    وفي هذه الفترة أخذ اسم"يبوس" و"اليبوسيين" يظهر في الكتابات الهيروغليفية، ويبدو أن اليبوسيين قد تلو العموريين في سكني المدينة خلال النصف الأول من الألف الثاني ق.م، وأطلق على القدس اسم "يبوس" وهو الاسم الثاني لمدينة القدس بعد أورشاليم، وقد سماها الفراعنة في كتاباتهم الهيروغليفية "يابيثي" و"يابتي" وهو تحريف لاسم يبوس الكنعاني اليبوسي، وفي رأى انفرد به الأستاذ محمود العابدي في كتابه - قدسنا - أن اليونانيين سموها - هروسوليما- ولكن مؤرخهم "هيرودوتس" سماها "قديس" كما سمعها من سكانها العرب المعاصرين له .

    وفي زمن الرومان حول الإمبراطور "هادريان" مدينة أورشليم بعد أن استولى عليها ودمرها عام 122 م إلى مستعمرة رومانية، ويدل اسمها إلى "إيليا كابيتولينا" وصدر الاسم إيليا لقب عائلة هادريان، وكابيتولين جوبيتر هو الإله الروماني الرئيس، وظل اسم "إيليا" سائداً نحو مائتي سنة، إلى أن جاء الإمبراطور "قسطنطين" المتوفي عام 237م، وهو أول من تنصر من أباطرة الرومان - فألغى اسم إيليا وأعاد للمدينة اسمها الكنعاني، ولكن الظاهر أن اسم إيليا شاع وظل مستعملاً، كما نجد ذلك في العهدة العمرية والشعر العربي.

    وبعد الفتح الإسلامي أطلق على هذه المدينة أسماء: القدس، وبيت المقدس، والبيت المقدس، ودار السلام، وقرية السلام، ومدينة السلام، وكل هذه الأسماء التي قصد منها التكريم والتقديس لم يعش منها سوى اسمين: القدس وبيت المقدس، بمعنى الأرض المطهرة أو البيت المطهر، وربما يعود خلودهما لارتباطهما بأسماء الله الحسنى، وخصوصاً أن تقديسها ثابت بكتاب الله (عز وجل) وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد حافظ العرب المسلمون على هذه القداسة منذ أن افتتحوها منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، ولم ينتهكوا لها حرمة قط، على نقيض ما فعل اليهود من انتهاكها في كل العصور التي عرفوا فيها، وما فعل النصارى أيام حروبهم الصليبية، ولم يكتف ا ليهود بانتهاك حرمتها، بل راحوا يضعون الخطط لسلخها من واقعها العربي البريق إلى حاضر غريب عنها إلى أنها تأباه، لأنه تعد على التاريخ وتشويه للقداسة، واغتصاب للحق، وتزيف للحقيقة .

    ولو قدر للقدس الكلام لسمعنا منها تاريخ سبعين قرناً من الزمان أو تزيد ترويه لنا وهي شامخة بأنفها تتحدى غزاتها، وتجاهر بعروبتها التي لازمتها منذ ولادتها، وتجاهر بالبراءة من أية صلة لها باليهود

  3. #3
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Dec 2002
    الدولة : مصر
    المشاركات : 2,694
    المواضيع : 78
    الردود : 2694
    المعدل اليومي : 0.43

    افتراضي



    وستظل الى آخر الزمان شامخة ابية
    وسيظل تاريخها لاخر الزمان شاهدا على عروبتها ورجولة اولادها
    وسوف تجاهر بالبطولة والفداء لكل من دفع حياته ثمنا لتحريرها

    ,
    ,

    ملف كامل ومتكامل ابن فلسطين
    فلك منى كل الشكر والتقدير على هذا الجهد الجميل منك
    فدائما تزودنى بمعلومات جديدة
    شكرا لك اخى العزيز

    لك تحياتى ,,, وباقة ياسمين


  4. #4
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 55
    المشاركات : 40,312
    المواضيع : 1081
    الردود : 40312
    المعدل اليومي : 6.43

    افتراضي

    زدنا أيها الرائع زادك الله من فضله ...

    تستحق من الواحة وسام التميز بحق ...


    تعجبني كل مواضيعك.


    تحياتي وتقديري
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Dec 2002
    العمر : 36
    المشاركات : 362
    المواضيع : 127
    الردود : 362
    المعدل اليومي : 0.06

    افتراضي فلسطين في التاريخ الإسلامي

    فلسطين في التاريخ الإسلامي


    منذ العصر العباسي الثاني الذي ابتدأ بعد منتصف القرن الثالث الهجري ودولة الخلافة الإسلامية في ضعف مستمر متزايد، حتى تمزقت دولة الإسلام إلى ثلاث خلافات بدلاً من خلافة واحدة فالخلافة العباسية في المشرق، والخلافة الفاطمية في مصر وأجزاء من المغرب والشام، والخلافة الأموية في الأندلس، وفي مثل تلك الأجواء حدثت الحروب الصليبية.



    الخريطة السياسية للمنطقة قبيل الحروب الصليبية

    قبل بدء الحروب الصليبية بحوالي أربعين عاماً نجح السلاجقة الأتراك في بسط سيطرتهم على بغداد وتولي الحكم تحت الخلافة الاسمية للعباسيين. فقد استطاع السلاجقة بسط سيطرتهم على أجزاء واسعة من فارس وشمال العراق وأرمينيا وآسيا الصغرى حوالي 1040م ثم سيطر السلطان السلجوقي طغرل بك على بغداد سنة 1055م، وتوسع السلاجقة على حساب البيزنطيين في آسيا الصغرى، وفي 19 أغسطس 1071م وقعت معركة ملاذكرد التي قادها السلطان السلجوقي ألب أرسلان وحلت فيها أكبر كارثة بالبيزنطيين حتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي.

    وفي سنة 1071م سيطر السلاجقة على معظم فلسطين عدا أرسوف وأخرجوا النفوذ الفاطمي منها وتوسع السلاجقة على حساب الفاطميين في الشام فاستطاعوا الاستيلاء على معظمها.

    وفي سنة 1092م 485 هـ توفي السلطان السلجوقي ملكشاه فتفككت سلطة السلاجقة، ودخلوا فيما بينهم في معارك طويلة طاحنة على السيطرة والنفوذ، وفي سنة 1096م أصبحت سلطتهم تتكون من خمس ممالك: سلطنة فارس بزعامة بركياروق، ومملكة خراسان وما وراء النهر بزعامة سنجر ومملكة حلب بزعامة رضوان، ومملكة دمشق بزعامة دقاق، وسلطنة سلاجقة الروم بزعامة قلج أرسلان. وكانت معظم مناطق فلسطين تتبع الحكم في دمشق. وفي ظل ضعف حاكمي الشام (رضوان ودقاق) ظهرت الكثير من البيوتات الحاكمة بحيث لا يزيد حكم كثير منها عن مدينة واحدة.

    لقد بدأ الصليبيون حملتهم 1098م - 491هـ ومناطق المسلمين في الشام والعراق وغيرها تمزقها الخلافات والصراعات الدموية، فقد دخل الأخوان رضوان ودقاق ابنا تتش في حرب بينهما سنة 490 هـ، ووقعت معارك عديدة بين محمد بن ملكشاه وأخيه بركياروق في الصراع على السلطنة تداولا فيها الانتصارات والخطبة لهما بدار الخلافة 492-497هـ.



    الحملة الصليبية الأولى ونتائجها

    وفي تلك الأثناء أخذت الأنظار في أوروبا تتجه نحو الأرض المقدسة بعد أن دعا البابا أوربان الثاني (1088 - 1099م) في مجمع كليرومونت 26 تشرين ثاني / نوفمبر 1095م «لاسترداد» الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين، تم عقد عدة مجمعات دعا فيها للحروب الصليبية (ليموج، انجرز، مان، تورز، بواتييه، بوردو، تولوز، نيم) خلال 1095-1096م، وقرر أن كل من يشترك في الحروب الصليبية تغفر له ذنوبه، كما قرر أن ممتلكات الصليبيين توضع تحت رعاية الكنيسة مدة غيابهم، وأن يخيط كل محارب صليباً من القماش على ردائه الخارجي.

    وبدأت الحملات الصليبية بحملات العامة أو حملات الدعاة، وهي حملات تفتقر إلى القوة والنظام، وكان منها حملة بطرس الناسك وهو رجل فصيح مهلهل الثياب حافي القدمين يركب حماراً أعرج جمع حوله من فرنسا حوالي 15 ألفاً، وفي طريقهم أحدثوا مذبحة في مدينة مجرية لخلاف على المؤن فقُتل أربعة آلاف، وانضمت إليهم عند القسطنطينية جموع والتر المفلس، ودخلت حشودهم الشاطئ الآسيوي، وحدثت معركة مع السلاجقة انتصر فيها السلاجقة وقتلوا من الصليبيين 22 ألفاً ولم يبق من الصليبيين سوى ثلاثة آلاف. أما حملتا فولكمار وأميخ فقد أقامتا مذابح لليهود في الطريق، وتشتت الحملتان في المجر!!.

    ثم كان ما يعرف بالحملة الصليبية الأولى وقد شارك فيها أمراء وفرسان أوروبيون محترفون وبدأت الحملة سيطرتها على مناطق المسلمين منذ صيف 1097م، وأسس الصليبيون إمارة الرها مارس 1098م بزعامة بلدوين البولوني. وحاصر الصليبيون أنطاكية تسعة أشهر وظهر من شجاعة صاحب أنطاكية باغيسيان «وجودة رأيه واحتياطه مالم يشاهد من غيره فهلك أكثر الفرنج ولو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد الإسلام»، غير أن أحد الأرمن المستحفظين على أسوار المدينة راسله الصليبيون وبذلوا له «مالاً وإقطاعاً» ففتح للصليبيين الباب من البرج الذي يحرسه فاحتل الصليبيون المدينة، وأسسوا فيها إمارتهم الثانية 491هـ -3 يونيو 1098م، بزعامة بوهيمند النورماني.

    وفي الوقت الذي كان السلاجقة يتعرضون فيه للزحف الصليبي شمال بلاد الشام، استغل الفاطميون الفرصة فاحتلوا صور 1097م وسيطروا على بيت المقدس في شباط / فبراير 1098م أثناء حصار الصليبيين لأنطاكية، واستقل بطرابلس القاضي بن عمار أحد أتباع الفاطميين، بل أرسل الفاطميون للصليبيين أثناء حصارهم لأنطاكية سفارة للتحالف معهم وعرضوا عليهم قتال السلاجقة بحيث يكون القسم الشمالي «سوريا» للصليبيين وفلسطين للفاطميين، وأرسل الصليبيون وفداً إلى مصر ليدللوا على «حسن نيَّاتهم»!!، وهكذا... فأثناء انشغال السلاجقة بحرب الصليبيين كان الفاطميون منشغلين بتوسيع نفوذهم في فلسطين على حساب السلاجقة حتى إن حدودهم امتدت حتى نهر الكلب شمالاً ونهر الأردن شرقاً..!!

    وظهرت الخيانات وانكشف التخاذل من إمارات المدن التي حرصت كل منها على نفوذها و«كسب ود» الصليبيين أثناء توسعهم ومن ذلك ما حدث من اتصال صاحب إقليم شيزر بالصليبيين حيث تعهد بعدم اعتراضهم وتقديم ما يحتاجون من غذاء ومؤن بل وأرسل لهم دليلين ليرشداهم على الطريق!!، وقدمت لهم حمص الهدايا!! وعقدت معهم مصياف اتفاقية!!.. أما طرابلس فدفعت لهم الجزية، وأعانتهم بالأدلاء، ودفعت بيروت المال، وعرضت عليهم الدخول في الطاعة إذا نجحوا في احتلال بيت المقدس!!.

    تابع ريموند دي تولوز (أمير إقليم بروفانس وتولوز بفرنسا) قيادة بقية الصليبيين إلى بيت المقدس وكان عددهم ألف فارس وخمسة آلاف من المشاة فقط!! وفي ربيع 1099م دخلوا مناطق فلسطين فمروا بعكا التي قام حاكمها بتموين الصليبيين!! ثم قيسارية ثم أرسوف، ثم احتلوا الرملة واللد وبيت لحم، وفي 7 حزيران / يونيو 1099م بدأوا حصار بيت المقدس، وكان حاكمها قد نصبه الفاطميون ويدعى افتخار الدولة، وتم احتلالها في 15 يوليو 1099 لسبع بقين من شعبان 492هـ. ولبث الفرنج أسبوعاً يقتلون المسلمين... وقتلوا بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين، وعلمائهم وعبادهم(20). أما الدولة الفاطمية فقد واجهت الخبر ببرود، كما أن الدولة العباسية لم تحرك ساكناً!!

    تولى حكم بيت المقدس القائد الصليبي جود فري بوايون، وتسمى تواضعاً بحامي بيت المقدس، واستسلمت نابلس، وتم للصليبيين احتلال الخليل(21).

    ويقال إنه لم يبق من الصليبيين إلا ثلاثمائة فارس وألفين من المشاة ولم يستطيعوا توسيع سيطرتهم، ذلك أن كثيراً منهم عادوا إلى بلادهم بعد أن أوفوا قسمهم بالاستيلاء على بيت المقدس(22)، وبذلك أصبحت ممالك الصليبيين كالجزر وسط محيط من الأعداء، ومع ذلك كتب لها الاستمرار مائتي سنة حتى تم اقتلاع آخرها!! بسبب الإمدادات والحملات التي كانت تأتيهم بين فترة وأخرى، وبسبب ضعف المسلمين وتشرذمهم، وعدم استغلالهم لفرصة انسياب وانتشار الصليبيين على مساحات واسعة من الأرض بأعداد قليلة ليقضوا عليهم، ولكن المسلمين تأخروا حتى قويت شوكة الصليبيين وأصبح من الصعب اقتلاعها.

    وتتابع سقوط مدن فلسطين الأخرى، فقد كانت يافا قد سقطت أثناء حصار بيت المقدس على يد سفن جنوية في 15 يونيو 1099م، وسيطر الصليبيون على شرق بحيرة طبرية (منطقة السواد) في مايو 1100م، واستولوا على حيفا عنوة في شوال 494 هـ - أغسطس 1100م بمساعدة أسطول كبير من البندقية، وملكوا أرسوف بالأمان وأخرجوا أهلها منها، وملكوا قيسارية 17 مايو 1109م بالسيف وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها وذلك في 17 مايو 1101م(23). وهكذا فرض الصليبيون هيمنتهم على فلسطين غير أن عسقلان ظلت عصية عليهم وكان المصريون (الفاطميون) يرسلون لها كل عام الذخائر والرجال والأموال، وكان الفرنج يقصدونها ويحاصرونها كل عام فلا يجدون لها سبيلاً، ولم تسقط عسقلان بأيدي الفرنج إلا في سنة 1153م-548هـ، وكان أهلها قد ردوا الفرنج مقهورين في ذلك العام، وعندما آيس الفرنج وهموا بالرحيل أتاهم خبرأن خلافاً وقع بين أهلها فصبروا. وكان سبب الخلاف أن أهلها لما عادوا قاهرين منصورين ادعى كل طائفة أن النصرة كانت من جهتها، فعظم الخصام بينهم إلى أن قتل من إحدى الطائفتين قتيل، واشتد الخطب وتفاقم الشر، ووقعت الحرب بينهم فقتل بينهم قتلى!! فطمع الفرنج، وزحفوا إلى عسقلان وقاتلوا «فلم يجدوا من يمنعهم فملكوه»(24)!! ترى... كم هي الهزائم التي تأتي من أنفسنا أو نصنعها بأنفسنا؟! {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}(25).

    وهكذا تأسست مملكة بيت المقدس الصليبية، ونشير استطراداً إلى تأسيس الفرنج لمملكة صليبية رابعة هي طرابلس في 11 ذي الحجة 503هـ -12 يوليو 1109م بعد حصار دام سبعة أعوام.



    استمرار الصراع (نظرة عامة)

    من الصعب أن ندخل في تفصيل الأحداث سنة بسنة وحادثاً بحادث، خصوصاً أن منهجنا يميل إلى الاختصار ووضع اليد على النقاط المهمّة الحساسة في سياق حديثنا عن التجربة التاريخية للحل الإسلامي على أرض فلسطين، غير أن استكمال الصورة ومعرفة مجمل الظروف في تلك الفترة يقتضي الإشارة إلى المعطيات التالية التي ظهرت خلال الثلاثين سنة التي تلت الاحتلال الصليبي لبيت المقدس:

    - كان عدد الصليبيين محدوداً وقد فرضوا هيمنتهم من خلال قلاع منتشرة كجزر معزولة في العديد من مناطق الشام.

    - استمر الصراع والنزاع بين المسلمين، واستعان بعضهم بالصليبيين على خصومهم، مما أضعف الموقف الإسلامي، وجعل الصليبيين يلعبون في بعض الأحيان دور الشرطي، ويستفيدون من ذلك في زيادة نفوذهم وتقوية شوكتهم.

    ومن ذلك الصراع بين طغتكين وبكتاش بن تتش على دمشق، حيث استعان بكتاش 498هـ بالفرنج على خصمه، ولحق به «كل من يريد الفساد»، غير أن ملك الفرنج لم يعطه سوى التحريض على الإفساد، ثم استقام الأمر لطغتكين(27). وعندما وقعت معركة بين الفاطميين والفرنج بين عسقلان ويافا سنة 498هـ ساعدت الفاطميين قوة من دمشق من 300 فارس وساعدت جماعة من المسلمين بقيادة بكتاش بن تتش الفرنج(28). وعندما جاء جيش السلطان من العراق سنة 509هـ إلى الشام لجهاد الصليبيين بقيادة برسق بن برسق خاف حكام دمشق وحلب على نفوذهم من أن يزول فتعاونوا بقيادة طغتكين مع فرنج أنطاكية ضد جيش السلطان. ثم ما لبث طغتكين نفسه أن قاتل فرنج بيت المقدس واستعاد رفنية بعد أن استولى الفرنج عليها(29)...، إنه القتال المرتبط بالمصلحة، فمرة يلبس ثوب الجهاد في سبيل الله، ومرة يلبس ثوب الدفاع عن «الحق» (الكرسي) تحت حجج الوراثة أو الكفاءة... حتى لو اقتضى ذلك التحالف مع الأعداء.

    - استمر جهاد المسلمين ضد الفرنج (الصليبيين) دون توقف، وإن كان هذا الجهاد قد افتقر إلى حسن الإعداد والتنظيم، كما تعدد القادة المسلمون الذين يأتون ويذهبون، كما تعددت محاور الصراع والاشتباك مع الفرنج في بلاد الشام، وافتقر المسلمون إلى قاعدة كبيرة قوية تكون منطلقاً دائماً للجهاد، وكثيراً ما كان القتال بين مدينة أو قلعة إسلامية -تحاول الدفاع عن نفسها أو توسيع نفوذها- وبين الفرنج.

    وتداول المسلمون والصليبيون النصر والهزيمة في المعارك، ولم يكن يمضي عام دون معارك وتبادلوا احتلال المدن والقلاع، ولم يكن من الصعب على المسلمين أن يدخلوا في وسط فلسطين ويخوضوا المعارك عند الرملة أو يافا أو غيرهما. غير أن الصليبيين ظلوا يحتفظون بنفوذهم وهيمنتهم في المناطق التي استولوا عليها.

    وظهر عدد من المجاهدين المسلمين الذين كانت قدراتهم محدودة ولم يتمكنوا من توحيد قوى المسلمين لجهاد الفرنج، غير أنهم حافظوا على جذوة الجهاد، وألحقوا بالفرنج خسائر كبيرة وأفقدوهم الاستقرار والأمان وقتلوا أو أسروا العديد من قادتهم وزعمائهم(30). فمثلاً كان بين معين الدولة سقمان وشمس الدولة جكرمش حرب، ولمّا حوصرت حرَّان من قبل الفرنج سنة 497هـ تراسلا وأعلم كل منهما الآخر أنه قد بذل نفسه لله تعالى وثوابه فسارا واجتمعا بالخابور في عشرة آلاف من التركمان والترك والعرب والأكراد فالتقوا بالفرنج عند نهر البليخ، وهزم الفرنج فقتلهم المسلمون «كيف شاؤوا»، وأسر بردويل وفدى بخمسة وثلاثين ديناراً و 160 أسيراً من المسلمين وكان عدد قتلى الفرنج يقارب «12» ألفاً(31).

    وفي سنة 507 هـ اجتمع المسلمون من الموصل وسنجار ودمشق وقاتلوا الفرنج عند طبرية وانتصروا عليهم وأسروا ملكهم «بغدوين» دون أن يعرف فأخذ سلاحه وأطلق وكثر القتل والأسر في الفرنج. ثم جاء مدد من جند أنطاكية وطرابلس فقويت نفوس الفرنج وعادوا للحرب فأحاط بهم المسلمون من كل ناحية وصعد الفرنج إلى جبل غربي طبرية ومكثوا 26 يوماً دون أن ينزلوا للقتال، فتركهم المسلمون وساروا إلى بيسان ونهبوا «بلاد الفرنج» بين عكا إلى القدس وخربوها، ورجع المسلمون. وعاد مودود بن التونتكين صاحب الموصل مع طغتكين إلى دمشق، وهناك في صحن المسجد في يوم الجمعة وثب عليه باطني فجرحه أربع جراحات وقُتل الباطني، وأبى مودود أن يموت إلا صائماً، وكان خيراً عادلاً كثير الخير. ويقال إن طغتكين هو الذي تآمر عليه. وكتب ملك الفرنج إلى طغتكين بعد قتل مودود كتاباً جاء فيه: «إن أمة قتلت عميدها يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها»(32)!!

    - المسلمون من سكان فلسطين الأصليين استمروا في سكنهم للبلاد التي احتلها الفرنج، ولكن قسماً منهم هجروها إلى شرق الأردن ودمشق، وأنفوا من التعاون مع الصليبيين. ولذلك تعطلت الزراعة في أكثر المدن الساحلية الفلسطينية. وقد عمل هؤلاء على محاربة الصليبيين وقدموا خدمات للمسلمين المهاجمين، وانضموا إلى كتائب المسلمين في بلاد الشام وساعدوهم كأدلاء في فلسطين، ويقول المؤرخ الصليبي وليم الصوري عنهم «إنهم علموا عدونا كيف يدمرنا لأنهم يملكون معلومات كافية عن حالتنا»(33).

    وكان من أبرز قادة المسلمين المجاهدين الأوائل أقسنقر البرسقي الذي ولاه السلطان محمد سنة 508هـ الموصل وأعمالها وأمره بقتال الفرنج، وخاض أقسنقر المعارك ضد الصليبيين في شمال الشام، ودخلت -بالإضافة إلى الموصل والجزيرة وسنجار- مدينة حلب سنة 518هـ تحت زعامته فتوسعت جبهته المعادية للصليبيين، غير أنه قُتل رحمه الله سنة 520هـ على يد الباطنية في الموصل وكان أقسنقر مملوكاً تركياً خيراً يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله، وكان من خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها ويقوم الليل(34).

    - الدولة الفاطمية في مصر بقيادة وزيرها الأفضل بدر الجمالي أرسلت حملات عديدة إلى فلسطين وحاولت الدفاع عن مناطق نفوذها على الساحل، غير أن حملاتها لم تكن بمستوى ما تزخر به مصر من قدرات وإمكانات، ويظهر أن حملاتها اتخذت طابعاً استعراضياً، وافتقرت إلى التنسيق الجاد مع القوى الإسلامية في الشام(35). وكان الحكم الفاطمي قد افتقد مصداقيته الجهادية الإسلامية عندما راسل الفرنج وهم يزحفون باتجاه بيت المقدس عارضاً التحالف ضد السلاجقة وتقاسم النفوذ في الشام. ومهما يكن، فإن الدولة الفاطمية كانت في طور الأفول، وكانت تعاني من عوامل الضعف والانهيار.



    جهاد عماد الدين زنكي 521 - 541هـ

    انفتحت صفحة جديدة لجهاد الصليبيين بظهور عماد الدين زنكي بن أقسنقر وبدء عهد الدولة الزنكية في الموصل وحلب، فقد تولى عماد الدين زنكي أمر ولاية الموصل وأعمالها سنة 521هـ بعد أن ظهرت كفاءته في حكم البصرة وواسط وتولَّى شحنكية العراق(36)، وفي محرم سنة 522هـ تمت له السيطرة على حلب. وأخذ عماد الدين يخوض المعارك تلو المعارك ويحقق الانتصارات على الصليبيين، وعلق ابن الأثير بعد أن تحدث عن انتصار عماد الدين على الفرنج في معركة كبيرة وملكه حصن الأثارب وحصاره حارم سنة 524هـ... «وضعفت قوى الكافرين، وعلموا أن البلاد قد جاءها مالم يكن لهم في حساب، وصار قصاراهم حفظ ما بأيديهم بعد أن كانوا قد طمعوا في ملك الجميع»(37).

    واستمرت جهود زنكي في توحيد قوى المسلمين في غزو الصليبيين، فملك زنكي حماة وحمص وبعلبك، وسرجي، ودارا، والمعرة، وكفر طاب، وقلعة الصور في ديار بكر، وقلاع الأكراد الحميدية، وقلعة بعرين، وشهرزور، والحديثة، وقلعة أشب وغيرها من الأكراد الهكارية(38).. . وفي سنة 534هـ حاول زنكي الاستيلاء على دمشق مرتين دون جدوى، فقد كانت دمشق المفتاح الحقيقي لاسترداد فلسطين من جهة الشام، غير أن القائم بأمر الحكم هناك معين الدين أنز راسل الصليبيين للتحالف ضد زنكي ووعدهم أن يحاصر بانياس ويسلمها لهم ووافقوا، ولكن زنكي ذهب إليهم قبل قدومهم لدمشق فلما سمعوا ذلك لم يخرجوا. ومع ذلك فإن معين الدين حاصر بانياس بمساعدة جماعة من الفرنج ثم استولى علىها وسلمها للفرنج(39)!!

    غير أن أشهر ما يذكر من الفتوح لزنكي هو فتحه للرها وإسقاطه للمملكة الصليبية التي قامت بها، فقد حاصرها أربعة أسابيع وفتحها عنوة في 6 جمادى الآخرة 539هـ، وفتح ما يتبع هذه المملكة من أعمال في منطقة الجزيرة، وفتح سروج وسائر الأماكن التي كانت للفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة(40).

    قتل عماد الدين زنكي -بعد أن حمل راية الجهاد أكثر من عشرين عاماً- في منتصف سبتمبر 1146م- 5 ربيع الأول 541هـ غدراً على يد جماعة من مماليكه بينما كان يحاصر قلعة جعبر(40)، وكان عمره زاد عن ستين سنة وعلى ما ذكر ابن الأثير فقد كان زنكي شديد الهيبة في عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خراباً من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج، فعمّرها وامتلأت أهلاً وسكاناً «وكان زنكي من خيار الملوك وأحسنهم سيرة وشكلاً، وكان شجاعاً مقداماً حازماً، خضعت له ملوك الأطراف، وكان من أشد الناس غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة، وأرفقهم بالعامة»(43). واشتهر عماد الدين بعد مقتله بلقب «الشهيد».

    لقد عمل عماد الدين زنكي في أجواء صعبة من نزاع بين أمراء وزعماء السلاجقة أنفسهم، وبينهم وبين الخليفة العباسي في أحيان أخرى، ومن أجواء الحكم الوراثي، ونزعة الكثيرين للسيطرة والزعامة حتى ولو على مدينة أو قلعة واحدة، كما عاش فترة كانت القوى الصليبية لا تزال تملك الكثير من القوة والحيوية. ومع ذلك فقد استطاع عماد الدين أن يضع الأسس لقاعدة انطلاق جهادية كبيرة وقوية تمتد من شمال الشام إلى شمال العراق، كما كسر شوكة الصليبيين في مواقع كثيرة، ويسر سبل الجهاد والعمل الجاد لتحرير الأرض، وقدم نموذجاً للحاكم والمجاهد تحت راية الإسلام، وقوى الأمل باسترجاع المقدسات. غير أن أفضل أثر تركه -على ما يظهر لنا- هو ابنه نور الدين محمود.

    جهاد نور الدين محمود 541هـ-569هـ

    بعد استشهاد زنكي، وحسب الأعراف الوراثية في ذلك الزمان، انقسمت دولته بين ابنيه: نور الدين محمود الذي تولى حلب وما يتبعها وسيف الدين غازي الذي تولى الموصل وما يتبعها.

    ولد نور الدين محمود -بعد حوالي عشرين عاماً من سقوط القدس في أيدي الصليبيين- في 17 شوال 511هـ -فبراير 1118م، وكان أسمر طويل القامة، حسن الصورة، ذا لحية خفيفة، وعليه هيبة ووقار. تزوج سنة 541هـ من ابنة معين الدين أنز ورزق ببنت وولدين، وتوفي رحمه الله في 11 شوال 569هـ-15 مايو 1174م(44).

    وبحكم نور الدين انفتحت صفحة جديدة رائعة من صفحات الجهاد الإسلامي في بلاد الشام، وطوال 28 عاماً من حكم نور الدين كان واضحاً في ذهنه هدفه الأساسي في تحرير واسترداد بلاد المسلمين، وتوحيدها تحت راية الإسلام.

    ومنذ تلك اللحظة أخذ يبذل الأسباب ويعد العدة والعتاد ويوحد جهود المسلمين ويرتقي بهم في جوانب الحياة المختلفة وذلك وفق تصور إسلامي متكامل لإعادة أمجاد المسلمين وطرد الاحتلال الصليبي من بلادهم...

    ودخل المعركة وفق فهم إسلامي شامل سليم يؤكد على عقائدية المعركة مع الصليبيين فهي صراع بين حق وباطل وبين إسلام وكفر.

    - وأن المعركة تعني كل المسلمين دون نظر إلى قوميات وعصبيات وجنسيات.

    - وأنه لا سلام نهائي حتى يسترجع المسلمون كل شبر من أراضيهم.

    - وأنه لا بد من الإعداد المتكامل للأمة -حتى تكون على مستوى الجهاد- إيمانياً وثقافياً وتربوياً واجتماعياً وجهادياً وعسكرياً.

    - وأنه لا بد من توحيد الجهود تحت راية الإسلام في مواجهة العدو الصليبي.



    معالم النهضة الإسلامية

    وفي سبيل ذلك قام نور الدين محمود بإحياء نهضة إسلامية أكدت على تكامل الحل الإسلامي، وقد تم التعبير عنها من خلال:

    1- القيادة الإسلامية الصادقة

    وتمثلت في شخصه وأشخاص من حوله من القادة والمسؤولين والعلماء. فقد كان للتكوين النفسي والشخصية المميزة لنور الدين محمود أثرهما الكبير في وجود قيادة إسلامية واعية، جادة، مجاهدة.

    قال ابن الأثير: «طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام، وفيه إلى يومنا هذا، فلم أرَ بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين»(45). فلقد كان «ذكياً، ألمعياً، فطناً، لا تشتبه عليه الأحوال، ولا يتبهرج عليه الرجال»، ولم يتقدم لديه إلا ذوو الفضل، والقدرة على الإنجاز الأمين المسؤول للعمل، ولم ينظر في تقديمه للرجال إلى المكانة الاجتماعية أو للجنس والبلد(46).

    كما عرف نور الدين بتقواه وورعه فقد كان حريصاً على أداء السنن وقيام الليل بالأسحار. فكان ينام بعد صلاة العشاء ثم يستيقظ في منتصف الليل فيصلي ويتبتل إلى الله بالدعاء حتى يؤذن الفجر. كما كان كثير الصيام(47).

    وتميز بفقهه وعلمه الواسع فلقد تشبه بالعلماء واقتدى بسيرة السلف الصالح، وكان عالماً بالمذهب الحنفي، وحصل على الإجازة في رواية الأحاديث وألف كتاباً عن الجهاد(48).

    وكان ذا طبيعة جادة، كما رزقه الله قوة الشخصية فكان «مهيباً مخوفاً مع لينه ورحمته» ومجلسه «لا يذكر فيه إلا العلم والدين والمشورة في الجهاد» «ولم يسمع منه كلمة فحش قط في غضب ولا رضى صموتاً وقوراً»(49).

    وكان زاهداً متواضعاً فقد «كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه من غير اكتناز، ولا استئثار بالدنيا»، وعندما شكت زوجته الضائقة المادية أعطاها ثلاثة دكاكين له بحمص وقال «ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه، ولا أخوض في نار جهنم لأجلك»(50).

    قال له الشيخ الفقيه قطب الدين النيسابوري يوماً «بالله عليك لا تخاطر بنفسك وبالإسلام، فإن أصبت في معركة لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف». فقال له نور الدين «يا قطب الدين!! ومن محمود حتى يقال له هذا؟ قبلي من حفظ البلاد والإسلام؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو»(51).

    وعلى اتساع نفوذه وسلطانه جاءه التشريف من الخلافة العباسية وتضمن قائمة بألقابه التي يذكر بها على منابر بغداد تقول «اللهم أصلح المولى السلطان الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط المثاغر نور الدين وعدته، ركن الإسلام وسيفه قسيم الدولة وعمادها، اختيار الخلافة ومعزها، رضي الإمامة وأثيرها، فخر الملة ومجدها شمس المعالي وملكها، سيد ملوك المشرق والمغرب وسلطانها، محي العدل في العالمين، منصف المظلوم من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين»!! فأوقف هذا كله واكتفى بدعاء واحد هو «اللهم وأصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي»(52).

    وعرف باتساع شعبيته وحب الناس له حتى في البلاد التي لا يحكمها، وكان يستشعر إحساساً عظيماً بالمسؤولية تجاه الزمن أن يضيع وتجاه الدم المسلم أن يراق والكرامة الإسلامية أن تهدر والأرض الإسلامية أن تستباح فكان يصل في عمله الليل بالنهار. وكان لا يهمل أمراً من أمور رعيته(53).

    وحباه الله تكويناً عسكرياً فذاً حمل من خلاله تكاليف الجهاد الشاقة 28 عاماً بنفسية جهادية صادقة(54).


    المصدر :المركز الفلسطيني للاعلام

  6. #6
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Dec 2002
    العمر : 36
    المشاركات : 362
    المواضيع : 127
    الردود : 362
    المعدل اليومي : 0.06

    افتراضي دلالة أسماء فلسطين والقدس على عروبتها

    دلالة أسماء فلسطين والقدس على عروبتها
    (الحضارة النطوفية)



    فيصل صالح الخيري
    باحث فلسطيني في التراث الفكري




    فلسطين . . هذا البلد الصامد صمود بشريتنا، الخالد خلود كوكبنا، لم تعرف البشرية والأرض بلداً أكثر منه عراقة، عاش فيه الإنسان الفلسطيني - كما تفيد آخر المكتشفات الأثرية - منذ ما يربو على المليون ونصف المليون سنة خلت، وقد وجدت هياكله العظيمة وآثاره الحجرية في عدة مواقع من فلسطين، ويطول بنا المجال إذا ما حاولنا تتبع هذه المسيرة عقب الحقب السحقية في القدم، ولذا سنترك تلك المراحل الأولى من تطوره ونقف عند الأخيرة من تلك المراحل .

    في العصر الحديث الوسيط ما بين 10،000 - 8،000 سنة ق.م ظهر النطوفيون في فلسطين، وجاءت تسميتهم نسبة إلى وادي النطوف غربي القدس، وتعتبر الحضارة النطوفية الحضارة الأولى عن طريق تقدم الإنسان وارتقائه، فمن خلالها وصلت التحولات الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين قمتها، فبعد أن بلغ النطوفيون درجة عالية من التقدم وضع الأساس المادي والفكري ا لمباشر للانعطاف الجذري والأهم في تاريخ البشرية، إلا أن أهم ما امتازت به هذه الحضارة انتقالها بالإنسان من مرحلة الصيد وجمع الطعام إلى مرحلة الزراعة وتدجين الحيوان، وبذلك تحول من الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد الإنتاجي، وكان القمح والشعير أول ما زرع الإنسان .

    وليس لدينا دليل على ممارسة أي شعب آخر غير النطوفي للزراعة في مثل هذا العصر البعيد .

    وإذا أردنا تتبع أفضال الزراعة على الرقي البشري لاحتجنا إلى عدة دراسات، فرأينا الاكتفاء برأي "غولايف" في كتابه (المدن القديمة) حيث يذكر أن الزراعة وتدجين الحيوان والتبديلات المرتبطة بهما قد حولت بوضوح - أكثر من أي شيء آخر - ظروف تطور الحضارة البشرية وغيرت بيئة الإنسان الطبيعية وبيولوجيته، وغيرت كل كوكبنا إلى درجة معينة، وانطلاقاً من هذا يكون الإنسان النطوفي الفلسطيني قد قدم للبشرية خدمات جليلة هي الأساس الأول للحضارة الحديثة .

    الدور العموري الكنعاني اليبوسي

    ومرت الأيام والقرون والحقب منحنية الهامة أمام دور النطوفيين في ارتقاء البشرية، وظل الإنسان الفلسطيني يخترع الحضارة تلو الأخرى، كلها حضارات عريقة اتصلت مع غيرها من الحضارات الإنسانية.

    وفي الألف الخامسة ق.م دخلت فلسطين في طور جديد من أطوارها حين وفد إليها من قلب الجزيرة العربية قبائل العموريين والكنعانيين ومعهم اليبوسيين الذين تفرعوا عنهم، وقد فرض الوافدون الجدد أنفسهم على سكان البلاد الذي ذابوا بهم على مر الزمن، وفيما بعد طبّعوا البلاد بطابعهم الخاص وحملت البلاد أسماءهم .

    لا نملك حتى الآن وثائق تاريخية توضح لنا اسم فلسطين قبل الهجرات العربية - التي ذكرناها - إليها، أما بلاد الشام بأكملها فقد عرفت في النصوص الأكاديمية في الألف الثالث ق.م على أنها "أمورو" أو الأرض العربية، كما تطلق هذه النصوص على شرقي البحر الأبيض المتوسط (بحر أمورو) وتأتي هذه التسمية نسبة إلى الشعب الأموري أو العموري، وهو أول شعب سامي رئيس في سورية وفلسطين، وبعض الباحثين يرون أن الكنعانيين انبثقوا من العموريين انبثاق اليبوسيين من الكنعانيين .

    وقد ورد في الموسوعة الفلسطينية أن بعض الباحثين يرون أن اسم أرض الملوريا - وهو أحد مرتفعات القدس - صححه العلماء على أنه أرض العموريين أو الأموريين .

    وقد عرفات بأسماء أخرى أطلقتها الشعوب المجاورة لها، وفي ذلك يقول "مظفر الإسلام خان" في كتابه - تاريخ فلسطين القديم - "إن الأرض الفلسطينية الواقعة جنوبي سورية هي أرض صنعت التاريخ وصنع فيها التاريخ، وقد أطلقت شعوب كثيرة على هذه الأرض أسماء كثيرة، ولعل أقدم هذه الأسماء أسماء "خارو" للجزء الجنوبي، و"رتينو" للجزء الشمالي، اللذين اطلقهما قدماء المصريين، وقد تكون كلمة "رتينو" تحريف كلمة سامية، أما خارو أو خورو فقد تكون تحريفاً لكلمة (حوري) وهم الحواريون المذكورون في التوارة.

    أرض كنعان

    ثم سميت البلاد "أرض كنعان" أو كنعان، كما نصت عليها تقارير قائد عسكري عند ملك - ماري- ووجدت بوضوح في مسألة "أدريمي" - ملك الالاح - تل العطشانة من منتصف القرن الخامس عشر ق.م. وأقدم ذكر لهذه التسمية في المصادر المسمارية من "توزي" يعود تقريباً إلى الفترة نفسها، وهذه الصيغة تقارب كثيراً إلى الفترة نفسها، وهذه الصيغة تقارب كثيراً الصيغة التي وردت في رسائل "تل العمارنة" ويذكر الدكتور فيليب حتى في كتابه (تاريخ سورية ولبنان وفلسطين) أنه قد أطلق كنعان في أول الأمر على الساحل وغربي فلسطين ثم أصبح الاسم الجغرافي المتعارف عليه لفلسطين وقسم كبير من سورية.

    كما يذكر "البروفيسور روبنسون" في كتابه (تاريخ اسرائيل) أن الاسم كنعان يستخدم في بعض الأحيان كلفظ له طابع الشمول، يميز سكان فلسطين الذين سكنوها منذ القدم، ويبدو أنه يشمل "الفينقينين"، وهكذا فإن الاسم الذي سبق الاسم "فلسطين" بكل أشكالها اللفظية، أو الاسم الرئيس بين أسمائها السابقة هو الاسم كنعان وهذا الاسم أو الكلمة لا زال حياً حتى الآن .

    ولما نزل الفلسطينيون وهم على ما يرى بعض ثقاة العلماء أقرباء الكنعانيين ومن نفس جنسهم - الساحل الكنعاني الجنوبي حوالي 1185 ف.م أدعى الساحل باسمهم "فلسطين" وأطلقت هذه التسمية من قبيل تسمية الكل باسم الجزء، وقد ورد ذكر اسم "الفلسطينيين" في عدد من المصادر المصرية، وخاصة على اللوحات الجدارية لمدينة "هابو" من أيام "رمسيس الثالث" سماهم المصريون باسم Pist .

    كما ورد ذكرهم في المصادر الآشورية في صيغتين متقاربتين، فغالباً ما يكون أصل كلمة فلسطين - فلستينا- التي ترد في السجلات الأشورية في أيام الملك الآشوري "أددنيراري الثالث 800 ق.م" إذ يذكر هذا الملك على مسلته أنه في السنة الخامسة من حكمه أخضعت قواته "فلستو" وأجبرت أهلها على دفع الجزية، وفي عام 734 ق.م جعل الملك "تغلات بيلاسر الثالث" أرض فلستيا هدفاً له .

    وعلى أية حال يستنج من النصوص المختلفة أن المقصود من هذا المصطلح "الساحل الفلسطيني" الأرض الفلسطينية الممتدة بين سيناء جنوباً وغور الأردن شرقاً، وقد استعمل الإغريق هذا اللفظ بادئ الأمر للدلالة على المنطقة الساحلية، وتتركز صيغة التسمية عند المؤرخ اليوناني "هيرودوتس 484 - 425 ق.م على أسس آرامية بالستاين ونجد عنده أحياناً أنه اسم يطلق على الجزء الجنوبي من سورية أو سورية الفلسطينية بجوار فينيقية وحتى حدود مصر .

    وقد استعمل هذه التسمية الذين اتبعوه من كبار المؤرخين أمثال : سترابو وديودوروس وبطليموس وبليني، ومع مرور الزمن حل اسم بالتسين محل الاسم الشامل سورية الفلسطينية، وقد أصبح اسم فلسطين في العهد الروماني ينطبق على جميع الأرض المقدسة، وقد صك الإمبراطور فسباسيان هذا الاسم على نقوده التي أصدرها عقب قهره لليهود عام 70م، وبذلك أعطاها الصفة الرسمية، وورث البيزنطيون هذا الاسم عن الرومان، ومن بالستين انبثقت كلمة فلسطين العربية .

    ومن خلال استقراء أسماء فلسطين طوال تاريخها العريق يتضح لنا بجلاء أن الإنسان الفلسطيني قد امتلك هذه البقعة من الأرض من حوالي المليون ونصف المليون سنة خلت، ولم ينقطع عنها في يوم من الأيام حتى يومنا هذا، إنه أقدم امتلاك على وجه الأرض باستنثاء الدليل الوحيد - الذي لا يركن له صدقه - وهو الدليل التوراتي الذي تدلل المكتشفات الأثرية على ضعف ووهن وانهيار حججه التاريخية، الأمر الذي جعل الكثيرين يعيدون النظر في إعادة كتابة تاريخ فلسطين، بحيث يكون لعلم الآثار دور أكثر أهمية في رسم الخطوط الموضوعية لهذه الكتابة .

    عروبة القدس من خلال أسمائها

    وعلى الرغم من أن استقراء أسماء فلسطين كاف تماماً للدلالة على عروبة "القدس" - روح فلسطين وقلبها - التي عرفها الزمن فصاغها قلادة علقت على صدر فلسطين. وكاف أيضاً للدلالة على انقطاع أي صلة لليهود بها ودحض أي حق لهم في تملكها إلا أنهم لم يتورعوا عن تبرير هذا الإثم في حق الجغرافيا بإثارة مسألة قداسة القدس بالنسبة لليهود وليفصلوا منها حججهم الرامية إلى امتلاك المدينة. وحرصاً منا على تفتيت وإزاحة الكتل الضخمة من الادعاءات المزيفة، رأينا أنه سيكون من الأهمية، بمكان خاص استقراء أسماء القدس منذ أقدم عصورها وحتى هذا اليوم الذي نعيش فيه .

    وبغض النظر عن المسخ التوراتي وعلى ضوء المكتشفات الأثرية الحديثة فإن أول اسم عرفت به القدس، هو الاسم الذي سماها به سكانها الأصليون "الكنعانيون" وهو "يرو-شاليم" أو "يرو -شلم" وشالم وشلم اسم لإله كنعاني معناه السلام .

    وربما ورد أول ذكر لمدينة القدس كتابة في الوثائق التي عثر عليها في "عبلاء-تل مرديخ-في شمال سورية، وهي وثائق مكتوبة على ألواح من الآجر بالخط المسماري وبلغة سامية غربية، وترجع إلى أواسط الألف الثالث ق.م، وترد في الوثائق أسماء عدة مدن منها - سالم- التي يرجح البعض أنها تشير إلى القدس .

    لكن أول اسم ثابت لمدينة القدس وهو "اوروسالم" أو "اوروشالم" إنما ورد فيما يسمى بنصوص اللعنة، وهي تتضمن أسماء البلدان والمدن والحكام الذين كانوا فيما زعم من أعداء مصر، وكانت العادة هي كتابة أسماء الأعداء على الأواني الفخارية ثم تحطيمها في أحد طقوس السحر التأثيري، أي الذي يرمي إلى التسبب في سقوط الأتباع العصاة، وثبت أن تاريخ تلك الأواني يرجع إلى فترة حكم الفرعون "سيزوسترس الثالث 1878-1842 ق.م" وكانت كلها أسماء تسع عشرة مدينة كنعانية من بينها اوروسالم .

    وهناك من يذهب في أصل أوروسالم أو اوروشالم إلى أن الاسم مكون من مقطعين "سالم أو شالم" وهو إسم إله، وأورو: وهي كلمة تعني أسس أو أنشأ، فيكون معنى الاسم "اوروسالم" أسسها سالم، ويعتبر الاسم اسماً عمورياً، بدليل أن أول اسمين لأميرين تاريخيين من القدس هما: "باقر عمو" و"سزعمو" وهما اسماه عموريان، والعموريون كما أسلفنا هم سكان كنعان الأصليون، ولغة العموريين تدعى غالباً الكنعانية، كما أن اسم الكنعانيين يشمل العموريين أحياناً .

    ويتضح مما تقدم أن التسمية أورشليم التي يحاول الصهيونيون اليوم عدها من الأسماء العبرية هي في الحقيقة كلمة كنعانية عربية أصيلة، وكيف تكون كلمة أورشليم عبرية واللغة العبرية لغة حديثة جداً ولدت في القرن الرابع ق.م وتبلورت في القرن الخامس الميلادي وبعده؟!

    وبعد نصوص اللعنة بحوالي خمسمائة عام اسم اوروسالم مرة ثانية فيما يعرف بألواح تل العمارنة، وهي ست رسائل بعث بها "عبدي خيبا" - ملك أوروسالم في القرن الرابع عشر ق.م - إلى فرعون مصر "اختانون" يشكو فيها من الخطر الذي تتعرض له مدينته من جرّاء هجمات ما يعرف بالعبيرو .

    كما أن "سليمو أو سالم" ذكرت في سجلات "سنحاريب" ملك أشور في عداد المدن التي تدفع له الجزية، وقد ظل اسم أورشليم شائعاً منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا ومنه جاء الاسم الإفرنجي "جيروزاليم" .

    ومن أسماء القدس القديمة أيضاً "يبوس" نسبة إلى اليبوسيين، وهم كما ذكرنا فرقة من الكنعانيين سكنوا القدس وحولها،وذكر بعض الباحثين أن اليبوسيين لم يكونوا سوى أسرة أرستقراطية تعيش في القلعة وفي عزلة عن سكان البلدة نفسها، ومن المحتمل أن يكون اليبوسييون هم الذين أصلحوا التحصينات القديمة على الآكمة، وقاموا ببناء الحي الجديد على المنحدر الشرقي بين السور وقمة التل .

    وفي هذه الفترة أخذ اسم"يبوس" و"اليبوسيين" يظهر في الكتابات الهيروغليفية، ويبدو أن اليبوسيين قد تلو العموريين في سكني المدينة خلال النصف الأول من الألف الثاني ق.م، وأطلق على القدس اسم "يبوس" وهو الاسم الثاني لمدينة القدس بعد أورشاليم، وقد سماها الفراعنة في كتاباتهم الهيروغليفية "يابيثي" و"يابتي" وهو تحريف لاسم يبوس الكنعاني اليبوسي، وفي رأى انفرد به الأستاذ محمود العابدي في كتابه - قدسنا - أن اليونانيين سموها - هروسوليما- ولكن مؤرخهم "هيرودوتس" سماها "قديس" كما سمعها من سكانها العرب المعاصرين له .

    وفي زمن الرومان حول الإمبراطور "هادريان" مدينة أورشليم بعد أن استولى عليها ودمرها عام 122 م إلى مستعمرة رومانية، ويدل اسمها إلى "إيليا كابيتولينا" وصدر الاسم إيليا لقب عائلة هادريان، وكابيتولين جوبيتر هو الإله الروماني الرئيس، وظل اسم "إيليا" سائداً نحو مائتي سنة، إلى أن جاء الإمبراطور "قسطنطين" المتوفي عام 237م، وهو أول من تنصر من أباطرة الرومان - فألغى اسم إيليا وأعاد للمدينة اسمها الكنعاني، ولكن الظاهر أن اسم إيليا شاع وظل مستعملاً، كما نجد ذلك في العهدة العمرية والشعر العربي.

    وبعد الفتح الإسلامي أطلق على هذه المدينة أسماء: القدس، وبيت المقدس، والبيت المقدس، ودار السلام، وقرية السلام، ومدينة السلام، وكل هذه الأسماء التي قصد منها التكريم والتقديس لم يعش منها سوى اسمين: القدس وبيت المقدس، بمعنى الأرض المطهرة أو البيت المطهر، وربما يعود خلودهما لارتباطهما بأسماء الله الحسنى، وخصوصاً أن تقديسها ثابت بكتاب الله (عز وجل) وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد حافظ العرب المسلمون على هذه القداسة منذ أن افتتحوها منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، ولم ينتهكوا لها حرمة قط، على نقيض ما فعل اليهود من انتهاكها في كل العصور التي عرفوا فيها، وما فعل النصارى أيام حروبهم الصليبية، ولم يكتف ا ليهود بانتهاك حرمتها، بل راحوا يضعون الخطط لسلخها من واقعها العربي البريق إلى حاضر غريب عنها إلى أنها تأباه، لأنه تعد على التاريخ وتشويه للقداسة، واغتصاب للحق، وتزيف للحقيقة .

    ولو قدر للقدس الكلام لسمعنا منها تاريخ سبعين قرناً من الزمان أو تزيد ترويه لنا وهي شامخة بأنفها تتحدى غزاتها، وتجاهر بعروبتها التي لازمتها منذ ولادتها، وتجاهر بالبراءة من أية صلة لها باليهود

  7. #7

المواضيع المتشابهه

  1. فلسطين تاريخ الحاضر .. والعراق تاريخ المستقبل .. (1)
    بواسطة أبوبكر سليمان الزوي في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 18-07-2007, 08:32 PM
  2. .. فلسطين تاريخ الحاضر .. والعراق تاريخ المستقبل .. (2)
    بواسطة أبوبكر سليمان الزوي في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 14-07-2007, 12:20 AM
  3. اللوبي الصهيوني ( ملف كامل)
    بواسطة ابن فلسطين في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 22-09-2003, 11:04 PM
  4. ملف كامل عن اللاجئين الفلسطينيين
    بواسطة ابن فلسطين في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 16-06-2003, 11:08 AM
  5. ملف كامل لما قبل وبعد الولادة
    بواسطة روح في المنتدى النَادِى التَّرْبَوِي الاجْتِمَاعِي
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 15-05-2003, 01:34 PM