أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 18

الموضوع: تذوَّقوا معين الحكم العطائية من منهلِ صدقٍ

  1. #1
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,296
    المواضيع : 574
    الردود : 10296
    المعدل اليومي : 1.72

    افتراضي تذوَّقوا الحكم العطائية من منهلِ صدقٍ

    الحكم العطائية وشرح جديد لها لفضيلة العلامة الشيخ الجليل محمد سعيد البوطي

    يسعدني أن أقدم لكم بعضًا من هذه الحكم الرائعة لابن عطاء الله رحمه الله تعالى، والتعليق عليها بما فتح الله به عليّه،
    يقول البوطي جزاه الله الخير
    :(لمع اسم ابن عطاء الله عالماً من أجلّ علماء الشريعة، مصطبغاً بحقائقها ولبابها التي تُحَرِّرُ الإنسان من حظوظ النفس والهوى، وترقى به إلى سدة الصدق مع الله، وتمام الرضا عنه، وكمال الثقة به، والتوكل عليه. ودرّس علوم الشريعة في الأزهر، وتخرج على يديه كثير من مشاهير العلماء، من أمثال الإمام تقي الدين السبكي، والإمام القرافي..
    أما كتابه (الحكم) فلا أعلم كتيّباً صغيراً في حجمه انتشر في الأوساط المختلفة كانتشاره، وتقبلته العقول والنفوس كتقبلها له!..

    هو مجموعة مقاطع من الكلام البليغ الجامع لأوسع المعاني بأقلّ العبارات.. كلها مستخلص من كتاب الله أو من سنة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ.

    وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أما القسم الأول منها فيدور على محور التوحيد وحماية المسلم من أن يتسرب إليه شيء من المعاني الخفية الكثيرة للشرك، وأما القسم الثاني فيدور على محور الأخلاق وإلى تزكية النفس وأما القسم الثالث فيدور على محور السلوك وأحكامه المختلفة.)
    فتعالوا نقرأ معًا ماقاله في هذه الفقرة:

    حِكَم ابن عطاء الله والتصوف:

    سيقول بعض الناس: إن العكوف على دراسة هذه الحكم إنما هو انصراف إلى (التصوف). والتصوف شيء طارئ على الإسلام متسرب إليه، فهو من البدع التي حذر منها رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذ قال: «.. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»(1).

    وأقول في الجواب: أما الأسماء والمصطلحات فلا شأن لنا بها ولا نتعامل معها. وها أنا منذ الآن سأبعد كلمة (التصوف) هذه، من قاموس تعابيري وكلماتي، مع العلم بأن الأسماء والكلمات ليست هي التي توصف بأنها الإسلام أو هي البدع الطارئة عليه، وإنما الذي يوصف بهذا أو ذاك، مسميات الأسماء ومضامينها والمعاني التي جاءت الأسماء والمصطلحات معبراً عنها وخادماً لها.. فالمصطلحات والأسماء ليست هي المعنيّ بقول رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: «محدثات الأمور» وإنما المعنيّ بها المعاني والمسميات التي تتمثل في معتقدات زائغة أو سلوكات باطلة.

    ولكني، على الرغم من هذا، لن أتعامل مع الأسماء والمصطلحات الحديثة التي تثير حساسية بعض الناس الذين يتعاملون مع الأسماء والمصطلحات والشعارات أكثر مما يقفون على جوهر المعاني والمسميات. ولذا فلسوف أحاول أن أشطب كلمة (التصوف) هذه من ذاكرتي، فإن لم أستطع إلى ذلك سبيلاً، فلا أقل من أن أبعدها عن قاموس تعابيري وكلماتي خلال رحلتي هذه كلها في خدمة حكم ابن عطاء الله وتجلية معانيها.

    على أن ابن عطاء الله أيضاً لم يدن إلى هذه الكلمة في شيء من حكمه هذه قط. بل إني لم أجده يعرّج على هذه الكلمة في أي من كتابيه (لطائف المنن) و(التنوير في إسقاط التدبير) وهما الكتابان اللذان أتيح لي أن أقرأهما وأستفيد منهما بالإضافة إلى الحكم.

    إذن فلننظر فيما سنصغي إليه من هذه الحكم إلى اللباب والمعاني، ثم لنضع هذه المعاني كلها في ميزان كتاب الله وسنة رسوله. فما وافق من ذلك هذا الميزان قبلناه، وما خرج عليه وشرد عنه رددناه.

    الإحسان وموقعه من الإسلام والإيمان:

    ولرسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كلام عن الإحسان وأهميته والتعريف به في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب، يقول فيه جواباً عن سؤال جبريل له: « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ».

    فهل سَاءَل أحدنا نفسه عن وجه الحاجة إلى الإحسان، بعد أن وضعنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أمام حقيقة كل من الإيمان والإسلام؟

    وهل تساءلنا عن موقع الإحسان وعن وظيفته بعد وجود كل من الإسلام والإيمان؟

    إن سيرة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وسيرة أصحابه البررة الكرام، يبرز كل منهما وجه الحاجة إلى الإحسان، ويبرز الموقع الذي يشغله الإحسان بين قطبي كل من الإسلام والإيمان، لا سيما لدى المقارنة بين حياة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وحياة أصحابه من جانب، وحياتنا نحن المسلمين والمؤمنين أيضاً من جانب آخر.

    من المعلوم أن أركان الإيمان إنما تغرس يقيناً في تربة العقل، في حين أن أركان الإسلام سلوك يصطبغ به الكيان والأعضاء.

    ولكن فما هو السلك الذي ينقل شحنة اليقين العقلي قوة دافعة إلى الأعضاء والكيان الجسدي؟..

    لعلك تقول: لا حاجة إلى هذا السلك؛ فيقين العقل بأمر ما، يكفي وحده حافزاً إلى السلوك المناسب له.

    غير أن هذا التصور باطل من الناحية العلمية، وهو باطل على صعيد الواقع الدائم المرئي!!..

    كثيرون هم الذين آمنت عقولهم بالله، ولكن سلوكهم ناقض مقتضيات هذا الإيمان وخاصمه.. جمع كبير من هؤلاء كانوا على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وجموع أكثر من هؤلاء أنفسهم، يملؤون اليوم رحب العالم، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: {وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل: 27/14] .

    والسبب العلمي في ذلك أن العقل ليس هو الحافز الوحيد في كيان الإنسان إلى السلوك، بل يزاحم العقلَ وينافسه في ذلك العصبيات والأهواء والأغراض، والعواطف بأنواعها، لا سيما «الدافعة»(2) وإذا لم يمتدّ بين العقل وكيان الإنسان هذا السلك الذي نتحدث عنه، فإن العقل لا بدّ أن يصبح هو المغلوب والمهزوم في هذا العراك. وعندئذ يصبح زمام السلوك بيد هذه العوامل الأخرى المتمثلة في العصبية والأغراض والأهواء ورياح العواطف المضادّة.

    وانظر إلى واقع أكثر الناس، تجده مصداقاً لما أقول.

    إذن، فلكي يمتدّ شريان (الإحسان) في عبادات المسلم وقرباته، بحيث يعبد الله كأنه يراه، لا بدّ أن يسري من العقل الذي آمن إلى الأعضاء التي استسلمت وأسلمت، سِلْكٌ من التأثير والفاعلية، بحيث يغدو المسلم يقظاً لحقائق إيمانه متفاعلاً بشعوره معها أثناء النهوض بطاعاته وعباداته.

    فما هو هذا السلك؟ ومن أي شيء يتكون؟

    إنه الإكثار من ذكر الله وتذكره، والإكثار من مراقبة الله والتنبه الدائم إلى مراقبة الله للعبد.. وخير سبيل إلى هذا التذكر الدائم، والوقوف المستمر تحت مظلة المراقبة الإلهية، ربط النعم بالمنعم، بحيث كلما وفدت إليه نعمة تذكر الإله الذي تفضل بها عليه، وهيهات لسلسلة النعم الإلهية أن تنقطع في لحظة من اللحظات عن العبد؛ إن هذا الإنسان الكريم على الله عز وجل، محاط من الأرض التي يعيش فوقها بآلاف النعم، ومستظل من السماء التي تعلوه بآلاف النعم، ومحشوّ من فرقه إلى قدمه بآلاف النعم، هذا كله بالإضافة إلى النعم الوافدة المتجددة التي لا حصر لأنواعها فضلاً عن عدّها وإحصائها.

    فإذا عوّد العبد نفسه وأيقظ ذاكرته لتذكر الإله المنعم المتفضل، كلما أقبلت إليه نعمة منها، أو كلما تعامل مع واحدة منها، واستمر على هذا المنوال، اهتاجت بين جوانحه محبة عارمة لإلهه المنعم المتفضل، إذ إن النفوس مجبولة على حبّ من قد أحسن إليها. وكلما ازداد هذا العبد المغمور بنعم الله ذكراً وتذكراً لربه ازدادت محبته له رسوخاً وازداد تعظيماً ومهابة له.

    ثم إن هذه المحبة الراسخة تلعب دوراً كبيراً في طرد محبة الأغيار من القلب، أو في تحجيمها وحصرها في زاوية ضيقة من الفؤاد الذي غدا جلّه ساحة لمحبة الله عز وجل وتجلياته. فتذوب في ضرام هذا الحب عصبيته للذات والمذهب ويتراجع سلطان أهوائه التي كانت مهيمنة على نفسه، وتذبل مشاعره الغريزية التي تتحكم بكيانه وتصرفاته. ويغدو عندئذ هذا الإنسان مظهراً للمؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} [البقرة: 2/165].

    فهل تتصور أن يقبل هذا المحب إلى صلاته دون أن يكون محسناً في أدائها، أي دون أن يشعر بأن الله يراه إذ يناجيه وإذ يركع ويسجد بين يديه؟ أم هل تتصور أن تأتي مشاغله الدنيوية وأهواؤه الغريزية فتحجبه عن تذكر الله ومراقبته وتنسيه نجواه لله في صلاته؟

    لا تتصور أن يكون شأن هذا العبد المحب على هذا المنوال، ما دام أن هذا السلك الذي حدثتك عنه قد امتدّ نابضاً بذكر الله عز وجل ما بين مركز الإيمان في العقل ومركز الإسلام في الأعضاء والكيان.

    * * *


    (1) رواه أبو داود والترمذي من حديث العرباض بن سارية وأوله: وعظنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ موعظة بليغة وجلت منها القلوب...
    (2) تنقسم العواطف إلى عاطفة دافعة وهي الحب والكراهية، وعاطفة رادعة وهي الخوف، وعاطفة ممجّدة، وهي مشاعر الانبهار بالشيء والتعظيم له.


    لنا لقاء آخر بإذن الله مع حكمة جديدة
    أختكم
    بنت البحر
    حسبي اللهُ ونعم الوكيل

  2. #2

  3. #3
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,296
    المواضيع : 574
    الردود : 10296
    المعدل اليومي : 1.72

    افتراضي

    ويتابع أستاذنا الدكتور البوطي قائلاً في موضوع

    والآن، من ذا الذي يجهل أن هذا الإحسان الذي دعا إليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ هو لباب الإسلام، بل هو الجامع المشترك بين الإيمان والإسلام؟!.. وهل الإسلام بدون هذا الإحسان إلا كجسد لا روح فيه، أو كتمثال لا حراك فيه؟ وهل يتعايش الازدواج بين شكل الإسلام وألفاظه، والاستغراق في حمأة الشهوات والأهواء، والخضوع للأغراض والعصبيات، في الواقع المعيشي والمرئي في حياة كثير من الناس، إلاّ لأن صلة ما بين العقل المؤمن والكيان المسلم أو المستسلم غائبة أو مقطّعة، لم يمتدّ بينهما سلك الإحسان الذي لا سبيل إليه إلا عن طريق الإكثار من ذكر الله وتذكره بالنهج الذي حدثتك عنه؟!..

    وإذا ثبت أن السبيل إلى ذلك هو أن يأخذ المسلم نفسه بالإكثار من ذكر الله الذي هو سلّم الوصول إلى محبة الله، والذي هو المدخل الذي لا بدّ منه إلى تزكية النفس، فهل في المسلمين من يُهَوِّنُ من شأن هذا العلاج، فضلاً عن أن ينكره ويدفع به إلى قائمة البدع والمستحدَثات.

    وكيف يتأتّى للمسلم الصادق في إسلامه أن ينكره، والقرآن مليء بالآيات الآمرة بالإكثار من ذكر الله والمحذرة من الاستسلام للغفلات، وبالآيات الآمرة بالسعي إلى تزكية النفس وتطهيرها من أوضارها التي سماها الله «باطن الإثم».

    فإذا جاء من يرشد تلامذته ومريديه إلى اتباع هذا السبيل، ونبههم إلى أهمية السعي إلى تزكية النفس عن طريق نقل الإيمان بالله من مجرد قناعة أو يقين مغروس في العقل إلى عاطفة من الحب والخوف والتعظيم تهيمن على القلب، ونظّم لهم إلى ذلك منهاجاً من الأوراد والمأثورات، يأخذون بها أنفسهم، ليخرجوا بذلك من تيه الغفلة إلى صعيد الذكر؛ فالمشاهدة بعين البصيرة، وليتحققوا عندئذ بالإحسان الذي يجعلهم أثناء قرباتهم وعباداتهم كأنهم يرون الله.. أقول: إذا جاء من يرشد تلامذته ومريديه وإخوانه إلى هذا النهج، أفيكون قد أساء صنعاً من حيث إنه نفذ أوامر الله وتعاليم رسول الله في حق نفسه أولاً، وفي حق إخوانه وأصحابه ثانياً؟!..

    ومن هم الذين عناهم بيان الله بقوله عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 41/33] ، والذين عناهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بقوله: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمْر النعم» إن لم يكن هؤلاء المرشدون الناصحون في مقدمتهم؟

    ثم إذا جاء من يطلق على الالتزام بهذا النهج الرامي إلى هذا الهدف التربوي القدسي، اسم (التصوف) أو (علم السلوك) أو (فنّ التزكية) أفتكون هذه التسمية مزهقة لشرعية المضمون، موجبة لإبطال الحق، وإحقاق الباطل؟!.. على أن بوسعك أن تلتقط المنهج والمضمون وتلقي الاسم والمصطلح وراء ظهرك، أو حتى إن -شئت- تحت قدمك، وبذلك تصلح ما ترى أنه خطأ، وتقوّم ما تعتقد أنه معوج، المهم أن لا تأخذ الجار بظلم الجار، وتعاقب المسمى البريء بجريرة الاسم.

    * * *

    فإن جاء من يقول: ولكن هذا النهج الإرشادي تسرب إليه مع الزمن كثير من البدع التي لا يقرها قرآن ولا سنة، قلنا له: أنت مشكور على غيرتك على شرع الله أن لا يتسرب إليه دخيل وأن لا يختلط به ما ليس منه.

    ولكن الغيرة على الحق لا تتمثل في أن تعود فتأخذ الجار بظلم الجار، وفي أن تزهق الحق من أجل الباطل الذي تسرب إليه.

    إن استنكار المشروع من سبل تزكية النفس وبلوغ درجة الإحسان، من أجل البدع التي تسربت إليه، هو دعوة غير مباشرة إلى هذه البدع، وإغراء خفي بقبولها وبالتعامل معها. ولعل من أهم أسباب انتشار هذه البدع وعكوف فئات من الناس عليها باسم التصوف ونحوه، هذا اللون من الاستنكار الذي يهدف إلى هدم الدار كلها، من أجل أرائك غير مريحة فيها!!..

    حدّد البدعة التي عثرت عليها ضمن كلٍّ من الطاعة المشروعة، ثم ركز إنكارك عليها، مدافعاً عن بقية الكل، داعياً إليه، منبهاً إلى أهميته، يذوي عندئذ العشب الدخيل، والغصن الطفيلي الضار، ويزهو النبات الأصيل صافياً عن الأوضار والشوائب.

    إن المسلمين اليوم في ظمأ شديد إلى العاطفة الدينية التي حرمتهم منها قسوة المتطلبات الدنيوية وفتنة المغريات المستشرية.. فإن أتيح لهم من يهديهم إلى مواردها الشرعية الصافية عن شوائب البدع، فلسوف يركنون إليها ويسعدون بها، ويصلون منها إلى ريٍّ لا غصص فيه. وإن لم يجدوا أمامهم إلا من يصدّهم ويردّهم ويحذرهم من هذه الموارد العاطفية التي داخلتها البدع، دون أن يرشدوهم إلى أي بديل، فلسوف يستجيبون لنداء ضروراتهم الملحة، ويعرضون عن التحذيرات التي لا بديل عنها إلا الظمأ القتال.

    ولا شك أن توجيه هؤلاء الظمأى إلى حِكَم ابن عطاء الله وأمثالها، إنما هو توجيه إلى مورد لعاطفة إسلامية صافية عن الشوائب، بعيدة عن عكر البدع والمنكرات، ولسوف توصلهم إن هم أخذوا أنفسهم بنصائحها إلى صعيد باسق من محبة الله وتعظيمه والمخافة منه والرضا عنه والثقة به والتوكل عليه. وهل يصلح إيمان بالله بدون هذا كله؟

    والواقع المرئي أمامي خير شاهد على ذلك.. عندما استخرت الله في تدريس حكم ابن عطاء الله في لقاء عام في المسجد، ظننت أن الجمع الكثيف والكثير الذين تعودوا على حضور دروسي سيتفرقون ويعرضون.. زهداً منهم في هذه البحوث التي تنعت على ألسن كثير من الناس بالتصوف، ولكني فوجئت بنقيض ذلك، لقد ازداد الجمع المواظب تعلقاً وثباتاً، وأقبلت من ورائهم فئات شتى من سائر المشارب والاتجاهات والطبقات، وفيهم من لم يكن ملتزماً بسلوك إسلامي قط.. ساقهم جميعاً الظمأ العاطفي الذي أشعرتهم به الفطرة الإيمانية التي لم يحرم الله منها أحداً من عباده. وكان من حسن الحظ أن المورد الذي اجتمعوا عليه مورد شرعي سلفي سليم خال من الشوائب، وحسبك أنه المورد الذي تمثل في حكم ابن عطاء الله.

    فليتق الله أولئك الذين ينتقمون من البناء كله من أجل خطأ في تصميم إحدى نوافذه، أو يحرّمون الطعام الطاهر الطيب من أجل استنكارهم لاسمه!!..

    وأعود في نهاية هذه المقدمة، لأذكّر بالعهد الذي قطعته على نفسي، أن لا أتعامل فيما قد فتح الله عليّ من شرح (الحكم) إلا مع المضامين والمسميات، وأن لا أعرِّج على اسم التصوف في قليل أو كثير.

    والله المسؤول أن يهبنا من جذوة الإخلاص لوجهه، ومن صدق التوجه إلى معالجة أمراضنا النفسية الوبيلة المهلكة، ما يبصّرنا بضرورة سلوك النهج الذي ذكرته في هذه المقدمة، والذي ستتجلى تفاصيله في الصفحات التالية، بفضل الله وتوفيقه.

  4. #4
    الصورة الرمزية يسرى علي آل فنه شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    الدولة : سلطنة عمان
    المشاركات : 2,428
    المواضيع : 109
    الردود : 2428
    المعدل اليومي : 0.41

    افتراضي


    موضوع طيب وكريم أختي الكريمة زاهية

    وأجده اضاءات حول قيم عقائدية ومبادئ سامية ومحاولة ترسيخها

    ومما شدني في الموضوع ومن الجديد الذي تعلمته هنا نقطة تصنيف العواطف كما ورد

    تنقسم العواطف إلى عاطفة دافعة وهي الحب والكراهية، وعاطفة رادعة وهي الخوف، وعاطفة ممجّدة، وهي مشاعر الانبهار بالشيء والتعظيم له

    استمري بكل هذا الجمال يازاهية الخير

    سأتابعك لمزيد من الاطلاع والفائدة

    تقديري لكِ وبارك الله في عمرك الطيب نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

  5. #5
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,296
    المواضيع : 574
    الردود : 10296
    المعدل اليومي : 1.72

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة احمدعبدالحميد
    بنت البحر انتى دائما ادهشينا بجديدك سواء اكانت مشاركات ادبيه او قصص او حتى الحكم
    مشكوره اختى على الموضع القيم
    أحمد عبد الحميد
    أهلاً بك أخي الكريم مباركًا بإذن المولى الذي وضع في الرأس عقلا ليختار
    طريق الحق فيمشيه صاحبه صلاحًا ووعيا بإذنه تعالى
    دمت بخير
    أختك
    بنت البحر

  6. #6
    الصورة الرمزية الصباح الخالدي قلم متميز
    تاريخ التسجيل : Dec 2005
    الدولة : InMyHome
    المشاركات : 5,766
    المواضيع : 83
    الردود : 5766
    المعدل اليومي : 1.07

    افتراضي

    اتابع باهتمام ماتكتبين
    اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

  7. #7
    الصورة الرمزية خليل حلاوجي مفكر أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2005
    الدولة : نبض الكون
    العمر : 53
    المشاركات : 12,546
    المواضيع : 378
    الردود : 12546
    المعدل اليومي : 2.26

    افتراضي

    ساسير معكم سطرا" سطرا"

    اقف عند التصوف

    والذي لاأكرهه طالما كان تصوف على طريق السلف الصالح
    الإنسان : موقف

  8. #8
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,296
    المواضيع : 574
    الردود : 10296
    المعدل اليومي : 1.72

    افتراضي

    الحكمة الأولى : من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

    الاعتماد على العمل أهو في الشريعة أمر محمود أم مذموم‏؟‏

    يقول لنا ابن عطاء الله‏:‏ إياك أن تعتمد في رضا الله عنك وفي الجزاء الذي وعدك به على عمل قد فعلته ووفقت له‏،‏ كالصلاة‏،‏ كالصوم‏،‏ كالصدقات‏،‏ كالمبرات المختلفة‏،‏ بل اعتمد في ذلك على لطف الله وفضله وكرمه‏.‏

    هل هنالك من دليل على هذا‏؟‏ نعم‏،‏ إنه حديث رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ الذي رواه البخاري وغيره‏:‏ «لن يُدْخِلَ أحَدَكُم الجنةَ عملُه» قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»‏.‏

    إذن فالعمل ليس ثمناً لدخول الجنة‏،‏ وإذا كان الأمر كذلك فالمطلوب إذا وفقت لأداء الطاعات أن تطمع برضا الله وثوابه‏،‏ أملاً منك بفضله وعفوه وكرمه‏،‏ لا أجراً على ذات العمل الذي وفقت إليه‏.‏

    وهنا يقول‏:‏ ومن أبرز الدلائل على اعتمادك على العمل لا على فضل الله‏،‏ نقصان رجائك بعفوه تعالى عند تلبسك بالزلل أي عندما تتورط في المعاصي والموبقات‏.‏

    إن هذا يعني أنك عندما كنت ترجو كرم الله وعطاءه إنما كنت تعتمد في ذلك على عملك فلما قلَّ العمل وكثرت الذنوب غاب الرجاء‏!‏‏.‏‏.‏ فهذا هو المقياس الدال على أنك إنما تعتمد في رجائك على عملك لا على فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه‏.‏‏.‏ هذا هو باختصار معنى حكمة ابن عطاء الله رحمه الله‏.‏

    ثم إن هذه الحكمة لها بُعْدٌ هام في العقيدة‏،‏ وبعد هام يتجلى في السنة‏.‏‏.‏ في كلام سيدنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ‏،‏ ولها بعد ذلك بُعد أخلاقي تربوي‏،‏ وسنأتي على بيان ذلك كله إن شاء الله‏.‏

    * * *

    ولنعلم بهذه المناسبة أن حكم ابن عطاء الله مقسمة إلى ثلاثة أقسام‏:‏

    القسم الأول منها يدور على محور التوحيد‏.‏

    القسم الثاني يدور على محور الأخلاق‏.‏

    والقسم الثالث يتعلق بالسلوك وتطهير النفس من الأدران‏.‏

    ولنبدأ ببيان البعد الاعتقادي وتحليله في هذه الحكمة الأولى‏:‏

    يقول صاحب جوهرة التوحيد‏:‏


    وإن يعذِّبْ فبمحضِ العَدْلِ

    فإن يُثِبْنا فَبِمَحْضِ الفَضْلِ


    هذه هي العقيدة التي ينبغي أن يصطبغ بها كل إنسان مسلم‏.‏‏.‏ وعلى هذا درج السلف الصالح رضوان الله عليهم‏.‏

    قد يقول قائل‏:‏ بل الظاهر أن الثواب الذي نستحقه إنما هو على العمل الصالح الذي عملناه‏.‏

    ولكننا لو تأملنا‏،‏ وأمعنا النظر‏،‏ في علاقة ما بين العبد وربه‏،‏ لأدركنا أن الأمر ليس كذلك‏.‏

    ما معنى قولك‏:‏ إن الله إنما يثيبني بعملي‏.‏‏.‏ وإنما يدخلني الجنة بعملي‏.‏‏.‏‏؟‏ معنى هذا الكلام أن الله عز وجل رصد قيمة للجنة‏،‏ لا تتمثل في دراهم أو في سيولة مالية‏،‏ وإنما تتمثل في العبادات والطاعات والابتعاد عن المحرمات‏.‏ فإن فعلت الطاعات واجتنبت النواهي‏،‏ فقد بذلت الثمن‏،‏ ومن ثم فقد أصبحت مستحقاً للبضاعة التي اشتريتها‏!‏‏.‏‏.‏ عندما تقول‏:‏ إنما أثاب بالعمل الذي قدمتُه‏،‏ فهذا هو معنى كلامك‏.‏‏.‏ فهل الأمر هكذا في حقيقته‏؟‏‏.‏‏.‏ أي هل إنك عندما تؤدي الأوامر التي طلبها الله عز وجل منك تصبح مستحقاً للجنة ومالكاً لها بعرق جبينك‏،‏ تماماً كما يستحق الذي اشترى بضع دونمات من أرض‏،‏ بقيمة محددة دفعها لصاحبها الذي عرضها للبيع‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ لو تأملت لرأيت أن الأمر يختلف اختلافاً كبيراً‏.‏‏.‏ أنا عندما أدفع قيمة هذا البستان نقداً كما طلب البائع فأنا أمتلك بذلك هذا البستان بدون أي مِنَّةٍ له عليّ‏،‏ وبطريقة آليّة يقضي بها القانون‏.‏ ومن حقي أن أقول له‏:‏ اخرج من أرضي فقد دفعت لك قيمتها كاملة غير منقوصة‏.‏

    ذلك هو شأن علاقة العبد مع العبد‏.‏‏.‏ أما عندما يأمرك الله سبحانه وتعالى بالطاعات التي ألزمك بها‏،‏ وينهاك عن المحرمات التي حذرك منها‏،‏ ويوفقك الله فتؤدي الواجبات وتبتعد عن المحرمات‏،‏ فإن الأمر مختلف هنا بشكل كلي‏.‏‏.‏ من الذي أقدرك على الصلاة التي أديتها‏؟‏ من الذي أقدرك على الصوم الذي أديته‏؟‏‏.‏‏.‏ من الذي شرح صدرك للإيمان‏؟‏ أليس هو الله عز وجل‏؟‏ وصدق الله القائل‏:‏ {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ} [الحجرات‏:‏ 49‏/‏17] ‏.‏

    إذن هنالك فرق كبير بين الصورتين‏.‏ من الذي حبّب إليك الإيمان وكرّه إليك الكفر والفسوق والعصيان‏؟‏ من‏؟‏ هو الله سبحانه وتعالى‏.‏‏.‏ من الذي شرح صدرك وأقدرك على أن تأتي إلى بيت من بيوت الله فتحضر صلاة الجماعة ثم تجلس فتستمع إلى ما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى‏؟‏ من‏؟‏ هو الله سبحانه وتعالى‏.‏‏.‏ إذن فما يخيل إليك‏،‏ من أن الطاعة ثمن دفعته من ملكك مقابل امتلاكك لجنة الله تعالى قياساً على الذي دفع أقساط الثمن من ماله الحر لكي يمتلك البستان‏،‏ قياس مع الفارق الكبير‏.‏

    إذن فلا يجوز أن تتصور أنك تستحق ‏(‏تأملوا التعبير الدقيق الذي أستعمله‏:‏ لا يجوز لك أن تتصور أنك تستحق‏)‏ جنة الله سبحانه وتعالىوثوابه‏،‏ لأنك قد قدمت له ما قد طلب‏،‏ ولأنك قد فعلت ما قد أوجب‏،‏ وابتعدت عما حرم‏،‏ لا يجوز لك أن تعتقد هذا‏.‏ ولو اعتقدت ذلك لكان نوعاً من أخطر أنواع الشرك‏.‏

    ذلك لأن هذا الاعتقاد يعني أنك تؤمن بأن صلاتك بقدرة ذاتية منك‏،‏ وأنك تفضلت بها على الله‏،‏ وأن طاعتك التي أمرك الله عز وجل بها بحركة من كيانك‏،‏ وكيانك ملك ذاتك‏،‏ وقدرتك ملك ذاتك‏،‏ فعملك أنت المالك له‏،‏ وقدراتك أنت مبدعها وموجدها‏،‏ والباري لا علاقة له بها‏.‏ إذن فكأنك فيما تتخيل قدمت له هذه الطاعات على طبق‏،‏ وقلت‏:‏ ها هي ذي أوامرك قد أنجزتها كما تريد‏،‏ بقدرة وطاقة ذاتية مني فأعطني الجنة التي وعدتني بها‏.‏

    وهكذا تصبح العملية عملية بيع وشراء‏.‏‏.‏ أعطيتك القيمة ومن حقي إذن أن أطالبك بالثمن‏!‏‏.‏‏.‏ هل هذا هو منطق ما بين العبد وربه‏؟‏ أين أنت إذن من واقع عبوديتك لله‏؟‏‏.‏‏.‏ أين أنت من الكلمة القدسية التي كان يعلمها رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ أصحابه‏:‏ «لا حول ولا قوة إلا بالله»‏؟‏‏.‏ أين أنت من اليقين الإيماني الذي لا ريب فيه بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد‏؟‏‏.‏‏.‏ من الذي يخلق أفعالنا نحن العباد‏؟‏ أظن أن العهد لم يطل بنا‏،‏ في بيان الحق الذي هو عقيدة السلف الصالح‏،‏ وهم أهل السنة والجماعة الذين يمثلهم الأشاعرة والماتريديون‏.‏‏.‏ إذن فأنا عندما أحمد الله سبحانه وتعالى بلساني‏؛‏ ينبغي أن أشكر الله على أن حرك لساني بهذا الحمد‏.‏‏.‏ وإذا قمت من جوف الليل لأصلي‏،‏ ينبغي أن أثني على الله أنه وفقني للقيام بين يديه‏.‏‏.‏ لولا حبه لي‏،‏ لولا عنايته بي‏،‏ لولا لطفه بي‏،‏ لغرقت في الرقاد‏،‏ ولما أكرمني بهذا الوقوف بين يديه‏.‏ ولقد حدثتكم مرة بقصة فتاة صالحة كان تخدم في أسرة‏،‏ وذات ليلة قام رب الأسرة من جوف الليل فرأى الفتاة تصلي في زاوية من البيت‏،‏ وسمعها تقول وهي ساجدة‏:‏ اللهم إني أسألك بحبك لي أن تسعدني‏.‏‏.‏ أن تعافيني أن تكرمني‏.‏‏.‏ إلى آخر ما كانت تدعو به‏.‏ استعظم الرجل صاحب البيت كلامها هذا‏،‏ وانتظرها حتى إذا سلَّمت من صلاتها‏،‏ أقبل فقال لها‏:‏ ما هذا الدلال على الله‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ قولي‏:‏ اللهم إني أسألك بحبي لك أن تسعدني وأن تكرمني وأن‏.‏‏.‏‏.‏ قالت له‏:‏ ياسيدي لولا حبه لي لما أيقظني في هذه الساعة‏،‏ ولولا حبه لي لما أوقفني بين يديه‏،‏ ولولا حبه لي لما أنطقني بهذه النجوى‏.‏‏.‏

    لاحظوا أيها الإخوة‏:‏ هذا هو التوحيد الذي ينبغي أن يصطبغ به كل منا‏،‏ كيف تمتن على الله بصلاتك وهو الذي وفقك إليها‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏

    فهذا هو المبدأ الذي عناه صاحب جوهرة التوحيد وكل علماء العقيدة عندما قالوا‏:‏ «فإن يثبنا فبمحض الفضل» ثم قالوا‏:‏ «وإن يعذب فبمحض العدل»‏.‏

    يتبع بإذن الله

  9. #9
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,296
    المواضيع : 574
    الردود : 10296
    المعدل اليومي : 1.72

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة يسرى

    موضوع طيب وكريم أختي الكريمة زاهية

    وأجده اضاءات حول قيم عقائدية ومبادئ سامية ومحاولة ترسيخها

    ومما شدني في الموضوع ومن الجديد الذي تعلمته هنا نقطة تصنيف العواطف كما ورد

    تنقسم العواطف إلى عاطفة دافعة وهي الحب والكراهية، وعاطفة رادعة وهي الخوف، وعاطفة ممجّدة، وهي مشاعر الانبهار بالشيء والتعظيم له

    استمري بكل هذا الجمال يازاهية الخير

    سأتابعك لمزيد من الاطلاع والفائدة

    تقديري لكِ وبارك الله في عمرك الطيب نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

    يسرى أختي الغالية نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    طيَّبَ الله أيامك بنور حبه
    وعظيم هدايته
    أسعدني أن تكوني معي في هذه النفحات الإيمانية
    التي أرجو الله أن نستفيد منها جميعًا ونُفيد
    دمت بخير
    أختك
    بنت البحر

  10. #10
    الصورة الرمزية زاهية شاعرة
    تاريخ التسجيل : May 2004
    المشاركات : 10,296
    المواضيع : 574
    الردود : 10296
    المعدل اليومي : 1.72

    افتراضي


    والآن‏،‏ نعود إلى كلام ابن عطاء الله‏،‏ لنقف على نقطة هامة يحذرنا منها‏:‏ ‏(‏‏(‏من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل‏)‏‏)‏‏.‏

    أي إن من أخطر نتائج اعتمادك في مثوبة الله على العمل‏،‏ نقصان رجائك بعفوه عندما تتورط في الزلل والآثام‏؛‏ فبين الأمرين تلازم مطرد‏.‏ والسبيل الوحيد إلى أن لا يقل رجاؤك برحمة الله وصفحه عند التقصير‏،‏ هو أن لا تعتمد على عملك عندما يحالفك التوفيق‏.‏ وعندئذ تكون في كلا الحالين متطلعاً إلى جود الله وكرمه‏،‏ بقدر ما تكون خائفاً من غضبه ومقته‏.‏

    إذن فالخوف من غضب الله وعقابه يجب أن يكون موجوداً مع الرجاء الدائم برحمته وفضله‏،‏ لأن الإنسان أياً كان‏،‏ لن ينفك عن التقصير في أداء حقوق الربوبية عليه‏،‏ في سائر التقلبات والأحوال‏.‏

    ومن ثم فإن الذي يرى أنه من الضعف والتقصير بحيث لا يستطيع أن يؤدي شيئاً من حقوق الله عليه‏،‏ يتجاذبه شعوران متساويان في كل الأحوال‏:‏ أحدهما شعوره بالأمل بفضل الله وعفوه‏،‏ ثانيهما شعوره بالخجل والخوف من تقصيره في جنب الله عز وجل‏،‏ لا يعلو ويشتدّ الشعور الأول إن رأى نفسه موفقاً للطاعات‏،‏ ولا يهتاج به الشعور الثاني إن رأى نفسه مقصراً في أدائها متهاوناً في حقوق الله عز وجل‏،‏ لأنه في كل الأحوال لا يقيم لطاعاته وزناً‏،‏ ولا يعتمد عليها في الأمل برحمة الله وعفوه‏.‏ فهو إذن في كل الأحوال بين الخوف والرجاء‏.‏

    ولعلّ الشيطان يوسوس إليك بأن الطاعات والقربات ليس لها إذن أي دور في تفضل الله على العبد‏،‏ وإذن فلا فرق بين إقبال العبد إليها وإعراضه عنها‏!‏‏.‏‏.‏

    ولكن فلتعلم أن هذا الوسواس الشيطاني ليس نتيجة لهذا الذي نشرحه من كلام ابن عطاء الله‏،‏ ولا لكلام علماء التوحيد في هذا الصدد‏.‏‏.‏ لقد قال الله تعالى‏:‏ {ورحمتي وسعت كل شيء‏.‏‏.‏} أفقال بعد ذلك‏:‏ سأكتبها للناس جميعاً‏،‏ أم قال‏:‏ {فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون} [الأعراف‏:‏ 7‏/‏156] ‏؟‏‏.‏‏.‏

    هما أمران لا ينفك واقع عبودية الإنسان لله عنهما‏:‏ أحدهما أن عليه أن يسلك مسالك الهدى والالتزام بأوامر الله والابتعاد عن نواهيه‏،‏ ثانيهما أن يعلم أنه برحمة الله وعفوه‏،‏ لا بجهوده وأعماله ينال المثوبة والأجر‏.‏

    وهذا هو المعنى الجامع الذي يتضمنه قول الله تعالى‏:‏ {وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طه‏:‏ 20‏/‏82] أي الإيمان والعمل الصالح واجبان‏،‏ والمثوبة تأتي عن طريق المغفرة والصفح لا عن طريق الأجر والاستحقاق‏.‏

    إنني بحكم عبوديتي لله أنفذ أوامره‏،‏ تلك ضريبة العبودية لله في عنقي‏.‏ ثم أبسط كفّيَ إلى السماء قائلاً‏:‏ يا رب‏،‏ أنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك‏،‏ ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك رحمتك‏،‏ لا تعاملني بما أنا له أهل‏،‏ بل عاملني بما أنت له أهل‏،‏ إنك أنت القائل‏:‏ {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شاكِلَتِهِ} [الإسراء‏:‏ 17‏/‏84] وشاكلتك الرحمة فارحمني‏،‏ شاكلتك المغفرة فاغفر لي‏.‏

    أقول مثل هذا الكلام دون أن أطالبه بأجر على عمل أرى أني قد بذلته‏.‏ بل أسترحمه بمقتضى ضعفي وشدة احتياجي‏،‏ وأستجديه العطاء كما يفعل الشحاذ إذ يستجدي احتياجاته من مال أو طعام ممن يأمل منهم الجود والإحسان‏.‏ هكذا تكون العبودية لله سبحانه وتعالى‏.‏

    لعلك تقول‏:‏ ولكن الله يحذر العاصين والمذنبين من مقته وعقابه‏،‏ فكيف لا ينقص رجائي بعفوه وإحسانه إن أنا ارتكبت موجبات هذا النقصان‏؟‏‏.‏‏.‏ كيف وقد شرط الله لنيل رحمته الإيمان والتقوى‏،‏ عندما قال‏:‏ {‏.‏ ‏.‏ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون}‏؟‏ [الأعراف‏:‏ 7‏/‏156]‏.‏

    والجواب أن العاصي الذي يُطْلَبُ منه أن يظل راجياً كرم الله وصفحه‏،‏ لا يمكن أن يُقبل على الله بالرجاء إلا إن دخل رحابه من باب التوبة‏.‏

    أرأيت إلى العاصي الذي جاء يطرق باب الله متأملاً صفحه ومغفرته‏،‏ أيعقل أن يفعل ذلك وهو مصرّ على معصيته مستريح إلى شروده وآثامه‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ لا‏.‏‏.‏ من الواضح في مقاييس الأخلاق والمشاعر الإنسانية‏،‏ فضلاً عن مشاعر العبودية لله‏،‏ أن هذا العاصي بمقدار ما يزدهر في نفسه الأمل بصفح الله ومغفرته‏،‏ تزداد لديه حوافز التوبة ومشاعر الندم وعزيمة الإقلاع عما كان عاكفاً عليه‏.‏‏.‏ فإذا تاب هذه التوبة الصادقة‏،‏ فلا بدّ أن يتنامى الرجاء لديه بصفح الله ولا ينقص‏.‏ إذ المفروض أنه يقرأ كتاب الله تعالى ويقف فيه على مثل قوله‏:‏ {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة‏:‏ 9‏/‏104] ‏.‏

    والمفروض أنه وقف على مثل هذا الحديث القدسي المتفق عليه‏،‏ والذي يرويه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ عن ربه‏:‏ «أذنب عبد ذنباً فقال‏:‏ اللهم اغفر لي ذنبي‏،‏ فقال الله تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب‏،‏ ثم عاد فأذنب‏،‏ فقال‏:‏ أي رب اغفر لي ذنبي‏،‏ فقال تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنباً فعلم أنه له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب‏.‏ ثم عاد فأذنب‏،‏ فقال‏:‏ أي رب اغفر لي ذنبي‏،‏ فقال تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب‏،‏ قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء»‏.‏

    إذن فالتوبة لا بدّ منها‏،‏ وهي السبيل إلى بقاء الرجاء مزدهراً في نفس العاصي‏.‏ أما المستمر في عكوفه على الآثام والذي لا تخطر منه التوبة على بال‏،‏ فالرجاء بصفح الله أيضاً لا يمكن أن يخطر منه على بال‏.‏

    ثم إنه يتبيّن لك مما ذكرته وأوضحته أن التلبس بعكس ما ذكره ابن عطاء الله‏،‏ هو الآخر دليل على الاعتماد على العمل‏.‏ أي فمن ازداد رجاؤه بفضل الله ومثوبته كلما ازداد إقبالاً على الله بالعمل الصالح‏،‏ فذلك دليل منه على أنه إنما يعتمد على أعماله الصالحة‏،‏ لا على صفح الله ومغفرته‏.‏

    وتتجلى خطورة هذا الربط بين تنامي الرجاء‏،‏ وتنامي العمل الصالح‏،‏ إذا تصورنا إنساناً يزداد عمله مع الزمن صلاحاً وتزداد طاعاته كثرة‏،‏ وكلما ازداد ذلك منه ازداد ثقة بمثوبة الله ووعده‏،‏ ذلك لأن النتيجة التي سينتهي إليها هذا الإنسان‏،‏ بموجب هذا الربط‏،‏ أنه في مرحلة معينة سيجزم بأنه قد أصبح من أهل الجنة ومن المكرمين بالنعيم الذي وعد الله به‏.‏ إذ هو بمقتضى ذلك الربط بين العمل والأجر‏،‏ لا بدّ أن يعتقد ‏-‏ إذا بلغ تلك المرحلة في أعماله الصالحة ‏-‏ أن عمله كله مبرور وأن حياته مليئة بالطاعات‏،‏ إذن فهو من أهل الجنة قطعاً‏!‏‏.‏ وهذا هو التألي على الله‏،‏ وكم وكم حذر منه رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ‏.‏

    وإنما سبيل الابتعاد عن هذا المنزلق‏،‏ العلم بأن حقوق الله على العباد لا تؤدَّى بطاعاته مهما كثرت وعظمت‏،‏ بل إن هذه الحقوق ستظل باقية‏.‏ ولو أديت حقوقه عز وجل بالطاعات‏،‏ لكان أولى الناس بذلك الرسل والأنبياء‏،‏ ومع ذلك فما وجدنا واحداً منهم عقد رجاءه بمثوبة الله بطاعاته وقرباته‏،‏ بل كانوا جميعاً يتطلعون إلى مغفرة الله وصفحه‏.‏

    كان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ‏-‏ وهو خليل الرحمن ‏-‏ يرى أنه أقل من أن يكون في مستوى الصالحين من عباد الله‏،‏ فكان يسأل الله أن يلحقه بهم قائلاً‏:‏ {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ} [الشعراء‏:‏ 26‏/‏83] وكان يتطلع إلى مغفرة الله وصفحه قائلاً‏:‏ {رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ} [إبراهيم‏:‏ 14‏/‏41] ‏.‏

    وكان يوسف عليه الصلاة والسلام يرى هو الآخر أنه أقل من أن يرقى إلى درجة الصالحين‏،‏ فكان يسأل الله أن يلحقه بهم وإن لم يكن منهم‏،‏ أليس هو القائل فيما أخبر الله عز وجل عنه‏:‏ {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ} [يوسف‏:‏ 12‏/‏101] ‏.‏

    أما سيد الرسل والأنبياء فهو الذي يقول كما قد علمت‏:‏ «لن يُدخِلَ أحَدَكم الجنة عمله» قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «ولا أنا‏،‏ إلا أن يتغمدني الله برحمته»‏.‏

    * * *

    إذن‏،‏ فالإنسان‏،‏ أياً كان‏،‏ عندما يوفق للعمل الصالح‏،‏ إنما يؤدي بذلك جزءاً يسيراً جداً من ضريبة عبوديته لله عز وجل ومن حقوق النعم التي أغدقها الله عليه في الدنيا‏،‏ وهي نِعم كثيرة ومتنوعة لا تحصى‏.‏

    فإذا كان هذا الإنسان على الرغم من طاعاته التي وفق لها‏،‏ لا يزال مثقلاً تحت حقوق الربوبية لله عليه‏،‏ ومثقلاً تحت حقوق النعم التي امتنّ الله بها عليه‏،‏ فأنى له وبأي حجّة يطالب الله أن يكرمه مقابل ذلك بجنان خلده‏،‏ وبأن يضيف إلى نعمه الدنيوية التي لم يؤد بعد حقوقها النعم الأخروية التي وصفها وتحدث عنها في محكم كتابه‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏

    * * *

    وصفوة القول أن الإنسان ‏-‏ بعد أن عرف الله وأدرك أنه عبد مملوك له ‏-‏ يجب عليه أن يعبد الله لأنه عبده ولأن الله ربه‏،‏ أي سواء أثابه الله على عبادته أم لم يثبه‏.‏ ثم إن عليه أن يسأله جنته تفضلاً منه وإحساناً‏،‏ وأن يستعيذ به من ناره وعذابه‏،‏ تلطفاً واسترحاماً‏.‏ وتلك هي سيرة رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ في دعائه‏.‏

    فلو أن أحدنا قرر في نفسه أنه إنما يعبد الله طمعاً بجنته بحيث لو علم أنه لن ينال على عبادته له هذا الأجر‏،‏ فسيقلع عن العبادة ولن يبالي بشرعته وأحكامه‏،‏ فهو غير مسلم ولا مؤمن في ميزان الله وحكمه‏.‏ إذ إنه يعلن بذلك أنه ليس عبداً لله وإنما هو عبد للجنة التي يبحث عن سبيل ما إليها‏.‏

    وهنا ندرك سموّ مشاعر التوحيد في مناجاة رابعة العدوية لربها إذ كانت تقول له‏:‏ «اللهم إني ما عبدتك حين عبدتك طمعاً في جنتك ولا خوفاً من نارك‏،‏ ولكني علمت أنك ربٌّ تستحق العبادة فعبدتك»‏.‏

    بعض السطحيين ظنّ أن رابعة كانت تعبر بهذا عن استغنائها عن الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين‏،‏ ومن ثم أطالوا العتب والتشنيع عليها‏.‏ وهذا تسرع في الفهم وظلم في الحكم‏!‏‏.‏‏.‏ فرابعة كانت تسأل الله الجنة وتستعيذ به من النار‏،‏ وكم كانت في الكثير من مناجاتها تتخوف من عقابه الذي ترى نفسها معرّضة له‏،‏ وكم كانت تتشوق إلى إكرامه وجنة قربه‏،‏ ولكنها لم تكن تطلب ذلك أجراً على عبادتها‏،‏ وقيمة لصلاتها ونسكها‏.‏ وإنما كانت تسأله ذلك لأنه الغني الكريم ولأنها الفقيرة الراغبة بجوده‏.‏

    أما طاعاتها وعباداتها‏،‏ فقد كانت تتقرب بها إلى الله لأنه ربها ولأنها أمته‏.‏ إنها مدينة بحق العبودية له‏،‏ ومن ثم فإن عبوديتها تلح عليها أن تعبده وأن تخضع لسلطان ربوبيته‏،‏ لا لشيء إلاّ لأنها أمته ولأنه ربها‏.‏ وسواء أأكرمها بنعيم جنانه أو زجها في أليم عذابه‏،‏ فلن تنقض معه ميثاق هذا الالتزام‏.‏ وكيف تنقضه وهي في كل الأحوال صنع يده وملك ذاته‏؟‏‏.‏‏.‏

    هذا هو موقف رابعة رضي الله عنها‏.‏‏.‏ فهل في المسلمين من يقول‏:‏ إنه موقف غير سديد‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ إذن فالموقف السديد نقيضه‏،‏ وهو أن نقول‏:‏ اللهم إني لم أعبدك لأنك رب تستحق العبادة‏،‏ ولكن لأني طامع في جنتك‏!‏‏.‏‏.‏ فهل في الناس المؤمنين بالله‏،‏ حتى ولو كانوا فسقة‏،‏ من يخاطب الله بهذه المحاكمة الوقحة‏؟‏

    إننا على الرغم من تقصيرنا وبُعد ما بيننا وبين رتبة أمثال رابعة العدوية‏،‏ لا يسعنا إلا أن نخاطب إلهنا وخالقنا بالمنطق ذاته الذي كانت تخاطب به ربها‏،‏ إننا نقول‏:‏

    اللهم أنت ربنا ونحن عبادك‏،‏ نعبدك وننقاد لأوامرك جهد استطاعتنا لا لشيء إلاّ لأنك ربنا ونحن عبيدك‏.‏‏.‏ ونحن نعلم أننا مهما استقمنا على صراطك فلسوف يظل التقصير شأننا الملازم لنا‏،‏ لا بسبب استكبار على أمرك ولكن لأنك قضيت علينا بالضعف‏.‏

    لسوف نرحل إليك من دنيانا هذه بخروق كثيرة من الزلل والإساءة والانحراف‏،‏ آملين أن نوفق لترقيعها بالتوبة الصادقة النصوح‏.‏‏.‏ سنرحل إليك فقراء عرايا إلا من ذل عبوديتنا لك وافتقارنا إليك‏.‏

    ولسوف يكون جواب كل منا إن سألت‏،‏ بِمَ جئتني من دنياك التي أقمتك فيها‏؟‏‏:‏ جئتك بالأمل في رحمتك‏.‏‏.‏ بالأمل في كرمك‏،‏ جئتك فقيراً إلا من عبوديتي لك‏،‏ ذلك هو رأس مالي الذي أقف به بين يديك ولن يجرِّئني عندئذ على استجداء جنتك وكريم عطائك إلا ما أعلمه من تفضلك وكرمك وما أعتزّ به من انتسابي بذل العبودية إليك‏.‏

    وبعد فهذا هو لُبَابُ التوحيد الذي يجب أن يهيمن على مشاعر كل مسلم بعد أن يستقر يقيناً في عقله‏.‏ وتلك هي الحقيقة التي عناها ابن عطاء الله بقوله‏:‏ «من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل»‏.‏

    * * *

    ولنا لقاء بإذن الله
    أختكم
    بنت البحر

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. د. بطرس دلة - ديوان العشق والادراك لشاعر الكرمل الأستاذ معين حاطوم ( لقسم الاول)
    بواسطة معين حاطوم في المنتدى النَّقْدُ الأَدَبِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08-12-2009, 02:11 AM
  2. ها التاريخ جواد وها غدنا الصهيل - شعر معين حاطوم - دالية الكرمل - حيفا
    بواسطة معين حاطوم في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 10-06-2008, 04:04 PM
  3. معين الطلاب في قواعد النحو والإعراب
    بواسطة بابيه أمال في المنتدى المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 20-12-2007, 10:39 PM
  4. حوار مع الأستاذ معين حاطوم
    بواسطة خشان محمد خشان في المنتدى مَدْرَسَةُ الوَاحَةِ الأَدَبِيَّةِ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 08-12-2007, 12:39 PM
  5. برنامج صغير : معين الطلاب في قواعد النحو والإعراب (القواعد الإملائية)
    بواسطة حسنية تدركيت في المنتدى أَدَبُ الطِّفْلِ (لأطفالنا نحكي)
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 10-10-2007, 05:16 PM