أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: ذاك الحلم الذي كان

  1. #1
    الصورة الرمزية محمد دلومي قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Apr 2005
    المشاركات : 54
    المواضيع : 19
    الردود : 54
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي ذاك الحلم الذي كان

    من نافذتي المقضبنة ’ أطل على أمتار ضئيلة أصبحت عندي هي الحياة كلها ليس فيها سوى عتمة شديدة السواد تنتشر أناء الليل ونور ضئيل من مخلفات الشمس يطوف بها أطراف النهار . من خلف هذه النافذة أطل على مجتمع الجرذان وهي تجتمع بالعشرات حول قطع الخبز المنثور ’ تقفز هنا وهناك بين المجاري الكريهة في ساحة مغلقة من جهاتها الأربع كانت هذه هي تفاصيل حياتي الجديدة يومها يشبه أمسها و غدها شبيه بما مضى من أيام مذ , أتوا بي إلى هنا و رموني خلف الزمن صرت رقما تسرب من أنامل الحياة .
    لم أكن لأرضى بهذه الحياة الجديدة و أنا الذي عشقت الحرية كما تعشقها الذئاب الحرة فكان لابد لي من استدراج الذكريات و تفجير خزانها و أطلق عقال روحي تسبح أنى شاءت ’ وحدها هذه الروح كانت حرة غير خاضعة لمخلوق .
    أسترجع أيام الطفولة وأنا أطل من نافذة بيتنا أتفرج على جمال حديقتنا اقفز فرحا بالمطر ورائحة التراب وتلك الألوان الجميلة كنت طفل المطر ’ أعشقه وأعشق المضي تحت زخاته دون قبعة أو معطف يقيني من رذاذه الجميل .. تلك الحديقة الجميلة كانت كل عالمي , لازالت تفاصيلها الدقيقة ماثلة أمام عيوني ’ أشجار التوت الجميلة والرمان التي تصطف أمام عيوني كأني أراها الآن . أطبق الجفون وارحل إلى ذلك العالم الذي عشته في صباي .. هاهو الياسمين يتسلق نافذة غرفة أمي , وأريجه ينتشر شذاه في البيت كله والدوالي تتسلق أسوار الحديقة فتدلى عناقيدها خلف الأسوار ليقطف منها أطفال المدارس والمارين جنب بيتنا غلتها ’ أما الطريق الصغير الذي يشق الحديقة نصفين فقد توزعت على جوانبه صنوف من الأزهار التي كانت تعني بها أمي عناية فائقة وكأنها بينها وبين إزهارها ألفة جميلة غارقة في السحر .. أما في الليالي الحالكات فيرحل بك الجمال إلى دنيا غير الدنيا حينما ينشر القمر نوره الضئيل فتصبح الأشجار التي نراها من النافذة خيالات جميلة لأشكال يصنعها خيال الأطفال ..
    في الأيام الممطرة كنت اقضي أوقاتي تحت شجرة التوت أحاول اصطياد العصافير التي تنزل من على أشجار الحديقة لتحط على تربتها وبين حشائشها لتلتقط فتاة الخبز الجاف التي تنثره أمي لها ’ أو تبحث في التربة عن ديدان الأرض .. كانت كل محاولاتي فاشلة فلا الأحجار التي ارمي بها أسراب الطيور تصل ولا الفخاخ التي أعدها لها كانت تجدي نفعا . وعندما ينتصف النهار تطل علي أمي وتلوح لي بيدها أن حان وقت غدائي أسرع نحوها تقف أمام الباب تمسح عني ما علق بي من طين.. ولازال صوتها الرخيم يرن في أذني وهي تعاتبني بلطف " لقد عرضت نفسك للمطر ستمرض يا مجنون "
    تغير لي ملابسي و تعاتبني مرة وتقبلني مرات , تضمني .. تحملني .. تبتسم .. تلقي لي نظرات ود .. تسألني عن عصافيري .. عن صيدي .. وتضحك . تضحك مثل حلم .
    بالنسبة لي لم تكن الدنيا سوى بيتنا والعالم كله حديقته ’ ما أمضيته من لحظات الصبا مع أمي لا تهمله السنون . ولا تمحوه الأيام ولا تأخذه أو تغير منه رياح الزمن شيء كل شيء ماثل أمامي كأنه حدث الآن .. كم لعبنا الكرة .. كم جرت خلفي .. وجريت خلفها . لم أكن أعرف لي صديق ولا صديقة سواها .. لم أكن أخرج من البيت إلا نادرا عندما تزور أمي محلها وتتفقد عاملاتها . كنت أضيق ذرعا بثرثرة الحلقات والزبونات وأغراض السوق ... أعود إلى البيت وفي قلبي وحشة وشوق وحنين جارف إلى كل ركن من أركانه ’ كان بي مس من حنين إلى أغصانه ,,, أزهاره ,, أطياره ’’ قرميده الأحمر
    أذكر عندما يغشى المطر الحديقة , أصعد على كرسي صغير وأطل من نافذة غرفة أمي على أسراب عصافير الدوري والحساسين والحمام وبعض الطيور التي لا أعرف لها سميا ’ وهي تنزل من سطح المنزل ومن فوق الأغصان لتجتمع كلها في ارض الحديقة وقد اختلطت تغريدها فأصاب بحالة من الفرح ممزوجة بخيبة .. خيبة الصياد الفاشل الذي لم يقدر على اصطياد عصفور منذ أيام ’ وأبقى على حالي أتأمل جمال العصافير وهي تقفز من مكان على مكان .وأمي مستلقية على فراشها غارقة في شرودها وصوت نجاة الصغيرة الحالم يسترسل مع تغريد العصافير ’ فتهدأ النفس وتركن الروح إلى عالم جميل , فيخيل لي أن العصافير ترقص والأغصان ترقص ’و الأشجار ترقص وكل الدنيا ترقص .
    وعندما يتوقف المطر وتطل الشمس ويرتقي قوس قزح في السماء , تخرج معي أمي إلى الحديقة ’ تتوسط الحديقة و تبتسم لي في حنو وتطلب مني أن ابتعد عنها أتراجع إلى الخلف إلى أن أصل باب البيت فأجلس هناك أتأمل مشاهدا لازالت تتشبث بخيالي وذاكرتي .. كان المنظر ساحرا وأنا أرى أمي ترفع يديها إلى السماء وتفتح كفيها فتهطل عليها الطيور وتطوف بها , كان مشهدا حالما , كانت تنثر الخبز الجاف المطحون من حولها وتدور في كل جهة والعصافير تتسلق كتفيها وتحتل رأسها فيتناثر شعرها الحالك السواد وتغرق هي في ضحك جميل وينزل عصفور وآخر و آخر حتى لم يعد على الأغصان طيرا ولا عصفورا إلا كان أمامها أو على أحد كتفيها وتضع بعضا من الحب على شفاهها فينزل عصفور بلطف ليخطف طعامه من شفتيها في شبه قبلة ساحرة , أما هي فغارقة في ضحك جميل ’ كانت أمي في تلك الفترة ربما في عامها الثالث بعد العشرين لذا كانت لازالت طفلة تصنع لها جمالا آخر وعالم ساحر . كانت رائعة وهي تتوسط كل تلك الأشكال من العصافير ’ وقد انسدل شعرها على كتفيها ساحرا تتقاذفه نسمات ما بعد المطر الخفيفة . كنت أعجب كيف لا تفر منها الطيور . ومرة على مرة كانت تنظر نحوي وهي غارقة في الضحك والعصافير تقفز تارة إلى كتفيها وأحيانا تحط بين أناملها وأحيانا تحاول أخذ فتاة الخبز من شفتيها في ما يشبه قبلة سريعة , وكأن بينها وبين أمي ميثاق حب قديم وعقد من الحنان المتبادل , وتعود أمي أدراجها نحوي وتضع في كفي الصغيرة شيء من الطحين وفتاة الخبز الجاف وتطلب مني أن أصنع مثل صنيعها ’ أتقدم بخطوات ثقيلة نحو تلك الأسراب وقلبي الصغير يخفق وبصري يزيغ ذات اليمين وذات الشمال ومرة التفت إلى الخلف نحو أمي ’ أسير الهوينى كالخائف من خطب وما هو بخطب لكنه الجمال الذي تدفق فخشيت أن يتسرب من حولي فجأة وسرعان ما تفر العصافير محلقة نحو أغصان الأشجار , وإلى سطح القرميد وتظل رابضة في أمكنتها وكأنها تشك في نواياي , ولا عصفور واحد يغامر وينزل نحو كفي المفتوحة على فتاة الخبز .. ومثل الأبله أو (فزاعة) المزارع أنتظر هطولها نحوي ولكن عيون العصافير ترقبني ولا تغامر بالنزول ’ وتضحك أمي , تضحك .. تضحك حتى يردد صمت المكان صدى ضحكاتها فيخيل لي أن الدنيا كلها تضحك معها وتهرول نحوي ضاحكة وتنزل إلي بركبتيها وتقبلني في كل وجهي , ولازلت أحفظ منها ذلك الكلام الجميل وهي ماسكة بيدي متجهين نحو مدخل البيت
    ( يا طفلي .. قبل أن تطعمها من كفك . أطعمها من قلبك ) .
    لم أكن أعرف ولا افهم كيف هو طعام القلوب هذا الذي أهبه للطيور والعصافير .
    ها أنا اليوم خلف القضبان بعد مضي تسع وعشرين سنة على الجمال الذي مضى وها أنا اليوم قد تعلمت معنى أن أطعم الناس من قلبي ..
    كثيرون أطعمناهم من قلوبنا ولم ينل منهم هذا القلب سوى النكران والجحود ..
    أفتح عيوني ببطء وكأني أمني نفسي بحديقة أمي , وأيام جميلة خلت .. ولما أتبين معالم المكان أرى من نافذتي الحديدية قطيعا من الجرذان يهجم على الخبز الجاف .. وانسحب إلى فراشي القذر محاولا رسم خيال آخر لقطعة من جمال وزمن من جمال أمضى وبين عيني صورة أمي ,,, وضحكة أمي ,,, وتبكيني دموع أمي وأنام على دموع تبلل وجهي أستج
    دي بها حلم أرحل به إلى حريتي .
    سجن الحراش / في مايو 2006

  2. #2
    في ذمة الله
    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    العمر : 71
    المشاركات : 674
    المواضيع : 101
    الردود : 674
    المعدل اليومي : 0.15

    افتراضي

    أعانق الحلم الذي ولد في سجن الحراش ولي عودة مع لنص
    خالص تحياتي

  3. #3
    قاص
    تاريخ التسجيل : Feb 2006
    المشاركات : 512
    المواضيع : 19
    الردود : 512
    المعدل اليومي : 0.10

    افتراضي

    القاص الجميل / محمد دلومي
    قصة جميلة ، عزفت فيها برقي على أوتار قلب سجين مترف ومرهف في طفولته ، تشكل أمه حالة جمالية خاصة من خلال الوصف الجميل للعلاقة الحميمة بين الأم الشابة الجميلة والحمام والعصافير ومفردات الطبيعة ، والصبي الصغير الذي تنحصر حياته في علاقته بأمه والتي هي كل حياته وعالمه لا يتجاوز المنزل وحديقة المنزل الغناء ومشكلته كما نستنبط من النص أنه بعد فقد أمه التي كانت تحرص على تعليمه كيف يتعامل بحب مع الحمام والعصافير ويتعامل بعد ذلك من البشر ، أنه كما يبدو لم يفلح ، فالبشر غير الطيور ، فقابلوا الحب بالكره والمعروف بالنكران ، وهي إشارة إلى قسوة البشر والمجتمع ، ولكن تظل هذه الإشارات مطلقة وعامة ، وتجسيدها دراميا من خلال حدث محدد أو واقعة محددة ، تتحرك في النص في صورة شخص مثلا من لحم ودم وفعل وحركة ، كل هذا كان سيقوي الصراع ، فالصراع دائما بين قوتين أو أكثر ، وتحديد هذه القوى ورسمها داخليا وخارجيا أعتبره من العناصر المهمة ، ولقد نجحت بإقتدار في تصوير حالة البطل وتعرفنا عليه نفسيا وفكريا واكتفيت بتصوير القوة الأخرى بعبارات عامة أو اكتفيت بأن يتخيل القارئ وينسج من خياله قوة أخرى مكافئة وموازية ويستطيع القارئ أن يفعل ذلك ، وفي كل الحالات أراني منحازا للقصة ومعجبا بكاتبها وبلغته الجميلة
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  4. #4
    الصورة الرمزية محمد دلومي قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Apr 2005
    المشاركات : 54
    المواضيع : 19
    الردود : 54
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الشربينى خطاب مشاهدة المشاركة
    أعانق الحلم الذي ولد في سجن الحراش ولي عودة مع لنص
    خالص تحياتي
    أستاذي العزيزي لازلت أنتظر عودتك بشغف.

  5. #5
    الصورة الرمزية محمد دلومي قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Apr 2005
    المشاركات : 54
    المواضيع : 19
    الردود : 54
    المعدل اليومي : 0.01

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مجدي محمود جعفر مشاهدة المشاركة
    القاص الجميل / محمد دلومي
    قصة جميلة ، عزفت فيها برقي على أوتار قلب سجين مترف ومرهف في طفولته ، تشكل أمه حالة جمالية خاصة من خلال الوصف الجميل للعلاقة الحميمة بين الأم الشابة الجميلة والحمام والعصافير ومفردات الطبيعة ، والصبي الصغير الذي تنحصر حياته في علاقته بأمه والتي هي كل حياته وعالمه لا يتجاوز المنزل وحديقة المنزل الغناء ومشكلته كما نستنبط من النص أنه بعد فقد أمه التي كانت تحرص على تعليمه كيف يتعامل بحب مع الحمام والعصافير ويتعامل بعد ذلك من البشر ، أنه كما يبدو لم يفلح ، فالبشر غير الطيور ، فقابلوا الحب بالكره والمعروف بالنكران ، وهي إشارة إلى قسوة البشر والمجتمع ، ولكن تظل هذه الإشارات مطلقة وعامة ، وتجسيدها دراميا من خلال حدث محدد أو واقعة محددة ، تتحرك في النص في صورة شخص مثلا من لحم ودم وفعل وحركة ، كل هذا كان سيقوي الصراع ، فالصراع دائما بين قوتين أو أكثر ، وتحديد هذه القوى ورسمها داخليا وخارجيا أعتبره من العناصر المهمة ، ولقد نجحت بإقتدار في تصوير حالة البطل وتعرفنا عليه نفسيا وفكريا واكتفيت بتصوير القوة الأخرى بعبارات عامة أو اكتفيت بأن يتخيل القارئ وينسج من خياله قوة أخرى مكافئة وموازية ويستطيع القارئ أن يفعل ذلك ، وفي كل الحالات أراني منحازا للقصة ومعجبا بكاتبها وبلغته الجميلة
    أستاذي القدير يكفيني شرفا تواجدك هنا ..
    وشكرا لأن القصة أعجبتك ..
    وصراحة لا اجد كلمات مناسبة تعطيك حقك فكلماتك التي كتبتها أجدها كبيرة لدرجة ان ردي مهما كتبت فيه سيبقى صغيرا جدا.
    فشكرا بحجم السماء والفضاء .

المواضيع المتشابهه

  1. هذا الذي كانً ولَم يَكُن
    بواسطة أنس إبراهيم في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 30
    آخر مشاركة: 20-11-2008, 05:06 AM
  2. مُسَافِرٌ في الحُلْمِ إلى الحُلْمِ
    بواسطة طه محمد طه عاصم في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 25-10-2007, 12:26 PM
  3. ابحار في نص جاء الذي كان قد جاء لدينا الشهوان \ زياد جيوسي
    بواسطة زياد جيوسي في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 29-04-2006, 01:54 PM
  4. صدام: كان بإمكاني الحفاظ على المجد الذي أنتم فيه.. ولكني صاحب مبدأ!!
    بواسطة عربيا انا في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 31-12-2003, 01:31 PM