أحدث المشاركات
صفحة 1 من 6 123456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 56

الموضوع: صلاة في محراب عتيق

  1. #1
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي صلاة في محراب عتيق

    صلاة في محراب عتيق
    محراب صغير مبني بطريقة بدائية من القصب .. من يراه يجده بأغصانه المصفوفة المتراصة وكأنه يعود بجذوره إلى الوراء البعيد ..حيث الرمال و الصحراء ..وهو ببعده عن المنزل الذى تسكن فاطمة فيه يبرهن على هذه النظرية ..بنى المحراب والدها في أقصى المزرعة التى هى كل ما يملكه ..وهى تحوى على عدد لابأس به من أشجار ..النخيل ..أغلبها تكاد تعانق السماء بعلوها ورشاقة طولها ..وفي المساء ..عندما تحاول الشمس الحارقة الاستراحة.. تبدو وكأنها كتل حمراء حيث ترتعش سعفاتها بصورة توحى للنفس بالتعب والألم الذى تعانيها ..ومع النخيل هناك العديد من أشجارالبرتقال حيث يفوح منها رائحة تمتزج برائحة العرق التى تنتشر كلما مر بينها العاملون في المزرعة فتخلق رائحة أشبه ماتكون برائحة السكينة ..تلك التى يجدها الطفل بحضن أمه عندما تعود الأخيرة من المزرعة وهى تحمل في يديها سلة فواكه..وفي المزرعة هذه أشجار أخرى من الخوخ وبعض الخضار لكنها قياسا بالنخيل والبرتقال تصبح لاشيء .. يشق المزرعة من الوسط جدول مائى صغير تمتزج مياهه دائما بالتراب فتبدو وكأنها طين جارفة ..لكنه فى المساء عندما يهدأ كل شيء ..يظهر بصورة أفضل حيث يقل العمل عليه فيصفو قليلأ ..وهناك فى أقصى جنوب المزرعة المحراب الذى بنيّ من القصب للصلاة والراحة والتأمل..وهو كسعفات النخيل فى المساء يبدو وكأنه كتلة حمراء ..حيث الشمس الهاربة ترسل أشعتها الحارقة ا لحمراء لتخرق الثغرات التى تركتها لوحات القصب فيما بينها لأسباب مجهولة ..!
    فى الساعات التى تسبق الغروب كساعاتها تلك تهرع فاطمة دائما إلى المحراب لتقدم هناك صلاتها الشخصية وهى صلاة أقرب ماتكون باليوجا تلك الصلاة العقلية .. حيث تترك أهوال الحياة ورائها وتعيش فى حالة من اللاشعور التام..وتستمر أحيانا صلاتها هذه أكثر من ساعة .. ولا شيء يمكنه أن يقاطع صلاتها .. تأملها .. السكينة التي تعيشها .. سوى صوت والدها .. عندما يأتي في كل مساء ليأخذها معه إلى البيت .. فأصوات العاملين في المزرعة .. وحتى أصوات السيارات وفي أحيان كثيرة قهقهة الناس المارين أمام المزرعة .. وهمسات البعض داخلها .. لا تعدو حينها .. سوى أشباح لا تقدم ولا تؤخر..حان وقت صوت أبيها .. إنها في ذاتها اللاواعية تعي ذلك .. لكنها تستبق الزمن لعلها تسلب منه لحظات أخرى فتبقى غارقة في صلاتها تلك .. هي لم تزل ترى فيما عدا صوت أبيها .. كل شيء متشابها فالاشجار كلها متشابهة .. العتمات التي يخلفها الغروب بين الأشجار كلها متشابهة .. حتى زفرات العمال والناس والمارين أصوات السيارات كلها متشابهة .. فقط صوت أبيها .. لا يشبهه شيء سوى صلاتها . فاطمة هذه فتاة في مقتبل العمر .. طويلة تخفي وراء طولها هذا جمالا لا بأس به .. بشرتها تميل إلى السمرة .. عيناها واسعتان .. فيهما بريق سماوي عجيب .. صوتها ناعم .. كنعومة وجهها الذي لم تستطع الشمس الحارقة أن تغييره .. وهو الآخر يشع بريقا ووسامة .. لها في صوتها هدوء يخالطه لكنة رقيقة عندما تلفظ اسم الحسين وكأنها مع اسمه اعتنقت الألم .. تحب ساعات الغروب .. والليل .. ترى الوجود حلقة روحية تترابط سلاسلها دون انقطاع .. الحياة عندها تعني العطاء .. والعطاء عندها .. يعني نكران الذات .. ونكران الذات جعلها تعيش في دوامة لا نهايه لبدايتها .. لديها في السواد الذي يلازمها مواساة عجيبة .. فهي دائما تردد مع نفسها المهم أن أسعد غيري .. ويكفيني سوادي هذا .. أعيش به .. وله ..!
    فاطمة .. أديبة .. لها مع الكلمات صولات وجولات .. تؤمن بالنزف على الأسطر .. وتجد في الكلمة قدسية غريبة ... تطالع باستمرار .. ويعجبها عندما يزورها نوبات الحزن .. وعندما تعود من محرابها .. إن تطالع في كتابات (... ) حيث إنها تعتقد بأن أسفاره .. رحلاته .. أحزانه .. تقلل من وطأة حزنها وآلامها ..! في لاوعيها تتردد أحيانا وهي تقدم صلاتها..كلمات سمعتها من (...) كلمات ظلت لسنوات طويلة معها.. كلمات آخر ما سمعته منه في آخر لقاء بينهما .. (( تعبت فاطمة من ترحالي بين الليل والانتظار .. بين الليل والغربة .. بين الليل والسفروالحقيبة.. تعبت .. نعم .. تعبت بين السكينة التي لا تأتي .. والدهشة من أنها لا تأتي .. والخيبة لأنها تصر على أن لا تأتي .. نعم فاطمة.. تعبت .. وأنا هنا في رحلتي هذه .. لا أجد سوى صمتك الرهيب .. يضيف لي جديدا ويشعرني بالراحة لأني أعلم ما به من صمت على الألم من أجل أن لا تؤلميني )) .
    بينما هي تحاور ذاتها مع كلماته هذه جاءها صوت والدها .. فارتعشت .. وشعرت ببروده تغطي جسدها وتتسرب لأعماقها .. لعلها أول مرة تشعر بهذه الرعشة هنا في محرابها هذا .. وعندما تحدثت ذات يوم ل(...) قالت عن الرعشة تلك بأنها كانت لأنها لم تسمع يوماً صوت أبيها يداهم صلاتها وهي تردد كلماته ..!
    ابتسمت لأبيها ومضت إليه لتقبل يديه وأمسك الوالد بيدها وسارا معا إلى المنزل القريب البعيد .. وحتى لا أنسى وصف المنزل فإنه من المنازل البسيطة الذي يغلب عليه الطابع القديم بالأخص الباب الخشبي الذي يعد المدخل إليه وفيه ثلاث غرف يتقاسمه أب مع زوجته و بنتان وابن متزوج .. وهذا الأخير قد رزق بطفل صغير لم يبلغ بعد عامه الثاني .. وهو أسمر بل شديد السمرة.. اسمه وسام .. وعمته فاطمة هي من سمته ..!
    دخلت فاطمة غرفتها فوجدت وسام تلعب مع أختها ليلى التي تصغرها سنا وهي الاخرى تملك بشرة سمراء تلبس نظاره طبية لتخفي بها عينيها العسليتين.. يدرك المرء من هيأتها بأنها إنسانه واقعية و تملك ذكاءً حاداً.. مضت فاطمة
    إلى وسام وأخذته لحضنها .. وقبلته .. وهي تقول يا غالي .. يا ابن الغالي .. يا من تحمل اسم الغائب الغالي .. كيف حالك .. ومعها تمطر شفيته بقبلاتها ثم التفت إلى ليلى وسلمت عليها وقالت لها هل من شيء يى يذكر وكأن السؤال جزء من صلاتها اليومية ..ابتسمت الأخت ..وقالت لها..لاجديد ..وظلت مبتسمة .. شعرت فاطمة بخبث ابتسامتها .. فسألتها ثانية ..وقالت أتسخرين من ألم أختك ..؟ قالت..لا..لا...لاتحزنى ..أظن أن مهندا قد وصل وقد اتصلت وسن وقالت إنه قد يزورنا ليلاً..قالت فاطمة هل حيدر ورضا معهما ..قالت نعم .. ولكن لا أعلم إن كان معهما ضيفهما أم لا ..احمر وجه فاطمة وسطع بريق عينيها ليمتزج مع بريق وجهها ..وقالت عساه معهم ..عساه..معهم..فأنا مشتاقة إليه .. مشتاقة.. أليس كذلك ياوسام وهى تحضنه و لم تشعربه منذ آخر زيارة ل(......).. الليل الذى بدى صامتا ..أصبح الآن يداهمه صوت ريح تعوى ..كأنها الطبيعة تعاني مخاضا مؤلما ..أرادت أن تعود بذاكرتها إلى اللحظات التى التقته أول مرة ..ومضت تحاول ذلك وكأنها كاهن قرر أن يكشف الستار عن آلهته ليتحقق منها.. تشده لصدرها . كانت الساعة قد اقتربت من التاسعة والربع ..وكان الظلام قد بدأ ينشر بعض همسات هدوئه على المدينة ..حيث تستريح لبعض الوقت لتعود بعدها للحياة .. و للعمل . إحساس غريب يزرعه الليل هذا فى أعماق فاطمة ..إحساس مكثف لم تعرفه من قبل ..بل من حقيقتها .. غمرتها حيرة ممزقة ..أحست بأنها بدأت تضيع ..وأن آلهتها هى الأخرى ضاعت .. قاطع حيرتها هذه صوت الباب وهو يطرق ..ارتعشت مرة أخرى ..هاجت أعماقها سمعت أصوات ضحك وترحيب ..ضمت وسام لصدرها بلهفة صادقة .. التفتت لم تجد أختها ..أرادت أن تخرج..هواجس غريبة داهمت ذاتها ..خافت.. زادخوفها ..رخت يديها..حاولت أن تنزل وسام ..لكنها مالبثت أن هاجت فى داخلها وأعادته لصدرها ..دخلت عليها أختها وحزن طفولي يغطي وجهها ..قالت فاطمة..إذا لم يأت دمعت عينا ليلى ..وهمست..نعم ..ليس معهم ..عادت فاطمة تضم وسام لصدرها ..وهي تقول ياغالي ..الغالي سيقتلني ببعده..تحملت ألمها .. خرجت تستقبل أختها وزوجها وابنيهما ..كانت تنظر إلى أختها بشغف ورغبة عجيبة ..كانت تعلم ..مجرد إحساس في ذاتها..في عقلها ..في قلبها ..بأن الأخت تحمل شيئا من عبق الغائب ..ظلت تنتظر ..لعلها تتكلم ..تهمس..أوحتى والدها.. لعله يسأل مهندا عن صديقه الذي كان يزورنا معه ....انشغل الجميع برغباتهم وأشواقهم ..ولم يبال أحد..بشوقها ورغبتها.. وداهمهم الوقت ..فااستغلت فرصة وهربت من الجلسة المملة هذه .. وأخذت رضا معها ..رضا هذا يبلغ من العمر أربعة عشر عاما ..وسيم يملك حزنا غريبا في صوته ..أخذته لغرفتها ..ولم تتمهل..سألته هل أتيتم لوحدكم .. قال رضا .. نعم ..صدمتها ..جوابه هذا فأعادت سؤالها بصورة أكثر وضوحا ومباشرة ..ألم يأت (....) معكم..ابتسم رضا وكأنه أدرك مغزى سؤالها .. قال .. تقصدين (العم....)..قالت نعم ..نعم .. قال رضا سيأتي غدا وراء نا .. أعاد الغد الروح لها .. قالت لماذا لم يأت معكم ..رد رضا كان منهكا في زيارته هذه..وطلب (بابا) منه أن يرتاح لأنه كان قد وصل لتوه ..فاستجاب لطلبه وقال سألحق بكم غدا .. وبينما كان يتحدث رضا ..طرقت باب غرفتها أختها وسن ..وقبل أن تتكلم فاطمة قالت وسن سيأتي غدا ..لاتفزعي هكذا..أعلم بأنك تستجوبين رضا ..عنه ..ابتسمت فاطمة ..وقالت كيف كان ..قالت وسن ..مرهقا ..حزينا.. مشتاقا .. كعادته ..قال رضا لم يبق لي مكان ..فالحديث صار نسائيا .. ويكتنفه الغموض ..وأنا ليس لي في الأحاديث النسائية ..أراد أن يخرج من الغرفة ..أوقفته فاطمة وقبلته ..ابتسم رضا وخرج ..جلست وسن وأجلست فاطمة بقربها ..وبدأت فاطمة تسألها بشغف .. انتصف الليل ..ومهند بطباعه ..لايحب أن يشعر الآخرون بأنه أصبح يثقل عليهم ..فهو حساس جدا ..وحتى لاأنسىأن أوضح لكم بعض صفاته ..فإنه شاب وسيم ..يملك نبلا يحسد عليه ..هادئ ..في صوته جاذبية غريبة ..ثقافته لابأس بها ..له إلمامات أدبية ..يكتب أحيانا ..يملك مكتبة جيدة ..لذا فهو كما قالت وسن يطالع يوميا لأكثر من ساعة ...ووسن هذه .. الأخت الأكبر لفاطمة ..هي الأخرى تملك حسا أدبيا جيدا..جميلة..رقيقة .. شفافة ..تملك نظرات خارقة ..أحيانا يشعر المقابل أنها تقرأ أعماقه ..أما حيدر.. فهو في التاسعة من عمره .. له عينان جذابتان..وهو..عنيد .. ولا يتهاون فيما يريد ..!
    أحس مهند بأن الوقت قد آن للعودة إلى شقة أجروها وسط المدينة..فطلب من حيدر بأن يبلغ أمه لتستعد .. لكن حيدرا كان منشغلآ بنفسه وجدته فلم يبال بكلام أبيه ..أدرك مهند بأنه من العبث أن يكرر طلبه ..فوجه كلامه هذه المرة ل رضا فذهب إلى غرفة فاطمة .. ولحظات حتى كانت وسن ورضا وفاطمة حاضرين أمامهم ..بدأت مراسيم الوداع ..عاد مهند وعائلته إلى الشقة..ومن شدة التعب ..غرق الجميع بعد لحظات في نوم عميق ..أما أصحاب الدار دخل كل واحد منهم في غرفته.. وبدأ يستعد للنوم ..إلا فاطمة ..التي رأت في السهر خير مايمكن أن تفعله لتستقبل به غدها .
    كان هو (....) صاحب الوجه الحزين ..والعينين اللتين تخفيان أبدا في داخلهما حزنا غير مفهوم ..غارقا في نوبة ألم غريبة ..فالصداع الذي يلازمه منذ سنوات داهم قلاع رأسه ..وسأدعكم تستمعون كيف وصف هو لي ليلته تلك ..((كنت أشعر بتعب يمزق حتى عظامي ..فارتميت أول ما وصلت لغرفتي في الفندق على الفراش ..حتى غرقت في نوم عميق ..لكن بعد ساعتين على أقل تقدير وجدت نفسي ترتعش ..وشعرت بالعرق ينصب من جسدي حتى تبلل فراشي .. استيقظت ..ولكن الصداع قد داهم رأسي..تحركت أعماقي أولا ..لأن الألم عندما يزورني يلامسها قبل كل شيء ..ثم مايلبث أن يظهر على شكل خطوط متلاطمة على جبيني..ويلازمه شحوب وجهي ..حاولت أن أقاومه ..لكنه كان أعند مني فرضخت لنداء الألم ..وكنت أردد مع ذاتي ما أعنف ذلك الألم الذي لايبالي بالجسد وحده إنما يتعداه ليشفي غليله..بالعقل ..حاولت جهدي أن أهرب منه .. لجأت إلى المسكنات ..إلى الخروج من الغرفة ..لكن دون جدوى..فعدت ثانية إلى فراشي أرتمي عليه ..حاولت أن أنام لكن هواجس غريبة هاجمتني لتزيد من ألمي ..توقفت بالرغم من الألم عند هذه الهواجس وجدتها تحمل صورا من الماضي السحيق ..رماد كف على الحائط يحمل أنامل صغيرة ..لوحة رسمتها الآلهة على جدران محترقة ..سوداء ..جمجمة إنسان احترق ..لم تشأ الآلهة طمسها ..فتركت جمجمته مطبوعة على الحائط بطريقة بدائية ..دموع أم فقدت .. حزن أب عاجز ..آهات إنسانية مكبلة بأقدار لاتنفك قيودها ..حاولت أن أتخلص من هواجسي هذه ..أشعلت المصباح ..سحبت كتابا من حقيبتي ..فتحته .. تصفحت بعض أسطره..لكن سيل الهواجس ..والألم الآتي جراء الصداع العنيف.. أوقفاني..عدت للمسكنات ..بلعت قرصا ..فاتبعته آخر ..ثم أخر .. مضت لحظات ..هدأت ثورة الصداع قليلا ..لكن الهواجس ظلت تتقاذف في ذهني..حاولت أن أغفو ..قاومتني الهواجس ..عاندتها ..وفي نهاية المطاف انتصرت عليها ..غفوت ..ارتاحت الهواجس ..ودخلت هي الأخرى في سبات قصير ..متأملة في انتهاء حالة اللاشعور التي دخلتها لتوي ..))
    وفي الواحدة وخمس وعشرين دقيقة بالضبط بعد منتصف النهار استيقظ على صوت الهاتف وهو يرن حمل الهاتف وبصوت مفعم بالموت رد على المتصل .. سأغادر الآن ..وضع الهاتف في مكانه.. بدا عليه أنه لايستطيع الحراك ..لكنه عاند رغبته بالعودة إلى النوم ثانية ..خرج من فراشه.. وبدأ يستعد لمغادرة الفندق.. وبعد أقل من نصف ساعة كان قد غادره متوجها إلى مقهى قديمة على شارع يتوسط ساحة كبيرة في وسط المدينة.. والمقهى هذا كغيره من المقاهي القديمة يجتمع فيه كل أصناف البشر.. شباب وشيوخ.. حتى الأطفال أحيانا يلجأون إليه .. وهي في مثل هذا الوقت تعيش ازدحاما عجيبا.. مع أن الحر يبلغ درجة لايصمد أمامه إلا القليل..لكن لقربه من مطعم شعبي فهو يعيش ..في حالة لاهدوء تام.. دخل المقهى.. وجده مكتظا بالناس ..بحث عن كرسي يجلس عليه .. فوجد في الزاوية البعيدة المطلة على الشارع العام كرسيا فارغا ..أسرع إليه .. وضع حقيبته أمامه وجلس على كرسي مصنوع من الحديد والكراسي هذه لها هيأت غريبه فهي قبل كل شيء محمولة على ثلاثة أرجل وشكلها دائري خاصة المكان الذي يجلس عليه .. وهي أغلبها قد غطاها الصدأ من أرجلها.. طلب فنجاناً من القهوة التي يشتهر بها المقهى ..وضعه على طاولة صغيرة هي الأخرى مصنوعة من الحديد وقد داهمها الصدأ في أكثر من موضع ..وبدأ يتأمل مع فنجانه الشارع ووجوه الناس ..وفي لاشعوره .. وجد بأن صوتا يلامس أعماقه يخرج من مكان ما ..فحاول أن يستعيد قواه الخفية ..وبدأ يركز سمعه على ذلك الصوت ..التفت حوله .. وجد بأن مصدر الصوت هو جهاز راديو من الطراز القديم وضع على رف في الجانب الآخر من المقهى ..أراد أن يخرج من دائرة الصوت هذا ..لكن نغمات موسيقاه ونبرات صوته كانت أقوى ..فاستسلم لها ..وبعد لحظات وجد صدره قد انشرح لها لكن ظل يخشى أن تهاجمه الهواجس ..والصداع معا .. فحاول جهده أن يخرج من تلك الدوامة ..وكان له ما أراد ..بعدها بدأ يتأمل وجوه الناس داخل المقهى ..كان بجانبه رجلان وصلا بعمرهها إلى أطراف الستين ..أحدهما تجاعيد وجهه وخطوطها تعبر بوضوح عن يومياته.. وحياته التي انقضت .. حيث إنها لم تنس مكانا في وجهه إلا وقد تركت فيه أثرا لألم ظاهر وآخر مدفون في أعماقه ..والآخر كان وجهه أكثر تفاؤلا.. حيث استبدلت الأقدار التجاعيد والخطوط واستعاضت بها بقتل آخر شعرة سوداء في رأسه.. لكنه كان منتشيا بالدخان الذي يستنشقه من نركيلة تكاد لاتفارق شفتيه .. كانا يلعبان بالطاولة وكأن الدنيا معهما قد انحصرت بين الأحجار التي يرمونها داخل الطاولة ..ظل عاكفا على وجههما لمدة طويلة .. حتى أفاقه صوت شاب جلب كرسيا وجلس بقربه .. نظر إليه مبتسما وفي أعماقه متسائلا من تكون ..؟ لكن تساؤله هذا لم يدم طويلا .. حيث عرف الشاب نفسه ..فعرفه الآخر بنفسه ..تبادلا لأكثر من نصف ساعة أحاديث متفرقه ..وعندما بلغت الساعة الثالثة ..كان عليه أن يتوجه إلى موقف للسيارات ليتجه صوب الجنوب ..بل أقصى الجنوب ..!
    في التاسعة وأربع وخمسين دقيقة كان أمام باب الشقة التي فرغ له فيها مهند غرفة نسيت أن أذكر لكم بأن الشقة هذه هي ضمن عمارة مكونة من خمسة طوابق وأمام بوابتها الرئيسية يقف رجل كبير السن يراقب ويحرس العمارة.. مع أن فيها بعد المدخل مباشرة غرفة أشبه بالاستقبال في الفنادق . دخل العمارة وسأل عن شقة محجوزة باسم مهند فدله أحدهم إليها.. توجه إليها مسرعا دون أن ينتظر من يحمل عنه حقيبته ..طرق باب الشقة .. جاء رضا وفتح له الباب .. قبله .. سلم على وسن وقبل حيدرا .. كان مهند حينها يأخذ حماماً ومن شدة التعب سأل عن غرفته فدله رضا إليها .. دخلها وارتمى على فراشه .. لكن.. مهندا أدرك بوصوله عندما خرج من الحمام .. فأرسل رضا إليه يقول لن أدعك تنام اخرج وانضم إلينا .. سنتاول العشاء معا .. حاول أن يبرر .. أن يتهرب من شدة التعب .. لكن مهندا جاء إليه بنفسه وقال .. حيدر ورضا يرغبان بانضمامك إلينا .. فأدرك حينها أنه لا مفر .. أخذ حماماً سريعاً .. نفض عن جسده التعب ..وراح يستعد للخروج .. لكن قبل أن يخرج داهم فكره سؤال غريب .. مفاده .. هل سألتقي فاطمة .. اليوم ..؟ حاول أن يقنع نفسه بعدم التسرع .. وعدم السؤال.. لكن السؤال كان يلح على ذهنه .. وفكره .. المهم خرج من غرفته إلى الصالة فوجد الجميع ينتظر .. دخلوا المطعم ..والسؤال قد وجد إجابته .. وكانت مخيبة لآماله .. وبعد عشاء وسهر عادوا إلى شقتهم ..!
    فاطمة على فراشها تطالع في كتاب .. تحت ضوء صغير .. همسات صدرها .. تنادي الصباح .. الشمس .. أعماقها .. تكاد تذبل لطول ليلها.. وكتابها الحزين يئن بين يديها .. تقع عيناها على كلمات كتبها هو على إحدى صفحات الكتاب ..شفتاك ظامئتان .. تتلهف للحظة لقاء .. لكن أتراك يا زهراء تدركين من أية هاوية أكون أنا .. أنا .. من قد أكون .. الجنون .. الغربة .. السفر .. أم .. وهم لا شيء .. تندمج فاطمة بروحها مع كلماته تلك .. وتهمس بصوت خفي .. لكي لا تزعج أختها النائمة بالقرب منها .. لا.. لا .. يا أيها التائه الأبدي .. لن أجيب .. لن أعود .. للألم .. فأنت ..اليوم لست ببعيد .. أمتار دقائق .. هي ماتبعدك عني .. نعم لن أجيب .. لن أعود .. لكن حقاً إني أسألك من تكون ..؟ فكأني أشعر بغيري في الدجون .. في الظلمات .. تهفو إليك .. أتسمع .. أتشعر ..! بنجواهم .. في الريح الحزين ..؟ إنهم مثلي احتضنوا الظلمة وغلبهم الأسى.. لا .. يا أيها المهاجر لن أجيب .. لن أعود .. لكني سألتك من تكون لأكون..؟!
    عادت فاطمة لكتابها وقلبت صفحاته .. كانت تهرب من كلماته .. تساؤلاته .. حتى وجدت سلواها في قصة .. بدأت تبحر بين أحرفها .. وصلت إلى سطر أدهشها .. بل أفزعها .. قالت كيف ..؟ لا .. عليه أن ينجلي .. فعيناي لن تشفى من دموعها إلا بعد أن ينجلي .. كان السطر .. يقول .. (( فليت هذا الليل لا ينجلي حتى نواري الثرى حبنا .. حيا.. وما أدهش هذا الهوى إن جهلت حسناؤه من أنا ..)) .
    انتفضت المسكينة في أعماقها .. وبدأت تردد مع نفسها أي حب .. وشوق هذا .. إنه عقيم إن لم يأت الصباح .. إن لم تشرق الشمس .. إن لم يأت .. إن لم أره.. كانت أعماقها تنزف بطريقة غريبة .. كانت تشعر بلهفة لا حدود لها لرؤيته .. كانت تتأمل ساعتها وكأنها تريد أن تفترس الوقت.. مرت لحظاتها أياما.. غلبها التعب .. والنعاس.. عاندت.. قاومت .. انتصرت .. شعرت بألم ما يدغدغ صدرها .. تحسسته .. بحثت عن معنى له.. زاد الألم .. أتت الحيرة .. أمسكت بصدرها .. أرادت أن توقظ أختها.. لكنها عادت .. تعاند .. تقاوم .. خرق لا شعورها سؤال غريب.. من تعاندين ومن تقاومين ..؟ ظل الألم .. فكرت في الصباح الذي لاحت تباشيره في الأفق القريب .. عيناه .. صوته الخفي.. همساته الحنونه .. حزنه.. كلها شدتها .. تاهت .. تاه معها الألم ..
    والحيرة .. أصوات العصافير .. ونسمات الصباح .. ومضات من الإشراقة الأولى .. كلها معا أعادتها للحياة .. وضعت كتابها تحت وسادتها .. خرجت من فراشها .. أيقظت ليلى معها .. خرجا معا للمزرعة .. فالمزارع هذه تحيا في ساعات مبكرة .. كان والدها يعمل بجانب المحراب .. عندما وصلتا هناك .. لمحهما .. قال .. لم أركما من قبل في مثل هذا الوقت هنا .. قالت ليلى ماذا أفعل في ابنتك المزعجة هذه .. وخزتها فاطمة .. فضحك الأب .. وابتسمت فاطمة .. دخلت محرابها .. رافقتها ليلى .. وبدءتا تقدمان صلاتهما .. عكفت الاثنتان في المحراب.. وفي الطرف الآخر من المدينة كان هو الآخر .. جالسا على كرسي في شرفة غرفته .. كان يتأمل الإشراقة الصباحية الأولى التي يحبها .. كان يقول لو تبقى الإشراقة وحدها .. لو تنسى الشمس للحظة حرقتها ..لو.. وبعد صمت .. يأتي مهند الآن فنخرج إليها .. ابتسم في أعماقه .. قال إنه إذا الشوق .. أنا أيضا أشتاق .. لم لا .. فهي تستحق شوقي .. مرت لحظاته بسرعة غريبة .. جاء رضا ليخرجه من خلوته تلك .. ونزل الجميع إلى مطعم قريب للإفطار ..اكتفى هو بكوب من الحليب البارد.. بعدها .. تداول الحاضرون مسأله مهمة لم تكن قبلها قد أثيرت .. حتى في أذهانهم ..ماذا عساهم يفعلون في يومهم الحارق هذا .. الشمس في تلك الأرجاء تصبح بعد ساعات الصباح الباكرة أشبه بمحرقة .. فهي تقذف بلهبها على شوارع تلك المدينة فتصبح أفرانا طويلة .. حتى وجوه الناس تصبح أفرانا متنقلة بادر مهند بكسر القيود المفروضة على الجلسة وقال أملك اقتراحا عساه يرضيكم.. هل نذهب إلى سوق المدينة الكبيرفنقضي يومنا هناك ..؟ صمت الجميع .. أدرك مهند أن اقتراحه لم يلق ترحيبا وقبولا من الآخرين ..!
    نظر الجميع إليه .. قال إنه مجرد اقتراح .. كان مهند يعلم ما يخالج صدر الجميع .. بل صدر (...) و وسن .. وحتى رضا .. لكنه موه في بداية الأمر باقتراحه هذا .. ليتسنى له بعدها أن يقترح ما سيوافق عليه الأغلبية .. قالت وسن السوق الكبير في هذا الحر .. قال مهند إذا ماذا تقترحين ..؟ قالت .. لا أعلم .. ثم وجهت هي سؤالها إلى (...) قالت ماذا تقول أنت .. رد عليها .. أنا مع رأي الأغلبية .. ولن أقترح .. قاطعهم حيدر .. سأذهب أنا إلى المزرعة عند جدي .. ابتسمت أعماق (...) وارتاح مهند لسماع صوت حيدر .. أما وسن فكانت مستغرية عندما ما رأت بريق عينيه بعد اقتراح حيدر ..وكأنها شعرت فيما بعد بأن الكل كان يريد ذلك.. قال رضا بعدها مباشرة سآتي معك .. وافق مهند على اقتراحهما.... قالت وسن إذا الأغلبية .. تهيأ الجميع وخرجوا إلى المزرعة .. لكن قبلها مروا بالمنزل حيث أراد هو أن يسلم على أم وسن تلك المرأة الحنونة التي لا يفارق السواد جسدها .. قبل رأسها .. سلم على زوجة أخيها .. ثم دخل يقبل وسام النائم في فراشه ثم خرج الجميع إلى المزرعة .. القريبة من المنزل .. وبعد تجوال التقوا بوالدها .. سلم عليه واحتضنه بلهفة أب فقد فأدرك معنى الألم .. واحتضن حيدر ورضا وقبلهما .. ثم ساروا جميعا نحو جنوب المزرعة ..نعم نحو القدر المتربص هناك به .. وبـ فاطمة.. وحتى ليلى .. وصلوا .. كانت فاطمة لم تزل تتأمل .. تقدم صلاتها ..أما ليلى .. فكانت جالسة تتأمل غرابة صلاة أختها .. حائرة..!
    لم تشعر فاطمة بهم .. لكنها أدركت بأن شيئا يضاهي صوت أبيها بدأ يقترب من محرابها .. أرادت أن تلتفت .. لكنها خشيت أن تصطدم بوجوه.. لاتجد مبتغاها بينها .. استمرت في تأملها.. هرعت ليلى إليهم.. وسلمت على الضيف وهي تبتسم .. تأمل (...) فاطمة في محرابها تذكر كلماتها عندما دعته أول مرة لزيارة محرابها .. ستتأملني ذات يوم في محرابي العتيق هذا أصلي من أجل عودة أخشى ويلاتها .. وأهوالها .. حزنت أعماقه.. تغيير وجهه حتى شعر مهند بذلك .. أمسك بيده .. همس في أذنه ما بك ..؟ لماذا تغيير وجهك هكذا ..؟ قال..خوف من مجهول آت .. مجهول لاح لي في كلمات سمعتها من فاطمة ذات يوم .. قال مهند .. استرخي .. ولا تدعها تشعر بقلقك وخوفك هذا ..لأنها تخشى عليك كثيرا .
    اقتربت وسن من فاطمة .. قالت لها ألن تسلمي على ضيفنا .. ارتعشت فاطمة رعشة الأمس .. ابتسمت في أعماقها .. داهم ابتسامتها خوف مجهول .. أرادت أن تلتفت .. وجدت نفسها تقاوم التفاتها .. عاندت .. هزمت .. بكت.. قالت وسن كفاك .. أبوك معهم .. مسحت دموعها .. وقفت على قدميها .. توجهت إليهم .. مدت يدها .. صافحته.. شعرت ببرودة غريبة في يديه .. زادت من هواجس الخوف والمجهول في أعماقها .. نظرت إلى عينيه .. شدتها إليهما كآبة حنون .. كان هو أشد روعا وخوفا منها .. مضت اللحظات مسرعة .. حان وقت العودة إلى المنزل والغداء.. عادوا .. وعلى الغداء .. تبادلوا الحديث .. والابتسامات .. وبعد جلسة شاي خلد الجميع إلى الراحة .. لكن فاطمة .. أرادت أن تراه .. أن تتكلم معه .. أن تستمع لصوته .. فطلبت من وسن أن ترافقهما إلى المزرعة .. إلى المحراب..وافقت وسن. وخرج الثلاثة معا .. ولحق بعد قليل حيدر بهم ...!
    تحت سقف مصنوع من القصب .. داخل محراب مبني للصلاة والتأمل والراحة .. جلست فاطمة و(...) و وسن وحيدر .. قالت وسن سأذهب مع حيدر لنجلب بعض الفاكهة .. هل ترافقاننا .. كانت تعلم الجواب مسبقا لكنها تجنبت إحراج (...) .. قالت فاطمة سننتظركم هنا.. أليس كذلك (...) ابتسم .. وقال سننتظر ..! قالت .. لن أدعك اليوم تتهرب من أسئلتي .. وقل لي كيف وجدت البعد .. هل اشتقت ..؟ هل فكرت بي ..؟ هل تأملت الليل مثلي ..؟ هل ظل حزنك يضطهدك ..؟ آه يا..... هواجسي .. هواجسي .. كثيرة كثيرة ولا أجد لنهايتها نهاية .. إنها كلحظات طمأنينتي .. تأتي وتذهب فتزرع الحزن والفرح معا .. قاطعها.. الفرح والحزن .. قالت .. لا الحزن والفرح .. لأني أتبنى الحزن ولا أتنصل من الفرح .. وأعي أنني لست إلا يرقة صغيرة من عذاب حزنك .. لكن دعك مني .. وقل لي أنت .. بل تحدث قليلا عن الحزن .. وعن أعماقك .. هل تشعر بالمجهول المتربص بعودتك لي اليوم .. الآن .. قال نعم داهمني خوف غريب .. أجهل مكامنه .. لكنه بدا لي كأني سأفقد .. نعم .. سأفقد ..! قالت .. الألم لم يزل يرافقك ..بل مغروس في عقلك .. قال في أعماقي إقرار فظيع بأمور لا تعجب البشر .. الحزن والموت والمجهول .. ولا أعلم كيف ينكر البشر هذه الثوابت العقلية التي تحيط بالكون كله .. هل يمكن أن تنكر البشرية الليل .. أو حتى الشتاء .. وهل يخفى عليهم أن الوردة نفسها تموت .. هذا الإقرار بات يحاصرني دون انقطاع .. كانت فاطمة تشعر بأن نبضات قلبها تسير بها نحو هاوية مؤلمة.. فنبضاتها كانت تتسارع كنبضات الفراشات التي لا تعيش أكثر من يوم واحد .. قاطعته .. الحزن والموت والمجهول .. تعني بها اليأس والمصير المحتوم .. والجهل بما سيؤول إليه الأمر بعده .. قال .. بل الإنسان والمصير المحتوم والجهل ....! قالت نعم اليأس الإنسان أنت .. أنا .. هم .. السماء .. الموتى .. الأحياء ..آه يا...... أيها العنيد .. دائماً تشغلني بأمور هي في كل أحوال ليست إلا اللا أنا.. ألا تشعر لحظة بأنني أحتاج منك كلمات تخصني أنا .. المحترقة أمامك.. قال .. ماذا عساني أقول لك وأنا نفسي مازلت أناجي ذاتي لكي يقول لي ماذا عساني أكون .. ردت عليه بحزن هل تسمعني إذا تكلمت ..؟ قال خاشعا متضرعاً .. قالت .. مرت علي لحظات وأنا هنا في هذا المحراب العتيق أتأمل .. أقدم صلاتي .. كدت فيها أجهش بصوت عال بالبكاء .. لأن الليل .. لأن البعد .. لأن الحزن .. لأن الفرح ..كلها.. كل شيء كان أمام حقيقة حضورك ذات يوم مجرد كأس رشفت من رحيقه رشفة واحدة.. وكسرته حتى لا أذوق من نفس الكأس مرارة بعدك ... لكني اليوم .. الآن .. أجد في أعماقي رغبة في أن أحترق أمامك .. ويتناثر رمادي بين يديك .. أقول بين يديك وليس تحت قدميك .. لأني لا أريد أن أتكرر..نعم .. لا أريد أن أكون مثل من عرفتهم قبلي ..واحترقت أعماقهن وتناثر رمادهن تحت قدميك .. فقط بحق أيامنا التي مضت .. والتي قلت عنها ذات يوم قديم لي .. إنها كانت آمنة .. امنحني هذه الخصوصية .. هذا الاستحقاق .. ولطالما معك تمنيت أن تخصني أنا وحدى بشيء دون غيري.. لأني وجدت من يحاطون بك يطالبونك بها .. فهل تخص رمادي المحترق بين يديك بشيء ..؟ لا تقل بأنني أتكرر هنا .. في طلبي .. لا .. لا تقل ذلك .. فقط امنحني ما أريد ..! ثم أردفت تقول .. سأترك لك حق القبول والرفض.. وسأعود إليك أنت .. إلى الظلام الذي يكتنف كل ما هو أنت.. إلى الغموض الذي هو في أسمى صور وضوحه ليس إلا أنت .. غموض يكتنفه آخر ..انظر إلي .. إلى وضوح سريرتي معك .. إلى إصراري العجيب والغريب في الاستمرارية .. فأنا في أحلك ظلمات العدمية التي تحيط بي من كل صوب .. كنت أحاول أن أبحث عن طريق تؤدي بي إلى التغلب عليها.. لاعن إرادة امتلكها ..أو عن فضيلة ..أو حتى نبل نادر ..إنما فقط عن وفاء وصدق غريزي للنور الذي ولدت فيه..ومنه تعلمت ..وتعلمت البشرية أجمع منذ البدء أن يفتحوا أذرعتهم لاستقبال الحياة حتى في ساعات الفقدان والهجر والألم والحرمان ..انظر إلى نفسك ..أين أنت من كل هذا ..أين انت من الحياة ..كنت قبل الآن أشعر بالألم بل أتقمص فنونه وألوانه دون أن أدع لنفسي حتى حق التفكير يوما بترك حماه ..لكني بعدما وجدته يقتلك يفتك بك ..بحثت عن سبل الخروج من متاهاته ..وتوصلت إلى شذرات من النور تناثرت بين ربوع الحياة ..وهنا ..في محرابي هذا أتلذذ..بالموت والحياة منك معا ..وقد لاتعلم أية إرادة امتلكها لأصير ما أنت تسمعه الآن ..نعم أية إرادة ..إرادة ..إرادة ...!أعلم بأنك الآن تريد فتح نقاش حول الإرادة..وأنك تريد أن تقنعني بأنها ليست هي من أعتقتني ..أعلم ذلك ..بل أكاد أسمع صوت ذاتك ..أكاد أسمعه يردد بأن الحرية و العقلانية لا الإرادة..لكن ..لايهمني ذلك ..لأن الأصل عندي هو الوصول إلى ما أريد..سواء عن طريق الإرادة أم أي جهد عاطفي أوحتى هوى انفعالي ..أو حتى عن طريق الحرية التي هي أصلا ليست إلا وجودا لأرادتنا ورغباتنا ..!
    أخرسته كلماتها أحس بغربته..التي تجعله حتى وهو بين أحضان الفرح أسيرها ..ظل ينظر إليها بتهيب مريب ..شل لسانه ..لمع بريق غريب في عينيه .. وجهه لبس كعادته ثوبا حزينا ..تاهت أعماقه ..همس بصوت خفي..هل أنا حي ..؟ لم تجاوب فاطمة على سؤاله ..بل تأملته ..تأملت عينيه ..وجهه ..تلك الرجفة التي ترافق حركة عينيه ..وداهمهما الوقت..فلم يشعرا إلا ووسن واقفة مع حيدر على رأسيهما ..وهي تقول.. الفواكه..جلس حيدر بجانبه .. وبدأ يداعب يديه ..أحس ببرودتهما..قال له لماذا يديك باردة هكذا دائما ..؟ ابتسمت فاطمة .. أدركت في ذاتها ..بأنه راحل عنها وبات وكأن صلاتها التي تتأمل العودة من خلالها ستغدو .. صلاة رحيله أيضاً ..استغربت وسن من بريق عينيه ..وشحوب وجهه..تناول الجميع فاكهة المزرعة ..وأسدل الستار على تلك الصلاة .. في ذلك المحراب العتيق ..وعندما كان الصباح ..بل الصباح الباكر حمل حقيبته عائدا ..! لكنه قبل العودة طاف بالمحراب والتقى آلهتها ..ثم ترك آلهة المحراب تعود لصلاتها ..لموتها البطيىء ..! وعاد هو لتجواله..!
    21-5-2005

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي

    صلاة في محراب عتيق
    محراب صغير مبني بطريقة بدائية من القصب .. من يراه يجده بأغصانه المصفوفة المتراصة وكأنه يعود بجذوره إلى الوراء البعيد ..حيث الرمال و الصحراء ..وهو ببعده عن المنزل الذى تسكن فاطمة فيه يبرهن على هذه النظرية ..بنى المحراب والدها في أقصى المزرعة التى هى كل ما يملكه ..وهى تحوى على عدد لابأس به من أشجار ..النخيل ..أغلبها تكاد تعانق السماء بعلوها ورشاقة طولها ..وفي المساء ..عندما تحاول الشمس الحارقة الاستراحة.. تبدو وكأنها كتل حمراء حيث ترتعش سعفاتها بصورة توحى للنفس بالتعب والألم الذى تعانيها ..ومع النخيل هناك العديد من أشجارالبرتقال حيث يفوح منها رائحة تمتزج برائحة العرق التى تنتشر كلما مر بينها العاملون في المزرعة فتخلق رائحة أشبه ماتكون برائحة السكينة ..تلك التى يجدها الطفل بحضن أمه عندما تعود الأخيرة من المزرعة وهى تحمل في يديها سلة فواكه..وفي المزرعة هذه أشجار أخرى من الخوخ وبعض الخضار لكنها قياسا بالنخيل والبرتقال تصبح لاشيء .. يشق المزرعة من الوسط جدول مائى صغير تمتزج مياهه دائما بالتراب فتبدو وكأنها طين جارفة ..لكنه فى المساء عندما يهدأ كل شيء ..يظهر بصورة أفضل حيث يقل العمل عليه فيصفو قليلأ ..وهناك فى أقصى جنوب المزرعة المحراب الذى بنيّ من القصب للصلاة والراحة والتأمل..وهو كسعفات النخيل فى المساء يبدو وكأنه كتلة حمراء ..حيث الشمس الهاربة ترسل أشعتها الحارقة ا لحمراء لتخرق الثغرات التى تركتها لوحات القصب فيما بينها لأسباب مجهولة ..!
    فى الساعات التى تسبق الغروب كساعاتها تلك تهرع فاطمة دائما إلى المحراب لتقدم هناك صلاتها الشخصية وهى صلاة أقرب ماتكون باليوجا تلك الصلاة العقلية .. حيث تترك أهوال الحياة ورائها وتعيش فى حالة من اللاشعور التام..وتستمر أحيانا صلاتها هذه أكثر من ساعة .. ولا شيء يمكنه أن يقاطع صلاتها .. تأملها .. السكينة التي تعيشها .. سوى صوت والدها .. عندما يأتي في كل مساء ليأخذها معه إلى البيت .. فأصوات العاملين في المزرعة .. وحتى أصوات السيارات وفي أحيان كثيرة قهقهة الناس المارين أمام المزرعة .. وهمسات البعض داخلها .. لا تعدو حينها .. سوى أشباح لا تقدم ولا تؤخر..حان وقت صوت أبيها .. إنها في ذاتها اللاواعية تعي ذلك .. لكنها تستبق الزمن لعلها تسلب منه لحظات أخرى فتبقى غارقة في صلاتها تلك .. هي لم تزل ترى فيما عدا صوت أبيها .. كل شيء متشابها فالاشجار كلها متشابهة .. العتمات التي يخلفها الغروب بين الأشجار كلها متشابهة .. حتى زفرات العمال والناس والمارين أصوات السيارات كلها متشابهة .. فقط صوت أبيها .. لا يشبهه شيء سوى صلاتها . فاطمة هذه فتاة في مقتبل العمر .. طويلة تخفي وراء طولها هذا جمالا لا بأس به .. بشرتها تميل إلى السمرة .. عيناها واسعتان .. فيهما بريق سماوي عجيب .. صوتها ناعم .. كنعومة وجهها الذي لم تستطع الشمس الحارقة أن تغييره .. وهو الآخر يشع بريقا ووسامة .. لها في صوتها هدوء يخالطه لكنة رقيقة عندما تلفظ اسم الحسين وكأنها مع اسمه اعتنقت الألم .. تحب ساعات الغروب .. والليل .. ترى الوجود حلقة روحية تترابط سلاسلها دون انقطاع .. الحياة عندها تعني العطاء .. والعطاء عندها .. يعني نكران الذات .. ونكران الذات جعلها تعيش في دوامة لا نهايه لبدايتها .. لديها في السواد الذي يلازمها مواساة عجيبة .. فهي دائما تردد مع نفسها المهم أن أسعد غيري .. ويكفيني سوادي هذا .. أعيش به .. وله ..!
    فاطمة .. أديبة .. لها مع الكلمات صولات وجولات .. تؤمن بالنزف على الأسطر .. وتجد في الكلمة قدسية غريبة ... تطالع باستمرار .. ويعجبها عندما يزورها نوبات الحزن .. وعندما تعود من محرابها .. إن تطالع في كتابات (... ) حيث إنها تعتقد بأن أسفاره .. رحلاته .. أحزانه .. تقلل من وطأة حزنها وآلامها ..! في لاوعيها تتردد أحيانا وهي تقدم صلاتها..كلمات سمعتها من (...) كلمات ظلت لسنوات طويلة معها.. كلمات آخر ما سمعته منه في آخر لقاء بينهما .. (( تعبت فاطمة من ترحالي بين الليل والانتظار .. بين الليل والغربة .. بين الليل والسفروالحقيبة.. تعبت .. نعم .. تعبت بين السكينة التي لا تأتي .. والدهشة من أنها لا تأتي .. والخيبة لأنها تصر على أن لا تأتي .. نعم فاطمة.. تعبت .. وأنا هنا في رحلتي هذه .. لا أجد سوى صمتك الرهيب .. يضيف لي جديدا ويشعرني بالراحة لأني أعلم ما به من صمت على الألم من أجل أن لا تؤلميني )) .
    بينما هي تحاور ذاتها مع كلماته هذه جاءها صوت والدها .. فارتعشت .. وشعرت ببروده تغطي جسدها وتتسرب لأعماقها .. لعلها أول مرة تشعر بهذه الرعشة هنا في محرابها هذا .. وعندما تحدثت ذات يوم ل(...) قالت عن الرعشة تلك بأنها كانت لأنها لم تسمع يوماً صوت أبيها يداهم صلاتها وهي تردد كلماته ..!
    ابتسمت لأبيها ومضت إليه لتقبل يديه وأمسك الوالد بيدها وسارا معا إلى المنزل القريب البعيد .. وحتى لا أنسى وصف المنزل فإنه من المنازل البسيطة الذي يغلب عليه الطابع القديم بالأخص الباب الخشبي الذي يعد المدخل إليه وفيه ثلاث غرف يتقاسمه أب مع زوجته و بنتان وابن متزوج .. وهذا الأخير قد رزق بطفل صغير لم يبلغ بعد عامه الثاني .. وهو أسمر بل شديد السمرة.. اسمه وسام .. وعمته فاطمة هي من سمته ..!
    دخلت فاطمة غرفتها فوجدت وسام تلعب مع أختها ليلى التي تصغرها سنا وهي الاخرى تملك بشرة سمراء تلبس نظاره طبية لتخفي بها عينيها العسليتين.. يدرك المرء من هيأتها بأنها إنسانه واقعية و تملك ذكاءً حاداً.. مضت فاطمة
    إلى وسام وأخذته لحضنها .. وقبلته .. وهي تقول يا غالي .. يا ابن الغالي .. يا من تحمل اسم الغائب الغالي .. كيف حالك .. ومعها تمطر شفيته بقبلاتها ثم التفت إلى ليلى وسلمت عليها وقالت لها هل من شيء يى يذكر وكأن السؤال جزء من صلاتها اليومية ..ابتسمت الأخت ..وقالت لها..لاجديد ..وظلت مبتسمة .. شعرت فاطمة بخبث ابتسامتها .. فسألتها ثانية ..وقالت أتسخرين من ألم أختك ..؟ قالت..لا..لا...لاتحزنى ..أظن أن مهندا قد وصل وقد اتصلت وسن وقالت إنه قد يزورنا ليلاً..قالت فاطمة هل حيدر ورضا معهما ..قالت نعم .. ولكن لا أعلم إن كان معهما ضيفهما أم لا ..احمر وجه فاطمة وسطع بريق عينيها ليمتزج مع بريق وجهها ..وقالت عساه معهم ..عساه..معهم..فأنا مشتاقة إليه .. مشتاقة.. أليس كذلك ياوسام وهى تحضنه و لم تشعربه منذ آخر زيارة ل(......).. الليل الذى بدى صامتا ..أصبح الآن يداهمه صوت ريح تعوى ..كأنها الطبيعة تعاني مخاضا مؤلما ..أرادت أن تعود بذاكرتها إلى اللحظات التى التقته أول مرة ..ومضت تحاول ذلك وكأنها كاهن قرر أن يكشف الستار عن آلهته ليتحقق منها.. تشده لصدرها . كانت الساعة قد اقتربت من التاسعة والربع ..وكان الظلام قد بدأ ينشر بعض همسات هدوئه على المدينة ..حيث تستريح لبعض الوقت لتعود بعدها للحياة .. و للعمل . إحساس غريب يزرعه الليل هذا فى أعماق فاطمة ..إحساس مكثف لم تعرفه من قبل ..بل من حقيقتها .. غمرتها حيرة ممزقة ..أحست بأنها بدأت تضيع ..وأن آلهتها هى الأخرى ضاعت .. قاطع حيرتها هذه صوت الباب وهو يطرق ..ارتعشت مرة أخرى ..هاجت أعماقها سمعت أصوات ضحك وترحيب ..ضمت وسام لصدرها بلهفة صادقة .. التفتت لم تجد أختها ..أرادت أن تخرج..هواجس غريبة داهمت ذاتها ..خافت.. زادخوفها ..رخت يديها..حاولت أن تنزل وسام ..لكنها مالبثت أن هاجت فى داخلها وأعادته لصدرها ..دخلت عليها أختها وحزن طفولي يغطي وجهها ..قالت فاطمة..إذا لم يأت دمعت عينا ليلى ..وهمست..نعم ..ليس معهم ..عادت فاطمة تضم وسام لصدرها ..وهي تقول ياغالي ..الغالي سيقتلني ببعده..تحملت ألمها .. خرجت تستقبل أختها وزوجها وابنيهما ..كانت تنظر إلى أختها بشغف ورغبة عجيبة ..كانت تعلم ..مجرد إحساس في ذاتها..في عقلها ..في قلبها ..بأن الأخت تحمل شيئا من عبق الغائب ..ظلت تنتظر ..لعلها تتكلم ..تهمس..أوحتى والدها.. لعله يسأل مهندا عن صديقه الذي كان يزورنا معه ....انشغل الجميع برغباتهم وأشواقهم ..ولم يبال أحد..بشوقها ورغبتها.. وداهمهم الوقت ..فااستغلت فرصة وهربت من الجلسة المملة هذه .. وأخذت رضا معها ..رضا هذا يبلغ من العمر أربعة عشر عاما ..وسيم يملك حزنا غريبا في صوته ..أخذته لغرفتها ..ولم تتمهل..سألته هل أتيتم لوحدكم .. قال رضا .. نعم ..صدمتها ..جوابه هذا فأعادت سؤالها بصورة أكثر وضوحا ومباشرة ..ألم يأت (....) معكم..ابتسم رضا وكأنه أدرك مغزى سؤالها .. قال .. تقصدين (العم....)..قالت نعم ..نعم .. قال رضا سيأتي غدا وراء نا .. أعاد الغد الروح لها .. قالت لماذا لم يأت معكم ..رد رضا كان منهكا في زيارته هذه..وطلب (بابا) منه أن يرتاح لأنه كان قد وصل لتوه ..فاستجاب لطلبه وقال سألحق بكم غدا .. وبينما كان يتحدث رضا ..طرقت باب غرفتها أختها وسن ..وقبل أن تتكلم فاطمة قالت وسن سيأتي غدا ..لاتفزعي هكذا..أعلم بأنك تستجوبين رضا ..عنه ..ابتسمت فاطمة ..وقالت كيف كان ..قالت وسن ..مرهقا ..حزينا.. مشتاقا .. كعادته ..قال رضا لم يبق لي مكان ..فالحديث صار نسائيا .. ويكتنفه الغموض ..وأنا ليس لي في الأحاديث النسائية ..أراد أن يخرج من الغرفة ..أوقفته فاطمة وقبلته ..ابتسم رضا وخرج ..جلست وسن وأجلست فاطمة بقربها ..وبدأت فاطمة تسألها بشغف .. انتصف الليل ..ومهند بطباعه ..لايحب أن يشعر الآخرون بأنه أصبح يثقل عليهم ..فهو حساس جدا ..وحتى لاأنسىأن أوضح لكم بعض صفاته ..فإنه شاب وسيم ..يملك نبلا يحسد عليه ..هادئ ..في صوته جاذبية غريبة ..ثقافته لابأس بها ..له إلمامات أدبية ..يكتب أحيانا ..يملك مكتبة جيدة ..لذا فهو كما قالت وسن يطالع يوميا لأكثر من ساعة ...ووسن هذه .. الأخت الأكبر لفاطمة ..هي الأخرى تملك حسا أدبيا جيدا..جميلة..رقيقة .. شفافة ..تملك نظرات خارقة ..أحيانا يشعر المقابل أنها تقرأ أعماقه ..أما حيدر.. فهو في التاسعة من عمره .. له عينان جذابتان..وهو..عنيد .. ولا يتهاون فيما يريد ..!
    أحس مهند بأن الوقت قد آن للعودة إلى شقة أجروها وسط المدينة..فطلب من حيدر بأن يبلغ أمه لتستعد .. لكن حيدرا كان منشغلآ بنفسه وجدته فلم يبال بكلام أبيه ..أدرك مهند بأنه من العبث أن يكرر طلبه ..فوجه كلامه هذه المرة ل رضا فذهب إلى غرفة فاطمة .. ولحظات حتى كانت وسن ورضا وفاطمة حاضرين أمامهم ..بدأت مراسيم الوداع ..عاد مهند وعائلته إلى الشقة..ومن شدة التعب ..غرق الجميع بعد لحظات في نوم عميق ..أما أصحاب الدار دخل كل واحد منهم في غرفته.. وبدأ يستعد للنوم ..إلا فاطمة ..التي رأت في السهر خير مايمكن أن تفعله لتستقبل به غدها .
    كان هو (....) صاحب الوجه الحزين ..والعينين اللتين تخفيان أبدا في داخلهما حزنا غير مفهوم ..غارقا في نوبة ألم غريبة ..فالصداع الذي يلازمه منذ سنوات داهم قلاع رأسه ..وسأدعكم تستمعون كيف وصف هو لي ليلته تلك ..((كنت أشعر بتعب يمزق حتى عظامي ..فارتميت أول ما وصلت لغرفتي في الفندق على الفراش ..حتى غرقت في نوم عميق ..لكن بعد ساعتين على أقل تقدير وجدت نفسي ترتعش ..وشعرت بالعرق ينصب من جسدي حتى تبلل فراشي .. استيقظت ..ولكن الصداع قد داهم رأسي..تحركت أعماقي أولا ..لأن الألم عندما يزورني يلامسها قبل كل شيء ..ثم مايلبث أن يظهر على شكل خطوط متلاطمة على جبيني..ويلازمه شحوب وجهي ..حاولت أن أقاومه ..لكنه كان أعند مني فرضخت لنداء الألم ..وكنت أردد مع ذاتي ما أعنف ذلك الألم الذي لايبالي بالجسد وحده إنما يتعداه ليشفي غليله..بالعقل ..حاولت جهدي أن أهرب منه .. لجأت إلى المسكنات ..إلى الخروج من الغرفة ..لكن دون جدوى..فعدت ثانية إلى فراشي أرتمي عليه ..حاولت أن أنام لكن هواجس غريبة هاجمتني لتزيد من ألمي ..توقفت بالرغم من الألم عند هذه الهواجس وجدتها تحمل صورا من الماضي السحيق ..رماد كف على الحائط يحمل أنامل صغيرة ..لوحة رسمتها الآلهة على جدران محترقة ..سوداء ..جمجمة إنسان احترق ..لم تشأ الآلهة طمسها ..فتركت جمجمته مطبوعة على الحائط بطريقة بدائية ..دموع أم فقدت .. حزن أب عاجز ..آهات إنسانية مكبلة بأقدار لاتنفك قيودها ..حاولت أن أتخلص من هواجسي هذه ..أشعلت المصباح ..سحبت كتابا من حقيبتي ..فتحته .. تصفحت بعض أسطره..لكن سيل الهواجس ..والألم الآتي جراء الصداع العنيف.. أوقفاني..عدت للمسكنات ..بلعت قرصا ..فاتبعته آخر ..ثم أخر .. مضت لحظات ..هدأت ثورة الصداع قليلا ..لكن الهواجس ظلت تتقاذف في ذهني..حاولت أن أغفو ..قاومتني الهواجس ..عاندتها ..وفي نهاية المطاف انتصرت عليها ..غفوت ..ارتاحت الهواجس ..ودخلت هي الأخرى في سبات قصير ..متأملة في انتهاء حالة اللاشعور التي دخلتها لتوي ..))
    وفي الواحدة وخمس وعشرين دقيقة بالضبط بعد منتصف النهار استيقظ على صوت الهاتف وهو يرن حمل الهاتف وبصوت مفعم بالموت رد على المتصل .. سأغادر الآن ..وضع الهاتف في مكانه.. بدا عليه أنه لايستطيع الحراك ..لكنه عاند رغبته بالعودة إلى النوم ثانية ..خرج من فراشه.. وبدأ يستعد لمغادرة الفندق.. وبعد أقل من نصف ساعة كان قد غادره متوجها إلى مقهى قديمة على شارع يتوسط ساحة كبيرة في وسط المدينة.. والمقهى هذا كغيره من المقاهي القديمة يجتمع فيه كل أصناف البشر.. شباب وشيوخ.. حتى الأطفال أحيانا يلجأون إليه .. وهي في مثل هذا الوقت تعيش ازدحاما عجيبا.. مع أن الحر يبلغ درجة لايصمد أمامه إلا القليل..لكن لقربه من مطعم شعبي فهو يعيش ..في حالة لاهدوء تام.. دخل المقهى.. وجده مكتظا بالناس ..بحث عن كرسي يجلس عليه .. فوجد في الزاوية البعيدة المطلة على الشارع العام كرسيا فارغا ..أسرع إليه .. وضع حقيبته أمامه وجلس على كرسي مصنوع من الحديد والكراسي هذه لها هيأت غريبه فهي قبل كل شيء محمولة على ثلاثة أرجل وشكلها دائري خاصة المكان الذي يجلس عليه .. وهي أغلبها قد غطاها الصدأ من أرجلها.. طلب فنجاناً من القهوة التي يشتهر بها المقهى ..وضعه على طاولة صغيرة هي الأخرى مصنوعة من الحديد وقد داهمها الصدأ في أكثر من موضع ..وبدأ يتأمل مع فنجانه الشارع ووجوه الناس ..وفي لاشعوره .. وجد بأن صوتا يلامس أعماقه يخرج من مكان ما ..فحاول أن يستعيد قواه الخفية ..وبدأ يركز سمعه على ذلك الصوت ..التفت حوله .. وجد بأن مصدر الصوت هو جهاز راديو من الطراز القديم وضع على رف في الجانب الآخر من المقهى ..أراد أن يخرج من دائرة الصوت هذا ..لكن نغمات موسيقاه ونبرات صوته كانت أقوى ..فاستسلم لها ..وبعد لحظات وجد صدره قد انشرح لها لكن ظل يخشى أن تهاجمه الهواجس ..والصداع معا .. فحاول جهده أن يخرج من تلك الدوامة ..وكان له ما أراد ..بعدها بدأ يتأمل وجوه الناس داخل المقهى ..كان بجانبه رجلان وصلا بعمرهها إلى أطراف الستين ..أحدهما تجاعيد وجهه وخطوطها تعبر بوضوح عن يومياته.. وحياته التي انقضت .. حيث إنها لم تنس مكانا في وجهه إلا وقد تركت فيه أثرا لألم ظاهر وآخر مدفون في أعماقه ..والآخر كان وجهه أكثر تفاؤلا.. حيث استبدلت الأقدار التجاعيد والخطوط واستعاضت بها بقتل آخر شعرة سوداء في رأسه.. لكنه كان منتشيا بالدخان الذي يستنشقه من نركيلة تكاد لاتفارق شفتيه .. كانا يلعبان بالطاولة وكأن الدنيا معهما قد انحصرت بين الأحجار التي يرمونها داخل الطاولة ..ظل عاكفا على وجههما لمدة طويلة .. حتى أفاقه صوت شاب جلب كرسيا وجلس بقربه .. نظر إليه مبتسما وفي أعماقه متسائلا من تكون ..؟ لكن تساؤله هذا لم يدم طويلا .. حيث عرف الشاب نفسه ..فعرفه الآخر بنفسه ..تبادلا لأكثر من نصف ساعة أحاديث متفرقه ..وعندما بلغت الساعة الثالثة ..كان عليه أن يتوجه إلى موقف للسيارات ليتجه صوب الجنوب ..بل أقصى الجنوب ..!
    في التاسعة وأربع وخمسين دقيقة كان أمام باب الشقة التي فرغ له فيها مهند غرفة نسيت أن أذكر لكم بأن الشقة هذه هي ضمن عمارة مكونة من خمسة طوابق وأمام بوابتها الرئيسية يقف رجل كبير السن يراقب ويحرس العمارة.. مع أن فيها بعد المدخل مباشرة غرفة أشبه بالاستقبال في الفنادق . دخل العمارة وسأل عن شقة محجوزة باسم مهند فدله أحدهم إليها.. توجه إليها مسرعا دون أن ينتظر من يحمل عنه حقيبته ..طرق باب الشقة .. جاء رضا وفتح له الباب .. قبله .. سلم على وسن وقبل حيدرا .. كان مهند حينها يأخذ حماماً ومن شدة التعب سأل عن غرفته فدله رضا إليها .. دخلها وارتمى على فراشه .. لكن.. مهندا أدرك بوصوله عندما خرج من الحمام .. فأرسل رضا إليه يقول لن أدعك تنام اخرج وانضم إلينا .. سنتاول العشاء معا .. حاول أن يبرر .. أن يتهرب من شدة التعب .. لكن مهندا جاء إليه بنفسه وقال .. حيدر ورضا يرغبان بانضمامك إلينا .. فأدرك حينها أنه لا مفر .. أخذ حماماً سريعاً .. نفض عن جسده التعب ..وراح يستعد للخروج .. لكن قبل أن يخرج داهم فكره سؤال غريب .. مفاده .. هل سألتقي فاطمة .. اليوم ..؟ حاول أن يقنع نفسه بعدم التسرع .. وعدم السؤال.. لكن السؤال كان يلح على ذهنه .. وفكره .. المهم خرج من غرفته إلى الصالة فوجد الجميع ينتظر .. دخلوا المطعم ..والسؤال قد وجد إجابته .. وكانت مخيبة لآماله .. وبعد عشاء وسهر عادوا إلى شقتهم ..!
    فاطمة على فراشها تطالع في كتاب .. تحت ضوء صغير .. همسات صدرها .. تنادي الصباح .. الشمس .. أعماقها .. تكاد تذبل لطول ليلها.. وكتابها الحزين يئن بين يديها .. تقع عيناها على كلمات كتبها هو على إحدى صفحات الكتاب ..شفتاك ظامئتان .. تتلهف للحظة لقاء .. لكن أتراك يا زهراء تدركين من أية هاوية أكون أنا .. أنا .. من قد أكون .. الجنون .. الغربة .. السفر .. أم .. وهم لا شيء .. تندمج فاطمة بروحها مع كلماته تلك .. وتهمس بصوت خفي .. لكي لا تزعج أختها النائمة بالقرب منها .. لا.. لا .. يا أيها التائه الأبدي .. لن أجيب .. لن أعود .. للألم .. فأنت ..اليوم لست ببعيد .. أمتار دقائق .. هي ماتبعدك عني .. نعم لن أجيب .. لن أعود .. لكن حقاً إني أسألك من تكون ..؟ فكأني أشعر بغيري في الدجون .. في الظلمات .. تهفو إليك .. أتسمع .. أتشعر ..! بنجواهم .. في الريح الحزين ..؟ إنهم مثلي احتضنوا الظلمة وغلبهم الأسى.. لا .. يا أيها المهاجر لن أجيب .. لن أعود .. لكني سألتك من تكون لأكون..؟!
    عادت فاطمة لكتابها وقلبت صفحاته .. كانت تهرب من كلماته .. تساؤلاته .. حتى وجدت سلواها في قصة .. بدأت تبحر بين أحرفها .. وصلت إلى سطر أدهشها .. بل أفزعها .. قالت كيف ..؟ لا .. عليه أن ينجلي .. فعيناي لن تشفى من دموعها إلا بعد أن ينجلي .. كان السطر .. يقول .. (( فليت هذا الليل لا ينجلي حتى نواري الثرى حبنا .. حيا.. وما أدهش هذا الهوى إن جهلت حسناؤه من أنا ..)) .
    انتفضت المسكينة في أعماقها .. وبدأت تردد مع نفسها أي حب .. وشوق هذا .. إنه عقيم إن لم يأت الصباح .. إن لم تشرق الشمس .. إن لم يأت .. إن لم أره.. كانت أعماقها تنزف بطريقة غريبة .. كانت تشعر بلهفة لا حدود لها لرؤيته .. كانت تتأمل ساعتها وكأنها تريد أن تفترس الوقت.. مرت لحظاتها أياما.. غلبها التعب .. والنعاس.. عاندت.. قاومت .. انتصرت .. شعرت بألم ما يدغدغ صدرها .. تحسسته .. بحثت عن معنى له.. زاد الألم .. أتت الحيرة .. أمسكت بصدرها .. أرادت أن توقظ أختها.. لكنها عادت .. تعاند .. تقاوم .. خرق لا شعورها سؤال غريب.. من تعاندين ومن تقاومين ..؟ ظل الألم .. فكرت في الصباح الذي لاحت تباشيره في الأفق القريب .. عيناه .. صوته الخفي.. همساته الحنونه .. حزنه.. كلها شدتها .. تاهت .. تاه معها الألم ..
    والحيرة .. أصوات العصافير .. ونسمات الصباح .. ومضات من الإشراقة الأولى .. كلها معا أعادتها للحياة .. وضعت كتابها تحت وسادتها .. خرجت من فراشها .. أيقظت ليلى معها .. خرجا معا للمزرعة .. فالمزارع هذه تحيا في ساعات مبكرة .. كان والدها يعمل بجانب المحراب .. عندما وصلتا هناك .. لمحهما .. قال .. لم أركما من قبل في مثل هذا الوقت هنا .. قالت ليلى ماذا أفعل في ابنتك المزعجة هذه .. وخزتها فاطمة .. فضحك الأب .. وابتسمت فاطمة .. دخلت محرابها .. رافقتها ليلى .. وبدءتا تقدمان صلاتهما .. عكفت الاثنتان في المحراب.. وفي الطرف الآخر من المدينة كان هو الآخر .. جالسا على كرسي في شرفة غرفته .. كان يتأمل الإشراقة الصباحية الأولى التي يحبها .. كان يقول لو تبقى الإشراقة وحدها .. لو تنسى الشمس للحظة حرقتها ..لو.. وبعد صمت .. يأتي مهند الآن فنخرج إليها .. ابتسم في أعماقه .. قال إنه إذا الشوق .. أنا أيضا أشتاق .. لم لا .. فهي تستحق شوقي .. مرت لحظاته بسرعة غريبة .. جاء رضا ليخرجه من خلوته تلك .. ونزل الجميع إلى مطعم قريب للإفطار ..اكتفى هو بكوب من الحليب البارد.. بعدها .. تداول الحاضرون مسأله مهمة لم تكن قبلها قد أثيرت .. حتى في أذهانهم ..ماذا عساهم يفعلون في يومهم الحارق هذا .. الشمس في تلك الأرجاء تصبح بعد ساعات الصباح الباكرة أشبه بمحرقة .. فهي تقذف بلهبها على شوارع تلك المدينة فتصبح أفرانا طويلة .. حتى وجوه الناس تصبح أفرانا متنقلة بادر مهند بكسر القيود المفروضة على الجلسة وقال أملك اقتراحا عساه يرضيكم.. هل نذهب إلى سوق المدينة الكبيرفنقضي يومنا هناك ..؟ صمت الجميع .. أدرك مهند أن اقتراحه لم يلق ترحيبا وقبولا من الآخرين ..!
    نظر الجميع إليه .. قال إنه مجرد اقتراح .. كان مهند يعلم ما يخالج صدر الجميع .. بل صدر (...) و وسن .. وحتى رضا .. لكنه موه في بداية الأمر باقتراحه هذا .. ليتسنى له بعدها أن يقترح ما سيوافق عليه الأغلبية .. قالت وسن السوق الكبير في هذا الحر .. قال مهند إذا ماذا تقترحين ..؟ قالت .. لا أعلم .. ثم وجهت هي سؤالها إلى (...) قالت ماذا تقول أنت .. رد عليها .. أنا مع رأي الأغلبية .. ولن أقترح .. قاطعهم حيدر .. سأذهب أنا إلى المزرعة عند جدي .. ابتسمت أعماق (...) وارتاح مهند لسماع صوت حيدر .. أما وسن فكانت مستغرية عندما ما رأت بريق عينيه بعد اقتراح حيدر ..وكأنها شعرت فيما بعد بأن الكل كان يريد ذلك.. قال رضا بعدها مباشرة سآتي معك .. وافق مهند على اقتراحهما.... قالت وسن إذا الأغلبية .. تهيأ الجميع وخرجوا إلى المزرعة .. لكن قبلها مروا بالمنزل حيث أراد هو أن يسلم على أم وسن تلك المرأة الحنونة التي لا يفارق السواد جسدها .. قبل رأسها .. سلم على زوجة أخيها .. ثم دخل يقبل وسام النائم في فراشه ثم خرج الجميع إلى المزرعة .. القريبة من المنزل .. وبعد تجوال التقوا بوالدها .. سلم عليه واحتضنه بلهفة أب فقد فأدرك معنى الألم .. واحتضن حيدر ورضا وقبلهما .. ثم ساروا جميعا نحو جنوب المزرعة ..نعم نحو القدر المتربص هناك به .. وبـ فاطمة.. وحتى ليلى .. وصلوا .. كانت فاطمة لم تزل تتأمل .. تقدم صلاتها ..أما ليلى .. فكانت جالسة تتأمل غرابة صلاة أختها .. حائرة..!
    لم تشعر فاطمة بهم .. لكنها أدركت بأن شيئا يضاهي صوت أبيها بدأ يقترب من محرابها .. أرادت أن تلتفت .. لكنها خشيت أن تصطدم بوجوه.. لاتجد مبتغاها بينها .. استمرت في تأملها.. هرعت ليلى إليهم.. وسلمت على الضيف وهي تبتسم .. تأمل (...) فاطمة في محرابها تذكر كلماتها عندما دعته أول مرة لزيارة محرابها .. ستتأملني ذات يوم في محرابي العتيق هذا أصلي من أجل عودة أخشى ويلاتها .. وأهوالها .. حزنت أعماقه.. تغيير وجهه حتى شعر مهند بذلك .. أمسك بيده .. همس في أذنه ما بك ..؟ لماذا تغيير وجهك هكذا ..؟ قال..خوف من مجهول آت .. مجهول لاح لي في كلمات سمعتها من فاطمة ذات يوم .. قال مهند .. استرخي .. ولا تدعها تشعر بقلقك وخوفك هذا ..لأنها تخشى عليك كثيرا .
    اقتربت وسن من فاطمة .. قالت لها ألن تسلمي على ضيفنا .. ارتعشت فاطمة رعشة الأمس .. ابتسمت في أعماقها .. داهم ابتسامتها خوف مجهول .. أرادت أن تلتفت .. وجدت نفسها تقاوم التفاتها .. عاندت .. هزمت .. بكت.. قالت وسن كفاك .. أبوك معهم .. مسحت دموعها .. وقفت على قدميها .. توجهت إليهم .. مدت يدها .. صافحته.. شعرت ببرودة غريبة في يديه .. زادت من هواجس الخوف والمجهول في أعماقها .. نظرت إلى عينيه .. شدتها إليهما كآبة حنون .. كان هو أشد روعا وخوفا منها .. مضت اللحظات مسرعة .. حان وقت العودة إلى المنزل والغداء.. عادوا .. وعلى الغداء .. تبادلوا الحديث .. والابتسامات .. وبعد جلسة شاي خلد الجميع إلى الراحة .. لكن فاطمة .. أرادت أن تراه .. أن تتكلم معه .. أن تستمع لصوته .. فطلبت من وسن أن ترافقهما إلى المزرعة .. إلى المحراب..وافقت وسن. وخرج الثلاثة معا .. ولحق بعد قليل حيدر بهم ...!
    تحت سقف مصنوع من القصب .. داخل محراب مبني للصلاة والتأمل والراحة .. جلست فاطمة و(...) و وسن وحيدر .. قالت وسن سأذهب مع حيدر لنجلب بعض الفاكهة .. هل ترافقاننا .. كانت تعلم الجواب مسبقا لكنها تجنبت إحراج (...) .. قالت فاطمة سننتظركم هنا.. أليس كذلك (...) ابتسم .. وقال سننتظر ..! قالت .. لن أدعك اليوم تتهرب من أسئلتي .. وقل لي كيف وجدت البعد .. هل اشتقت ..؟ هل فكرت بي ..؟ هل تأملت الليل مثلي ..؟ هل ظل حزنك يضطهدك ..؟ آه يا..... هواجسي .. هواجسي .. كثيرة كثيرة ولا أجد لنهايتها نهاية .. إنها كلحظات طمأنينتي .. تأتي وتذهب فتزرع الحزن والفرح معا .. قاطعها.. الفرح والحزن .. قالت .. لا الحزن والفرح .. لأني أتبنى الحزن ولا أتنصل من الفرح .. وأعي أنني لست إلا يرقة صغيرة من عذاب حزنك .. لكن دعك مني .. وقل لي أنت .. بل تحدث قليلا عن الحزن .. وعن أعماقك .. هل تشعر بالمجهول المتربص بعودتك لي اليوم .. الآن .. قال نعم داهمني خوف غريب .. أجهل مكامنه .. لكنه بدا لي كأني سأفقد .. نعم .. سأفقد ..! قالت .. الألم لم يزل يرافقك ..بل مغروس في عقلك .. قال في أعماقي إقرار فظيع بأمور لا تعجب البشر .. الحزن والموت والمجهول .. ولا أعلم كيف ينكر البشر هذه الثوابت العقلية التي تحيط بالكون كله .. هل يمكن أن تنكر البشرية الليل .. أو حتى الشتاء .. وهل يخفى عليهم أن الوردة نفسها تموت .. هذا الإقرار بات يحاصرني دون انقطاع .. كانت فاطمة تشعر بأن نبضات قلبها تسير بها نحو هاوية مؤلمة.. فنبضاتها كانت تتسارع كنبضات الفراشات التي لا تعيش أكثر من يوم واحد .. قاطعته .. الحزن والموت والمجهول .. تعني بها اليأس والمصير المحتوم .. والجهل بما سيؤول إليه الأمر بعده .. قال .. بل الإنسان والمصير المحتوم والجهل ....! قالت نعم اليأس الإنسان أنت .. أنا .. هم .. السماء .. الموتى .. الأحياء ..آه يا...... أيها العنيد .. دائماً تشغلني بأمور هي في كل أحوال ليست إلا اللا أنا.. ألا تشعر لحظة بأنني أحتاج منك كلمات تخصني أنا .. المحترقة أمامك.. قال .. ماذا عساني أقول لك وأنا نفسي مازلت أناجي ذاتي لكي يقول لي ماذا عساني أكون .. ردت عليه بحزن هل تسمعني إذا تكلمت ..؟ قال خاشعا متضرعاً .. قالت .. مرت علي لحظات وأنا هنا في هذا المحراب العتيق أتأمل .. أقدم صلاتي .. كدت فيها أجهش بصوت عال بالبكاء .. لأن الليل .. لأن البعد .. لأن الحزن .. لأن الفرح ..كلها.. كل شيء كان أمام حقيقة حضورك ذات يوم مجرد كأس رشفت من رحيقه رشفة واحدة.. وكسرته حتى لا أذوق من نفس الكأس مرارة بعدك ... لكني اليوم .. الآن .. أجد في أعماقي رغبة في أن أحترق أمامك .. ويتناثر رمادي بين يديك .. أقول بين يديك وليس تحت قدميك .. لأني لا أريد أن أتكرر..نعم .. لا أريد أن أكون مثل من عرفتهم قبلي ..واحترقت أعماقهن وتناثر رمادهن تحت قدميك .. فقط بحق أيامنا التي مضت .. والتي قلت عنها ذات يوم قديم لي .. إنها كانت آمنة .. امنحني هذه الخصوصية .. هذا الاستحقاق .. ولطالما معك تمنيت أن تخصني أنا وحدى بشيء دون غيري.. لأني وجدت من يحاطون بك يطالبونك بها .. فهل تخص رمادي المحترق بين يديك بشيء ..؟ لا تقل بأنني أتكرر هنا .. في طلبي .. لا .. لا تقل ذلك .. فقط امنحني ما أريد ..! ثم أردفت تقول .. سأترك لك حق القبول والرفض.. وسأعود إليك أنت .. إلى الظلام الذي يكتنف كل ما هو أنت.. إلى الغموض الذي هو في أسمى صور وضوحه ليس إلا أنت .. غموض يكتنفه آخر ..انظر إلي .. إلى وضوح سريرتي معك .. إلى إصراري العجيب والغريب في الاستمرارية .. فأنا في أحلك ظلمات العدمية التي تحيط بي من كل صوب .. كنت أحاول أن أبحث عن طريق تؤدي بي إلى التغلب عليها.. لاعن إرادة امتلكها ..أو عن فضيلة ..أو حتى نبل نادر ..إنما فقط عن وفاء وصدق غريزي للنور الذي ولدت فيه..ومنه تعلمت ..وتعلمت البشرية أجمع منذ البدء أن يفتحوا أذرعتهم لاستقبال الحياة حتى في ساعات الفقدان والهجر والألم والحرمان ..انظر إلى نفسك ..أين أنت من كل هذا ..أين انت من الحياة ..كنت قبل الآن أشعر بالألم بل أتقمص فنونه وألوانه دون أن أدع لنفسي حتى حق التفكير يوما بترك حماه ..لكني بعدما وجدته يقتلك يفتك بك ..بحثت عن سبل الخروج من متاهاته ..وتوصلت إلى شذرات من النور تناثرت بين ربوع الحياة ..وهنا ..في محرابي هذا أتلذذ..بالموت والحياة منك معا ..وقد لاتعلم أية إرادة امتلكها لأصير ما أنت تسمعه الآن ..نعم أية إرادة ..إرادة ..إرادة ...!أعلم بأنك الآن تريد فتح نقاش حول الإرادة..وأنك تريد أن تقنعني بأنها ليست هي من أعتقتني ..أعلم ذلك ..بل أكاد أسمع صوت ذاتك ..أكاد أسمعه يردد بأن الحرية و العقلانية لا الإرادة..لكن ..لايهمني ذلك ..لأن الأصل عندي هو الوصول إلى ما أريد..سواء عن طريق الإرادة أم أي جهد عاطفي أوحتى هوى انفعالي ..أو حتى عن طريق الحرية التي هي أصلا ليست إلا وجودا لأرادتنا ورغباتنا ..!
    أخرسته كلماتها أحس بغربته..التي تجعله حتى وهو بين أحضان الفرح أسيرها ..ظل ينظر إليها بتهيب مريب ..شل لسانه ..لمع بريق غريب في عينيه .. وجهه لبس كعادته ثوبا حزينا ..تاهت أعماقه ..همس بصوت خفي..هل أنا حي ..؟ لم تجاوب فاطمة على سؤاله ..بل تأملته ..تأملت عينيه ..وجهه ..تلك الرجفة التي ترافق حركة عينيه ..وداهمهما الوقت..فلم يشعرا إلا ووسن واقفة مع حيدر على رأسيهما ..وهي تقول.. الفواكه..جلس حيدر بجانبه .. وبدأ يداعب يديه ..أحس ببرودتهما..قال له لماذا يديك باردة هكذا دائما ..؟ ابتسمت فاطمة .. أدركت في ذاتها ..بأنه راحل عنها وبات وكأن صلاتها التي تتأمل العودة من خلالها ستغدو .. صلاة رحيله أيضاً ..استغربت وسن من بريق عينيه ..وشحوب وجهه..تناول الجميع فاكهة المزرعة ..وأسدل الستار على تلك الصلاة .. في ذلك المحراب العتيق ..وعندما كان الصباح ..بل الصباح الباكر حمل حقيبته عائدا ..! لكنه قبل العودة طاف بالمحراب والتقى آلهتها ..ثم ترك آلهة المحراب تعود لصلاتها ..لموتها البطيىء ..! وعاد هو لتجواله..!
    21-5-2005

  3. #3
    الصورة الرمزية د. محمد حسن السمان شاعر وناقد
    تاريخ التسجيل : Aug 2005
    المشاركات : 4,318
    المواضيع : 59
    الردود : 4318
    المعدل اليومي : 0.81

    افتراضي

    سلام الـلـه عليكم
    الاخ الفاضل الاديب الرائع جوتيار تمر

    صلاة في محراب عتيق , عمل ادبي زخم , يستلزم الكثير من التركيز والمتابعة , للغنى الادبي فيه , تم بناء الاحداث بحرفية واضحة , تكتنفه صور جميلة , وافكار فلسفية , دون قسر القارىء , بجهة او اتجاه ما , واغبطك على هذه الملكة الراقية في الكتابة , والتحكم بقارئك , واتاحة مجالات كبيرة , من التفكير والخيال , لتصل الى ما تريد , من فكر ورسالة .
    بوركت ايها الاديب والمفكر .

    اخوكم
    السمان

  4. #4
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : May 2006
    المشاركات : 357
    المواضيع : 1
    الردود : 357
    المعدل اليومي : 0.07

    افتراضي

    طغت على القصة مشاهد البيئة العراقية الجنوبية وكأنك تريد ارساء شيء مجهول لدى الكثيرين..وهو تلاحم البيئة هذه شمالا ووسطا وجنوبا..ففي خضم هذه المعمعة الساسية الحادة اصبح العراق يشكل بيئات متناقضة..ولكن اذا ما دققنا النظر الى القصة نجد بان الكاتب هو من الشمال وهاهو ينسجم ويتلائم بصورة حميمة مع البيئة واهل الجنوب..
    هذه المشاهد اضافت الى القصة روح الاستمرارية..لست بارعا في تحليل القصص لكن هذه ما دب في ذهني اثناء قرأتي لها...الشيء الوحيد الذي اجده يعيبها هو طولها.
    تحياتي
    العراقي

  5. #5
    قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 510
    المواضيع : 6
    الردود : 510
    المعدل اليومي : 0.10

    افتراضي

    جو..
    فاطمة...صورة مستنسخة من الكثيرا اللاتي وجدن انفسهن يعشن الوحدة جراء بعد وهجر الحبيب..ولكن نموذج فاطمة يمثل النوع الذي تدخلت فيه الاقدار والظروف لان البعد هذا لم ياتي لرغبة من الحبيب انما لانه يعيش في منطقة اخرى بعيدة عن ديار فاطمة..ولكن الحوار الذي دار بين الاثنين حتى في الغياب حوار فلسفي عميق يحاج الى تعمق وتفكير ليمكن فك رموزه..القصة جو اكثر من رائعة لذا اقول لك كما افعل دائما سلمت يداك وفكرك وقلمك..
    حبي..
    مار...

  6. #6
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي صلاة في محراب عتيق

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. محمد حسن السمان
    سلام الـلـه عليكم
    الاخ الفاضل الاديب الرائع جوتيار تمر

    صلاة في محراب عتيق , عمل ادبي زخم , يستلزم الكثير من التركيز والمتابعة , للغنى الادبي فيه , تم بناء الاحداث بحرفية واضحة , تكتنفه صور جميلة , وافكار فلسفية , دون قسر القارىء , بجهة او اتجاه ما , واغبطك على هذه الملكة الراقية في الكتابة , والتحكم بقارئك , واتاحة مجالات كبيرة , من التفكير والخيال , لتصل الى ما تريد , من فكر ورسالة .
    بوركت ايها الاديب والمفكر .

    اخوكم
    السمان

    الدكتور..السمان...
    انقطعت حتى ظننت بانك هجرت كلماتي كما فعل الكثيرين لانها في ظنهم خارجة عن الملة...

    المهم...افرحني جدا..هذا الحضور...وهذه الرؤية الاكثر من رائعة للقصة...

    القصة فعلا تحمل في طياتها افكار فلسفية..
    شكرا دكتور على هذه الكلمات الرائعة والشفافة...

    تقديري واحترامي ومحبتي الخالصة لك

    جوتيار

  7. #7
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي صلاة في محراب عتيق

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة منهل العراقي
    طغت على القصة مشاهد البيئة العراقية الجنوبية وكأنك تريد ارساء شيء مجهول لدى الكثيرين..وهو تلاحم البيئة هذه شمالا ووسطا وجنوبا..ففي خضم هذه المعمعة الساسية الحادة اصبح العراق يشكل بيئات متناقضة..ولكن اذا ما دققنا النظر الى القصة نجد بان الكاتب هو من الشمال وهاهو ينسجم ويتلائم بصورة حميمة مع البيئة واهل الجنوب..
    هذه المشاهد اضافت الى القصة روح الاستمرارية..لست بارعا في تحليل القصص لكن هذه ما دب في ذهني اثناء قرأتي لها...الشيء الوحيد الذي اجده يعيبها هو طولها.
    تحياتي
    العراقي

    العراقي الجميل..

    البيئة ..الواقع....الظروف.....كلها مادة خامة للكتابة لذا...
    فالبيئة التي قمت بتوظيفها هي فعلا بيئة عايشتها عن قرب...
    واعجبني انك قرأت النص بهذا الشكل...لاني فعلا اعيش الشمال وهي بيئة تختلف تماما عن الجنوب...

    تقديري ومحبتي
    جوتيار

  8. #8
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي صلاة في محراب عتيق

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مريم النجار
    جو..
    فاطمة...صورة مستنسخة من الكثيرا اللاتي وجدن انفسهن يعشن الوحدة جراء بعد وهجر الحبيب..ولكن نموذج فاطمة يمثل النوع الذي تدخلت فيه الاقدار والظروف لان البعد هذا لم ياتي لرغبة من الحبيب انما لانه يعيش في منطقة اخرى بعيدة عن ديار فاطمة..ولكن الحوار الذي دار بين الاثنين حتى في الغياب حوار فلسفي عميق يحاج الى تعمق وتفكير ليمكن فك رموزه..القصة جو اكثر من رائعة لذا اقول لك كما افعل دائما سلمت يداك وفكرك وقلمك..
    حبي..
    مار...

    مريم...

    شكرا لتواجدك الجميل...

    وفاطمة هذه تمثل كل انسانة تعذبت في وقعنا المر هذا....بسبب تعنت الظروف وتجبر البشر..

    فعلا الحوار يحتاج الى تعمق لان فيه افكار فلسفية تحتاج الى وقفات جدية لفهمها..


    حبي..
    جو..

  9. #9
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : May 2006
    المشاركات : 10
    المواضيع : 0
    الردود : 10
    المعدل اليومي : 0.00
    من مواضيعي

      افتراضي

      ..(( تعبت فاطمة من ترحالي بين الليل والانتظار..بين الليل والغربة.. بين الليل والسفروالحقيبة..تعبت..نعم ..تعبت بين السكينة التي لا تأتي..والدهشة من انها لا تأتي ..والخيبة لانها تصر على ان لا تأتي..نعم فاطمة..تعبت..وانا هنا في رحلتي هذه..لا اجد سوى صمتك الرهيب..يضيف..لي جديدا ويشعرني بالراحة لاني اعلم ما به من صمت على الالم من أجل ان لا تؤلميني )) .
      اتتوقعون ان اقول انها قصة رائعة ؟؟؟! لالا .. اقول انها قصة ... قد لايمر يوم دون ان نقرا قصة لكن متى تكون القصة قصة ومتى تكون مجرد كلمات مرتبة ... هذه قصة قصة بمعنى الكلمة واضعها قصة رائعة جدا جدا جدا لاسباب كثيرة ..

      *لكني اليوم..الان .. اجد في اعماقي رغبة في ان احترق امامك.. ويتناثر رمادي بين يديك ..اقول بين يديك وليس تحت قدميك..*
      تمنياتي للكاتب المبدع جوتيار تمر بالنجاح والتطور الدائميين
      شكرا لك جوتيار لان هذه القصة اضافت لي الكثير مما كنت احتاجه واريده ..
      اود لو اصافحك مهنئة على هذه القصة ...
      ليلان

    • #10
      الصورة الرمزية الصباح الخالدي قلم متميز
      تاريخ التسجيل : Dec 2005
      الدولة : InMyHome
      المشاركات : 5,766
      المواضيع : 83
      الردود : 5766
      المعدل اليومي : 1.10

      افتراضي

      جوتيار
      تبا لبراعة اسلوبك وقدرتك التي تتلمض لي لتغيرني لتابع القراءة مهما ازدحمت أمامي الصفحات
      هنا وهناك لجدك وبجدارة تحتل الصدراة
      ركز أكثر اتعبني الإعجاب ببراعتك
      مهما اختلفت معك بضراوة
      اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

    صفحة 1 من 6 123456 الأخيرةالأخيرة

    المواضيع المتشابهه

    1. صلاةٌ في محرابِ اعتذار
      بواسطة محمد حمود الحميري في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
      مشاركات: 60
      آخر مشاركة: 17-04-2014, 07:44 PM
    2. صلاة في محراب الاشتياق !
      بواسطة مصطفى الغلبان في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
      مشاركات: 13
      آخر مشاركة: 28-12-2013, 08:22 PM
    3. صلاةٌ في محراب الضلوع !
      بواسطة ماجد الغامدي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
      مشاركات: 34
      آخر مشاركة: 22-07-2011, 06:20 PM
    4. تراتيل في محراب عتيق..!
      بواسطة ثائر الحيالي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
      مشاركات: 40
      آخر مشاركة: 08-04-2010, 10:57 AM
    5. صلاة التراويح أم صلاة التساريع؟
      بواسطة د عثمان قدري مكانسي في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
      مشاركات: 4
      آخر مشاركة: 05-04-2009, 09:05 PM