أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: عودي إلي يا حنين - أسماء غريب - قراءة : نزار ب. الزين

  1. #1
    الصورة الرمزية نزار ب. الزين أديب
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    الدولة : Anaheim,California,USA
    العمر : 88
    المشاركات : 1,930
    المواضيع : 270
    الردود : 1930
    المعدل اليومي : 0.36

    افتراضي عودي إلي يا حنين - أسماء غريب - قراءة : نزار ب. الزين

    عودي إليَّ يا حنين
    رواية من ثلاثة أجزاء :
    للأديبة المغربية:
    أسماء غريب
    ------------------------
    قراءة أدبية
    نزار ب. الزين
    *****
    -1-
    الضيف الجديد
    قصة ( الضيف الجديد ) - و هي الجزء الأول من رواية ( عودي إليَّ يا حنين ) لوحة فنية راقية ، تغوص عميقا في نفسية طفل ، استيقظ ذات يوم ليرى إلى جانب والدته جسدا متناهي الصغر قالت له أنه أخوه : " كنت أنظر إلى ذاك الجسد المتناهي في الصغر والرابض بجانب أمي بترقب و فضول زائدين ...لم أستطع !!! لحظتها أن أعي تلك المشاعر الغريبة من الخوف و القلق التي كانت تحتدم بداخلي ..."
    ثم تصف بكلمات بسيطة و رشيقة كيف تطورت العلاقة بينه و بين أخيه و كيف أنه لم يأبه – بعد ذلك - لاستغراب صديقات والدته من قوة علاقته به إلى حد غير معقول ، فلا غيرة و لا شعور بالمنافسة و لا أي من التوترات التي تصيب الأطفال عادة عندما قدوم مولود جديد يستلب منهم حب والديهم ؛ و لعل تصرف الوالدة العقلاني منذ اللحظة الأولى كان له أثره الكبير في سلوك محسن الأخ الأكبر: " تعال يا حبيبي ...اقترب ..انظر إلى أخيك ، أليس برائع ، اقترب لا تخف ، اجلس بجانبي ...هيا، هيا سأضعه بين يديك ..يشبهك كثيرا يا حبيبي هه هه ؟."
    الموقف الوحيد الذي اثار غيرته بعد عدة سنوات ، عندما رفضت اصحابه إلى حمام البلدية برفقة أخيه الصغير كما اعتادت لأنه أصبح كبيرا بحيث لن تتقبل وجوده الأخريات في الحمام " كبييير، كبيير، دائما تقولين لي أني أصبحت كبيييرا ، كمال أيضا كبيير لم هو نعم و أنا لا ؟؟؟ "
    و لكن أمه بحكمتها المعتادة تتصرف أيضا بمتنتهى العقلانية : " لا يا حبيبي، كمال ما زال طفلا صغيرا أما أنت فطفل كبير، كل ما في الأمر أن النساء في الحمام لا يشتبهن في كونه طفلا ، كلهن يعتقدن أن كمال طفلة صغيرة ..هذا كل ما في الأمر، ألا ترى يا حبيبي أنه جميل و رائع وكأنه دمية صغيرة ...أعدك يا عمري أنه حينما سيكبر و يصبح عمره ست سنوات فإنك ستبدأ في اصطحابه بنفسك إلى حمام الرجال رفقة أبيك ، اتفقنا ؟ ".
    و تختتم ، الأديبة أسماء غريب ، قصتها بموقف عاطفي جرى بين الأم و طفلها محسن ، يمكن اعتباره من أرقى ما قيل في هذا المضمار ، موقف تجسد فيه ذلك الرابط الإنساني الرائع بين أم عاقلة و ابنها عالي الذكاء : " قبَّلتْ أمي جبيني بحنان زائد ، استرخت له كل عضلات جسدي الصغير، وانفرجت شفتاي عن ابتسامة هادئة، مقتنعا بما قالته لي ، و قفزت لأتعلق بعنقها و أطبع قبلة قوية على خدها، ونسيت كل غضبي قائلا لها:
    - أحبك يا ماما ، أحبببببببك كثيييييرا "
    -2-
    خنتني يا كمال
    قصة خنتني يا كمال هي الجزء الثاني من رواية ( حنين ) للكاتبة أسماء غريب .
    و يكبر الطفلان محسن و كمال .
    أصبح محسن في الخامسة عشر و كمال في التاسعة ، محسن الذي كان يأمل أن يصبح شقيقه كمال رفيقه و مشاركه في هواياته الرياضية يصدمه أنه كان يتجه إتجاها آخر؛ ثم اتى يوم أبدى فيه كمال ضجره من هذه الألعاب و قرر العودة إلى البيت لوحده : " كان كل همه أن يعود إلى البيت و تركته يفعل ذلك فالمنزل لم يكن يبعد عن الملعب إلا بمسافة بسيطة "
    ثم كانت المفاجأة عندما عاد إلى البيت ليجد أخاه يقوم بغسل الصحون : " ما ذا تفعل يا كمال؟ أجننت ؟ تغسل أواني المطبخ؟ و منذ متى ؟ "
    و تدور بينهما مناقشة يؤكد فيها الصغير كمال أن والدته لا تمانع في ذلك بل تشجعه عليه ، و يحاول محسن أن يوضح له أن التقاليد تمنع الذكور من ممارسة الأعمال المنزلية و أن هذه الأعمال مكرسة للإناث فقط ، و عندما أُبلغ الأمر للوالد و هو رجل تربوي ( مدير مدرسة إبتدائية ) أيد وجهة نظر كمال ، مما أصاب محسن بإحباط شديد .
    " أهذا ما لقنته إياك يا محسن ؟ من قال لك بأن الرجال لا يمكنهم إطلاقا المساهمة في أشغال البيت ، ألم ترني قط يوما و أنا أساعد الماما في كل شيء حتي في كي الملابس ، ألم أحك لك عن مغامراتي السابقة مع المطبخ و قصصي حينما كنت في بدايات دراستي الجامعية حيث كنت لا أجيد طبخ حتى بيضة بسيطة ؟؟ "
    ثم تتضح الحقيقة المرة من خلال حوار بين الوالدين ، فالطفل كمال يجمع بين الذكورة و الأنوثة نتيجة عيب خَلْقي ، و هذه المشكلة لطالما أقضت مضجع الوالدة
    فهي تعلم أن كمال ستجرى له عملية جراحية يتحول بعدها إلى أنثى ، معضلة كبيرة تواجه كل من هم في حالة مماثلة ، و من حسن الحظ أنها حالات نادرة . و خلال الحوار ، تتحدث الأم عن مخاوفها و خاصة من ردود فعل المجتمع من حولها : " المشكلة يا زكريا ليست فقط محسن أو كمال ...هل نسيت الناس من حولنا ؟ هل نسيت أنه علينا أن نواجه المجتمع برمته ؟ أم تراك نسيت أنك تعيش ببلد عربي ومسلم ...مجتمع لا أظن أنه سيفتح ذراعيه لنا أو أنه سيحتضن ابنتنا " كمال " ؟ كيف سنسلم من نظرات الناس الخبيثة ...و ألسنتهم السليطة ؟ كيف سنحمي ابنتنا " كمال " من شذوذ الرجال ذوي الأنفس المريضة...بل و كيف سيكون لكمال أصدقاء ذكور ويمنحهم كل ثقته و صداقته ؟ "
    و يقدم الوالد – من ثم – الحل التربوي الأمثل ، فسوف يشرح الموضوع لمحسن ، و لكن عندما يشتد عوده ، و سيعمل على إجراء العملية الجراحية له ، و إذا شعرت (كمال ؟!) بعد ذلك بأي نوع من المضايقة ، سأرسلها إلى الخارج لإتمام تعليمها بعيدا عن عيون الناس .
    مشكلة كبيرة تواجه أسرة صغيرة و لكن من حسن الحظ أن الوالدين على درجة عالية من الثقافة و الوعي التربوي جعلتهما يعالجانها بحكمة و روية .
    من ميزات الكاتبة في هذه القصة ( خنتني يا كمال ) أنها تنفذ إلى عمق عالم الطفولة ، فتحكي لنا بلسان الطفل كمال المصاب بعيب في النطق يدعى ( إبدال الحروف ) ؛ ثم بلسان كمال المصاب بخيبة أمل حتى النخاع لأن أخاه لم يصبح كما كان يأمل رفيقا و أنيسا له ، و بسلاسة متميزة و لغة سهلة ، تنقلنا أسماء غريب إلى صميم المشكلة العويصة التي واجهت الوالدين .
    و من خلال المحاورة بين الشقيقين تلمح الكاتبة إلى تأثير الأعراف المتوارثة – في بلادنا العربية - حتى على الأطفال ، تلك الأعراف التي تقضي بتحديد الإختصاصات بين الذكورة و الأنوثة ، فالأنثى تختص بأعمال البيت التي لا يجوز للذكر أن يمسها ، و الذكر يختص بكل ما يتعلق بخارجه .
    و صفوة القول ، أننا أمام إبداع موفق آخر قدمته الأديبة أسماء غريب .
    -3-
    إنها حنين
    أما الجزء الثالث من الرواية فقد عنونته :( إنها حنين ) ، تغوص فيه أسماء غريب إلى أعماق أعماق الطفولة بنجاح باهر و ملفت .
    فقد تكشفت الحقيقة أمام محسن فتحول كمال إلى حنين حتى قبل إجراء الجراحة له .
    و يصاب محسن بخيبة أمل كبيرة فهو لم يتقبل بأي شكل من الأشكال فكرة تحول أخيه إلى أخته ، أقض الأمر مضجعه ، و أقلق منامه ، و أصبح يشعر بإحراج كبير ، و وصل به الأمر أن ينكر أخوته له : " أصبحت حياتي جحيما ، كان كلما أمعن أخي في إظهار أنوثته إلا و رددت الصاع صاعين، كنت أبالغ على عكسه في إظهار ذكورتي أصبحت أتفادى الخروج معه ..بل حتى الحديث عنه ..كان الأمر يصل بي أحيانا إلى إنكار أخوته أو معرفتي به من الأصل ! "
    ثم يأتي ذلك اليوم الموعود ، لقد تقررت العملية الجراحية و تحدد موعدها ؛ رفض محسن الذي أصبح في الثامنة عشر ، أن يرافق أهله ، كان في أشد حالات الحزن و الإضطراب ، فالأمر أصبح في غاية الجدية ، تألم كثيرا ، و تمنى أن تميد الأرض به ، ليتخلص مما هو آتٍ ، فآثر البقاء في البيت .
    ثم كانت المفاجأة التي قلبت كل الموازين " في الحقيقة لم نتمكن من إجراء العملية ، لاأعرف كيف أشرح لك الأمر ، و لكن أسرتك و هي في طريقها إلى هنا تعرضت لحادثة سير خطيرة ..راح ضحيتها أخوك كمال أقصد أنه دخل في غيبوبة و لكن اطمئن البابا و الماما بخير نجيا بمعجزة ، يمكنك أن تجدهم بقسم مستعجلات مدينة الجديدة لأن الحادثة وقعت هناك و..." و يهرع محسن إلى الجديدة ليرى والديه بخير ، و لكنه ما أن رأى كمال الذي أصبح اسمه حنين في الآونة الأخيرة ، أقصد ما أن رأى حنين مستلقية على سريرها فاقدة الوعي حتى انقلبت كراهيته الشديدة إلى حب شديد .
    و كم كانت سعادته و فرحته عارمة عندما شاهدها تبتسم : " هتفتُ بأعلى صوتي : إنها تبتسم ، يا عالم حنين تبتسم ......ياااعاااالــــم ، يااااهـــو وإذا بي أسمعها تناديني " و تختتم الكاتبة قصتها الثالثة من رواية ( حنين ) بمشهد عاطفي رومنسي يستدر الدموع : " آه ياإلاهي ، لقد عدت لي يا حنين ، عدت سامحيني يا روح الروح ، سامحي كل ألم سببته لك ،سأجن من الفرح، انتظري ، لاتغيبي عنا وهج و جهك الجميل، سأكلم والدَيْنا في الهاتف وأخبرهما بعودتك.
    لمن كنت تبتسمين قبل قليل ، كدت تسلبين لبي ، آآآه يا نسنوسة مع الملائكة إياهم ، أليس كذلك؟ و انطلقت ضاحكا و إياها ، أما هي فأجابتي قائلة :
    أي ملائكة يا (مزنون ) مجنون ، ألم تفهم بعد أن ملاكي هو أنت ، أنت من كنت أبتسم له حتى عندما كنت في القماط."
    أعتقد ، و لا أظن أنني مبالغ ، أن رواية ( حنين ) بأجزائها الثلاثة ، من عيون الأدب و من أفضل ما قرأت في السنوات الأخيرة ، للأسباب التالية :
    أولا : تطرقت الأديبة أسماء غريب إلى موضوع لا أخال أحدا عالجه قبلها ، و هو موضوع الخلل الخَلْقي في الجهاز التناسلي و آثاره الإجتماعية و النفسية .
    ثانيا : الهبوط إلى مستوى الأطفال من حيث تصوير أسلوب تفكيرهم و نظرتهم للحياة و العلاقات الطفولية الإنسانية بشكل يدعو للإعجاب .
    ثالثا : التصوير المدهش لحالة الوالدين ، و أسلوب تربيتهما المتقدم ، و كيفية معالجتهما للمشكلة الخطيرة التي واجهتهما بصلابة و حنكة و شجاعة نادرة
    رابعا : التمكن اللغوي و بساطته فيما يسمى ( السهل الممتنع ) .
    خامسا : جاذبية النص و تعلق قاؤئه بع من ألفه إلى يائه .
    و أكرر أنني أمام كاتبة في قمة الإبداع ما كنت لأعرفها لولا نعمة الثورة الرقمية فتحية لها و لقلمها الذهبي .

  2. #2
    الصورة الرمزية سارة محمد الهاملي قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Jan 2005
    المشاركات : 535
    المواضيع : 14
    الردود : 535
    المعدل اليومي : 0.10

    افتراضي

    الأستاذ الفاضل الأديب نزار الزين

    شكراً جزيلاً على هذا العرض الممتع. بحق استمتعت بقراءة هذه الصفحة.

    تقبل كل التقدير والاحترام.

المواضيع المتشابهه

  1. عودي إليّ حبيبتي..
    بواسطة محمد الأمين سعيدي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 07-07-2009, 01:59 PM
  2. عودي إلي...
    بواسطة ركاد خليل في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 16-03-2009, 10:54 AM
  3. [ . . ا لْ حُ بُّ الوَحِــــيدْ ] . .
    بواسطة محمود قحطان في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 05-05-2008, 02:07 AM
  4. **(( أ .. ح .. بُّ .. كِ شهداً حلاوتُهُ بفمي ))**
    بواسطة عبدالخالق الزهراني في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 19-08-2007, 11:01 AM
  5. عودي يا ساحرتي عودي
    بواسطة عمر الدمشقي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 12-05-2003, 05:20 AM