أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: البراجماتية وأثرها على سلوك المسلمين

  1. #1
    عضو غير مفعل
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    المشاركات : 219
    المواضيع : 14
    الردود : 219
    المعدل اليومي : 0.04

    افتراضي البراجماتية وأثرها على سلوك المسلمين


    ما هي البراجماتية ؟
    إن البراجماتية اسم مشتق من اللفظ اليوناني براجما (pragme) وتعني " العمل " . وعرفها قاموس ويبستر العالمي (Webster) بأنها تيار فلسفي أنشأه شارلز بيرس (price) ( ووليام جيمس William James) يدعو إلى أن حقيقة كل المفاهيم لا تثبت إلا بالتجربة العلمية ".
    أما ديوي فقد وصف البراجماتية بأنها " فلسفة معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات ، وبقدر صدق هذه التصورات تكون النتائج ، أما البراجماتية فهي تدعُ الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة ، وليس هناك حق أو حقيقة ابتدائية تفرض نفسها على الواقع "(2).
    وكما يؤكد جيمس الذي طور هذا الفكر ونظّر له في كتابه " البراجماتية " Pragmatism ، فإن البراجماتية لا تعتقد بوجود حقيقة مثل الأشياء مستقلة عنها . فالحقيقة هي مجرد منهج للتفكير ، كما أن الخير هو منهج للعمل والسلوك ؛ فحقيقة اليوم قد تصبح خطأ الغد ؛ فالمنطق والثوابت التي ظلت حقائق لقرون ماضية ليست حقائق مطلقه ، بل ربما أمكننا أن نقول : إنها خاطئة .
    بين العلمانية والعقلانية :
    يخلط من يعتبر البراجماتية مصطلحاً مرادفاً للعقلانية ؛ فالبراجماتية تقرر أن الحقيقة أو التجربة أو الواقع يتغير ، أما الواقع والحقيقة في نظر العقلانية فهي قائمة منذ الأزل ؛ فبمقدار ما ينظر العقلانيون إلى الماضي يعتد البراجماتيون بالمستقبل وحده . أما العلمانية أو " اللادينية " بتعريفها العلمي الدقيق فقد كانت وما تزال منهجـاً فكـرياً هـداماً تسللت من خلاله أفكـار الغرب وقيمه التي حملها ، وكان من أخلص دعاتها بَعْضٌ أبناء هذه الأمة وفلذات كبدها . إلا أن تيار الصحوة الإسلامية الذي اجتاح بفضل الله ورحمته بقاع الأرض تصدى لهذا الفكر الفاسد ، وعرَّى دعاته ، ورد كيد مروِّجيه ؛ فلم يعد للعلمانية في عدد من ديار المسلمين التي نضجت فيها الصحوة ونمت وأثمرت مشاعل خير وهدى ، لم يعد لها بريق أخاذ كما كانت في الماضي ؛ فقد أصبحت الأصوات المنادية بأفكارها نشازاً ، ودعاتها منبوذين ، واستبانت للجماهير " سبيلُ المجرمين " وطرقُهم . فلم يعد مقبولاً في أكثر بلاد المسلمين أن ينعق أحد بالقول : " ما للإسلام وسلوكنا الشخصي ؟ " ، " وما للإسلام وزي المرأة ؟ " ، " وما للإسلام والأدب ؟ " ، "وما للإسلام والاقتصاد ؟ " . لكن هذه الأصوات تجد آذانا صاغية ، بل وأتباعاً ومريدين ومؤيدين حينما تنهج الفكر البراجماتي فتقول: " إنه لا بأس بوجود القنوات الفضائية العربية الماجنة طالما أنها تصرف المشاهدين المسلمين عن القنوات الكفرية المنحلة " ، أو تنادي بأن التمكين في الأرض واستخلافها يسوِّغ بعض الربا إذا ما أدى إلى انتعاش موارد الأمة وقوة اقتصادها . كما أنه ليس في بعض الكفر والإلحاد بأس إذا ما أنتج الأدب إبداعاً ثقافياً مميزاً . فهذا المذهب الذرائعي البراجماتي ربما كان مطية يمتطيه أصحاب الفكر العلماني للوصول إلى مآربهم وأهدافهم في تمييع شـرائع الدين ونقض أصوله وثوابته .
    والحق أن البراجماتية ـ على هذا النحو ـ تعد أكثر خطراً على سلوك المسلمين وعامتهم من العلمانية في وقتنا المعاصر . كما أن دعاتها الذين استمرؤوا هذا الفكر ودافعوا عنه ، وروجوا له وحسنوه في أعين الناس ، وارتضوه معتقداً ومنهجاً لسلوكهم ليسوا مجرد عُصاة ، بل مبتدعة ومحدثون يسري فيهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" وقوله ـ عليـه الصـلاة والسلام ـ: " من أحدث فيها أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " . وهم أشد من مرتكبي المعاصي المقصرين والمعترفين بذنوبهم وآثامهم ، فكما قال سفيان الثوري: " البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ؛ فإن المعصية يتاب منها ، والبدعة لا يتاب منها " فخطرهم قد امتد إلى كثير من نواحي الحياة ، ولم يقتصر على السلوك الشخصي لأبناء الأمة ، بل تجاوزه إلى التغلغل إلى معاملاتهم الاقتصادية ، وتوجهاتهم الأدبية ، ومناهجهم السياسية ، ومنطلقاتهم الإعلامية .
    البراجماتية في الأدب :
    إن التزام المسلم فيما يكتب ويقول يعد مبدأ هامّاً من المبادئ المقررة في الشريعة وهو " الالتزام " الذي تدعو إليه أدبيات الدعوة ، وسيرة السلف الصالح .
    فحياة المسلم وأفكاره ومنطلقاته لا تسير عبثاً ولا تتشكل ارتجالاً، بل قوامها ومرجعها الثوابت الأساسية ، والشرائع الربانية التي تعد الإطار العام الذي ينظم للمسلم ومنطلقاته وتوجهاته العلمية والأدبية والسياسية والاقتصادية وسائر حياته العامة .
    والناظر إلى المذاهب الأدبية المتعارضة والمتناقضة يجد أنهـا كانت نتاج أزمات وردود أفعال زمنية مَرَضِيَّة مرتبطة بالحالات والأزمان التي عايشتها . لذا فقد ظهرت تلك الأفكار ونمت تلك الاتجاهات الأدبية المريضة وما يقابلها من اتجاهات معاكسة وانبثقت من المجتمعات التي تسودها الأنانية المطلقة والحرية الفردية التي تقدس الوحدوية وتسعى إلى نقل ذلك التقديس الفردي إلى ما يصدر عن ذلك الفرد من أقوال لا ترتبط بثوابت ولا بقيم .
    وقد كان للاتصال بالغرب والتتلمذ على أيديهم الأثر الكبير في تبني تلك المذاهب الأدبية المنحرفة ، فبدافع الواقعية أو البراجماتية في الاستفادة من العلوم الغربية ومحاكاة الغرب والتنافس معه في طلب العلم والمعرفة أقبل الأدباء والمفكرون المسلمون على تبني تلك المناهج الأدبية المنحرفة ، وسايروا توجهاتهم الفكرية والأدبية ، ونقلوها على علاتها وأسقامها ، فظهر المتبنون للمناهج الأدبية التي منها تلك المناهج التي تجعل كاتب النص أو مستقبله يترفع عن المبادئ والقيم التي تحكم المجتمع ، فيقرأ المستقبل للنص ، وهو يشارك القائل الحرية في معناها الإنساني دون أن يكون للنص علاقة بصاحبه أو بمظاهر الحياة أو قيمها التي تسود في ذلك الزمن الذي صدر فيه النص . كما ظهر أولئك المسايرون للمذاهب الحداثية في دراسة النصوص ، فاعتنوا بالشكل دون المضمون ، وأصبحت دراسة النص لديهم تنْحو المنحى التحليلي المعتمد على الدلالات والرموز والطلاسم والإشارات المتحررة من جميع النـزعات الدينية أو السياسية أو المذهبية ، وتخلَّوْا عن مصطلحات النقد العربي إلى المصطلحات الغربية ليضفوا على توجهاتِهم الشرعيةَ والعلميةَ فتحوَّل المجاز في اللغة إلى " انحراف " ودلالات الألفاظ إلى " سيميوتيكا "، والإشارات الموحية إلى " سوسيولوجيا "، وقواعد اللغة إلى زوايا وخطوط وتقاطعات وتداخلات هندسية ، وحلت هذه المصطلحات محل مصطلحات النقد الأدبي الموروث ؛ ليختلط بذاك المعنى مع التركيب مع الدلالة ولتصبح إبداعاً وابتكاراً وتجديداً يختلط فيه الصحيح مع السقيم والحق مع الباطل ، والخير مع الشر دونما رابط أو محدد أو إطار ينظم ذلك الإبداع ويقوِّمه .
    البراجماتية في الإعلام :
    خلافاً للأدب الذي كانت بداياته وأصوله الإسلامية حسنة منذ زمن طويل ، فإن ولادة الإعلام في كثير من بلاد المسلمين كانت على يد المستعمر الأجنبي الذي أنشأ تلك الوسائل الإعلامية التي من أهدافها أن تديم وتبقي استعماره ، وترسخ سيطرته وسطوته ؛ ولذلك فقد كانت منطلقات الإعلام وأهدافه لا تمت بصلة لخدمة قضايا الأمة ، ولا ترتبط بتراثها الأصيل ؛ فالإذاعة على سبيل المثال بدأت في بلادنا العربية كمحطات أهلية صغيرة متفرقة في مصر هدفها خدمة الاستعمار، فلما تحولت إلى مؤسسات حكومية ظلت تقلد الغرب وتعتمد على الترجمة والاقتباس والنقل الأعمى لما تبثه إذاعات الغرب ووسائله ، وهكذا كان الحال في معظم البلاد العربية والإسلامية ، وما يسري على الإذاعة يسري كذلك على التلفاز والمسرح والسينما التي تنافست في تشتيت هوية الأمة ، وإهدار فكرها ، وتمزيق وحدتها ، وإفساد أخلاقها .
    وعلى هذا فقد بُني أغلب إعلامنا لخدمة الغرب ومبادئه ، وغلب عليه الانفصام بين الدين والدنيا ، والبعد عن الأصالة ، والإيغال في التقليد الأعمى ، ولم تكن الحركات الإصلاحية الرسمية ذات أثر فعال سوى فيما يحقق أهدافها ومآربها من توجهات إعلامية ترضيها ، وتعمل على تقديسها وإضفاء الشرعية المطلقة لأحكامها وأوامرها .
    ولما هيأ الله لهذه الأمة صحوة مباركة أيقظت أبناءها من السبات العميق ، والغفلة الغارقة ، أدرك المصلحون الحاجة إلى صياغة أخرى للإعلام الإسلامي وخدمة قضايا الأمة وأهدافها السامية ؛ حينها ظهرت المحاولات الجادة " لأسلمة " الإعلام ، وجعله أداة داعية إلى الخير العام للإنسانية ، ومعيناً على عمارة الأرض والاستخلاف فيها ، ومحققاً للعبودية الخالصة لله ـ عز وجل ـ كما قال - تعالى -:{ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } (الأنعام: 162)، وظهر في الساحة الإسلامية أولئك المتبنون والمتحمسون لتقديم إعلام إسلامي رزين ، يكون بديلاً لتلك المعاول الهدامة والوسائل المفسدة ، ولكنها لم تكن سوى بدايات متواضعة واجتهادات بسيطة أمام ذلك الفساد الجارف ، ونشأ بين هؤلاء وأولئك البراجماتيون الذين خلطوا السم بالدسم ؛ ليقدموا إعلاماً هجيناً مشوَّهاً يختلط فيه الحق بالباطل والخير بالشر ؛ فظهرت تلك الصحف والمجلات والقنوات الفضائية ، التي جعلت الترويج والترفيه هدفاً أساساً وغاية كبرى للإعلام الإسلامي البديل فخلطت المفاهيم ، ومُيِّعت القضايا باسم الإسلام ونصرته ونشر مبادئه السمحة ؛ فليس هناك غضاضة لدى القائمين عليها من أن تعرض تلك القنوات أفلاماً عربية ساقطة ومفسدة للأخلاق بحجة أنها البديل الأفضل والأهون ضرراً على المشاهد العربي المسلم من تلك الأفلام الأجنبية الغربية الخليعة . كما أنه لا بأس في عصر الحضارة والتقدم أن تنبري بعض الماجنات والمتغربات مظهراً ومخبراً لتقديم الفتاوى الإسلامية ، ومناقشة القضايا الدينية والاجتماعية في حياة أبناء وبنات هذه الأمة .
    فكان هذا التوجه البراجماتي الخطير نذير شؤم على تصحيح مسار الإعلام الإسلامي النبيل ، فدعاته هم أولئك الذين يملكون السبل المادية ، والإمكانات البشرية التي يحلو لها الرقص على ما يثير نزواتها وشهواتها .
    البراجماتية في الاقتصاد :
    يقول الدكتور محمد عزيز سالم : " إن البراجماتية تعبير صادق عن الفلسفة الأمريكية "، فهي تدعو إلى " العملية " وتتخذ من " العمل " مقياساً للحقيقة ، لتوافق بذلك ما يدعو له النظام الرأسمالي الذي يربط بين الحقيقة من جهة ، والذاتية والنفعية من جهة أخرى .
    وأصبحت البراجماتية منذ ذلك الحين المبدأ الإداري والاقتصادي الحكيم الذي يتعامل مع الواقع وما يحيط به من ظروف متغيرة بصورة عملية تحقق الأهداف القائمة على مبدأ المنافسة الحرة بكفاءة واقتدار . وأصبح المصطلح البراجماتي مفهوماً مرتبطاً بالإدارة والاقتصاد وتسلل هذا المفهوم إلى مبادئ الاقتصاديين والإداريين المسلمين وسلوكيات التجار وأصحاب الأموال والاستثمارات ، فتساهل الممارسون للأعمال التجارية في استخدام جميع الوسائل ـ بغض النظر عن شرعيتها ـ للوصول إلى ما يعتقدونه هدفاً سامياً ، وغاية حسنة تسوغ الوسائل كلها ، فظهر من ينادي بحِلِّ بعض أنواع الربا حتى تتمكن البنوك الإسلامية من مقارعة مثيلاتها الغربية الكافرة ومنافستها، واستحلال اليانصيب لجمع الأموال وإنفاقها في وجوه الخير ، كما ظهر من لا يرى غضاضة في استخدام الأساليب الإعلامية والإعلانية الشهوانية ، تقليداً للغرب ؛ وذلك بحجة جذب المستهلكين إلى الصناعات المسلمة ، وصرفها عن صناعات أعدائها ؛ فأصبح من المضحك المبكي أن ترى من لا يجد بأساً في ظهور الفتيات الفاتنات يعرضن إعلاناً لأحد المنتجات العربية ، ما دمن متحجبات الحجاب العصري الجديد . كما ظهرت في بلادنا العربية تلك الاستثمارات السياحية المشبوهة والاحتفالات المختلطة التي يسوِّغ دعمها صرف الشباب المسلم عن الوقوع فريسة السياحة الغربية الكافرة . والأمثلة كثيرة على تلك الاستثمارات التجارية المتنامية في بلاد المسلمين التي تقوم على أسس براجماتية وذرائعية .
    أسباب انتشار البراجماتية :
    إن أسباب انتشار الفكر البراجماتي كثيرة ومتعددة، كما أن العوامل التي ساهمت في نموه وقبول فئة من الناس له مختلفة ومتداخلة .
    وإجمالاً للقول: فإن من تلك الأسباب الكثيرة التي يحسن إلقاء الضـوء عليها :
    أولاً: قلة العلم الشرعي .
    ثانياً: اتباع الهوى .
    ثالثاً: اتساع الفجوة بين العلماء والمفكرين .
    رابعاً: التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    أولاً: قلة العلم الشرعي :
    لعل من أبرز عوامل بروز هذه الظاهرة هو: قلة العلم والعلماء المختصين بالعلم الشرعي ، وندرتهم لسد حاجة الأمة ؛ فقد أتى على المسلمين زمن ضعفت فيه همم الشباب عن طلب العلم الشرعي ، والتخصص فيه ومتابعة علومه ، واكتفى كثير منهم بالعلم السطحي المادي مسايرة للتقدم الحضاري الغربي ، فظهرت الفجوة الكبيرة والنقص الواضح في المرجعية والتخصص العلمي ، وظهرت طبقة جديدة من المثقفين وجيل جديد من المختصين الحاملين للشهادات العلمية البراقة والأسماء العلمية اللامعة التي لا تحمل في جعبتها من العلم الشامل إلا القليل؛ فانتشرت بذلك " الجهالة المقنعة"، وترأَّس أولئك المثقفون والمفكرون المعاهد والأقسام ، وتصدروا مجالس الفتوى ومنابر الفكر ، ونعتهم الإعلام بالمفكرين المثقفين ؛ فصاروا مرجعاً للعلم والإفتاء ، فخلطوا الحق بالباطل ، والخطأ بالصواب ، فصدق قول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيهم : " إ ن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبقِ عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا "، فلا غرو والحالة هذه أن نرى في وسائل الإعلام من يتخبط بالقول منكراً أن يكون للمسلمين علاقة دينية بالمقدسات الفلسطينية، أو أن نسمع فتاوى تروِّج لها وسائل الإعلام المكتوبة تبيح ربا البنوك اليوم بحجة أنه ليس من " الربا القرآني المحرم "، أو أن يخرج علينا فقيه عصري يحل أموال اليانصيب والمشاركة فيها تفويتاً لاستغلالها من قِبَلِ الكفار .
    وكان من أولئك المفكرين من أعمل العقل في كل شيء ، وجعل النقل تابعاً لاستنباطات العقل ومداركه وما يراه عملياً في عصره وبيئته ، فقدموا عقولهم المحدودة على النقل ، وحكَّموها في قبول النصوص الصحيحة الصريحة وردها ، وظهرت المدرسة العقلية من جديد ولكنها عبر الذرائعية ، لتكثر المناقشات والمجادلات والمواقف العلمية الشاذة ، والشبهات العقلية المنحرفة ، والتأملات الفكرية المنكرة . ومن ذلك ما ذكر عن أحد المفكرين الذي ملأت سمعته الأصقاع أنه عندما خرج إلى رمي الجمار في منى فشاهد زحام الناس الشديد عليها وقف قريباً من خيمته وقال لمن معه : إن الله لم يكلف نفساً إلا وسعها ، وإن الغاية من الرمي تجسيد عداوة الإنسان للشيطان ، فتعالوا نرمي هنا ، فرمى حصى الجمرات بجوار خيمته ! . أو تسمع عن ذلك الإمام الإسلامي الكبير الذي أجاز لأتباعه في أمريكا الشمالية أن يؤدوا صلاة الجمعة يوم الأحد بدلاً من يوم الجمعة ، وذلك كي يتمكن المسلمون من الحضور واستماع الخطبة ؛ نظراً لارتباطهم بأعمالهم يوم الجمعة *!
    ثانياً: اتباع الهوى :
    يقول المولى - عـز وجـل -: (واتـل عليهـم نبـأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) .{الأعراف: 175، 176}
    يقول سيد قطب - رحمه الله - في الظلال: " والحياة البشرية ما تني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وزمان ، وفي كل بيئة .. حتى إنه لتمر فترات كثيرة ، وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مَثَلُه ؛ فيما عدا الندرة النادرة ممن عصم الله ، ممن لا ينسلخون مـن آيات الله ، ولا يخلـدون إلى الأرض ، ولا يتبعون الهوى ، ولا يستزلهم الشيطان .. ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عاماً ، ثم يكتب في حله كذلك عاماً آخر . ورأينا من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس، ويخلع على هذا الوحـل رداء الدين وشـاراته وعناوينه ".
    وما ظهر الاتجاه الذرائعي في الفتوى والأحكام والمعاملات إلا من بعد أن ركن هؤلاء الدعاة إلى ما تميل إليه نفوسهم ، وترغبه وتهواه من أمور تسوِّغ لهم تصرفاتهم ، وتحقق لهم مصالحهم ، وتزكي لهم أعمالهم . وكانت مجالستهم واختلاطهم بالنفعيين المتزلفين وأصحاب الأهواء فتيلاً أجج نار الهوى لديهم؛ فاعتدُّوا بآرائهم واستحسنوها ووجدوا من أتباعهم من تروق له هذه الأفكار والأحكام والاتجاهات ومن باركوها وتتلمذوا عليها . وظهر من ينادي بأن " الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان " ويحتج بأن العلماء غيَّروا فتاواهم عندما تغيرت أماكنهم وأزمانهم ، كما كان من الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ عندما ذهب إلى مصر فصار يفتي بغير ما كان يفتي به في الشام حتى صار له مذهبان : أحدهما قديم ، والآخر جديد . وهكذا حتى وجدوا تخريجاً لكل ما تهوى أنفسهم من أفعال وأقوال .
    ومن أكبر تبعات اتباع الهوى إضلال الآخرين وإبعادهم عن الطريق الحق ؛ فالهوى لا يقتصر خطره على صاحبه، بل كثيراً ما يتعداه إلى غيره من الناس ؛ فقد قال المولى - عز وجل -: (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ) {الأنعام: 119}؛ فعامة الجماهير لا تفرق بين الحق وقائله ، فتعرف الحق بالرجال ؛ فإن صدر ممن اشتهر بين العامة بالعلم أخذوا منه كل ما قال ، وإن اشتهر بعمل الخير سوَّغوا له كل ما عمل ، وقلدوه في كل أمر ، وهكذا حتى انتشر المذهب الذرائعي البراجماتي بين الناس بزلات أهل العلم والاختصاص واتباعهم لأهوائهم .
    ثالثاً: اتساع الفجوة بين العلماء والمفكرين :
    لقد استيقظت الأمة الإسلامية من غفلتها وسباتها وقد سبقها الغرب إلى ركب الحضارة والتقدم والمعرفة ، فلم يكن لأبنائها بد من السعي الحثيث لاقتفاء أثر المعرفة الدينية والدنيوية في معاقل الغرب ومعاهدهم ، فنشأ جيل من المفكرين والمثقفين الذين تتلمذوا وتعلموا على أيدي الغرب ومناهجهم ، وكان منهم من يستهجن آراء بعض العلماء وفتاويهم وتصريحاتهم ومحاضراتهم ويكثر من العبارات المنتقصة لوعيهم وإحاطتهم بالواقع المعاصر ، وظهرت المصطلحات الساخرة " كدعاة الجمود " و" التحجر الفكري " و " غلق باب الاجتهاد " .
    وفي المقابل فقد كان لانغلاق العلماء الشرعيين في حدود بيئتهم الضيقة سبب في اتساع هذه الفجوة ؛ فقد ترفع بعض هؤلاء العلماء عن مخالطة المفكرين والرد عليهم والاطلاع على آرائهم وكتبهم ، واكتفى بعضهم بالحكم على بعض أقوال المفكرين أحكاماً عامة لا تَشْفِي غليل الأجيال الناشئة التي كانت الضحية الأولى لهذه الفجوة . ففي حين ظهر تيار شعبي رافض لجميع وسائل الحوار والرد والتصدي لمثل هذه الأفكار ومناقشتها بحجة الحكم مسبقاً على أصحابها بالضلالة، ظهر تيار آخر من تلك الأجيال الناشئة راقت له هذه الآراء وتبناها وعمل بها ودعا إليها ، دون تمحيص أو تقييم ؛ فزاد هذا التقسيمُ الفجوةَ اتساعاً يصعب الآن ترقيعه .
    رابعاً: التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
    إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهمة التي بعث الله بها الرسل أجمعين . وبإقامته كما أمر الله - سبحانه وتعالى - استحقت هذه الأمة أن تكون خير أمة أخرجت للناس؛ حيث قال المولى - عز وجل -: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله {آل عمران: 110} ؛ وإن من أشق ما تواجه الأمة اليوم هو الغبش والغموض في مدلول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعناه الشامل الذي يقتضي " استبانة سبيل المجرمين" وإظهار الحق ومناصرته ، ودحض الباطل وتعريته .
    وقد كان لاختلاط المسلمين بالمجتمعات الغربية أثر واضح في تمييع المفاهيم الإسلامية والتساهل في بعض الأحكام ، بل وردها أحياناً مجاراةً لتحقيق التعايش وتبادل المصالح وتقارب الأفكار . فلم يعد مستغرباً أن نستمع الآن إلى خطيب يستنكر على أصحاب العقول المتحجرة أنهم يصرحون بدخول النصارى النار ، محتجاً بأن القرآن امتدحهم وأن بعضهم قدّم للإنسانية أجمع أعمالاً جليلة في حين يرتكب بعض المسلمين جرماً وآثاماً تعجز عن حملها الجبال ولا يحكم عليه بدخول النار ! كما أنه لم يعد مستغرباً اعتراض بعض الكتاب على الحجاب الإسلامي ، واعتباره مسألة هامشية ينبغي ألا تعيق المرأة من مشاركتها في تنمية المجتمع والمساهمة في بنائه أسوة بمثيلاتها في الغرب . ومن ذلك أيضاً احتجاج بعضهم بالقاعدة الدعوية المعروفة " نتعاون فيما اتفقنا عليه ، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه " ، فوسعوا هذه القاعدة حتى شملت إعذار من لا يشك في كفره وضلاله ، واختلط الأمر على بعض المسلمين الذين عاشوا بين ظهراني الغرب ، واعتادوا على التعاون معهم ، فاختلط عليهم معنى التعاون والمودة والإعذار ؛ فالتعاون مع الكفار لرد الشر والباطل بشتى أنواعه وطرقه أمر مجاله فسيح وبابه واسع؛ لكن مودتهم ومحبتهم لا تحل لمسلم لقول المولى ـ عز وجل ـ: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } (المجادلة: 22)؛ فالإنكار عليهم واجب ، وإعذارهم لا ينبغي ؛ فمحل الإعذار بين أهل السنة من المسلمين وليس مكانه بينهم وبين غيرهم .
    وأخيراً فإن البراجماتية ستبقى مستشرية في جسد هذه الأمة ، ناخرة في عقول أبنائها إن لم يتصدَّ العالمون بحقيقتها وسبيلها بواجبهم في الإنكار على مروِّجيها وسالكي سبلها ، وبيان خطرها على تراث الأمة ودينها ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ؛ وذلك أضعف الإيمان ) وفي رواية أخرى لمسلم : ( وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )؛ وإذا كان هذا الخطاب للمسلمين عامة فإنه على العلماء العارفين أوجب . فالأحرى بمن ملك العلم منهم أن يخرج من العزلة المعنوية والمحلية الضيقة إلى العالمية الفسيحة والمعايشة الدائمة لمشكلات العالم الإسلامي المعاصرة ، وأن يتخذ من الأساليب الحديثة طرقاً للحوار والاتصال بالمفكرين ووسائل الإعلام .
    كما أنه من الواجب على أصحاب الفكر والمثقفين الرجوع إلى فتاوى وآراء أهل العلم الشرعي ، والاستماع لهم ، ومناقشتهم ، وسد النقص الذي لديهم ، فإن حسن نواياهم وسلامة مآربهم وإخلاص أعمالهم لا تشفع لهم أخطاءهم واجتهاداتهم الفكرية الشاذة . والله أعلم

    عن الشبكة الاسلامية

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.76

    افتراضي

    اردت اضافة مقال رائع عن الولوج السياسي في مأزق البراجماتية...



    السياسة ومآزق البراجماتيّة
    د. عبد السلام المسدي
    مفكّر - أستاذ اللسانيات - الجامعة التونسية
    للسياسة منطق ليس دوما يتطابق مع منظومات الفكر المطلقة، والسبب هو أن للسياسة آليات تحكمها النتائج أكثر مما تحددها الأسباب، ولها مرجعيات تحركها المقاصد المضمرة أكثر مما تقودها التوسلات المعلنة، بينما يحتكم الفكر الخالص الى العلل والأسباب قبل أن يلقي سؤال النتائج، ويتمسك بمبدإ الكشف عن المضمَر ويدين كل إضمار مضلّل.

    العمل السياسي ذرائعي بطبعه لذلك يعلن عن نفسه أنه نفعي، وأنه يزن خياراته بميزان المصالح، والعمل الفكري متنزّه عن حسابات المنفعة لأنه يحتكم الى ميثاق الكشف عن المجهول من خلال المعلوم.

    الفكر يغامر بنفسه في سبيل صناعة المستقبل والسياسة تقامر بالحاضر لتربح رهان المستقبل، من هنا نفهم ـ على سبيل المقارنة الجدلية ـ كيف أن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه بينما تاريخ السياسة هو تاريخ نجاحاتها، ونفهم بالاستتباع لماذا يكون الخطأ في العلم وثّابا بينما يكون الخطأ في العمل السياسي مدمّرا هدّاما.

    غير أن تاريخ الانسان لا يتماهى بشكل مطلق لاَ مَعَ تاريخ العلم ولاَ مع تاريخ السياسة. إنه واقع في منطقة أخرى كأنه بُعد ثالث ينطلق من نقطة تقاطع البعدين الآخرين. تاريخُ الانسان تصنعه استدراكاتُ العلم على نفسه بحثا عن صوابات جديدة، وتاريخُ الإنسان تصنعه أخطاء السياسة أكثر مما تصنعه صواباتها لأن أخطاء السياسة إذا حصلت تعذر الاستدراك عليها.

    ما يتسنى استدراكه في السياسة هو الهَنَة، هو الهفوة الصغرى، هو الكيل إذا نقص قليلا عن النصيب أو إذا زاد بحجم محسوب، هو الكيل دونما غمط ودونما طفح أو فيضان. ذاك ما يُصطلح عليه في لغة التداول السياسي بثنائية العمل التكتيكي والفعل الاستراتيجي، وهما مدلولان مجلوبان أساسا من قاموس اللغة العسكرية لانهما يصوّران وضعين من أوضاع المواجهة الحربية، ثم تسرّبا الى كل ما يتصل بالصراع المادي أو بالنزاع المعنوي حتى استقرّا في جداول الخطاب السياسي على وجه التعميم.

    إن سلطة الخطإ في الفعل السياسي أعظم بكثير مما تكون عليه في الإنجاز الفكري وفي الانتاج المعرفي وفي التدبّر الثقافي، لأن الخطأ الذي هو استراتيجي بالضرورة، غلاّب قاهر، وسلطته متجددة بذاتها سواء اتصل بفعل القرار أو جال في حقل الخطاب، والسبب هو أن فعل الكلام في غير السياسة منفصل عن فعل الحدث، أما في السياسة فالكلمة بحد ذاتها فعل يتنزّل بمنزلة الوقائع.

    تلك مقدمات بمثابة المصادرات التي نضعها كما لو أنها معلومة بالضرورة، وهي فعلا كذلك عند من يستطيع وعيُه السياسي النظري اختزال مسافات التحليل، والاستغناء عن حاشيات الشواهد الابتدائية. هي إذن مسلّمات نريد أن نقرأ الوضع الدولي الراهن في ضوئها، بل نريد على وجه التدقيق الكشفَ عن "البذرةِ النواةِ" في جوهر الخطإ السياسي السائد، وكيف تحددت لحظته النشوئية الأولى، ثم كيف تخلّقت خلاياه في رحم الأحداث المتعاقبة. ومنذ البدء نصوغ ما نروم الكشف عنه: إن جوهر الخطإ السياسي الأكبر يكمن في التحريف ـ النظريّ والإجرائيّ ـ الذي نراه يطرأ على مفهوم "البراجماتيّة" كمبدإ مرجعيّ وكآليّة إجرائية.
    إن البراجماتيّة تتمثّل في صياغة ما يمكن أن يكون انطلاقا مما هو كائن، وإذا بها تنزلق فتصبح صياغةَ ما يجب أن يكون رغم ما هو كائن.
    تلك هي العدسة التي سنضعها على مجهر القراءة البانوراميّة للوضع الراهن الذي تمرّ به السياسة الدولية. فبنظرة استشرافيّة راصدة، وبمنطق قرائنيّ خاطف، ثم باختزال جَشْتلطيّ نافذ، سنقول إن الغرب قد بلور قيمًا للمجتمع المدني الحديث، ولكن الأمريكيين ـ اذا ما استفردناهم سياسيا ضمن جغرافية الغرب الشاملة ـ تفنّنوا في تلوين تلك القيم بالغلاف الليبيراليّ المهيمن. ومن هذا المنظور كانت العلاقة بين السياسة والأخلاق أقوى في تراث الفكر الأوربي مما هي عليه في أدبيّات الفكر السياسيّ الأمريكي.
    إن الثقافة الأمريكيّة جوهرها ذرائعيّ مطلق، ولذلك لم تكتف السياسة عندهم باتخاذ البراجماتية مرجعيّة بين المرجعيات الأخرى المتعارَف عليها في العمل السياسي، بل اتخذتْها عقيدة ثابتة، ولم يعكف سياسيّ أمريكيّ على تدوين تجربته السياسية إلا وتغنّى في نفس الوقت بعظمة الولايات المتحدة، وبأنّ عظمتها متأسّسة على نجاعتها الذرائعية. كذا فعل ريتشارد نيكسون عندما أصدر سنة 1988 كتابه بعنوان: "1999 نصر بلا حرب" وفيه يصوّر المركزية الأمريكية أوضح تصوير قائلا: "إن الولايات المتحدة هي التي سوف تتحمل المسؤولية في تحديد أي المواريث سيحظى بفرصة البقاء، وذلك لأنها أقوى دولة في العالم الحر، والسلام والحرية لا يمكن ان يستمرّا في العالم إذا لم تقم الولايات المتحدة بالقيادة الدولية الأولى، وسواء أحببنا أم كرهنا فإن مهمة القيادة تقع على عاتق الولايات المتحدة. إن القوة هي التي تدفع العالم صوب الخير أو الشر، وعلينا أن نكف عن الإحساس بالذنب بسبب أننا الأقوى".
    وكذا فعل بيل كلينتون عندما أصدر عام 1996 كتابه: "بين الأمل والتاريخ: كيف تستعد أمريكا لتحديات القرن الحادي والعشرين؟" وفي ذهنه تصوير الوفاء للقيم الامريكية التي تتشخّص في قيادة العالم، وهذه الزعامة الكونية هي التي أنطقته بالقول: "إنني أريد أن تبقى الولايات المتحدة المكانَ الآمن وأن تظل القوةَ الأولى في العالم".
    ولكن الذي سبق له أن حوّل البراجماتية الى أقنوم من أقانيم السياسة الدولية إنما هو هنري كيسنجر الذي مارسها ثم نَظر لها في كتابه الموسوعي "الديبلوماسية" الذي أصدره سنة 1994، وفيه نتلمس جوهر الفكر البراجماتي في السياسة الدولية. إنه قراءة للتاريخ ترمي الى استشراف الخط السياسي المتحتم على الولايات المتحدة اتخاذه كي تتولى قيادة العالم بانفراد مطلق. ولهذا الغرض يذكر هنري كيسنجر ـ من وجهة النظر التي يقرن فيها قراءة التاريخ باستشراف المستقبل ـ بأن الولايات المتحدة قد دعاها التاريخ الى قيادة الشأن الدولي في ثلاث مناسبات: كانت الأولى سنة 1918 مع ويلسن، والثانية عقب الحرب العالمية الثانية "اذ امكن لروزفلت وترومن ـ على حد عبارته ـ أن يعيدا تشكيل الكوكب الأرضي على المنوال الامريكي"، والثالثة مع نهاية الحرب الباردة إذ "تنبثق الحاجة الى اعادة تنظيم المسار الدولي طبقا للأنموذج الأمريكي".
    كان كيسنجر يكتب ذلك في مطلع التسعينات بوصفه صاحبَ مؤسسة للدراسات الاستراتيجية تقدم المشورة لشركات العمل على المستوى الدولي، وكان يعني بمصطلح "الديبلوماسية" الذي اتخذه عنوانا لكتابه (1994) السياسة الدولية عامة، وبناء على ذلك جعل الفصل الأول من كتابه بعنوان "النظام العالمي الجديد" (ص 9 - 19) وجعل فصله الأخير وهو الحادي والثلاثون بعنوان "إعادة النظر في النظام الدولي الجديد". (ص 733 - 763).

    لقد دخلت الولايات المتحدة السياسةَ الدولية بقوة فائقة عقب الحرب العالمية الأولى، ولم يغفر الأوربيون وخاصة منهم الفرنسيين للأمريكيين أنهم دخلوا متأخرين. ثم دخلت في الحرب الثانية وأنجزت الفصل الأخير من الحرب بمشهد الرعب التراجيدي فارتكبت بذلك أكبر خطإ تاريخي سجلته البشرية، لأنه حمل بين طياته نسفا لكل المرجعيات التي صنعت قيم "العالم الحر" الذي أَسّسَ الرباطَ الجوهري بين السياسة والأخلاق كامتداد طبيعي للتراث الانساني الشامل. نسفت قدسيّة العلاقة بين نُبل الاكتشاف العلمي ووضاعة القتل الجماعي.

    منذئذ استوت الفلسفة الذرائعية في السياسة الامريكية كأنها محرك حتميّ لصناعة التاريخ، ولكن التاريخ سيقبض على الولايات المتحدة متلبسة بخطإ استراتيجي مدمر، فيكشف وهَنا فظيعا انحشرت في زاويته المظلمة المرجعيّةُ البراجماتية بأكملها. انها العشرية الفياتنامية: فبين الرابع من أوت 1964 ـ تاريخ الهجوم على الأسطول الامريكي في خليج تونكين ـ والتاسع والعشرين من مارس 1973، تاريخ جلاء آخر جندي امريكي، تهافتَ صرح النظرية السياسية اذ ارتطم بجدار الوقائع المتشظّية على مسرح الفعل التاريخي.

    إن لم يحتفظ التاريخ بكل فظاعات العشرية الفياتنامية فلا مناص للنظرية السياسية من أن تدوّن ذاك المنعرج الكبير من حيث هو انكسارٌ في منظومة الفكر البراجماتي على المنوال الامريكي بعد ان أدى الى شروخ متعاقبة لن يكون من السهل استدراكها.

    لم تمض بضع سنوات اخرى حتى انكشفت هوّة سحيقة جديدة في السياسة الامريكية جاءت تطيح بآخر جدران البراجماتية التي كانت الرمزَ الأعلى للنجاعة، والتي ـ من فرط عقلانيّتها ـ كان ممارسوها يقولون: إنه لا هديّة في السياسة والسبب أن المُهْدى إليه إذا أثقله دينُ الهدية انقلب الى عبء ثقيل. وحصل الخطأ الاستراتيجي الجديد حين ظلت الولايات المتحدة مراهنة على الشاه رغم انجلاء التاريخ عن حقائقه الصارخة، فكان أن اندكت مقوّمات البراجماتية بحكم الاصرار على ركوب الجواد الخاسر الى آخر لحظة.

    وجاءت الأحداث بلوحة سوداءَ لا تقل في ظُلمتها عن ارتباك الصورة عند الخروج من الفياتنام رغم الفارق الكبير بين اللوحتين كمّا ونوعا. خرج الشاه منفيا الى مصر في 16 جانفي 1979، وحُجز أعضاء السفارة الامريكية كرهائنَ نتيجة تجميد ارصدة البلاد ذات السيادة في 4 نوفمبر 1979، وانزلق الامريكيون الى هجوم جويّ ختم بأفظع صور الفشل في 25 افريل 1980، ولم تصل التراجيديا الى مشهدها الأخير إلا ليلة تسليم كارتر سدّة الحكم الى ريغن في 20 جانفي 1981.

    رجع الامريكيون على انفسهم يَعَضّون الأناملَ أنهم استخفّوا بالظواهر السياسية الاخرى الناشئة عن الظواهر الثقافية الأخرى، ومن يومها أرادوا ان يتداركوا اهمالَهم، وأن يراجعوا عزوفَهم واستخفافهم، ولكنهم سيسقطون في الخطإ الاستراتيجي القاتل، فالذي نشأ مع تلك الأحداث يصح لنا ان نُسمّيه "العقدة الاسلامية في السياسة الامريكية" تخصيصا، و"العقدة الاسلامية في المنظومة الغربية" على وجه التعميم. الرؤية البراجماتية كانت تقتضي من الامريكيين تحديدا ان يَعُوا الفروق الجوهرية بين الاسلام الديني والاسلام السياسي، ولكنهم اغمضوا عيون الوعي فحصل المحظور وتعاظم حجم أكبر خطإ في رؤيتهم الاستشرافية.

    إننا لنَزعم بأن لحظة تولّد العقدة الاسلامية قد صاحبها انزراعُ فَيرُوسٍ سيَعمل سريعا على تحويل المرجعية الذرائعية الى مرجعية مكيافلية. ستنشأ متستّرةً ثم تتكشف الى أن تسفر عن وجهها المفضوح، وهو ما آلت بها إليه الأحداث الكبرى الجارية منذ الثلاثاء الأسود.

    لقد أصبح الخطأ منذئذ هو القاعدة وأمسى الخطأ في التقدير الاستراتيجي هو الصانع للسياسة الذرائعية. بدا ذلك واضحا في الموقف الامريكي من حرب الخليج الاولى التي اندلعت يوم 22 سبتمبر 1980 حين أمعنوا في المزايدة، وأصروا على الضخ في آليات الحرب كي يخرجوا بالصراع من إطار الدفاع الشرعي عن الحدود الشرعية الآمنة الى هدف تحطيم فكرة الاسلام متعمدين الخلط في ذلك بين الاسلام الديني والاسلام السياسي.

    ولكن ارتباك المرجعية البراجماتية، وتكشفها عن السوس الناخر للرؤية الاستراتيجية اذ تتحول الى ذرائعية مكيافلية، سيأتينا عنه شاهدان فصيحان، الأول ما سنسميه هو الآخر بالعشرية الأفغانية، تلك التي بدأت في 27 ديسمبر 1979 يوم اجتاح الاتحاد السوفياتي أفغانستان وانتهت في 15 ديسمبر 1989 عند خروج آخر جندي من تلك البلاد. فخلال عقد من السنين كان الامريكيون يضخّون في آليات الاسلام السياسي حتى كادوا يلغون من تصوراتهم أن الأصل التاريخي هو في الاسلام الديني وأن الوجه الآخر هو وجه طارئ على التاريخ.

    أما الشاهد الثاني فهو أقل حجما، ولكنه أكثر دلالة على ارتباك الخيار الأمريكي حيال العقدة الاسلامية، فقد اشتد العنف في الجزائر بعد 1992 وكاد أن يؤول الأمر الى فتنة أهلية، وكان الامريكيون يتحينون الفرص للظفر بموطئ قدم على الارض الافريقية في دائرة البحر المتوسط، وهو حلمهم القديم المتجدد. وفي مطلع عام 1994 بدا لهم أن يمارسوا رؤيتهم البراجماتية على المكشوف، فصرّحت وزارتهم للشؤون الخارجية ـ خلال شهر أفريل يومئذ ـ بأن الادارة الامريكية لا تمانع في فوز الاسلام السياسي بالحكم، وكان المعروفون بتعاطفهم مع الثقافة الامريكية ـ رغم فرنكوفونيتهم ـ يضخون إعلاميا في رسالة التبشير، ولن تنسى الذاكرة الحيّة المراهنة التي اخذتها مجلة "جون أفريك" على لسان صاحبها في افتتاحياته من أن سنة 1994 سوف لن تنقضى إلا والبديل الاسلاميّ منتصب على سدّة الحكم الجزائرية.

    في محيط السياسة الدولية الفسيح كان هناك بلد صغير حجمُه، محسوبة مواردُه، ولكنه يحمل على أكتافه نجوما من التألق في فضاء الاستشراف السياسي الحصيف. كان يردد ويحذّر أن البديل الذي طريقه العنف لا بد أنه يقود الجميع الى الطريق المسدود. كان معنيا أكثر من غيره بالشأن الجزائري، وكان مطمئنا ان التنسيق بين القيادات المغاربية لن يرتبك في أمر الديمقراطية، ولن يخلط الأوراق بين ارساء التعددية الحزبية وفتح الأبواب على مصاريعها لفوضى العنف السياسي.

    لقد كانت تونس تستشرف المستقبل متسلحة بالرؤية البراجماتية كما تأسّست في أصولها الأولى لا كما لت إليه على النمط المكيافليّ، وكانت تونس تواجه كلّ انزلاق يمكن أن يدفع بالأنظمة المغاربية الى ركوب خيار المغامرة، وكانت تفعل ذلك من موقع خاص جدّا يتمثل في أن القيادة ـ في هذا الأمر المصيريّ الخطير ـ تترجم بأمانة مطلقة عن طبيعة جماهير الشعب، فتونس وطن يتمسك أهله بمرجعيات الهوية العربية الاسلامية، ولكنه لا يحمل أيّ تعاطف مع تحويل الاسلام الدينيّ الى اسلام سياسيّ.

    بانفجار الأبراج انفجرت منظومة السياسة الامريكية فتطايرت شظايا كل المرجعيات القيمية التي تأسست عليها البراجماتية في زمنها الخالص الأول، اذ أصبح الجري الى الأمام سيد الموقف كما لو أن تساقط الأبراج فعل مستمر في الزمن، مستديم على التاريخ، والماسكون بمركبة القرار يجرون من الفزع هاربين الى المجهول بعد ان ولوا ظهوره الى الواقع خلفهم. وهكذا حصل المحظور إذ تم تحويل السياسة مما يمكن ان يكون انطلاقا مما هو كائن الى ما يجب ان يكون رغم ما هو كائن.

    لقد زالت الحواجز نهائيا بين فضاءات المفاهيم ولم يعد مباحا للفكر النظري أن يعرّف بالفروق بين النفعية والذرائعية أو بين البراجماتية والمكيافلية. ولكن أعظم خطإ استراتيجي وقعت فيه السياسة الامريكية هو إلغاؤها الكلي لمفهوم الاسلام الديني بعد ان غمرته كليا بغطاء الاسلام السياسي، ثم حشرت المجموع تحت مظلة الادانة المباشرة، وصنعت آلية جديدة للادانة. وهكذا انتكست بالتاريخ لأنها أغرقت السياسة من جديد في محيط الايديولوجيا بكل تبعاتها.

    ان حجم الخطإ الاستراتيجي يقاس بما يحمله من طاقة توليدية، وهذا الخطأ الذي حصل سرطانيّ التكاثر، والخاسر الأكبر فيه هو محركه ومولده، فلقد نسف بيده تراثه القيمي في اعرافه السياسية، وفتح الباب أمام تجويز التناقض المكشوف بما في ذلك فضح المكيافلية الغربية حيال آلية الادانة الجماعية التي انتصبت باسم مرجعيات "العالم الحرّ" فما كان حديثا تردده الكواليس وتتكتم عليه الاصوات الجهيرة اصبح مكشوفا للعلن على منابر البث الغزير. انها الصفقة الخفية ـ والمسكوت عنها ـ تلك التي بفضلها تبقى المملكة المتحدة حضنا منا للاسلام السياسي بكل رجاله وبكل موارده مقابل حمايتها من كل عنف يتسلط عليها او ينبثق من داخلها فيزيدها تطاحنا على تطاحنها العقدي المسيحي بين كاتوليك وبروتستان.

    كانت الزلة الواشية يوم تم الاعلان عن انها "حرب صليبية قادمة"، ثم كانت الزلة الأعظم حين عمدت الادارة الامريكية الى القبض على انفاس العالم، وجعلت الجميع رهينة نفسية وهي تنذر بضرب العراق، ودخلت بكل الاطراف الى ورشة العرّافين والمنجّمين، فتحول السياسيون والاعلاميون ـ رغم ارادتهم ـ الى كهان، او الى مقامرين في سوق "اليانصيب" السياسي.

    ان الحجز النفسي الجماعي ـ في مسألة ضرب العراق ـ قد جعل الرأي العام الكوني أسيرا في قفص الإيقاف التحفظي غير المحدود، وعن ذلك تولد الانحراف في مفهوم "القرار" وبالتالي في جوهر السياسة، اذ حصل الانزلاق من سلطة الارادة الى سلطة التوعد، وكان ان انزرعت بذور السادية في جوهر المرجعية البراجماتية.

    لقد أسلفنا ان الخطأ الاستراتيجي في السياسة هو ذو تكاثر سرطاني بالضرورة، فالاعلان ـ منذ الأيام الاولى بعد انفجار الأبراج ـ أن الصراع "صليبي" هو الذي سوّغ لبرلسكوني أن يقول ـ يوم 26 سبتمبر 2001 - "إن الحضارة الغربية أسمى من الحضارة الاسلامية لأن الحضارة العربية قد تجدمت منذ أربعة عشر قرنا" وإذا بالعقلانية الغربية تسقط بشكل فجّ في تناقض المفاهيم إذ تعمد الى المخاتلة بالمرجعيات: في المقصود بالغرب! والمقصود بالاسلام! والمقصود بالعرب!

    ان البراجماتية في أصلها انخراط كليّ في المستقبل عن طريق موضوعية الحاضر وهي لذلك لا تكون أبدا ثأريّة لأنها تتناقض مع فكرة الثأر أصلا، ولأن الفكر الثأريّ هو الذي يحكم على نفسه بالارتهان في الماضي من حيث يتوهم أنه يصنع المستقبل. فالذي يجري أمام بصائرنا لا ينذر فقط بإعادة رسم الخرائط الجغرافية وإنما هو ينبئ عن حتمية إعادة تشكيل الخريطة المفاهمية التي كان يعيش على إرثها علم الفلسفة وعلم السياسة وعلم الأخلاق وعلم التاريخ.



    دمت بخير
    ولي عودة

    محبتي
    جوتيار

  3. #3
    الصورة الرمزية د. عمر جلال الدين هزاع شاعر
    تاريخ التسجيل : Oct 2005
    الدولة : سوريا , دير الزور
    العمر : 46
    المشاركات : 5,078
    المواضيع : 326
    الردود : 5078
    المعدل اليومي : 0.95

    افتراضي

    بارك الله بكم
    وآمل أن تسمحوا لي بهذه الإضافة لعل فيها ما يفيد



    الذرائعية (البرجماتية)


    إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي

    التعريف :

    الذرائعية مذهب(*) فلسفي اجتماعي يقول بأن الحقيقة توجد في جملة التجربة الإنسانية: لا في الفكر النظري البعيد عن الواقع. وأن المعرفة آلة أو وظيفة في خدمة مطالب الحياة، وأن صدق قضية ما : هو في كونها مفيدة للناس، وأن الفكر في طبيعته غائي.

    وقد أصبحت الذرائعية طابعاً مميزاً للسياسة الأمريكية وفلسفة الأعمال الأمريكية كذلك، لأنها تجعل الفائدة العملية معياراً للتقدم بغض النظر عن المحتوى الفكري أو الأخلاقي أو العقائدي.

    التأسيس وأبرز الشخصيات:

    نشأت الذرائعية (البرجماتية) كمذهب عملي في الولايات المتحدة الأمريكية مع بداية القرن العشرين: وقد وجدت في النظام الرأسمالي الحر الذي يقوم على المنافسة الفردية، خير تربة للنمو الازدهار.

    ومن أبرز رموز المذهب وأغلبهم من الأمريكيين:

    تشارلس بيرس 1839 – 1914م ويعد مبتكر كلمة البرجماتية في الفلسفة المعاصرة. عمل محاضراً في جامعة هارفارد الأمريكية، وكان متأثراً بدارون ووصل إلى مثل آرائه.. وكان أثره عميقاً في الفلاسفة الأمريكيين الذين سنذكرهم فيما يلي:

    وليم جيمس 1842 – 1910م وهو عالم نفسي وفيلسوف أمريكي من أصل سويدي بنى مذهب الذرائعية البرجماتية على أصول أفكار بيرس ويؤكد أن العمل والمنفعة هما مقياس صحة الفكرة ودليل صدقها. كان كتابه الأول: مبادئ علم النفس 1890م الذي أكسبه شهرة واسعة ثم توالت كتبه: موجز علم النفس 1892م وإرادة الاعتقاد 1897م وأنواع التجربة الدينية 1902م والبراجماتية 1907م وكون متكثر 1909م يعارض فيه وحدة الوجود. ويؤكد جيمس في كتبه الدينية أن الاعتقاد الديني صحيح لأنه ينظم حياة الناس ويبعث فيهم الطاقة.

    جون ديوي 1856 – 1952م فيلسوف أمريكي، تأثر بالفلسفة الذرائعية، وكان له تأثير واسع في المجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات الغربية، إذ كان يعتقد أن الفلسفة(*) مهمة إنسانية قلباً وقالباً وعلينا أن نحكم عليها في ضوء تأثرها الاجتماعي أو الثقافي.

    كتب في فلسفة ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا) (*) وفلسفة العلوم والمنطق(*) وعلم النفس وعلم الجمال والدين(*).

    وأهم مؤلفاته: دراسات في النظرية المنطقية 1903م، وكيف تفكر 1910 والعقل الخالق 1917م والطبيعة الإنسانية والسلوك 1922م وطلب اليقين 1929م.

    شيلر 1864 – 1937م وهو فيلسوف بريطاني، كان صديقاً لوليم جيمس، وتعاطف معه في فلسفة الذرائعية: وقد آثر أن يطلق على آرائه وموقفه: المذهب الإنساني أو المذهب الإرادي(*).

    الأفكار والمعتقدات:

    من أهم أفكار ومعتقدات المذهب الذرائعي (البرجماتية) ما يلي:

    إن أفكار الإنسان وآراءه ذرائع يستعين بها على حفظ بقائه أولاً ثم السير نحو السمو والكمال ثانياً.

    إذا تضاربت آراء الإنسان وأفكاره وتعارضت كان أحقها وأصدقها أنفعها وأجداها، والنفع هو الذي تنهض التجربة العملية دليلاً على فائدته.

    إن العقل خُلق أداة للحياة ووسيلة لحفظها وكمالها، فليست مهمته تفسير عالم الغيب المجهول، بل يجب أن يتوجه للحياة العملية الواقعية.

    الاعتقاد الديني لا يخضع للبيئات العقلية: والتناول التجريبي الوحيد له هو آثاره في حياة الإنسان والمجتمع إذ يؤدي إلى الكمال، بما فيه من تنظيم وحيوية.

    النشاط الإنساني له وجهتان: فهو عقل، وهو أداة، ونموه كعقل ينتج العلم، وحين يتحقق كإرادة يتجه نحو الدين(*)، فالصلة بين العلم والدين ترد إلى الصلة بين العقل والإرادة.

    تقويم الذرائعية:

    تعرضت الذرائعية لانتقادات معينة، وعرضت على أنها تبرير لأخلاقيات رجال الأعمال الأمريكيين.

    أما عن فكرة الاعتقاد فمن رأي جيمس "أنها مفيدة لأنها صادقة" و"أنها صادقة لأنها مفيدة". وقد أنكر معظم الدارسين هذه المعادلة إذ أن موقف جيمس يسمح بصدق الفكرة لأنها "مفيدة ونافعة" لشخص ما، ويكذبها لعدم وجودها عند الآخرين.

    وهكذا فإن جيمس طرح الحقيقة على أنها لعبة ذاتية للأفكار التي تستهوي الإنسان فائدتها: فيعتقد في صدقها.

    إن الذرائعية اندثرت كحركة فكرية فردية، ولكنها كمجموعة أفكار ما زالت تعمل في الفكر البشري.. ومن أهم آثار هذه الأفكار تفسير الفكر والمعنى على أنهما من أشكال السلوك النائي عند الإنسان.

    الجذور الفكرية والعقائدية:

    إن البرجماتية أو الذرائعية ثورة ضد الفكر النظري البعيد عن الواقع وعن الإنسان خاصة والذي لا يخدم الإنسان في حياته العملية. أما كلمة (برجماتية) فكانت قليلة الاستعمال في اللغة الإنكليزية ولم تكن تستعمل مطلقاً في سياق الحديث الفلسفي، حتى أدخلها الفيلسوف الأمريكي بيرس عام 1878م كقاعدة منطقية: معرفاً البرجماتية بأنها النظرية القائلة: "بأن الفكرة إنما تنحصر فيما نتصوره لها من أثر على مسلك الحياة".

    وقد استعار وليم جيمس ورفاقه الذرائعيون هذا المصطلح وأعطوه معاني جديدة وفق ما أوضحناه في أفكار ومعتقدات المذهب. مؤكدين على أن كل شيء حتى الفكر، لا بد أن يفهم في ضوء الغرض الإنساني.

    الانتشار ومواقع النفوذ:

    تأسس المذهب(*) في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم انتقل إلى أوروبا وبريطانيا بشكل خاص.

    يتضح مما سبق :

    أن الذرائعية أو البراجماتية مذهب فلسفي نفعي يرى أن الحقيقة توجد من خلال الواقع العملي والتجربة الإنسانية، وأن صدق قضية ما يكمن في مدى كونها مفيدة للناس، كما أن أفكار الناس هي مجرد ذرائع يستعين بها الإنسان لحفظ بقائه ثم البحث عن الكمال. وعندما تتضارب الأفكار فإن أصدقها هو الأنفع والأجدى، والعقل لم يخلق لتفسير الغيب المجهول، ولذا فإن الاعتقاد الديني لا يخضع للبينات العقلية. ولما كان نشاط الإنسان يتمثل في العقل والإرادة، وكان العقل(*) ينتج العلم، وحينما يتحقق العلم كإرادة يتجه نحو الدين(*)، لذا فإن الصلة بين العلم والدين ترجع إلى الصلة بين العقل والإرادة. ومخاطر هذا المذهب الفلسفي على العقيدة واضحة جلية فهو مذهب يحبذ إلغاء دور العقل في الإفادة من معطيات النقل أو الوحي(*). وقد رأينا في واقعنا المعاصر كيف أفلست الذرائعية كما أفلست سواها من الفلسفات المادية(*) وعجزت عن إسعاد الإنسان بعدما أدت إلى تأجيج سعار المادية، وأهدرت القيم والأخلاق السامية التي دعت إليها جميع الأديان السماوية.

    -----------------------------------------------------------------
    مراجع للتوسع :
    - الموسوعة الفلسفية المختصرة، ترجمة فؤاد كامل ورفاقه – دار القلم – بيروت.
    - معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، د. أحمد زكي بدوي – مكتبة لبنان – بيروت –1982م.
    - تاريخ الفلسفة الحديث، يوسف كرم – دار المعارف – القاهرة.
    - قصة الفلسفة الحديثة، أحمد أمين وزكي نجيب محمود – مطبعة لجنة التأليف والنشر – القاهرة.

    مراجع أجنبية :
    - Philosophy of John Dewey: by P.A Schelop, Chicago 1951.
    - The Will to Belive: By W. James Dever New York.
    - John Dewey an Intellectual Portriat: by S. Hook Day, New York. 1939.
    - History of Philosophy: by F.C. Coplestion, Burns London 1947.
    - History of Modern Philosophy by H. Hoffding London 1956.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  4. #4
    الصورة الرمزية خليل حلاوجي مفكر أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2005
    الدولة : نبض الكون
    العمر : 53
    المشاركات : 12,546
    المواضيع : 378
    الردود : 12546
    المعدل اليومي : 2.31

    افتراضي

    متعة وفوائد جمة

    الشكر لجميع من سطر هنا حرفا ً
    الإنسان : موقف

  5. #5
    الصورة الرمزية الصباح الخالدي قلم متميز
    تاريخ التسجيل : Dec 2005
    الدولة : InMyHome
    المشاركات : 5,766
    المواضيع : 83
    الردود : 5766
    المعدل اليومي : 1.09

    افتراضي

    حتى اعود اكثر من مرة
    موضوع دسم جدا
    اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهيمَ. إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

  6. #6
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.76

    افتراضي

    لدي ما اريده ان يأخذ مجالا وجيزا للمناقشة...؟

    التربية البراجماتية لاتهتم بالتراث الثقافي والاجتماعي في الماضي وإنما بالحاضر والمستقبل ، فالمنهج يعكس واقع الحياة الاجتماعية ويجب أن يهيئ الفرصة لممارسة الديمقراطية وأن يتمركز حول نشاطات واهتمامات وميول الطفل وتنمية مهاراته وإبداعه .

    كيف يمكن ان نفسر هذه المقولة ...؟
    وهل على الطفل فعلا الخضوع لاختبارات الماضي والتراث حتى يكون مهيأً لحمل رسالة...؟


    تقديري ومحبتي
    جوتيار

  7. #7
    الصورة الرمزية خليل حلاوجي مفكر أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2005
    الدولة : نبض الكون
    العمر : 53
    المشاركات : 12,546
    المواضيع : 378
    الردود : 12546
    المعدل اليومي : 2.31

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الصباح الخالدي مشاهدة المشاركة
    حتى اعود اكثر من مرة
    موضوع دسم جدا
    بالفعل أخي الكريم ..

    ونحن بشوق لاكمال المسير في تعقبه ..

    تقديري واشتياقي ..

المواضيع المتشابهه

  1. الترجمة وأثرها في إهمال العدد الوصفي
    بواسطة فريد البيدق في المنتدى عُلُومٌ وَمَبَاحِثُ لُغَوِيَّةٌ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-03-2010, 11:06 AM
  2. توظيف الحدث (على ضوء ما يحدث من ردة فعل من المسلمين)
    بواسطة محمد سوالمة في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 30-01-2009, 01:54 PM
  3. السرقات الفكرية وأثرها على المجتمع الثقافي
    بواسطة محمد جاد الزغبي في المنتدى قَضَايَا أَدَبِيَّةٌ وَثَقَافِيَّةٌ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 26-05-2007, 03:00 PM
  4. أربع خطوات للتخلص من سلوك طفلك الفظ
    بواسطة عبلة محمد زقزوق في المنتدى النَادِى التَّرْبَوِي الاجْتِمَاعِي
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 30-07-2006, 02:56 PM
  5. العلاقة بين المبدع والحرف وأثرها علي المتلقي
    بواسطة اشرف نبوي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-02-2005, 12:39 PM