أحدث المشاركات
صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 40

الموضوع: جناية الشعر الحر

  1. #1
    الصورة الرمزية عدنان أحمد البحيصي شهيد العدوان على غزة 2008/12/27
    تاريخ التسجيل : Feb 2003
    الدولة : بلد الرباط (فلسطين)
    العمر : 36
    المشاركات : 6,717
    المواضيع : 686
    الردود : 6717
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي جناية الشعر الحر

    هذا الكتاب

    لم يتعرض الشعر منذ ظهر كأعظم وسيلة أدبية للتعبير عن الوجدان لمحنة كالتي تعرض لها الشعر العربي في العصر الحديث.
    لقد غالى بعض الشعراء في الهجاء.. وأغرق البعض الآخر في الوصف إلى غير ذلك مما يؤخذ على بعضهم، ولكن شعر هؤلاء كان شعراً بمعنى الكلمة.
    لكن ما يسمى بالشعر الحديث، الذي ليس بشعر ولا بنثر سرطان خبيث تسرب إلى الأدب العربي في منتصف القرن ، على يد جماعةة زعموا أنهم مجددون بينما هم جناة على الشعر والأدب
    ولقدد انبرى مؤلف هذا الكتاب بشجاعة لنقدهم ، وإظهار ما في شعرهم من سلبيات كما تعرض لذكر بعض الجهود التي بذلت لهدم لغة الضاد وتشويه أدابها بين عجز علمائها وجهل بعض أبناءها
    فالكتاب بحق ضربة قاصمة لكل أعداء اللغة والدين

    الناشر


    لقد قمت بإغلاق المشاركات في الموضوع ، حتى أنهي إن شاء الله نقل أهم ما في الكتاب هنا ، لضمان التواصل وبعدها إن شاء الله سيكون ثمة مجال للنقاش
    أخوكم
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  2. #2
    الصورة الرمزية عدنان أحمد البحيصي شهيد العدوان على غزة 2008/12/27
    تاريخ التسجيل : Feb 2003
    الدولة : بلد الرباط (فلسطين)
    العمر : 36
    المشاركات : 6,717
    المواضيع : 686
    الردود : 6717
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي

    هذا الكتاب للكاتب الأستاذ أحمد فرح عقيلان ، وقد أهداه لوالدي الأستاذ الدكتور أحمد البحيصي بتاريخ 26/6/1402هـ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أعترف أني أكتب هذه الورقات وأنا ثائر منفعل، يكاد يسطو بي الكمد ويكاد يقتلني الغضب
    وكيف لا أغضب والجناية قد أصابت المقتل، والجناه مصممون أن يجهزوا على الضحية الزكية ، مصرون على المضي في تخطيطهم الفظيع الظالم ، بإملاء الشياطين وإيحاء من الحاقدين
    وكلمة حق رغم أنف الغضب ، وهي أن الجناة مخلصون لباطلهم إخلاصاً يستحق الإعجاب ، متحمسون للهدم حماسة تتضاءل أمامها حماسة إبليس للضلال إنهم يهجمون على أي ناقد يعارضهم هجمة الذئاب الشرسة الجائعة على القطيع

  3. #3
    الصورة الرمزية عدنان أحمد البحيصي شهيد العدوان على غزة 2008/12/27
    تاريخ التسجيل : Feb 2003
    الدولة : بلد الرباط (فلسطين)
    العمر : 36
    المشاركات : 6,717
    المواضيع : 686
    الردود : 6717
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي إكمال

    أذكر على سبيل المثال أسلوبهم العاق في الهجوم على أستاذتهم نازك الملائكة .. فلقد كانت نازك إلى عهد قريب في نظرهم قدّيسة الشعر الحر وَرَائدة نشوءه وارتقائه .. لكنّ هذه الشاعرة أدركت فيما بعد أن آراءها في الشعر الحر فُهمت فهماً سيئاً وجرّت على الشعر ويلات كبيرة حتى لقد استباحه كلُّ جاهل وسامه كلُّ مفلس وركض في ساحته كلُّ هزيل، هنالك أرادت هذه الأستاذة أن تكفر عن سيئتها بإيضاح بعض الحقائق وأصدرت كتابها المعروف (قضايا الشعر المعاصر) تعلن فيه أن الوزن أمر لا يستغني عنه الشعر العربي حتى الحر منه .. وانًّ كلًّ ما صدر عنها من شعر كانت له تفعيلات وأوزان ملتزمة، إلا أنها أوزان لا تتقيد ببحور الخليل.

    هنالك جُنّ جنون العصابة المتآمرة فقذفوا قِدِّيستهم بأقذغ الشتائم ورموها بأخطر الجرائم، حتى لقد وصف البياتي كتابها بقوله :
    (كتاب تافه متهافت يمتاز بالتسرع والسطحية والأحكام الميكانيكية) ويعني بالميكانيكية الخالية من العقل .. وكتب يوسف الخال مقالا في العدد 24 من السنة السادسة من مجلة (شعر) وهى مجلة مشبوهة تصدر في بيروت وتنطق بلسان عصابة الشعر الحر يقول : (إن آراء نازك في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" هي آراء ارتدادية متزمتة خانت بها حركة الشعر الحر التي تدعي اكتشافها) لقد بلغ من حماسة يوسف الخال للشعر الحر أن وصف نازك بالردة والخيانة. والأمر الذي يحز في نفسي هو أنه بمقدار تألُّب هؤلاء المبطلين وحماستهم حول باطلهم كان تصدع صفنا من حول حَقِّنا، فلقد سخرنا منهم أول الأمر كما سخرت الأرنب من السلحفاة لكنّ السلحفاة ظلت جادة أثناء نوم الأرنب حتى بلغت نهاية الشوط ومازالت الأرنب تنعم بنوم عميق.

    نعم لقد وصل دعاة التجديد كما يخلو لهم أن يسمّوا أنفسهم إلى أهدافهم المخربة، فأثخنوا شعرنا الأصيل الجميل وافقدوه شعبيته وصرفوا عنه عشاقه ,أطاحوا بمجد أدبي شامخ، شعَّ من منارة شعرنا الحبيب المؤدب الطريف الممتع من لدن ذي القروح وجرول عبر المعلقات والنقائض والهاشميات والزهديات والروميات والحجازيات واللزوميات والشوقيات وعبر العباقرة الذين يضن بهم الزمان ولا يجود بهم إلا في الحقب المتباعدة كالمتنبي وشوقي رحمهم الله.

    أقول لقد أنتصر أهل الباطل فعلاً على حقنا، وحسبك أن تلقي نظرة على صحافتنا الأدبية وملاحقها الكثيبة لترى كيف تبدلنا بسحرنا الحلال وشعرنا المطرب المعجب سفسطة توشك أن تكون رطانة لاهي بالشعر ولاهي بالنثر.

    نعصرها غلا نرى في عصارتها إلا الغموض والتقليد والوثنية والخرافة والسم والشبهات.

    ومعاذ الله أن يكون كلامي هذا ثورة على الإبداع، فقد كنت وما زلت أطرب لكل تجديد يضيف إلى أدبنا جديداً، لكن نقمتي موجهة إلى التقليد الأعمى والعبودية الثقافية والانجراف في تيار الفكر الخبيث الموبوء الثائر على الفضائل.

    لقد جدّد شوقي رحمه الله فطربنا لتجديده لأنه حافظ على شخصية شعرنا، ثم أضاف اليه جديداً في القوالب والموضوعات والملحمة والمسرحية فكان بحق أمير الشعراء.

    وجدد أتباع مدرسة أبولو ومدرسة المهجر ومدرسة الديوان وغيرهم فرحب الأدب بتجديدهم لأنه كان تجديداً ولم يكن عبودية.

    أولئك كانوا كالمقتبس الذكي الذي يتعهد تراثه وتلاده بالإصلاح والإنماء والممارسات الذكية ثم يضيف إليه طارفاً بالسعي الدءوب والجهد المثابر الكسوب.

    أما هؤلاء الخلف الذين خلفوا من بعد أولئك فقد اتخذوا من التجديد معول خدم ومؤامرة لؤم لإطفاء نورنا وإهانة تراثنا وإذابة شخصيتنا حتى لقد نشأ بمساعيهم جيل من الشعراء لا يدري شيئاً عن بلاغة القرآن الكريم وروائع الأدب الرفيع وكل بضاعته قال اليوث ويونج وكولردج وهلر وغيرهم ممن وضعوا نظريات قد تصلح لمجتمعاتهم ولكنها لا تصلح لمجتمعنا ولا لأمتنا.

    وإن شئت أن تدرك مدى الخسارة الفادحة التي عصفت بكل العناصر الفنية في شعرنا فاقرأ معي هذه المقطوعة وهى من باب الشكوى في الشعر الحديث من ديوان (الأرض والدم) ص 99 وعنوانها (عذابات سرية) لأحد أئمة الشعر الحر محمد عفيفي مطر لترى المستوى الذوقي للشكل الجديد .. يقول هذا الشاعر الحر.

    شربت مرق الأحذية المنقوع
    في الخوف والنحيب
    أكلت ما يخبزه الأسفلت (يعني الزفت)
    في جوفه من حنطة التعذيب

    وهذه مقطوعة أخرى لشاعر آخر وعسى ألا تفعل بالأخ القارئ ما يفعله زيت الخروع ..

    في حذائي مسمار، وفي ذقني شوكة
    هذى ممتلكاتي، افتح الشمسية والقناني
    انزلج في الجغرافيا، في عنق زرافة اصطياف

    ناشدت الله ضمير القارئ لأن يفتيني أشعر هذا أم صديد ؟! وبالمناسبة فالقطعة الثانية هي مما أعجب به المروجون وهى لشوقي أبو شقرا بعنوان (حجر في سروال) و نشرتها له مجلة شعر في عددها السادس للسنة السابعة 1963 م على أنها فتح وإبداع.

    أهذا هو البديل من وجدانيات أبي الطيب اذ يشتكي دهره كما أراد هذان الشاعران أن يشكوا دهرهما ؟!

    أهذا هو البديل لقول ذلك العبقري الحكيم الأمين على الأخلاق من قصيدة ممتعة له عنوانها شكوى ..

    بم التعللُ لا أهل ولا وطنُ ولا أنيسٌ ولا جارٌ ولا سكن
    أريدُ من زمني ذَا أن يُبلِّغَني ما ليسَ يبلُغُهُ من نفسِه الزَّمنُ
    مَا كلُّ ما يتمنَّى المرء يدركُه تجري الرياحُ بما لا تَشتهي السُفن

    أم هذا هو البديل بقول ابن زهر حين اشتكى الشيب فرسم للشكوى لوحة فنية إذ يقول :

    إني نظرت إلى المرآة إذ جليت فأنكرت مقلتاي كل مارأتا
    رأيت فيها شيخاً لستُ أعرفُه وكنتُ أعهدُ فيها قبل ذاك فتَى
    فقلتُ أين الذي بالأمس كان هنا متى ترحَّلَ عن هذا المكان مَتَى !!
    فاستضحكتْ ثم قالتْ لي تغالطني قد كان ذاك وهذا بعد ذاك أتَى

    أم هذا الكلام عوض عن شكوى العباس بن الأحنف إذ يشتكي الهجر فيقول :

    نزف البكاءُ دُموعَ عينك فالتمسْ عيناً لغيرك دمعُها مدرارُ
    من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عيناً للبكاءِ تُعار ؟

    وحسبك بهذه الهينة من المنجم لتعرف سائر المعدن الكريم.

    لقد كنت أخلو الى الشعر العربي المتناثر في امهات كتب الادب وبخاصة (كتاب الاغاني) فأشعر كأني في بستان متنوع الفتنة من زهر وثمر ,اعشاب ودوْح ونَجْم وشجر، كان يضحكني ويبكيني ويغضبني ويرضيني وهو في كل ذلك ممتع، وأجمل ما يعجبني فيه صدوره عن نفوس شاعرة حقاًوصدقاً ليست مزيفة الشاعرية، وحتى أولئك الأعراب الذين كانت تقذف بهم الصحراء إلى شوارع المدن وقصورها كانوا في شعرهم مصدر امتاع عجيب للناس والرواة والخلفاء لأنعم فعلا كانوا شعراء .. مرَّ سليمان بن عبد الملك على أعرابي يمشي وراء إبله وقد أمحلت الارض وانقطع المطر فسمعه يصيح مخاطباً ربّه جل وعلا :

    رب العباد مالَنا ومالكا قد كُنْت تسْقِينا فما بَدا لَكَا ؟
    أنزِلْ علينَا الغيثَ لا أبالكا

    فقال سليمان وهو يبتسم .. أشهد أن لا أبا له

    واليوم أشتري أربعين ديواناً من الشعر الحر .. فأتجرع في قراءته الصبر المر، وبعد العناء لا أفوز منها بطرفة أو نكتة أو حكمة أو فائدة لغوية .. وليت الأمر يقف عند ذلك فهى في معظمها إغراء ونظريات الملاحدة وهمزات الشياطين.

  4. #4
    الصورة الرمزية عدنان أحمد البحيصي شهيد العدوان على غزة 2008/12/27
    تاريخ التسجيل : Feb 2003
    الدولة : بلد الرباط (فلسطين)
    العمر : 36
    المشاركات : 6,717
    المواضيع : 686
    الردود : 6717
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي أقسام الشعر الحر الحديث

    أقسام الشعر الحر الحديث

    قبل أن نحدد موقفنا من الشعر الحديث أرى أن أوضح ألوانه الثلاثة.

    فاللون الأول : هو الذي له وزن على هيئة تفعيلة ملتزمة وتبرز فيه القوافي أحياناً.
    واللون الثاني : هو الذي له تفعيلة وليس له أية قافية.
    واللون الثالث : هو الذي لا وزن له ولا قافية.

    فمن نماذج النصف الأول قول نزار من قصيدته (رسالة من تحت الماء) :

    إن كنت قوياً أخرجني من هذا اليمْ
    فأنا لا أعرف فن العومْ
    الموج الأزرق في عينيكَ يجرجرني نحو الأعمقْ
    وأنا ما عندي تجربة في الحب ولا عندي زورقْ
    إنْ كنتُ أعِزُّ عليك فخذ بيدي
    إني أتنفسُ تحت الماءْ
    إني أغرقْ
    أغرقْ أغرقْ

    فنزار في هذه القصيدة لا يحيد عن تفعيلة واحدة وهي تفعيلة البحر المتدارك (فَعِلُنْ) ولكنه يزيد في ها وينقص غير متقيد بالبحر المتدارك .. ثم إن للقصيدة قواقي تبرز أحياناً وتختفي.

    وكل شعر السياب تقريباً من هذا القبيل كقوله من قصيدة عنونها يوصي زوجته بابنه غَيْلان في مرض موته وهى من ديوانه (المعبد الغريق).

    كوني لغيلان رضيً وطيبهْ
    كوُني له أباً وأمّاً
    وارحمي نحيبَهْ
    وعلميهِ أنْ يذيلَ القلبَ
    للفقير واليتيم
    وعلميه

    فبدر هنا أيضاً يلتزم تفعيلة واحدة هى (مَنفْعِلُنْ) تفعيلة الرجز ولكنه لا يلتزم العدد المطلوب منها ثم هو يراوح في القافية.

    أما اللونَ الثاني وهو شعر التفعيلة بلا قوافٍ فأمثلته كثيرة كقول فدوى في المقطع الأول من قصيدتها بعنون (الفدائي والأرض).

    أجلسُ كي أكتبْ
    ماذا أكتبْ
    ما جَدوى القول
    يا أهلي يا بلدي يا شعبي
    ما أحقر أن أجلسَ كي أكتبْ
    في هذا اليومْ
    هل أحمي أهلي بالكلمةْ ..
    كلَّ الكلمات اليومْ
    ملح لا يورقَ أو يزهِر
    في هذا الليلْ

    فقد التزمت فدوى طوقان نوعاً من تفعيلة المتدارك، لكنها انفلتت من القافية نهائياً.
    أما النوع الثالث وهو المنثور الذي لا أثر فيه لوزن أو قافية، فقد صدرت منه دواوين كاملة لأمثال الماغوط وأنسى الحاج وبعض السعوديين.

    ومنه قول أدونيس من قصيدة لم أفهم منها شيئاً وهى من ديوانه (ديوان التحولات والهجرة).

    الزمن فخار
    والسماء طحلب أصير الرعد والماء والشئ الحي
    وحين تفرغ المسافات حتى الظل
    أملؤها أشباحاً تخرج من الوجه والخاصرة
    وترشح بالحلم وذاكرة الشجر
    وحين لا تواتيك الدنيا
    ألهو بعيني ليزدوج فيها العالم

    وجميع الديوان المذكور من مثل هذه الطلاسم المشبوهة والحق أن اللونين الأولين من ألوان الشعر الحر يمكن أن يهضمهما الشعر العربي لا كبديلين بكل الأوزان ولكن كوزنين جديدين يضافان إلى بحورنا القديمة لتصبح ثمانية عشر بحراً يعد أن كانت ستة عشر.

    أم اللون الثالث الذي أوردنا نموذجه من شعر أدونيس فان الشعر العربي لا يعترف به ولا يعطيه اسم (شعر) لأن العرب عبر العصور يعدون مثل هذا القول نثراً، فهو لا يملك أي نفحة أو مقومة أو ركن من أركان شعرنا العربي، بل أن خطب أكثم ابن صيفي وقس بن ساعدة ورسائل الجاحظ وابن العميد ومقالات الرافعي ورسائله في وحي القلم وحديث القمر ورسائل الأحزان ونثريات الزيات في وحي الرسالة وآلام فيرتر كل هذه فيها من التقسيم الموسيقي والإبداع الفني والأصالة اللغوية والحلية الشكلية أكثر بكثير مما في القصائد النثرية، ومع ذلك لم يدّع أي من أصحابها أنها شعر لأن شعرنا العربي عبر القرون له كابع مميز وشخصية واضحة تميزه عن النثر مهما كان النثر فنيّاً ..

    إن ادعائهم بأن هذا اللون شعر سيتبعه ادعاء خطير جداً لآن القرآن الكريم له من الايقاع أكثر مما لهذه القصائد المنثورة، فإذا اعتبرنا هذه المقطوعات شعراً فسوف يأتي من الملاحدة من يقول أن القرآن شعر وقد يكتب آيات وكلمات من القرآن بعضها تحت بعض ثم يحكم أنها كالشعر المنثور مع أن الله جل وعلا نفى أن يكون القرآن شعراً أو أن يكون محمد –صلى الله عليه وسلم- شاعراً فقال جل من قائل (وَمَا هُوَ بِقَوْل شاعر قليلاً ما تَؤمنون) وقال عن نبيه الكريم (وما علّمناه الشعرَ وما ينبغي له إنْ هُوَ إلا ذكرٌ وقرآنٌ مُبين) بل إن الوليد بن المغيرة حين أعجب بالقرآن قال لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو بالشعر ولا بالكهانة ..

    وإلى القارئ هذا النموذج من نثر الرافعي من مقدمته لكتابه (تحت راية القرآن) يقول رحمه الله :

    اللهمَّ جنبنا فتنة الشيطان
    أن يقوى بها فتضعف
    أو نَضعفَ لها فيقوى
    اللهم لا تحرمنا من كوكب هداية منك
    في كل ظلمة شك منا
    نسألُك إليك بحمدك
    وندعوك بأفئدة عرفتْك
    حين كذَّب غيرُها فأفرّتْ
    وآمنتْ بكَ
    حين زُلزلَ غيرُها واستقرَّتْ

    إن هذا النثر الفني من أدب الرافعي فيه من الموسيقى أكثر مما في الشعر المنثور المزعوم ومع ذلك لم يدع الرافعي رحمه الله أن نثره هذا شعر.

    لأن الشعر عند العرب منذ القدم موزون متميز تجيش به الصدور على الألسنة.

    إن رسالَتيْ ابن زيدون الجدية والهزلية قريبتان جداً لروح الشعر ولكن شعر ابن زيدون في ديوانه شئ ورسالتيه شئ آخر، لنستمع إليه وهو يسترقص حين ينشد :
    ياليت سعري وفي كانون فارقني قلبي وها نحن في أعقاب تشرين
    والله ما فراقوني باختيارهم لكنه الدهر بالأقدار يرميني
    ولا تبدَّلتُ حُبّاً غير حبهمُ إذَنْ تبدلت دينَ الكفر من دِيني

  5. #5
    الصورة الرمزية عدنان أحمد البحيصي شهيد العدوان على غزة 2008/12/27
    تاريخ التسجيل : Feb 2003
    الدولة : بلد الرباط (فلسطين)
    العمر : 36
    المشاركات : 6,717
    المواضيع : 686
    الردود : 6717
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي شبهات حول التجديد

    شبهات حول التجديد :

    لقد تعلقت من صغري بالشعر ونظمته ووجدتني لا شعورياً أعجب اعجاباً شديداً بالمتنبي من القدامى وبشوقي من المعاصرين .. وكان يعجبني في شعرهما خصائص ظللت أتطلبها في كل شعر.

    الأولى : روح الجدية والأخلاق فأنت في شعرهم مع تطلعات الانسانية وطموحاتها وآمالها وآلامها.

    والثانية : ديباجة اللفظ ورونقه ووضوحه وخلوه من الخطأ فأنت من شعرهما في ذخائر لغوية.

    والثالثة : تنوع الموضوعات بين الغزل والحكمة والوصف والحماسة والرثاء والشكوى والوجدانيات الحلوة.

    والرابعة : تلك التجارب الصادقة التي تُحدِّث الناس عما في نفوسهم بلا غموض ولا إغراق في الخيال.

    والخامسة : نصاعة المعنى وسطوعه وشعبيته حتى انك لتسمع عجوزاً أمية تنشد لأبي الطيّب وهى فاهمة لما تنشد :
    إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَه وإن أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرّدا


    وتنشد لشوقي :

    وما نيلُ المطالب بالتَّمنّي ولكن تؤخذْ الدنيا غِلابَا

    ثم لما جاءت حركات التجديد أقبلت على الجديد بنهم شديد إليه يدفعني اليه حب الشعر، ولما قرأت الكثير الكثير من شعر المتصدرين للتجديد ومن نَقْدِ النقاد الجدد، أحسست بصدمة شديدة خرجت على اثرها بنتيجة اثبتتها بعد ذلك الأيام :

    وهى أن وراء هذا التجديد مؤامرة هدم لأدبنا وثورة على تراثنا، ولقد أكد لي هذه الحقيقة إني درست نفسيات معروفة من زعماء التجديد فلما كشفت عن وجوهها أقنعة الزيف إذا وجوه شوهاء كالسَّعالى في أعينها بريق الشيطان، وفي أنيابها سموم الموت، وفي قسماتها جذام الطاعون.

    وإني إذ أكتشف هذه الحقيقة بوقائع وأرقان أشهد الله أني لا أريد أن أبذأ على إنسان بل إني لأدعو أدبار صلواتي لكل الانسانية بالهدايا. ولكن حين ارى مخالب المؤامرة تمتد إلى كياني ومجدي وديني أعتقد أن كشف الأقنعة قد أصبح فرضاً يحتمه الدين، وكيف لا أنبِّه أبناء أمتي إلى حبائل سوء تحت أقدامها إن لم أكتشف لهم مواقعها فقد تلتف حول أعناقهم وتُرديهم، ولهذا وبدافع من إيماني وحرصي على تراث الإسلام أضع أمام القراء الحقائق الآتية :

    الحقيقة الأولى : واكبت حركة الشعر المنثور حركة أخرى مريبة بل مجرمة، وهى الدعوة إلى اللهجات العامية والحروف اللاتينية، وهجر اللغة الفصحة والحروف العربية، بدعوى أنها عاجزة عن توليد أسماء للمصطلحات الحديثة في حقل الفنون والصناعة والتكنولوجيا، وأنها معقدة الصيغ صعبة الإملاء، وقد أثبتت الأيام فيما بعد أن مرّوجي تلك الأكذوبة لهم انتماءات مشبوهة من موال للاستعمار أو عضو في نحفل ماسوني أو عميل شيوعي، والغريب أن تلك الأصوات الغربانية صدرت عن رجال كانت لهم دعاية هائلة في حقول الأدب والفكر والاجتماع وكان لي وللجماهير في بعضهم ثقة واحترام.

    منهم سلامة موسى وهو مسيحي مصري، وسعيد عقل وهو ماروني لبناني والأمر الأدهى أن منهم بعض من دُعوا أساتذة الجيل كلطفي السيد وعبد العزيز فهمي اللذين ناديا جهاراً بأنْ تستقل مصر بقوميتها وعاميتها وتتطلع إلى أوروبا وتقطع صلتها بالشرق وأنْ تستبدل بالحروف العربية حروفاً لاتينية، والغريب أن التيار جرفَ العباقرة عن حسن قصد أو عن سوء قصد. فكتب الدكتور طه حسين والعقاد يروجان للقومية المصرية والفرعونية ونادى قاسم أمين محرر المرأة على حد تعبير الدعاية بإلغاء قواعد اللغة وان تلفظ الكلمات كلها ساكنة.

    وكنت أتعجب كثيراً من هذه الدعايات المرتدة والدعوات الهدامة كيف تصدر عن هؤلاء الأعلام، حتى اتضح لي فيما بعد أن هؤلاء أو معظمهم قد قيَّض لهم العدو قرناء فزينوا لهم أفكار الشيطان، وقد عرفت من بين قرنائهم القاضي البريطاني المستشرق وِلْمُور الذي اشتعل حماساً وإخلاصاً لهذه الدعوة حتى لقد بادر بوضع قواعد للهجة المصرية، وكتب يتغزل فيها بأنها لهجة حلوة عذبة سهلة يمكن مع بعض التعديل أن يُستغْنى بها عن العربية الفصحى وما فيها من صعوبة وتعقيد.

    وعرفت اسماُ بريطانياً آخر هو وليم ولكوكس الذي كان يعمل بمصر، فقد ترجم الإنجيل إلى العامية المصرية ليخرج التجربة الماكرة إلى حيز التنفيذ، ولكن المستعمرين لم يلبثوا أن أدركوا أن العرب لا يؤمنون بكلام الدخلاء .. هنالك خلوا إلى شياطينهم وعملائهم من العرب ليقوموا بنقل الوباء نيابة عن أسيادهم المستترين ويمثلوا دور ببغاوات تُردد ما يملي عليها.

    وعلى الرغم من نفوذ الاستعمار والمراكز العالية التي كان يحتلها أعوانه فقد يسّر الله للغة القرآن من يدافع عنها من الأدباء المؤمنين كالرافعي والزيات وحافظ إبراهيم فارتد كيد الكائدين إلى نحورهم وما زادت دعوات الهدم لغتنا إلا رسوخاً وشموخاً .. وثبت على طول الزمن أن لغتنا بفضل الله محفوظة بحفظ القرآن وأن كلَّ من ناصبها العداء لم ير خيراً وحسبك أن تتأمل وضع تركيا الآن بعد ان هجرت الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية لترى أن هذا الإجراء ما أفادها في قليل أو كثير في أي ميدان من ميادين العلم أو الأدب أو الصناعة أو المجتمع، وكم تمنينا لو تعود تركيا إلى الكتابة العربية إذَن لجعل الله لها يسراً من الأزمات وودّاً في القلوب.

    الحقيقة الثانية : هي أنَّ الأدب في أوروبا يصور التناقضات والتقلبات السياسية والاجتماعية والدينية في مجتمعات مسيحية أو ملحدة، وعلى الجملة فهو رد فعل للنظريات الاجتماعية التي سادت أوروبا كالوجودية والماركسية والرأسمالية واللاانتمائية، ولهذا فقد تضاربت مفاييسه النقدية أيضاً، فهناك من مذاهب الفن والنقد الاتجاهات – الكلاسيكية – والرومانسية والتومائية والوجودية والليبرالية والنيوكلاسيكية والماركسية والفرويدية واليونجية والبرناسية والفن للفن والسيريالية أو التجريدية والإيماجية أو التصويرية وغير ذلك كثير منه ما يصعب على العربي نُطقه.

    ونحن نفهم أن يأخذ شاعر فرنسي أو انجليزي أو ألماني بإحدى هذه النظريات فيكون في مذهبه الفني سيريالياً أو فرويدياً أو شيوعياً ولكن ما شأننا نحن العرب ونحن بحمد الله قد أكرمنا الله فظللنا على رغم الشدائد مؤمنين مسلمين .. ما معني أن نسمع من شاع سعودي بأنه سيريالي أو تجريدي أو لامُنْتمي، إنَّ هذه المذاهب الأدبية الثلاثة كانت رد فعل للوجوية التي حاربت القيم الاجتماعية والأخلاقية المتعارفة ودعت إلى التحلل من كل قيد اجتماعي فكان من نتاجها أندية العراة .. فهل نأخذ دون تمحيص أو تفكير مثل هذا الاتجاه الهدام لا لسبب إلا ليقول الناس عنا أن هذا الأديب متأثر بالادب الأوروبي، وإذن فهو مثقف ومتحضر.

    يقول الأستاذ الزيات : إن ماطرأ على أدبنا في عصوره الأدبية المتلاحقة هو التجديد الحقيقي .. ففي الأدب الإسلامي تجديد، وفي العباسي تجديد، وفي الأندلسي تجديد، وفي الأدب الحديث تجديد، أما ما طرأ على الآداب الغربية فلم يكن تجديداً بمقدار ما كان ردود فعل للنظريات المتضاربة.

    نحن في الشرق لا تنقض شعرنا الموسيقي فهو ناضج موسيقياً ولكن تنقصه الأفكار الباعثة نحو الكرامة والتجارب الثقافية الواسعة، فلماذا نجعل كل تجديدنا منصباً على هدم الموسيقى الشعرية وإفراز الغموض وصيحات الانحلال، ان هذا لا يمكن أن يسمى تجديد مبصراً وأولى أن يسمى تقليداً أعمى.

    الحقيقة الثالثة : كثير من الشعراء والنقاد الذين حملوا حملات التجديد وفرضوا على أدبنا هذا البلاء العتيد أقول كثير من هؤلاء لا أطمئن إلى ماضيهم ولا إلى عقيدتهم وسأكتفي بكشف النقاب عن خمسة أسماء يعتبر أصحابها من أبرز أعلام التجديد والشعر والحر سائلاً الله أن يهدي من بقى منهم حياً ويسلم أدبنا ولغتنا وقرآننا وتراثنا من شرور دعواتهم.

    ولن أتعرض للأخلاق الشخصية في هؤلاء ولو علمت أن أحدهم بذَّ أبانواس في المجون والخمر والنساء، فتلك أمور يظلم بها المرء نفسه وماله وصحته ولكن حين يصل الأمر إلى إفساد أولادي وإغرائهم بالانحلال والانحراف فإذ ذاك تصبح الصراحة فرضاً والنصيحة ديناً والسكوت جريمة.

    (*أ) الأستاذ بدر شاكر السياب وهو أبرز أولئك الأشخاص كان رحمه الله شيوعياً خطيراً منذ نعومة أظفاره حتى عام 1960 وهى السنة التي أعلن فيها توبة عن الشيوعية، تاب الرجل ولكن بعد أن نظم أشهر دواوينه وأبعدها انتشاراً أثناء تلك الفترة المشبوهة من حياته .. لقد نظم أنضج شعره وهو في أوج حماسته للماركسية، وأعني دواوينه الأربعة التي يعدها النقاد قمة اندفاعه العاطفي وأجود إنتاجه وهى. حفّار القبور، والمومس العمياء، وأنشودة المضر، والأسلحة والأطفال.
    والسؤال الآن – كيف أطمئن إذا رأيت ولدي أو تلميذي يقرأ هذه الدواوين وأنا موقن أن الشاعر نظمها وهو معلق الولاء بمذهب نصفه هدم وباقيه كفر والحاد ..

    وحتى بعد أن تاب بدر غفر الله له وأعلن رجوعه عن الشيوعية، وحين رأى المرض الخطير يحيط به من كل جانب ونظم دواوينه الثلاثة التي تعتبر بوادر أوبه إلى الحق، ومعالم توبة إلى الله .. أقول حتى في هذه الدواوين الثلاثة ترى لهجة لا تخلو من صيحات إنكار وحيرة وتساؤل وثورة على الله .. تسمعها بوضوح في (سفر أيوب) و (المعبد الغريق) و (أمام باب الله).

    (*ب) أدونيس – نشأ في جبل العلويين بسوريا وكان اسمه في طفولته وصباه ومطلع شبابه علي أحمد سعيد، وقد استهل سجله الوطني منتمياً ثم تحول إلى (لا منتمي) غير أن انتماءه لم يكن إلى الإسلام ولا إلى العروبة، ولكن إلى حزب عدوٍّ للإسلام والعروبة معاً، إنه الحزب القومي السوري وهو حزب خبيث لئيم تقوم فلسفته على أنَّ لسورية قومية متميزة ليست من العروبة والإسلام في شئ، إنما هي فينيقية الجذور، وأن على سوريا أن تعود إلى فينيقيتها وهى شبيهة بدعة الفرعونية في مصر وهى التي أشرنا إليها، وكان شعارها عودة مصر إلى الفرعونية وانسلاخها عن الأمة العربية.

    وبإغراء من أنطون سعادة غيّر اسمه العربي إلى أدونيس، وهو إله الخصب عند الفينيقيين وعند اليونان، وسمعت في حينها أنه غير دينه أيضاً وترك عقيدته الشيعية إلى المسيحية، وقد استهل حياته الأدبية بديوان شعر سماه (دليلة) بطلاه يهوية ويهودي، ثم ثنَّى بديوان تعس اسمه (قالت لي الأرض) جميعه دون استثناء مدح في أنطون سعادة.

    أما سائر إنتاج أدونيس – باستثناء مختاراته التي سماها ديوان العرب – فهو سم زعاف يقتل في النفس إيمانها بالله واليوم الآخر والقرآن الكريم، لأن النغمة الرئيسية فيه هي الثورة على كل ما قضى الله وقدَّر وعلى كل ما شرع وأنزل.

    ولكي تتبين فظاعة المبدأ الذي انتمى إليه أدونيس وهو الحزب القومي السوري القط للقارئ لقطتين من كلام أنطون سعادة الذي جعله أدونيس مثله الأعلى.

    يقول سعادة في كتابه (نشوء الأمم).
    إن العشرين سنة التي قضاها معاوية في سوريا قد (سرْينتْه) أو (سورتْه) أي جعلته سوريا وجهزته ببعد نظر سياسي مكنه أن ينتصر على منازعه ..

    ويقول في كتابه (المحاضرات العشر).
    (لقد أنجبت سوريا أبطالاً وقواداً من سرجون إلى آسرحدون وسنحاريب ونُبوخذ نَصَّر واشور بينبال وتقلاط فلاَصر وجنُّون الكبير وهاني بعْل أعظم نابغة حربْي في كل العصور ويوسف العظمة الثاوي في ميسلون) ويقول (وقد خلَّد سوريون عظام ثقافة روحية سورية كزينون وبيار صليبي ويوحنا فم الذهب وأفرام والعُمري وديك الجن والكواكبي وجبران).

    هذه هي البطولات التي شهدتها سوريا وهؤلاء هم الأبطال في نظر سعادة، أما اليرموك وحطين، وأما خالد وأبو عبيدة وشرحبيل ونور الدين وصلاح الدين فهؤلاء لا ذكر لبطولاتهم عند أنطون سعادة الذي هو المثل الأعلى لأدونيس.

    وأعود إلى نقد أدونيس وشعره فألتقط من كتابه الذي سماه (الثابت والمتحول) هذه العبارة المسمومة التي تزعم أن الإسلام عدوُّ الإبداع يقول أدونيس (إن السبب في العداء الذي يكنُّه العربي للإبداع، لكل إبداع، هو أن الثقافة العربية بشكلها الموروث هي ثقافة ذات مبنى ديني) وهو كلام ملفوف لو عرّيته لكان معناه ببساطة : إن ثقافة العرب الإسلامية هي سبب تخلفهم وكرههم للإبداع.

    أما خلاصة نظريته النقدية فهى الدفاع عن مذهب اللامنتمي في الأخلاق وفي الشعر، ولهذا آمن بالشعر الحديث وتحمس له بكل ما فيه من مفارقات وضلال وغموض بل لقد عد الغموض دليلاً على روعة الشعر ..

    وإلى القارئ هذا النموذج من شعره الغامض الذي يطبق به نظريته الهدامة .. قال من قصيدة عنوانها ( شمس العاشقة تتدلى)، نشرها في كتابه (التحولات والهجرة) ص59.

    مع ذلك نبدأ الصفحة التالية :

    نتحاور بالأرجل
    بحبر المسام وكلماتها
    فجأة
    تجئ الصاعقة
    نستيقظ ويجري كلانا وراء رأسه
    في حنين السكن والإقامة
    وأمواج الركض
    وراء الوطن الآخر
    الضائع الدائم

    إنا لله وإنا إليه راجعون .. أهذا شعر يستحق أن ينشر ؟
    أَتحدَّى أنَّ أحداً من القراء قد فهم المقصود من هذا الهذيان الهيستيري وأنا نفسي أعترف بأني حاولت فهم شئ نت هذا البلاء فلم أستطع.
    والعجيب أن صفحاتنا الأدبية تشيد بأدونيس وانتمائه إلى مذهب اجتماعي اسمه اللامنتمي. مع أن هذا المذهب مرادف للكفر ولخطورته أرى أن أشير إلى حقيقته إشارة خاطفة.

    إن مذهب اللامنتمي كما عرَّفه الأستاذ ويلسون مؤلف كتاب (اللامنتمي) يتلخص في (أن هذا العالم ملئ بالمتناقضات ولا علاج لهذه الحال إلا بالثورة والغضب وعدم الانتماء إلى أية قيمة أخلاقية من القيم الموروثة، بل لا بد من مواجهة العالم بكل مشاعر الحقد والكراهية).

    وإلى هذا التعريف اطمأن اللامنتمون من زملاء أدونيس فتجلى واضحاً في شعرهم من أمثال بلند الحيدري وأنسى الحاج ومحمد الماغوط الذي زاد على الخلاصة السابقة قوله (على اللامنتمي أن يحس باللاجدوى لأن هذا الوجود بلا موقف ولا دليل ولا مستقر ولا مُرشد فليس للامنتمي إلا الإحساس بالسأم وتمنِّي الموت والأنانية الفردية ورفض كلِّ المعطيات الخارجية).

    إنّ هذا الكلام لو تأملته لوجدته كفراً ويأساً من رحمة الله، فعقيدة المسلم هي أن الإنسان له هادٍ وله دليل وله مستقر وله مرشدُ وله قيم أخلاقية وله أمل واسع في الله وثقة مطمئنة بقضائه.

    إنَّ اللامنتمي في الإسلام ترادف كلمة (ضال) والضلال طريق الكفر، إنَّ كلَّ مسلم هو الحقيقة منتم، لأنه ينتمي إلى الإسلام ومن هذا فاللامنتمي يعني الكافر.

    لقد كنت منذ مدة أتابع برنامجاً في التلفزيون فلما سمعت في حلقاتها الأولى بطولات اللامنتمين من أمثال أدونيس وجبران وخليل حاوي والماغوط وبلند وغيرهم رثيت لمئات الآلاف التي وضعت تحت تصرف مُعدَ البرنامج فضيَّعها ليشيد بقوم يريدون لنا الكفر وينشرون في أبداننا وعقولنا وأخلاقنا سموماً قاتلة ..
    ولا يفوتني أن أثبت هنا خلاصة للنظرية الشعرية التي يخضع لها اللامنتمون في شعرهم وهى نظرية تتضح جليةً في شعر يوسف الخال وفؤاد رفقه وتوفيق صائغ وفي أفكار لويس عوض وعصام محفوظ بالإضافة إلى أدونيس وأنسى الحاج والماغوط .. تقول هذه النظرية (إن الشعر شئ خارج المضمون والأفكار والشكل معاً. إنه الجلسة اللغوية الشعرية المُصيبة، السابقة فليلاً لمضمونها) انه اللقط والتوهم والعلاقة الخطرة).

    وهذا الكلام وإن كان غير مفهوم إلا أن خلاصته هي أن الشعر لا أهمية فيه للالفاظ وللأفكار ولا للأخلاق وحسبه أن يكون جلسة مصيبة .. والحق أن هذه النظرية وأتباعها وأمثالها جرَّت على شعرنا أكبر مصيبة.

    لا تستغرب إذا أعلن اثنان ممن ذكرنا من اللامنتمين من زملاء أدونيس وهما أنسى والماغوط أنهما لا يستطيعان أن ينظما أي شعر موزون مقفى ومع ذلك فهما شاعران برغم أنف الشعر لأن الشعر في نظرهما لا أهمية فيه للشكل أو المضمون ولا للوزن ولا للثقافة.

    وهنا لا بد لي أن أعرف القراء بحقيقة لم أعرفها إلا مؤخراً وهى أن (مجَّلةَ شعر) التي يرأس تحريرها يوسف الخال في بيروت والتي جندت كل طاقتها لخدمة اللامنتمين شعرهم ومذهبهم هذه المجلة حين سألت عن سر إمكانياتها المالية واستمرارها في عصر أقفلت فيه الرسالة وعانت فيه المجلات الأدبية ما عانت، علمت أن ميزانيتها مدعومة بمعونة سخية من جمعية أمريكية تسمي نفسها جمعية الحرية الثقافية، وهذه الجمعية لا مصدر لها إلا تبرعات من التجار اليهود في أمريكا.

    (*ج) الشاعر الحر اللامنتمي عبد الوهاب البياتي – كان ماركسياً مندفعاً ومن أخلص عملاء موسكو حتى لقد فّر في حقبه من حقب عمره إلى الاتحاد السوفييتي ولجأ إلى تلك الديار التي آمن إيماناً عميقاً بمبدئها.

    وقد طالعت شعره فوجدت بينه وبين تراثنا وأخلاقنا أمداً بعيداً ويميناً ما رأيت في كل انتاجه نبض العاطفة البناءة للدين ولا أذكر أنه رطب لسانه في دواوينه ببيت يذكر فيه أثر الدين في الأخلاق ولا غرو فقد رجع من موسكو مغسول الدماغ إلا من عبادة الشيوعية.

    (*د) لويس عوض – من الأدباء الأقباط في مصر متحمس جداً للشعر الحر وحركة الانتماء، وحتى الآن فلا بأس لأنه لا إكراه في الدين، ولكل إنسان رأيه في الأدب. وإن كان موضوع الانتماء معناه الكفر بكل القيم التي توارثتها الإنسانية.

    ولكن ما رأى القارئ في هذه الواقعة الأخيرة التي كشفت من لويس عوض أموراً لا نعلِّق عليها ولكن نهديها لعشاق فكره الثقافي والأدبي في كل بلد عربي آمن أدباؤه بلويس عوض ردْحاً من الزمان.

    نشرت جريدة الجزيرة في صفحة أدب وثقافة من عددها الصادر يوم الثلاثاء العاشر من ربيع الأول سنة 1402 هـ ملخصاً لكتاب ألفه الصحفي الإسرائيلي موسى إيلمون بعنوان (رحلة إلى مصر) وموسى إيلمون صهيوني له ماض في الإرهاب وتمزيق فلسطين فقد كان في عام 1948 ضابطاً في الجيش الإسرائيلي يمارس الذبح والإرهاب كغيره من المجرمين.

    وقد أوردت الجزيرة في هذا الملخص تصريحاً للويس عوض أسجله كما أورده الإرهابي الصهيوني وكما نقلته الجزيرة من كتابه .. يقول لويس عوض (أعتقد أن اللقاء المتجدد بين المصريين والإسرائيليين سيخلق وضعاً ثقافياً مثيراً للاهتمام وكم أتمنى أن يحدث ذلك مثلما حدث قديماً قبل خروج اليهود من مصر، ثم يمضي الخواجة لويس فيقول إن مصر يجب أن تنفرد حضارياً ولذلك فعليها ألا تتجه شرقاً إلى دمشق أو بغداد ولكن إلى الشمال والغرب حيث أوروبا، ويقول لويس إنني لست قومياً وأفتخر بأنني علماني). أي أن الرجل لا يدين بأي دين وبالمناسبة فقد ذكر إيلمون أسماء أدباء مصريين آخرين تسابقوا كلهم إلى التقرب من إسرائيل وخصوصاُ الأستاذ توفيق الحكيم الذي فرض نفسه على الأدب العربي بطرق عجبية.

    إن عبارات لويس عوض مزيج من الكفر ونكران الجميل لأن لويس عوض لم يرع حقّاً للعرب الذي ينتمي هو إليهم وإلى لغتهم وأدبهم .. ويعد صدقاً أو زوراً من أعلام أدبائهم.

    (*ه) سعيد عقل – شاعر ماروني بني كل مجده وشهرته على الأدب العربي حتى لقد اجتمع نفر من النقاد والشعراء قبل وقت ليس ببعيد وبايعوا سعيد عقل أميراً للشعراء وهو اللقب الذي أحرزه شوقي حين طبق شعره الآفاق وكرد لجميل الأدب العربي الذي رق على كتفيه ..... سعيد عقل أعلن الرجل بعد بيعته بوقت قصير أن اللغة الفصحى لم تعد تفي بالتعبير عن المشاعر ولا بد أن تستبدل بها اللهجات العامية وتستبدل بحروفها الحروف اللاتينية، وكتطبيق عملي للفكرة الخبيثة طلع علينا أمير الشعراء الجاحد الكنود بديوان سماه (يَارا) نظم قصائده بالعربية ولكنه كتبه بحروف لاتينية بحجة أنَّ الإملاء العربي مشكلة، فكلمة (هذا) ليس لها ألف وكلمة (حضروا) لها ألفٍ تلتفظ والحق أن هذا ليس هو السبب، ولكن وراء الأمر نعرةً فينيقيةً وحقداً صليبياً نفَّس عنهما أثناء الفتنة العمياء في لبنان بأن جمع حوله عصابة من المجرمين سماها (حراس الأرز) وجعل شعارها قتل الغرباء وهو يعني بالغرباء العرب المسلمين.
    (*و) وأخيراً لا بد أن أكشف وجه الصنم الغربي الذي طاف من حوله كل الرواد الأوائل من الشعر الحر لأزيح عن وجهه قناع الغموض وأجلّى حقيقته بالوقائع ألا وهوت.س.إليوت (T,S,Eliot) وهو أكثر شعراء الغرب تأثيراً في شعرائنا المعاصرين العرب من دعاة الشعر المنثور فقد سبَّح أدباؤنا بحمده واتخذوا إنتاجه نموذجاً فوق النقاش والتمحيص حتى لا تكاد تسمع محاضراً في النقد إلا ويجعل لازمة كلامه : قال الأستاذ ت.س.إليوت .. وتُطالع في الكتب سيرة نازك والبياتي والسياب وحجازي وصلاح عبد الصبور وأدونيس .. فتطالعك في كل ترجمة لهم : (لقد تأثر الشاعر في أدبه بالشاعر ت.س.إليوت تأثراً طبع إنتاجه بآراء هذا الأستاذ العملاق).

    وهنا أرى لزاماً أن أسرد بعض الحقائق عن هذا العملاق وهى حقائق نشر معظمها أستاذنا معظمها أستاذنا عميد الأدب العربي في السودان الدكتور عبد الله الطيب وكشف عما كان يتحلى به إليوت من استعلاء متغطرس وتعصب صليبي وولوع بوثنية اليونان والرومان وإغفال مريب لشأن العرب والمسلمين وهى تتلخص فيما يلي :
    1. هذا الشاعر أمريكي النشأة والتعليم بريطاني الجنسية وقد تخرج من جامعة هارفورد على يد أستاذ يهودي صهيوني اعترف إليوت بأنه كان أستاذه العلمي الروحي معا كان ذلك الرجل أديباً يهودياً متعصباً ليهوديته اسمه عزرا باوند Izra Pound من يهود أمريكا، وهذا اليهودي هو الذي نشر أول إنتاج لإليوت في هالة من الدعاية الهائلة ألا وهو قصيدته التي عنوانها The Waste Land الأرض المقفرة وقد سلط عليها من الأضواء ما جذب للشاعر الأنظار وملأ به وسائل الإعلام.
    2. الرجل كاثوليكي متعصب أعمت الصليبية بصيرته فقد لوحظ أنه في كل إنتاجه وفي كل إشاراته الأدبية لم يذكر العرب ولا أدبهم في حين ذكر كل آداب الدنيا قديمها وحديثها مع أن الرجل كان مطلعاً على روائع الأدب العربي كما أثبت ذلك الدكتور عبد الله الطيب.
    3. بلغ الشاعر هذا قمة شهرته في أوج قوة المحافل الماسونية وفي عصر لم تكن الداعية تبرز فيه إلا من ترضى عنه الصهيونية والمحافل الماسونية وهي التي كانت وما تزال من أقوى أعمدة الصهاينة ففي السنة التي أقيمت فيها دولة اليهود الغاصبين على أرض فلسطين وهي سنة 1948 نال إليوت جائزة نوبل، تلك الجائزة أثبتت الوقائع والأحداث أنها تخضع للنفوذ الصهيوني ولا تمنح إلا لمن يرضى عنه اليهود حتى لقد حجبت منذ إنشائها عن عن الأدباء والمفكرين والساسة العرب، ولم تمنح عبر تاريخها إلا لعربي واحد مناصفة بينه وبين الإرهابي المجرم مناحيم بيجين بطل مذبحة دير ياسين.

    وإلى هنا أضرب صفحاً عن ذكر أسماء أخرى من أقطاب دعوة الشعر الحر لأنهم كثيرون جداً تضيق بذكرهم الصفحات وتختنق .. وحسبك من شر سماعُه.

  6. #6
    الصورة الرمزية عدنان أحمد البحيصي شهيد العدوان على غزة 2008/12/27
    تاريخ التسجيل : Feb 2003
    الدولة : بلد الرباط (فلسطين)
    العمر : 36
    المشاركات : 6,717
    المواضيع : 686
    الردود : 6717
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي حجم الجناية

    حجم الجناية :

    بعد هذا العرض المركز للجو الذي نشأ فيه الشعر الحر والمفارقات التي اكتشفت ثورته الظالمة أود في نقط فظاعة الجناية وفداحة الأضرار والويلات التي جرها الشعر الحر على شعرنا وأدبنا وإني وان سميتها جناية فسوف أجزّئها إلى جنايات.

    الجناية الأولى : في كل آداب الدول يعتبر الشعر هو الفن الذي يصون اللغة القومية ويخدم تراثها وينشر دعايتها ويحفظ أصولها ويطور مدلولاتها ويبعث في صورها الحركة والحيوية، إلا الشعر الحر عندنا، فقد كان معول هدم للغة الفصحى لأنه سخر أول ما سخر من شعرنا الأصيل. وشعرنا الأصيل هو نبع الفصحى وديوانها الحافظ لقواعدها ومفرداتها ومنه تُنتزع شواهدها. إن دهاة الشعر الحر هم الذين جَّرءوا بعض النقاد المشبوهين أن يهاجموا الفصحى ويدعوا إلى العامية، فكان من نتيجو ذلك أن استهان الناس بالفصحى حتى الشعراء أنفسهم وأصبحت تجد من الشعراء من لا يفقه شيئاً من قواعد اللغة. واغتنم أعداء القرآن وأحلاس النفاق هذه الفرصة فطلعوا على الناس بآراء خبيثة لطمس اللغة الفصحى وأن تستبدل بها اللهجات العامية وهم يخفون وراء هذه الأفكار هدفين لئيمين :

    أحدهما : أن يصبح للعرب خمس وعشرون لغة بدل لغة القرآن وبذلك يتصدعون إلى خمسة وعشرين جزءاً ثم لا تمضي فترة وجيزة حتى يكون الفرق ما بين العامية العراقية والعامية المغربية أكثر مما بين الإنجليزية والفرنسية وعندئذ تتقطع أوصال الأمة العربية التي هي مادة الإسلام.

    وثانيهما :أن تصبح الفصحى محنطة كاللغة اللاتينية القديمة في الأديرة وبذلك يتلاشى معها القرآن الكريم.

    ولنتصور لو أن أدبنا ضعف وأن لغتنا تحنطت ثم أراد أديب أن يترجم كتاباً علمياً أو قطعة أدبية إلى اللغة العربية، إن عليه أن يترجمها إلى خمس وعشرين لهجة تمتد من اللهجة الموريتانية إلى اللهجة العمانية .. إن الطالب المغربي الآن يقرأ كتب العلم بالفصحى كما يقرؤها أخوه الكويتي ويقرأ القرآن صباح مساء كما يقرؤه أخوه السعودي، وبذلك تظل أمتنا متماسكة كالصخرة العاتية تتحطم عليها كل معاول السوء، وهذا هو الذي حدث في الجزائر فالفصحى والقرآن الكريم هنا اللذان حفظا على الجزائر شخصيتها العربية الإسلامية برغم سبعين سنةمن جهود فرنسا في فرنجة الجزائر.

    إن زوال اللغة الفصحى أمنية لئيمة قديمة داعبت أحلام الكفر منذ مطلع القرن العشرين وما زالت أذكر واقعة تدل على الحقد اللئيم الذي تضمره الطغمة الكافرة للإسلام وتراثه، نشبت في الثلاثينات معركة قلمية بين الرافعي وطه حسين رحمهما الله حول انحرافات الدكتور طه التي وردت في كتابه "الشعر الجاهلي" وعلى الرغم من عظمة الأسلوب الكتابي عند الدكتور طه فإن الرافعي رحمه الله قد تفوق عليه وهزمه هزيمة شهد بها القراء في مشارق الوطن العربي ومغاربه.

    في تلك الأثناء كتبت جريدة عربية كانت تصدر في أمريكا ويقوم عليها عملاء معروفون تعليقاً على المعركة الأدبية فبدأت مقالها تتصنع الإنصاف وتظهر الإعجاب بالرافعي وتتظاهر بخدمة الأدب، وبعد أن استعرضت أساليب المتخاصمين قالت بالحرف الواحد (لو ترك الرافعي الجملة القرآنية والحديث النبوي من كلامه لكان هذا الأديب مرجعاً في الأسلوب لا ينازع وَلَبَذَّ مذهبه في البلاغة المذاهب كلها من قديم وحديث).

    أرأيت الأم من هذا الكلام الذي يزعم أن الجملة القرآنية شبب في ضعف الأسلوب مع أن كفار قريش اعترفوا ببلاغة أسلوب القرآن برغم كفرهم بمحتواه، ولقد بلغ من قوة أسلوب القرآن وتأثيره أن عدَّه الكفار سحراً لأنه يجذب القلوب جذباً عجيباً ..

    لكنَّ العرب المشرفين على المجلة الأمريكية العربية كانوا أشد حقداً على القرآن من كفار قريش فلا عجب إذا رأينا بعدئذ أحد الغيورين على القرآن الكريم وهو الأمير شكيب أرسلان يلتقط عبارة تلك المجلة الظالمة ويستفتح بها رسالة بليغة كتبها إلى الرافعي يشد على يده ويبارك أسلوبه ويكشف له حقد أعداء الإسلام على كتاب الله وحديث نبيه، والرسالة منشورة في مقدمة الطبعة الجديدة من كتاب الرافعي (تحت راية القرآن).

    الجناية الثانية : احتقار دعاة التجديد للتراث العربي وكل ما يمت إليه من أسماء الأماكن وإشارات البلاغة وعمود الشعر وشواهد اللغة وإشارات الدين بحجة أن ذلك التراث يمثل الرجعية والارتكاس والغريب أنهم أعلنوا العداء على تراثنا في حين أعلنوا إعجاباً هائلاً بتراث اليونان والرومان على ما فيه من وثنية وخرافة مع أن أدب اليونان عاش قبل أدبنا العربي بأكثر من ألف عام، ثم إن أدبنا وتراثنا قد اصطبغ بطابع التوحيد الذي هو منطق العقل السليم، بينما اصطبغ تراث اليونان بصبغة الخرافة التي نسجوها حول معارك الآلهة ومهاراتها.

    إن دعاة الشعر الحر يتقززون إذا ذكرت لهم سيرة عمر بن عبد العزيز من بين الأمراء المسلمين أو سيرة أبي الطيب من الشعراء أو الائمة الاربعة في الفقه أو علماء الحديث أو ذوي الذكاء الخارق كالمعري وابن حزم وابن تيميه أو أسماء بعض الأماكن في جزيرة العرب حيث مسارح الأدب والحب والجمال كالخيف ومنى والغضا والمنحنى والعقيق والنقا وكاظمة، بينما يهشون ويستبشرون إذا ذكر شاعر حديث خرافة بابلية عن الآلهة عشتاروت أو أسطورة مصرية عن الإله أوزيريس أو فينيقية عن الإله أدونيس أو كذبة يونانية عن الإله بروميثيوس أو أوديس أو أديب أو خُزعبلةً حِّثية عن الإله أتيس أو حكايات مسيحية عن يوحنا المعمدان وإلعازر .. لا شئ يتعب قلوبهم المريضة إلا تراثنا المتلالئ بأنوار الفكر المستنير والعطاء النّير الخيِّر وصدق الله جل وعلا إذ ذكر أسلاف هؤلاء من المنافقين في قوله تعالى (وإذا ذُكر الله وَحْدَه اشمأَزَّتْ قلوبُ الذين لا يؤْمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا همْ يستبشرون)

    لقد قرأت قصيدة من أشهر قصائده البياتي بعنوان (سارق النار) اعتمد في رموزها على أسطورة يونانية تدور حول الإله بروميثيوس الذي أنقذ البشرية من غضب رب الأرباب زيوس وألتقط للقارئ مقطعاً منها ليرى مدى عداء هذا الشاعر لتراث لغتنا.

    اللغة الصلعاء
    كانت تصنع البيان البديع
    فوق رأسها باروكة
    وترتدي الجناس والطِّباق
    في أروقة الملوك
    وشعراء الكدية الخصيان في عواصم الشرق
    على البطون في الأقفاص يزحفون
    ينمو القمل والطحلب في أشعارهم

    وكنت أريد أن ألتقط عدة نماذج من الإشارات الوثنية لكني رأيت أن أريح أسماع القراء من مثل هذا الكفر. وأفضِّل بدلاً من ذلك أن أشنّف مسامع القراء ببعض أشعارنا الأصيلة التي يحتقر أنصار الشعر الحر أوزانها وقوافيها وإشاراتها التراثية.

    شعراؤنا رحمهم الله كانت إشاراتهم أكثرها قرآنية حتى في الغزل والهجاء.


    يقول مجنون بني عامر

    أراني إذا صلّيت يممت شطرها بوجهي وإن كان المصلى ورائياً
    أصلي فما أدرى إذا ما ذكرتها اثنتين صليت الضحى أم ثمانياً
    وما بي إشراك ولكن حبها وطول الجوى أعيا الطبيب المداويا


    ويقول جميل

    أصلي فأبكي في الصلاة لذكرها لي الويل مما يكتب الملكان
    أرى كل محبوبين غيري وغيرها يلدّان في الدنيا ويلتقيان


    ويقول ابن الرومي يصف جواري قد لبسن ثياباً قصيرة

    وكشفن عن سوق أقمن قيامتي إنَّ القِيَامَة يوم كَشْف الساقِ


    وهو هنا يقتبس من قول الله تعالى (يوم يكشفُ عَنْ سَاقٍ ويدعَوْنَ إلى السُّجود فَلاَ يَسْتَطِيعونَ).

    ولبعضهم في الغزل :
    إذا رَنا تقرأ في طَرْفه (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِمَا توعدون)
    وردفُه ينشدُ من خَلفِه (لِمثل هذَا فلْيعمل العاملون)


    ومع أني لا أؤيد الاقتباس من نصوص الدين في معرض الغزل لكنني أحببت أن أوضح مدى تأثر الشعراء القدامى بالثقافة القرآنية حتى في الفنون التي لم يشجعها القرآن.
    ومن طريف الهجاء قول بعضهم يهجو قاضياً كانت أحكامه فيها هوى :

    وقاضٍ تُعطلُ أحكامه وأحكامُ زوجته ماضيه
    فياليته لم يكن قاضياً (وياليتَها كانت القاضية)


    وواضح أن الشطر الأخير آية كريمة، وفيه تَوْريةٌ رائعة لأن كلمة (القاضية) معناها الضربة القاضية التي تقضي على الرجل، والقارئ يظنها مؤنث قاض.

    الجناية الثالثة : شاعت في الكثير من الشعر الحر كلمات في غاية القبح وعبارات كان أدبنا عبر عصوره يربأ عنها إلاّ ما كان من بعض شعراء شاذين كذي الرقاعتين وابى الشمقمق وابن حجاج وابن سكرّة وابى العذافر وشرذمة شاذةٍ تعدُّ على أصابع القدمين .. إنَّ الشعر الحديث تكثر فيه كلمة العُهْر وعرق الأفخاذ والمواخير وغير تلك الألفاظ التي يستنكف اللسان عن ذكرها، وسأورد بعض مقاطع لمشاهير شعراء الشكل الجديد لترى مدى فساد الذوق في بعض عباراتهم.

    هذا مقطع من قصيدة لصلاح عبد الصبور رحمه الله هي من أشهر قصائده من ديوانه الذي سماه (أقول لكم) وعنوان القصيدة (الظل والصليب).

    هذا زمانُ السأم
    نفخُ الأراجيل سأم
    دبيبُ فَخْذِ امرْأةٍ
    ما بين أليتي رجلْ
    سأَمْ

    أرأيت ما أقذر الذوق في العبارتين الثالثة والرابعة مع أن صلاح عبد الصبور يعد زعيم الشعر الحر حتى لقد اقترح بعض عشاقه أن يُبايع أميراً للشعراء.
    ويقول البياتي في معرض وصفه لمدينة نَيْسَابور :

    كل الغزاة بصقوا في وجهها المجدور
    وضاجعوها وهي في المخاض

    وفي بابل يقول :

    من ألف ألف وهى في أسمالها
    تضاجع الملوك
    تفتح للطغاة ساقيها

    ويقول محمد عفيفي مطر من ديوانه الأرض والدم ص99 من قصيدة ذكرتها آنفاً بعنوان : (عذابات سرية) :

    شريتُ مرقَ الأحذية المنقوعة
    في الخوف والنحيب
    اكلت ما يخبزُه الأسفلت (يعني الزفت)
    في جوفه من حنطة التعذيب

    وللشاعر نفسه من قصيدة أخرى :

    مَدَائِحُ الزِّنى
    وولدُ السفاح
    يسأل كل عابرٍ
    أن يخرج البطاقة الشخصية
    مطالباً بما يبيعه من عَرَقِ الأفخاذ
    ويقول شوقي أبو شقرا من قصيدة نشرتها له مجلة شعر في عددها 6 سنة 7 عام 1963 م بعنوان : (حجر في سروال)، والعنوان نفسه مقزز وقد ذكرتها آنفاً .. يقول أبو شقرا :

    في حذائي مسمار
    وفي ذقني شوكة
    هذه ممتلكاتي
    أفتح الشمسية والقناني
    أتزلج في الجغرافيا في عنق زرافة اصطياف

    وهنا يجتمع التعبير الغوغائي والغموض، ويقول في قصيدة بعنوان المدينة :

    رأيت في عيونها الطفولة اليتيمة
    ضائعة تبحث في المزابل
    رأيت إنسان الغد المفروض في المخازن
    مكبلاً يبصق في عيونه الشرطيُّ
    واللوطيُّ والقوَّاد

    بعد أن أزعجت ذوق القراء بهذه اللقطات المنتنة أحب أن أغير هذا الجو بأبيات من الغَزَل القديم لعليّ بن الجهم، وهي إن لم تكن من نفس موضوع الأبيات الأولى فإن مستوى ألفاظها كان يمكن أن ينحدر مع موضوع الغزل :

    طلعتْ فقالَ الناظرون إلى تكوينها ما أعظم اللهَ
    وبدْت فلما شوهدت خَجلت والتفَّ بالتفاح خَدّاها
    فكأن دِعْصَ الرَمل أسفلها وكأنَّ غصن البانِ أّعلاها


    ولكي تزول الرائحة الأولى نهائياً نرش في الجو هذه الرشة من عطر البلاغة من شعرنا العربي القديم على أيامه أزكى السلام ... هذه أغنية خفيفة من شعر البهاء زهير .. ولعل الأمير عبد الله الفيصل نسج على منوالها في (ثورة الشك).

    إلى كم ذا الدلالُ وذا التَّجنّي شفيتَ شماتَة الحسادِ منِي
    أرددُ مِنك طولُ الليل ذِكرى فأَبْني ثم أَهدمُ ثم أبني
    لعلّي قد أسأتُ ولستُ أدري فقلْ لي ما الذي بُلِّغْتَ عنّي
    ولي في الحب أخلاق كِرامٌ فسل من شئتَ عني وامتحني
    حبيبي كلُّ شئ منكَ عندي جميلٌ ما عدَا الأعراضَ عَنّي
    كَملتَ ملاحةً وكُملتَ دَلاًّ ولكنْ ما سلمتَ من التَجَنِّي
    وظني فيكَ يا أملي جميل بحقكَ لا تخيبْ فيكَ ظَنِّي

    الجناية الرابعة : تهجمهم على شعرائنا القدامى واتهامهم بالنثرية وعدم الصدق العاطفي وأسلوب الوعظ المباشر حتى لقد كتب بعضهم عن المتنبي فنفى عنه صفة الشاعرية وادعى أن ما قاله أبو الطيب يمكن أن يدرج تحت اسم الحكم والمواعظ وهاجم آخرون شوقي فزعموا أن شعره يتسم بالسرد والنزعة التعليمية بعيداً عن الدفعة العاطفية الجياشة المؤثرة، والغريب أن الشعراء المجددين في الغرب لم يتنكروا لأسلافهم فهم يشيدون بشعراء العصور المختلفة في انجلترا وفرنسا من أمثال شكسبير ومونتروز وبيكنْ من القُدامى ووِرْدز وِرْث وشلي وكِيتْسْ وبايْرون من الرومانسيين ومن الشعراء الفرنسيين لافونتين ولامرتين وغيرهما، أما جماعتنا هؤلاء فهم يرون أن ما يهرفون به هو الشعر وأن ما أبدعه من قبلهم كان شيئاً آخر يرمونه بالرتابة والعقلانية والجمود العاطفي وعدم الصدق إلى غير هذه التهجمات الهدامة .. وإني من منطلق الاعتزاز بالتراث أتحدى أن أقدم لهؤلاء المتهجمين قصيدة من روائع أبي الطيب أو المعري أو الشريف الرضي أو عمر بن أبي ربيعة أو جميل أو ابن زيدون أو شوقي وأراعي في هذه القصائد أن تكون من وحي العواطف الإنسانية الشائعة كالغزل أو الشكوى ثم أكلف شعراء الشكل الجديد أن ينظموا شعراً يؤثر في النفوس ويمتعها عشر معشار ما تفعل القصيدة القديمة.

    لقد كان لنا من قصائدنا القديمة قطع فنية علقت في الذاكرات وشُرحتْ شروحاً ساطعة، وأمتعت المنشدين عبر الأجيال كمعلقة زهير ولامية العرب وبانت سعاد ونُعْميَّة عمر ابن أبى ربيعة ويائيّة قيس العامري ورائية أبى فراس وعيديَّة أبي الطيب ومرثية أبي العلاء ونونية ابن زيدون وعينية ابن زريق ولامية العجم ... فأروني قصيدة من شعر هؤلاء يمكن أن تمتع وتطرب أو تحفظ.

    ورحم الله أبا الطيب فقد كان كأنما ينظر بعين الغيب إلى هؤلاء الحاقدين حين قال هذه الأبيات السبعة يُعرِّض فيها بِمَن أنكروا عليه الإبداع ولم يتذوقوا حلاوة البلاغة .. قال رحمه الله :

    وإذا خَفِيتُ على الغبيِّ فَعَاذِرٌ ألاَّ تراني مقلة عمياءُ


    وقال :

    وكمْ من غائبٍ قولاً سليماً وآفتُهُ من الفهم السقيم


    وقال رحمه الله :

    ومن يك ذا فم مرٍّ مريض يجد مرٍّا به الماء الزَّلالا


    وقال :

    وإذا أتتك مذَّمتي من ناقص فهى الشَّهادة لي بأني كاملُ

    وقال رحمه الله :

    بذي الغباوةِ من أشْعارِنا ضَررُ كَما يضرّ عبيرُ الوَرْدِ بَالجُعَلِ


    وقال يصف شعره :

    إذا شاءَ أن يَلْهو بلحية أحمق أَراه غُباري ثم قالَ لهُ الْحق
    وما كمد الحسَّادِ شئٌ قصدتُه ولكنَّه من يَزْحَمِ البَحْرَ يَغْرَقِ


    ولقد بلغ من الكفر بالتراث أن تجاوزت سخريتهم الشعراء، فشملت الحكام والخلفاء والفقهاء والمؤلفين القدامى.

    ولنستمع إلى هذه القصيدة لمعين بسيسو وهو ممن كرّس كل حياته ودخل السجون وحملَ العذاب في خدمة الماركسية التي اعتبرها دينه، يقول مستهزئاً بالتراث الماضي وبأعلام تاريخنا من ملوك وفقهاء وعلماء، بل ويهزأ من طريقة الإسناد في الحديث الشريف في قصيدة بعنوان : (مقامة إلى بديع الزمان) من ديوانه "الأشجار تموت واقفة" :

    حدَّثني وراقُ الكوفهْ
    عن خمار في البصرهْ
    عن قاض في بغدانْ
    عن سائس خيل السلطانْ
    عن جارية، عن أحد الخصيانْ (وبعد هذا الإسناد القذر يقول) :
    عن قمر الدولة حَدَّثَني قال :
    في شمس الرابع من رمضان
    مولانا أنطقه الله فصاحْ
    مَنْ يقعى خلف الأبواب ؟
    من الفقهاء من الشرَّاح ؟
    - مولانا في بابك عبدك وأواءُ النَّطاحْ
    وهنالك عبدُك خُفَّاشُ بنُ غراب
    والشيخ الواثق بالله بنُ مضيقْ
    صاحب ألف طريق وطريقْ
    تسلكه الزنديقةُ والزنديقْ
    مولانا عطس ثلاثاً يرحمه الله
    وانتصبتْ أذُناه وصاح
    - إلىَّ بِوأواء النَّطّاحْ

    الجناية الخامسة : هاجموا مقاييس النقد المتعارف عليها واستوردوا مقاييس من الشرق والغرب فيها تضاربات ومفارقات جعلت القراء والشعراء في حيرة من أمرهم هل ينتجون ما يرضي ذوق ماركس أم سارتر أم كولردج أم فرويد أم دِي فيني أم إيلوار أمْ اليوت، ولما طبقوا هذا بالمقاييس على شعرنا أسقطوا معظمه ووصموه بالفتور والسطحية وعدم الصدق وتكلف الصور إلى غير هذه التهم الظالمة.

    ولكي يصبح النقد غيرَ مفيد ولكي يُحرم الأدب من توجيه النقد البناء طلعوا على القراء بكتب نقدية لا يفهم الشاعر منها شيئاً، ولقد جمعت بعض العبارات النقدية وطفقت أتأملها، فوجدت كلاماً في غاية التعقيد وإلى القارئ بعض العبارات النقدية التي أتعجب كيف يمكن تطبيقها على شعرنا.

    1. يقول الأستاذ إحسان عباس في متابه اتجاهات الشعر المعاصر ص53 "موقف بول ايلوار الشاعر الفرنسي هو الفصْل بين القصيدة والحُلم وكذلك لا بد من إلحاح على أهمية البصر في الرسم، أما الناحية الإحصائية في القصيدة فهى مُنْتمي سريالي ويتصل هذا بنصاعة الصورة ووضوحها وصلابة حواشيها، وذلك أمر يلحق بمذهب الإيماجيين أو الصوريين".

    2. يقول فنسان بونور : لا بد في الشعر من المزاوجة بين فيوض العقلين الواعي واللاواعي، لأنه لا جدال في أن الشعر هو الوسيلة لإيجاد الوحدة المفقودة في جهاز الإنسان.

    3. وينقل د. إحسان عباس رأياً نقدياً للناقد الفرنسي دونالديارت يذكِّره برأي أدونيس الناقد الفرنسي.

    (الشعر الحديث تكون العلاقات فيه امتداداً للفظة حتى كأنَّ اللفظة عمل ليس له ماضٍ مباشر).

    وما أريد أن أسترسل في مثل هذه الآراء المعقدة التي لا تفيد الشعر شيئاً، لأنها غير مفهومة للشعراء ولا يمكن أن ينتفع الشاعر برأي لا يفهمه.

    إن مقاييس النقد العربي ثابتة، فهى تشترط في أي عمل أدبي وخصوصاً في الشعر أن يتعاون فيه اللفظ الجميل والمعنى الطريف الشريف والتصوير البارع في التعبير عن صدق العاطفة والتأثير في نفس السامع والقارئ، فما معنى كثرة الثرثرة غير المفهومة التي تردد أقوال سارتر وماركس وفرويد في تقديس وعبودية .. ؟

    إن النظريات النقدية التي نقلوها إلينا من الغرب حين أستعرضها وأستعرض روادها أجدني في حمأة آسنة من الإلحاد والفساد إلى القارئ البرهان منتزعاً من أفواه أصحاب النظريات :

    1. الوجودية وأتباعها من النقاد العرب يقدّسون جان بول سارتر وهو الذي يقول بالحرف الواحد (لا يوجد شئ خارج عن نطاق الفكر وبالتالي لا يوجد إله، لأن الفكر لم يتصور الآله في نطاقه .. ) والمهم أن أنصار الوجودية من اللامنتمين هم الآن مصممون أن يدخلوا هذا المذهب الملحد المنحل إلى أدبنا مهما كلف الأمر من تضحيات .. وقد نجحوا إلى حد كبير، وبؤرة الترويج لإنتاجهم هي دار مجلة شعر في بيروت التي يشرف عليها يوسف الخال.

    2. ناقد آخر هو بايبل الألماني يدعو إلى نبذ الأخلاق ويعلن أن الرجل والمرأة ما هما إلا نوع من الحيوان، فلماذا لا يتمتعان بما يتمتع به الحيوان ؟

    3. البرناسيون من أمثال بودلير الذي كان يلقب بالشاعر الرجيم وجوته دعوا إلى الإيمان بالبوذية التي تحارب الجسد، ثم مهَّدوا لنظرية (الفن للفن) التي جعلت الأدب بمعزل عن الفضائل والمجتمع والتراث والمعقول.

    4. الواقعيون من أمثال فولتير وتوماس هاردي ودي بلزاك يعلنون أن الوجود شر وأن الشر في الوجود هو الأصل وأما الخير فهو طارئ، وما المرء إلا ذئب متوحش.

    5. الفرويديون الذين ينتمي إليهم نزار يعلنون أن كل الحياة مركبة على الجنس، وأن الطفل يرضع الجنس وهو يص حلمة أمه والبنت تنجذب إلى أبيها بدافع الجنس، بل إن كل هذا الكون يسيره الجنس، وعلى الأديب أن يجعل محور إنتاجه الجنس، وفي عقيدة هؤلاء أن الأدب يجب أن يكون انعكاساً لإملاءات الغريزة الجنسية وحسبك بهذا الرأي من كارثة على الأخلاق.

    ومن أمثلة الشعر الخاضع للفرويدية جميع دواوين نزار قباني فنزار شاعر ذو موهبة شعرية هائلة، ولكنه قد أهدر طاقته الشعرية الجبارة في مستنفع الجنس، وحسبك أت تقرأ له هذه الأبيات من قصيدته (الرسم بالكلمات) وهى من ديوانه الذي يحمل نفس عنوان القصيدة. والأبيات من الشعر العمودي :

    لم يبقَ نهدٌ أسود أو أبيضٌ إلا زرعتُ بأرضه راياتي
    لم تبق زاوية بجسم جميلة إلا ومرَّت فوقها عرباتي
    فصّلتُ من جلد النساء عباءةً وبنيتُ هراماً من الحلمات


    ويعترف الشاعر في آخر الأبيات أن الجنس لا يكفي لإسعاد النفس وما هو إلا مسكن فقط، تعُود بعده الآلام سيرتها فيقول :

    الجنسُ كان مسكِّناً جرّبته لم يُنسِني حُزني ولا أزماتي
    مارست ألف عبادةٍ وعبادةٍ فوجدت أفضلَها عبادة ذاتي
    كلُّ الدروبِ أمامنا ممدودةٌ وخلاصُنا في الرَّسم بالكلماتِ


    6. الرمزيون : من أمثال ستيفان ملارميه الفرَنْسي وإدجار ألن الأمريكي يرون أن الأدب إذا فهمه الناس لا يسمى أدباً وعلى الأديب أن يلف أدبه في سُجف كثيفة من الغموض والصور المكثفة إلى درجة التعمية.

    وهذه النظرية أخذ بها معظم أنصار الشعر الجديد وفرضوها على أدبنا مخالفين بذلك أهم عنصر من عناصر أدبنا عبر التاريخ وهو عنصر الوضوح الممتع والمأخذ القريب الميسر، بل إن هذا العنصر هو أحد العناصر البلاغية في البيان القرآني .. يقول الله تبارك وتعالى : (ولقد يسَّرنا القرآن للذِّكر فهلْ مِنْ مُدِّكِر) ويقول جل جلاله : (فإنّما يّسّرنَاه بلسانك لتبشِّر به المتقين وتنذرَ به قوماً لُدّاً).

    7. والماركسيون الذين انتمى إليهم ذات يوم السياب والبياني ومعين يرون أن يجند الأديب نفسه لنشر أفكار ماركس وإخماد أنفاس البرجوازية بمعاول البروليتاريا (أي الشعب) ومن أجل ذلك جعلوا العبارة في شعرهم منتزعة من بيئة أكواخ الفقراء وما يكتنفها من أكوام الزبالة والأوبئة ليكون الأدب صدى لكدح العمَّال ... لقد قال لي أحدهم وهو يعلمني أيام كنت طالباً : إنك إن صورت مزبلة تختضن معاول الكادحين خير من أن تصور حديقة غناء من محيط البورجوازية الملوثة ..

    وعموماً فإن الأديب العربي الماركسي يكون لسانه عندنا وقلبه في بلاد الناس ويردد كلمة الثورة، لأن الشيوعية لا تعيش إلا في الفوضى ولا تبيض وتفرخ إلا في المياه العكرة .. ومن هنا فإذا قيل لك هذا الشاعر يساري فاعلم يقيناً أنه يستمد فكره من الفوضى والإلحاد وهذان أمران لا يوافقان مجتمعنا الإسلامي، ومن ثم فلسنا في حاجة إلى شعراء يساريين.

    وما أريد أن أمضي وأعدِّد للقراء نظريات أخرى لعشرات النقاد من ذوي الأمزجة والأهواء، فكلها يكفر بعضها ببعض ويلعن بعضها بعضاً، ثم يأتي دعاة التجديد العرب ليقدسوا كفرها ولعناتها على حساب أدبنا لا لسبب إلا ليقال إن هذا الشاعر مجدد ومثقف ثقافة أجنبية ومُطَّلِعُ على الأدب الأجنبي.

    الجناية السادسة : كان شعرنا العربي مليئاً بالنوادر والطرائف واللقطات الممتعة والأبيات التي يصلح التمثل بها في مجالس، فجاء هؤلاء وهاجموا وحدة البيت وطالبوا بالوحدة العضوية في القصائد بحيث لا يستطيع فهم القصيدة إلا إذا قرئت من ألفها إلى يائها .. وإنك لتقرأ القصيدة لشعرائنا الأصلاء مكونة من عشرة أبيات إلى خمسين بيتاً فلا يسعك وأنت تقر}ها إلا أن تتوقف وتُخرج قلمك لتسجل منها بيتاً أو أبياتاً تفيدك في الكتابة والخطابة والحديث وشتى المناسبات ..

    أما قصائدُ هؤلاء المنفلتين فهى في زعمهم وحدة عضوية إذا فصلتَ منها بيتاً لتقرأه، فكأنما تقطع شلواً من الحيوان وبعض هذه القصائد يطول حتى يُمِلّ. وإنك لتقرؤه فلا تدرك ما يعنيه الشاعر إلا بصعوبة، وإذا أنهيت القصيدة الطويلة العريضة لم تحصل على أي طرفة مسلية ولا بيت حكيم ولا عبارة تستحق أن تحفظ لتقوم اللسان أو تجمل الكلام .. إن قصائد أدونيس التي عنوانها (رحيل في مدائن الغزالي) قد خدعتني ذات يوم بدعايتها فقلت أقرأ إحداها فشعرت لقراءتها وهى بعنوان (السماء الثامنة)، المهم أني بعد ان أجهدت لساني بقراءتها وأرهقت فكري بتفسير رموزها، وذاكرتي بمحاولة استيعاب بعضها، وبعد لُهات ستمائة بيت في أكثر من ثلاثين صفحة، خرجت بلا شئ اللهم إلا طيوفاً من خلط وإلحاد ونقمة وإيحاءات شيطانية كقوله في بعض مقاطعها عابثاً متلاعباً بحادثة الإسراء.

    شددتُ فوق جَسدي ثيابي
    وجئتُ للصحراء
    كان البراقُ واقفاً يقودُه جبريلْ
    ووجهُه كآدم عيناه كوكبانْ
    والجسمُ جسمُ فرس وحينما رآني
    زلزل مثلَ السَّمكَه
    في شَبَكهْ
    أيقنتُ هذا زمن التناسخ – الإضاءة

    (ولاحظ العقيدة البوذية في كلمة التناسخ).

    ويمضي في هذا الكلام المريب فيقول بعد بضع صفحات

    ولفّني جبريل وابتدأْنا
    نَصْعَدُ في أَدراج
    من ذهب وفضَّهْ
    من لؤلؤ أحمر كالقطيفهْ
    كان الرغيف يصيح كالملك اهتدينا
    سار أنا وضريبتي جسد المدينة
    ويمضي بعد صفحتين فيقول
    عرافُ قل !
    - لا شئ
    هذا نخبز اللغة العجينه
    - لا شئ
    تاريخ النساء مخدة وحنان طينة
    علامة السيد كل شئ
    نهدان في يديه أوستاره
    للزمن المخزون في امرأة
    يصير فوق أرضك البغي
    شعائراً للذبح أو فخاخاً أو خرزاً ملوناً

    ثم يمضي متهكماً ببعض مشاهد الإسراء كما وردت في الأثر فيقول :

    وانفتح الباب رأيت خلفه جهنماً
    رأيت غاباتٍ من الحيَّات
    رأيت باكيات
    يغرقن في القطران عالقَاتْ
    يغلين كالقدور موثقاتْ
    يُطرحن للأْفاعي
    هذا جزاء نسوة يظهرنَ للغريب
    هذي امرأة
    صورتها كصورة الخنزير وجسمُها حِمارْ
    لأنها لم تغتسل من حيضها ..
    وأقف هنا حتى لا يضحك الشيطان من ترداد هذا الكلام الصادر عن قلب مريض ملحد يحرِّف الكلم عم مواضعه ليثير في القلوب حيرة تطل بها على مشارف الإلحاد.

    وبعد أن قرأت ستمائة بيت بين قصير وطويل وخَاطِف لم لأتناول قلماً لأسجل بعضها وأعتز به وإنما بصقت عن شمالي لأطرد الشيطان الذي كان يتمايل ن حولي فرحاً بهذه الوساوس التي هي من وحيه ... وصدق الله جل وعلا إذ يقول :

    (وإنَّ الشَّياطينَ ليُوحون إلى أوليائهم ليجادِلُوكم وإنْ أطعتموهم إنَّكُم لَمُشْرِكون)

    وبعد هذه الملحمة الشيطانية التي قهقه لها إبليس أحب أن أغير جوَّها الخانق بهذه الأبيات الموجزة لشوق رحمه الله عن حادثة الإسراء.

    يقول رحمه الله في نهج البردة :

    أسرى بك الله ليلاً إذ مَلائكُه والرُّسْلُ في المسجد الأقصى على قَدَم
    لما خطرتَ به التَفُّوا بسيدهم كالشُّهْب بالبدرأ كالجُندِ بالعَلَمِ
    صلى وراءَك منهمْ كلُّ ذي خطر ومن يلذْ بحبيب الله
    جُبْتَ السموات أو مافوقَهنَّ بهمْ على
    مشيئةُ الخالق الباري وَصَنْعته وقدرةُ الله فوق الشَّكِّ والتُّهَم
    حتى بَلغْتَ سماءً لايطال لها على جَناح ولا يُسْعي على قَدَم
    وقيلَ : كلّ نبيٍّ عند رُتْبتِهِ ويا محمدُ هذا العرشُ فاستلِم


    ويقول رحمه الله من همزيته في نفس موضوع الاسراء :

    يأيُّها المُسْرَى به شرفاً إلى ما لا تنالُ الشَّمسُ والجّوْزاءُ
    في كل مِنْطقةٍ حواشي نُورِها نونٌ وأنتَ النقطةُ الزَّهْراءُ
    والعرش حولك سُدَّةً وقوائماً ومناكبُ الروح الأمين وِطَاءُ
    والرسلُ دونَ العرش لم يؤْذَنْ لهم حاشَاً لغيرك موعدٌ ولقاء


    ولعل القارئ يلاحظ أن كل بيت من هذه الأبيات يمكن أن يتمتع بمفرده ويغني بمفرده، وهذا الأمر عند أهل الشعر الحديث يُعد من مساوي شعرنا، لقد تهجم دعاة الشكل الجديد على التمثل بالبيت والبيتين أو الثلاثة تنتزع من القصيدة وقالوا إن شعرنا القديم تنقصه الوحدة العضوية. ولنفرض أنها تنقصه فلماذا لا يعد هذا فضيلةً من فضائله، لأنها تجعل كل بيت من أبياته صالحاً للإمتاع والإفادة ... وإني مورد هنا مقطوعات وأبياتاً أمتعت الناس وعبرت عن خواطرهم وعطرت المجالس والكتابة والخطابة .. وأتساءل لماذا لا تَرِدُ مثل هذه الأبيات في طوايا القصائد النثرية الطِّوال المملة.

    سيقولون إن قصائدنا تنظمها وحدة عضوية. ولا يجوز أن يفصل منها شئ. ونقول لهم إن كثيراً من قصائد الشعراء القدامى كابن الرومي كانت وحدة عضوية، كقصيدته في المغنية (وحيد) أو في عتاب صديقة الشطرنجي، ومع ذلك كان الكثير من أبياتها يمكن أن ينشد وحده ويتمثل به وحده ....

    وأعود إلى إثبات بعض الأبيات التي حُرم شعرنا الحديث من أمثالها في هذه الأيام بفضل الشعر الحر.

    هذه أبيات خالدة لعمرو بن معديكرب :

    ولو ناراً نفحتَ بها أضاءَتْ ولكنْ أّنتّ تنفخُ في رّمادِ

    لقد أسمعت لو ناديتَ حيَّا ولكنْ لا حياة لمن تنادِي

    ولأبى تمام :

    نّقّل فؤادك حيث شئتَ من الهّوّى ما الحبُّ إلا للحبيب الأوَّل
    كم منزلٍ في الأرض يْألَفُهُ وحنينُه أبداً لأوَّلِ مَنْزِل


    بل لقد قرأت بيتاً في الغزل في جارية سوداء يغني عن قصيدة، يقول :
    الناسُ تَعْشَقُ من خَالٌ بَوجْنِتِه فكيف بي وَحَبيبي كلُّه خَالُ


    ومن شعر شوقي رحمه الله قوله :
    وإذا أصيب الناس في أخلاقهم فَأقم عليهمْ مأْتَماً وَعَويلاً


    ولصفيٍّ الدين الحِلِّي :

    إنْ كنتَ تدرِي فتلك مصيبة أو كنتَ تَدري فالمُصيبة أَعظمُ


    أما شعر أبي الطيب فحدِّث عن مواطن الحكمة فيه ولا حرج، والحقُّ أنه ما من سبب لتهجمهم على الأبيات المستقلة المؤثرة إلا أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثلها ولو اجتمعوا له. فلما عجزوا عن ذلك قالوا كزميلهم الثعلب : هذا حامض.

    الجناية السابعة : أن دعاة الشعر الحديث استغلوا نفوذهم على الصحافة واستغلالاً ظالماً فهم إذا رأوا ديواناً من الشعر الأصيل عتَّموا عليه صحفياً وإعلامياً، ولم يزالوا ينعقون من حوله وينعبون حتى يهدموه، ولو أنهم قرءوه في موضوعيّة وإنصاف لوجَدوا فيه من الامتاع الأدبي أكثر مما تحويه دواوينهم.

    وقد تمكنوا فعلاً أن يفرضوا على وسطنا الأدبي آراءهم وحسبك أن تلقي نظرة على الصفحات الأدبية والملاحق الأدبية لترى كيف أكتظت بما لا يفهم من النقد والنثر المهلهل الذي يسمونه شعراً.

    وإنك لتعرض ديوانك من الشعر الملتزم على بعض النقاد في الملاحق الأدبية فتجد إهمالاً شديداً أو هجوماً عنيفاً بينما لا يكاد يصدر ديوان من الشكل الجديد حتى تتلقفه أقلام النقاد بالإطراء والتعليق وحل الرموز والإشادة بما يمثله من تطبيق للنظريات الحديثة في روسيا وانجلترا وأمريكا.

    وبهذه الطريقة خوفوا كثيراً من الأدباء الملتزمين، ورأينا كثيراً من الأدباء الأصليين إذا سئلوا عن بعض التوافه من الشعر الحر يلفون ويدورون ويبتعدون عن الإجابة .. مخافة أن تسلُقَهم تلك الألسنة الحِداد الظالمة .. وحين قال أخونا د. يوسف عز الدين كلمة حق في معرض محاضرته عن القلق في الشعر الحديث سلقته ألسنة حدادٌ أشحة على الخير وما نقموا منه إلا أنه قال كلمة حق.

    وفي تحقيق صحفي أجري مع رئيس النادي الأدبي بالرياض سئل عن شعر بدر فلم يجرؤ على أن يحذر من انحرافات ملأت بعض دواوينه بل قال إنني استمتع بشعر بدر ويقيني أن عبد الله ابن إدريس لا يستمتع أبدا بالشيوعية وأفكارها لأنه عنصر إسلامي لكنه قال ما قال تقية أن تتهمه الملاحق الأدبية بالتأخر والارتكاس والجمود وعدم الإطلاع على الأدب الأجنبي.

    ومن المضحك أن شعراء من أهل الأصالة أعادوا طباعة دواوينهم فعبثوا في طريقة الطباعة ليرضوا هؤلاء المتربصين الكارهين للأصالة، فهم يكتبون مثلاً البيت الذي نصه :

    يا بلادي وأنت نهلة ظمآن وشبَّابة على فم شاعر

    يكتبونها هكدا :
    يا بلادي
    وانت نهلة
    ظمآن وشبابة
    على فم شاعر

    وذلك لينخدع بع عباد الشكل الجديد فيكفوا ألسنتهم وشرهم.

    الجناية الثامنة : هذه الجناية كانت عروة المشنقة التي شنقت الشعر وجعلته لا يستحق القراءة وهى التي جعلت الدواوين الحديثة حقيرة في الرفوف لأن الإمتاع الأدبي لا يتحقق إلا بالوضوح والذي يريد أن يخلو إلى الشعر يجلو به همومه لا يريد أن يشغل نفسه بتحليل رموز وطلاسم وإنما يريد قولاً واضحا ينفذ إلى القلب في يسر وسهولة .. لكن الشعر الحديث أدخل على أدبنا التعمية وجعلها ركناً من أركان بلاغته وعنصراً أساسياً من عناصره الفنية.

    لقد شهدت معارض الكتب التي أقيمت في العواصم العربية فكانت استفتاء نزيها لضمائر المثقفين حول الشعر الحر، لقد رأيت الوفود يشترون دواوين التراث، ولم ـجد إلا القليل يلتفون إلى الشعر الحر في شكله المنفلت .. آلاف من الناس اشتروا ديوان الحماسة والشوقيات وديوان أبى الطيب وغيرهما، بينما كان الكثيرون يقلبون الصفحات الأولى من دواوين ما يسنى بالشعر الحر فلا يزيدون على أن يمطَّ أحدهم شفتيه في حيرةٍ وهو يقول ما هذه الطلاسم ؟ .. ثم يرد الكتاب إلى رفِّه في هدوء.

    إن الغموض الذي يلف الشعر المنثور هو نفسه مقصود لأن مجموع المحصول الفكري في هذا الشعر إما ضحل فاضح الضحولة وإما منحرف يدعو إلى الانحلال وكلاهما يحتاج إلى ستر وتغطية. أذكر إننا منا جالسين في حجرة اللغة العربية بمعهد العاصمة النموذجي، فلفتت نظرنا قصيدة من الشعر الحر في ملحق أدبي فقرأها علينا أحدنا فلم نفهم منها شيئاً، فقال أحدنا إذا كان أساتذة الأدب لا يفهمون هذا الشعر فمن ترى يفهمه .. فأجبته : أزيدك أن الشاعر الذي نظم القصيدة هو ممن أعرفهم معرفة جيدة .. واقسم أن الرجل نفسه لم يفهم ما يقول.

    وحتى لا يظن القارئ أني أركب متن الشطط والغلو أعرض عليه هذه اللقطة من قصيدة لأنسى الحاج وأتحدى أن تُفهم فهما موحداً أو حتى شبه فهم .. يقول الشاعر الحر اللامنتمي الذي اعترف أنه لا يستطيع نظم بيت واحد موزون مقفى :

    أنتِ المدعوة
    لك قدمان في الصَّدَى
    وفندقُ أعمى
    وحذاء يطلَق بصمت التمثال
    يتبدى والخلوةُ تحضُّ الشهوة
    تضافرتْ وأصبحت النبعَ والتهرَ والبَحْرَ والعُشْبَ والرقاد.

  7. #7
    الصورة الرمزية عدنان أحمد البحيصي شهيد العدوان على غزة 2008/12/27
    تاريخ التسجيل : Feb 2003
    الدولة : بلد الرباط (فلسطين)
    العمر : 36
    المشاركات : 6,717
    المواضيع : 686
    الردود : 6717
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي

    الأحبة إلى هنا أفتح الموضوع للنقاش لأن ما بقي من الكتاب جزء يسير سأنشره في الأيام اللاحقة إن شاء الله

    شكراً لكم

  8. #8
    الصورة الرمزية عدنان أحمد البحيصي شهيد العدوان على غزة 2008/12/27
    تاريخ التسجيل : Feb 2003
    الدولة : بلد الرباط (فلسطين)
    العمر : 36
    المشاركات : 6,717
    المواضيع : 686
    الردود : 6717
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي

    وهذه مقطوعة أخرى من ديوان (زمن القهر والغضب بعنوان _حكاية الغول)

    المدينة الحاصرة
    جيب صادق
    يتهدل لحم الليل
    يتفسخ يتطاير محروقاً
    وشظايا نار
    مدَّها قحط السنوات
    الساعة تنفر وجه الزَّمن القادم
    صدئت تلك الأرقام
    وانحدرَ الميزان الثائم
    ترى لو تحول شعرنا كله إلى مثل هذه الألغاز الكاذبة الزائفة ألا تكون النتيجة الطبيعية أن يكفر الناس بالشعر ونفقد هذا الفن الجميل الحبيب الذي يرسم المثل العليا للملوك والعامة ؟! باعتراف معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه حين قال لجلسائه روُّوا أبناءكم جيّدَ الشِّعر فلقد هّمّمتُ أن أفرَّ يوم صفِّين لولا أبيات أنشدتها لعمرو بن الإطنابه الخزرجي يقول فيها :

    أبتْ لي همتي وأبَى بلائي وأخذي الحمدَ بالثمنِ الَّربيح
    وإقدامي على المكروهِ نفْسي وضربي هامة البطل المشيح
    وقولي كلَّما جشأتْ وجاشَتْ مكانّكِ تُحْمدِي أّوْ تستريحي
    لأَدْفعَ عن مكارمَ صالحاتٍ وأحمي بعد عنْ عرض صَحيح


    وعلى ذكر الغموض الذي أصبح شعاراً لدعاة الشعر الحر والمتصدرين لنصرته أذكر أنه منذ أيام قليلة عقدت ندوة في جامعة الملك سعود بالرياض حول لغة الشعر، فوقف أحد أعضاء الندوة يقول (علينا أن نُفَجّر اللغة). وضرب مثلاً للغة حين تنفجر بعبارة لأحد الشعراء السعوديين يصف فيه طفلاً دعسته سيارة يقول (لحُمُه معجون بالطين) وأن كلمة معجون متفجرة .. فجر الله رأس الشيطان. إن لغة الشعر العربي قديماً وحديثاً قد اشترط فيها أن تكون موحية تمتد مع معانيها ظلالٌ إلى جانب المعاني وقالوا أن اللفظة خارج القصيدة لا يمتد معناها إلا في نطاق القاموسية ولكن حين يلتقطها الشاعر يجعل دلالتها واسعة ممتدة الظلال وقد استوحى الاستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله هذه الوجهة النقدية حين سمى تفسيره (ظلال القرآن) ليبين أن القرآن الكريم لا يكفي فيه أن تفهم معنى الكلمات في القاموس بل أن لعبارات القرآن ظلالاً واسعة تمتد وراء المعنى القاموسي. وهذا هو معنى التفجير الذي قصده الدكتور الفاضل معتقداً أنه جاء بجديد عجزت عنه القرون الأولى.

    وقديماً النقط أبو فراس كلمة (أيضاً) وهى كلمة عادية جداُ تكاد تكون عاميةً في استعمالها فسجمها في قصيدة الورقاء سجماً جعلها شاعرية رغم طبيعتها إذ يقول في الحمامة.

    ولقد تشكُو فما أفهمُها ولقد أَشكُو فما تفهمني
    غير أنيّ بالجوَى أَعرفُها وهى (أيضاً) بالجَوى تَعْرِفُنِي


    الجناية التاسعة : الشعر الحر لا يَعْلَق بالذاكرة، ولا يمكن أن تستعيده إلا وكتابه بين يديك بينما الشعر الأصيل يمكنك أن تحفظه ثم تنشده في خلواتك وتدندن به في تهويمك وتتمثل به في مجالسك وإنشائك ورسائلك لأن القوافي هي التي تسهل الحفظ. ولأمر ما أنزل الله جل وعلا القرآن الكريم بفواصل مقفاة لكي يسهل حفظه وتلاته ويتيسَّر به ال1كر في الخلوة والحضور.

    قرأنا أن أبا نواس كان يحفظ من غير شعره أكثر من عشرة آلاف أرجوزة وأعترف هو أن ذلك الحفظ أحكم فيه الموهبة وصقلها فهل كان يستطيع أن يحفظ شيئاً لو ابتلى كما ابتلينا بالشعر الحر.

    لقد حاولت أثناء عملي في تدريس الأدب الحديث أن أفرض على الطلاب حفظ بعض نماذج من الشعر الحر ليوردها في اختباراتهم فلقوا مشقة كبيرة مع أنهم كانوا قد حفظوا برغبة وشوق عشرات القصائد الطوال من الشعر الأصيل .. ولهذا فقد كانت جناية الشعر الحر بتحلله من القافية نهائياً جتاية شنيعة قد يكون من ثمارها السامة أن يُهجر الشعر كله.

    ليس من العجب أن يحارب دعاة الشعر الحر القافية في الشعر حتى ولو كانت قوافي متنوعة فجهالتهم الجَهْلاء باللغة لا تمكنهم أن يحفظوا كلمتين من روىٍّ واحد.

    لقد اتهموا القوافي بأنها كلمات متكلفة يحضرها الشاعر من بعيد ليضعها في أواخر الأبيات فتظل قلقة توحى بالتكلف وتنال من صفاء التجربة، ونسوا أن الشاعر الفاهم للغة يمكن أن يجد مائة لفظ أو أكثر تليق بالقافية في جزالة وأصالة طبيعية لا يبدو معها أيّ أثر للتكلف .. وإني مورد هنا مقطعين أحدهما من قصيدة للبحتري ولآخر من قصيدة لعروة بن أذيْنَة .. وأتحدى أن تستبدل أية لفظ من القافية بأجزل منها ولو قلبنا كلَّ لسان العرب.

    يقول البحتري

    إنَّ قَوْمي هم الكرامُ قَديماً وحديثاً
    يحسُنُ الذكر عنهم والأحاديثُ إذا حدَّ الحديدُ الحديدا
    في مقامٍ تخرُّ من ضنكِهِ البيضُ على البيضِ رُكَّعاً وسجُودا
    فإذا المحل جاءَ جاءوا سيولاً وإذا النقع ثار ثاروا أسودا


    ويقول عروة بن أذينة الشاعر الفقيه رحمه الله :

    إنَّ التي زعمتْ فؤادك ملَّها خلقتْ هواكَ كما خُلقتْ هوىً لها
    بيضاءُ باكرهَا النعيمُ فصاغَها بلباقةٍ
    حَجَبَتْ تحيَّتَها فقلتْ لصاحبِي ما كانَ أكثرها لنا وأقلّها
    فدنَا وقالَ لعلَّها معذورةُ من أجل عاذِلِها فقلت لعلها


    ولعل القارئ قد لاحظ أن القافية ليست قيداً أبدا لدى الشاعر المبدع المطلع الذي يجمع الأصالة والاطلاع اللغوي بل هى موسيقى عذبة حلوة لو حذفت لفقد الشعر الشئ الكثير .. ولكن شتان بيا شاعر دعىّ همُّ أّنْ يقتل اللغة ثم هو لا علاقة له باللغة ومفرداتها وجمالها، وبين شاعر يخدم لغته ويعتز بها ويحفظ قواعدها ومفرداتها ليساهم في بناء صرح مجدها وترسيخ كيانها.
    الجناية العاشرة : أباح دعاة الشعر الحر حِمَى شعرنا لكل دخيل ودعىّ فدخل إلى ساحته أدعياء لا هم بالشعراء ولا بالكتاب. فأفسدوا وراء تلك الساحة العذراء وفرضوا أنفسهم بين الشعراء وصار كل من يرص بضع فقرات مهووسَات بعضها تحت بعض يسمى شاعراً .. وإذا جمع ذلك الهَوس في كتاب انبرت أقلام ترحب بالشاعر الجديد بين الشاعراء وبديوانه الرائع بيت الدواوين.

    لقد كانت القبيلة تحتفل إذا نبغ فيها شاعر فأصبح الآن في كل قرية صغيرة مئات الشعراء لأن الشعر أصبح غير موزون وغير مقفي، ولا يحتاج إلى معرفة باللغة وقواعدها ويكفيك إذا أردت أن تصبح شاعراً أن تكتب كلاماً بعضه تحت بعض بشرط ألا يفهم وسيأتي في اليوم الثاني من يزعم أن (الملاَّح) رمز لإنسان العصر (والسفينة) رمز للحياة الحائرة (والظل) معناه الكرامة (والصليب) معناه العذاب .. هذه الرموز في قصيدة صلاح عبد الصبور ولم أفهمها إلا بعد أن شرحت لي، ولا أدري حتى الآن إن كان الشرح صحيحاً.

    والحق أن محرري الصفحات الأدبية ينشرون ما هب ودب، ومن ثم فاني أناشدهم الله إن أرادوا أن يخدموا أدبهم ولغة قرآتهم ألا ينشروا أي شكل من أشكال الشعر المنفلت نهائياً من عقال الوزن والقافية لأنهم بذلك يَعْمرونَ مظاهرة المشبوهين ويمشون في مسيرة الهدامين ويشاركون في موكبها غافلين أو مغفَّلين.

    وقد اعتذر لي أحدهم حين لُمته على كثرة الشِّعر الحر في صفحته بأن ما يصلهم من الشعر الأصيل قليل فهم يملئون صفحتهم بالمحاولات .. ومحاولات الشعر الحر تستتر فيها العيوب ولا تدرك بينما تظهر الأخطاء في الشعر العمودي بصورة واضحة.

    الجناية الحادية عشرة : أطفأ دعاة الشعر الحر والمتصدرون لنظمه أطفأوا جذوة الفضائل وأنوار الأخلاق من شعرنا ويكفي أن تتصفح مئات الدواوين الجديدة لترى أن أدبها غير مؤدب وأنها دعوات صريحة إلى الإباحية، إن النبض الأخلاقي في الشعر المنثور معدوم بل إنك لتقرأ في تلك الدواوين دعوات مكشوفة إلى اليأس والكفر بالحياة الاندفاع وراء البهيمية واختلاف العيوب للدين وأهله والتشكيك في الخالق جل جلاله، ولولا أنني أربأ بالمحاضرة عن إيراد أمثلة موبوءة لأوردت للقرّاء ما يستوجب اللعنات. ولكن تكمن المؤامرة ويستفحل السوء، فقد وقفوا من شعر الأخلاق في تراثنا موقف المستهزئ، فهم يقولون إن شعر الأخلاق والآداب يصدر بارد الانفعال لأنه يميل إلى التعليمية ويسوده الأسلوب الجامد الجاف، وهم يقصدون بذلك أن تنطمس الروح الأخلاقية من التراث كما طمسوها وعفوا عليها في شعرهم.

    والحق أنَّ النزعة الأخلاقية كانت إحدى الخصائص الملازمة لأدبنا عبر العصور، فلما جاء هؤلاء وفي أيديهم معاولُ الهدم أصابت معاولهم مقتل الأخلاق المبثوثة في أدبنا لأنَّهم طمسوها في إنتاجهم وحاربوها في إنتاج غيرهم وسأضرب صفحاً عن إيراد نماذج ى أخلاقية من الشعر الحر واكتفى بأن أقدم للقارئ لقطات من شعرنا توضح مواكبته عبر عصوره المختلفة للأخلاق ليتبين للقراء فداحة الخسارة التي حلت بأدبنا الحديث على أيديهم حين أطفأ الفسادُ أنواره الوضَّاءة.

    يقول الحطيئة في إحدى قصائد الهجاء :

    من يفعل الخيرَ لا يعدمْ جوازِيَه لا يذهبْ العرفُ بين الله والناسِ


    ويقول هذا الشاعر الهجّاء نفسه يرسم سنن المثل العليا بقوله في المدح :

    أولئك قوم إن بَنَوا أَحْسنُوا البُنَى وإنْ عاهَدُوا أَوْفَوا وإنْ عقدوا شدوا
    وإنْ كانت النُّعمى عليهم جَزَوْا بِهَا وإنْ أَنْعَمُوا لا كدَّروها ولا كَدُّوا
    أقِلُّوا عليهمْ لا أبَا لأبيكُمُ من اللوم أوسُدَّوا المكان الذي سدّوا

    وحتى في شعر من اشتهروا بالمجون تسمع في ومضات اليقظة الضميرية نغمةً علوية من الأخلاق .. كقول أبى نواس :

    يا ربِّ إن عَظمت ذُنوبي كثرةً فلقد علمتُ بأنَّ عفوكَ أعظمُ
    إنْ كانَ لا يرجوكَ إلا مُحسن فبمنْ يلوذُ ويستغيثُ المُجرمُ
    أدعوكَ ربِّ كما أمرتَ تضَرُّعاً فإذا رَدَدْتَ يدي فَمْن ذا يَرْحَمُ
    مالي إليك وسيلة إلا الرَّجا وجميلُ عفوك ثم أَني مُسلِمُ


    وهذه أبيات لشاعر مسيحي من مدينة حمص هو الأستاذ وصفي قرنفلي يمدح بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مستجيباً لصوت ضميره الذي انطقه بالحق والصدق، والحق أن كثيرين من المسيحيين مدحوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ضاربين صفحا عن التعصب الذميم، أما دعاة الشعر الحر فعلى قدر ما طلعت في دواوينهم لم أسمع منهم كلمة إنصاف في وصف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأعوذ الآن إلى قصيدة الأستاذ قرنفلي التي يقول فيها :

    ما تظاهرتُ بالهوى بل سَقاني خالصَ الحُبِّ والهَوى ما سقاني
    أو ليس الرسولُ منقذ هذا الكون من ظلمةِ الهَوى والهَوانِ
    صاح بالشرق واستثار بنيه فتنادَوْا
    ومشوا للحياة تحت لواءِ الحقِّ صفّاً موحَّد الأركانِ
    فالتحياتُ والسلامُ أبا القاسمِ تُهدَي إليك في كلِّ آنِ


    ولقد تمكن شوقي رحمه الله أن يُسَخِّر الشعر في الدعوة الإسلامية وإبراز خصائص هذا الدين ومنهجه الرَّباني في أوامره الحكيمة التي تسعد المجتمع.

    ويقول رحمه الله في الهمزية يصف الحكومة التي يرتضيها الإسلام :
    فرسمت بعدك للعباد حكومة لا سوقة فيها ولا أمراء
    الله فوق الخلق فيها وحده والناس تحت لوائها اكفاءُ
    والدين يُسر والخلافة بيعة والأمر شورى والحقوق قضاءُ


    ثم يمضي في نفس همزيته المباركة مشيداً بموقف الإسلام من صنائع البر والإحسان فيقول مخاطباً رسول الله – صلى الله عليه وسلم :

    والبرُّ عندك ذمة وفريضةٌ لا منَّةُ
    جاءت فوحدت الزكاة سبيلهُ حتى استوى الكرماء والبخلاءُ
    أنصفتَ أهلَ الفقر من أَهل الغِنى فالكل في حق الحياة سوداءُ
    فلو إنَّ إنساناً تخير ملَّةً ما اختار إلا دِينَكَ الفُقَراءُ


    وبعد هذه القطرة من محيط الأخلاق في شعرنا أورد هذه القطرة من بحور الفساد في شعر أهل الشعر الحر.

    إنها من شعر الشاعر اللامنتمي أمل دنقل أحد فرسان الشعر الحر في مصر، هذا الشاعر انفعل بمنظر مدينة السويس حين أصلاها العدوان الصهيوني ناراً أحرقت معالم الجمال فيها فقال يصف الأخلاق، وذكريات دنقل تعكس لنا أخلاق دنقل إذ يقول من قصيدته الوطنية العصماء :

    عرفتُ هذه المدينة
    سكرت في حاناتها
    وزرت أوكارَ البغاء واللصوص
    جُرحتُ في مشاحناتها
    صاحبت موسيقارها العجوز في تواشيح الغناء
    رهنت فيها خاتمي لقاء وجبة العشاء
    وابتعت من (هيلانة) السجائر المهربة

  9. #9
    الصورة الرمزية عدنان أحمد البحيصي شهيد العدوان على غزة 2008/12/27
    تاريخ التسجيل : Feb 2003
    الدولة : بلد الرباط (فلسطين)
    العمر : 36
    المشاركات : 6,717
    المواضيع : 686
    الردود : 6717
    المعدل اليومي : 1.11

    افتراضي

    وواضح أنها ذكريات مجاهد من قادة جيش إبليس يطلع علينا بشعر قال عنه النقاد الكذابون إنَّه تعبير صادق يفجر الكلمات بينما وصفوا تعبير شوقي في الهمزية بأنه تعبير من سطح العاطفة ينقصه تفجير الكلمات .. نعم إن أمل دنقل فجر الكلمات أي جعلها فاجرة ..

    وقد نسأل أحد هؤلاء المجددين لماذا لا نلمس في شعرك أثر الأخلاق والتأثر بالقرآن وسيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – فيقول لك : أنا لا أعبر إلا عما أنفعل له. ويظلُّ السؤال المهم قائما وهو لماذا انفعلت بخرافات الوثنية وبيئات الانحلال وعُلَب الفساد .. ولماذا أثَّرتْ في نفسك دعوات الكفر والفجور ولم تنفعل نفسك ولا تأثرت بأنوار الايمان والفضائل منبعثة من كتاب الله تعالى وحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن روائع التراث في شعرنا المحبب الجميل ؟ إنَّ الجواب واضحُ وهو أنَّ الأرواحَ جنود مجندة، وأرواح هؤلاء تنجذب إلى الشر لأنها من معدنه ومن جنوده.

    الجناية الثانية عشرة : الشعر الأصيل يصلحُ للغناء لما يتمتع به من إيقاع منظم جميل، أما الشكل الجديد الذي طلعوا به علينا فلا يصلح للغناء ولا للإنشاد .. لقد غنت أم كلثوم نهج البردة والهمزية وغُنِّيت الموشحات الأندلسية واستمتع الناس قديماً بالأصوات التي أوردها الاصبهاني في كتاب الأغاني، فهل يستطيع ملحِّنٌ أن يلحن هذا الذي يسمى شعراً حراً .. وقد يقول قائل كيف تدعوا إلى الغناء وقد كنت تدعو إلى الأخلاق فأقول إن الغناء هو أحد الفنون التي صبحت الإنسانية منذ نشأتها ومِن ثم فهو قد لازم الإنسانية على طول عمرها حتى أصبح لا غنى عنه .. والغناء الجميل ذو المعاني السامية لا ينكره الضمير .. وعلى الجملة فإن هذا الشعر المنثور قد تكشف عن صيحات مخربة هدمت أركان الشعر وأخالها ستقضي عليه وعلى اللغة إذا نامت النواطير وظلت الثعالب تجوس خلال العناقيد.
    الجناية الثالثة عشرة : كان شعرنا متنوع الموضوعات فيه الأدب والحكمة، وفيه الشعر الاجتماعي والسياسي وفيه الغزل والنسيب، وفيه الحماسة والدعوة إلى الجهاد، وفيه الوطنية والحنين، وفيه الشكوى والعتاب، وفيه المطارحات ورسائل الشعراء، وفيه المعارضات .. فجاء الشعر الحر ودعاته ليطلعوا علينا بلون واحد من الشعر فقط، إن جميع الشعر الحر يكاد ينتظمه باب واحد هو باب الشكوى. وهم يدعمون شكواهم بثلاثة روافد من الأفكار هي السخرية والهجاء والنقمة على كل شئ. ويكفي أن تقرأ ديواناً واحداً من دعاة الشعر الحر ليغنيك عن سائر دواوينه وعلى سبيل المثال فان للدكتور خليل حاوي ثلاثة دواوين هي (نهر الرماد) و (بيادر الجوع) و (الناي والرمح)، أقرأ أول صفحات من نهر الرماد ليطالعك القلق الممجوج والغموض المرهق والتعمق الفلسفي الذي لا يليق بالشعر والدوران حول الذات لأن الشاعر يفاخر أنه ينتمي إلى مذهب الوجودية الملحد المنحرف. ومن سعيد عقل يكفي أن تقرأ ديواناً واحداً من دواوينه التي تزيد على عشرة، وهي دواوين تدل عناوينها عليها مثل رندلي وقد مومس وبنت يفتاح والمجدلية ويارا لترى نفسك بإزاء رمزية لا تخرج منها إلا بإغراء يشدك نحو الانفلات. ومن شعر الماغوط يكفيك أن تتعلم اليأس والحزن والحقد والكراهية بقراءة ديوان واحد من دواوينه الثلاثة (غرفة بملايين الجدران) (الحزن ليس مهتني) (حزن في ضوء القمر) وكلها بلا وزن ولا قافية ولا مفهوم. بل إنك ربما تقرأ نبذة من شعر أحدهم فتستدل بها على نفسيته وطريقته كما ولو قرأت هذه النبذة من شعر بلند الحيدري لتعكس لك صورة الرجل .. يقول في قصيدة ديوانه (أغاني المدينة الميته) بعنوان (النهر الأسود) والقصيدة رمزية على سيريالية على وجودية والمهم أنها لا علاقة لها بالأسلوب العربي الصريح إلا بالوزن والقافية ومع أنها من الشعر العمودي لكن انتماءها المعنوي يضرب بجذوره في الشعر الحديث وهي من حيث المعنى تسير في ركب الشعر الحر .. يقول فيها واصفاً النهر الأسود في دائرة من الخيال مركزها الجنس :

    تقلّصت أمواجه شهوة
    فكونت نهداً يناجي السماء
    كأن أحلام الصبا جمّدت
    في قدحي لحم وكأسي دماء
    وانتفض المغرب في حلْمتى
    نهدين بل أنشودتي اشتهاء

    لقد غنى شعراؤنا الأصليون قديماً وحديثاً لأنفسهم ولمجتمعاتهم ولأمتهم ولدينهم حتى لقد غنى شوقي رحمه الله للأطفال إذ نظم لهم أناشيد وطرائف وبذلك أرضوا شتى الأذواق والعواطف وولدوا في هذه الموضوعات فنوناً شتى من اللطائف والطرائف حتى إنك لتطالع الجزء الأول من الشوقيات فلا يغنيك عن قراءة (قيس وليلى) ولا يكفيك عن (شوقيات الأطفال) ومثل ذلك تحس به وأنت تقرأ ديوان إسماعيل صبري أو ديوان البحتري أو الكميت أو القطري بن الفجاءة وغيرهم من الشعراء، فشعرهم يشدك لقراءته حتى نهاية الديوان لما فيه من طرافة الموضوعات وتنوعها.

    الجناية الرابعة عشرة : الدعابات الأدبية والمطارحات وقصص الأدباء والمناسبات الطريفة والنكت البلاغية الممتعة كل هذه قد عصف بها الشعر الحر، فلم نعد نرى في الشعر الحديث مناسبة يمكن أن ترسم على الثغور ابتسامة لطيفة أو تبعث في القلوب تفكهة منشطة، وقد يجيبك أحدهم بأن حال العرب يبعث على البكاء لا على الابتسام وهنا نذكرهم أن شعرهم لا يستدر دمع الوطنية ولكنه يبعث الاشمئزاز في الناس، لقد كنا نقرأ مطارحات الشعراء ومراسلاتهم ومجاليهم ومناسبات شعرهم فنسر بمطارحات حافظ وشوقي ورسائل الرافعي ومي ومعارضة الهزليين للجديين لنسر بكل هذا ويبلغ من تشوقنا له أن نحفظه ولنستمع إلى نماذج من طرائف الشعراء القدامى التي ضيعها الشعر الحديث وحطمها على صخرة التقليد .. تغزل شاعر ثقيف تسمه محمد النميري في زينب أخت الحجاج بن يوسف فقال يصفها وزميلاتها وهن يؤدين مناسك الحج :
    تضوع مسكا بطنْ نُعمان إذ بدت به زينبٌ في نسوة عطرات
    تهادين ما بين المحصّب من منى وأقبلْن لا شُعثا ولا غبرَات
    يخبئن أطراف البنان من التقى ويقتلن بالألحاظ مقتدرات
    ولما رأت ركبَ النميريّ أعرضت وكنَ من أن يلقنّه حذِرات


    ويروي أن الحجاج ألقى عليه القبض وقال له : لقد شفع لك قولك يخبئن أطراف البنان من التقى، ثم سأله كم كان ركب النميري من إبل وخيل في الموسم فقال والله ما كان إلا حماراً تعاقب ركوبه أنا وولدي.

    ومن المناسبات التي كنا نتلذذ بتردادها ما روى أن تاجراً من بغداد استورد كمية ضخمة من الخمر السوداء فكسدت عنده فلجأ إلى شاعر اسمه سعيد الدارمي لينقذه من الخسارة فنظم سعيد ثلاثة أبيات كانت سبباً في رواج البضاعة ووافر الربح حتى لم يمضي ثلاثة أيام إلا وقد إنقطعت الخمر السوداء من السوق .. والأبيات هي :

    قلّ للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بِناسك متعبد
    قد كان شمّر للصلاة ثيابه حتّى وقفت له بباب المسجد
    ردى عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحق دين محمد


    ومن اللطائف أنه كان لابن سكرة الهاشمي حبيبة عرجاء فعيروه بعرجها فقال :

    قالوا حبيبك أعرجٌ فأجبتهم أن التثنّي في غصون البان
    إني أريد حديثها وأريدها للأنس لا للجري في الميدان


    وكنا نقرأ القصة الآتية من قصص عمر بن أبى ربيعة فنحفظها لطرافتها :

    كان لعمر أخ صالح تقي اسمه الحارث بن أبى ربيعة أراد أن يغري عمر بترك الغزل في الحاجات فأعطاه ألف دينار على أن يرحل عن الحجاز ويقيم عند أخواله في (الحج) فذهب عمر إلى هناك وأقام في عيشة جافة من الحب كأنها العدم وفي ذات يوم طرب فأنشد أبيات انتشرت في سرعة البرق حتى سمعها الحارث رحمه الله في الموسم فأسف على أخيه أكثر من أسفه على ماله الذي ضاع سدى والأبيات هي :

    هيهات من منزل الأحباب منزلنا= إذا حللنا بسيف البحر أو عدن
    واحتل أعلك أجيادا وليس لنا= إلا نصيب من التذكار والحزن
    ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها= وموقفي وكلانا عارم الحزن
    وقولها للثريّا وهي باكية= والدمع منها على الخدين ذو هتن
    بالله قولي له في غير معتبة= ماذا أردت بطول المكث في اليمن
    إن كنت حاولت دنيا أو رضيت بها= فما أخذت بترك الحج من ثمن

    وهذه أبيات للقاضي عبد الوهاب البغدادي وهو من معاصري أبى العلاء تتجلى فيها شخصية القاضي وهي بعنوان (قصاص القبلة) :

    يقول : ونائمة قبلّتها فتنبهت وصاحت : تعالوا واطلبوا للصّ بالحد
    فقلت لها إني فديتك غاصب وما حكموا في غاصب بسوى الرد
    خذيها ولا تشكي ولا تتظلمي وإن أنت لم ترضي فألف على العد
    وقالت : ألم تعلن بأنك زاهد ؟ فقلت لها : ما في جمالك من زهد


    ورأى الشاب الظريف صديقاً له يكتم الجوى وقد أثر فيه الهجر والفراق فكتب له هذه الوصفة الطبية :

    لا تخفِ ما فعلت بك الأشواق واشرح هواك فكلنّا عشاق
    قد كان يخفى الحبُ لولا دمعك الهامي ولولا قلبُك الخفّاق
    لا تجز عنَ فلست أول مغرم لعبت به الوجنْات والأحداق
    واصبر على هجر الحبيب فربما عاد الوصال وللهوى أخلاق
    فعسى يعنيك من شكوت له الهوى في حمله فالعاشقون رفاق


    إن هذه النماذج وأمثالها مما يملأ بطون أمهات الكتب الأدبية لا تساوي في مقاييس دعاة التجديد شيئاً لأنها على حد قولهم ليست أكثر من صف كلام ونحن نسألهم ما فائدة الأدب إذا لم يحمل مع أفكاره أمتاعا وإثارة وطرافة ؟ ومما يزيد في حجم البلية أنهم لا يرضون أن يضيفوا منثورهم الممل إلى تراثنا الممتع لكنهم يصرون عل أن يكون نثرهم المزعوم هو البديل لكل شعرنا بحيث لا يعيش من شعرنا كله إلا هذا الشعر الحر ولن يهدأ لهم بال أو يقرا لهم قرار إلا إذا لفظ الشعر الموسيقي أنفاسه الأخيرة وحينئذ تكون أحلامهم قد وصلت من النيل إلى الفرات.
    كلمة ختامية :

    بعد أن كشفت الأقنعة وعرّيت جذور المؤامرة رأيت أن أختم البحث بنداء من أعماق حبي وولائي لأمتي وللغيورين عليها، أوجههُ إلى الأدباء وأصحاب دور النشر في مشارق أوطاننا ومغاربها : أن يربأوا بأنفسهم عن نشر هذا الشكل المنثور المزيف أو الاحتفاء به أو الاعتراف بأنه شعر، وأن يربطوا بين الإنتاج وشخصية المنتج فإن رأوا أنه ملوث الماضي فلينبذوا سمومه الوبيلة وألا يرتضوا للنشر إلا أدباً رفيعاًتتجلى فيه الخصائص الخالدة لأدبنا الحي الذي ارتضته أمتنا عبر حياتها الطويلة، وهذه الخصائص هي :

    1. أن يخلو الأدب من دعوات الانحلال والفساد والهدم وأن يكون مجنداً لخدمة المثل العليا ومكارم الأخلاق.

    2. أن يخدم اللغة العربية بصيانة فقهها وقواعدها وفصاحتها وتراثها القرآني.

    3. أن تتوفر فيه العناصر الفنية اللازمة لكل أدب خالد وهى (روعة المعنى وجمال المبنى ونصوع الخيال وصدق العاطفة).

    4. أن يكون الشعر موزوناً على كل أحواله وألا يحرم من شكل من أشكال القافية ولو على طريقة الموشحات والمقطوعات.

    5. أن يكون خالياً من الغموض والتعقيد مفهوماً لدى المستويات المختلفة من مثقفي الأمة لكي تعم به الفائدة وتستمتع به شتى الاذواق.

    وخير ما نختم به البحث ونتوجه به آية من كتاب الله الحكيم وحديث شريف من كلام نبيه الكريم وبيت شعر من التراث الجميل أما الآية فقول الله تعالى (إنَّا نحن نزلنا الذكر وأنَّا له لحافظون).

    وأما الحديث الشريف فقول النبي – صلى الله عليه وسلم –
    لا يكن أحدكم إمعة

    وأما بيت الحكمة فهو قول شوقي رحمه الله

    وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



    وصلى الله على محمد أفصح العرب وأبلغهم والحمد لله رب العالمين.


    أحمد فرج عقيلان

  10. #10
    الصورة الرمزية د. سمير العمري المؤسس
    مدير عام الملتقى
    رئيس رابطة الواحة الثقافية

    تاريخ التسجيل : Nov 2002
    الدولة : هنا بينكم
    العمر : 55
    المشاركات : 40,194
    المواضيع : 1078
    الردود : 40194
    المعدل اليومي : 6.55

    افتراضي

    الأخ الحبيب الرائع عدنان:

    ما سعدت بقراءة موضوع سعادتي بقراءة هذا الموضوع من الأستاذ الكبير أحمد فرح عقيلان فكأني به قد جمع فيه ما يدور في خلد كل أديب صادق وحر ، وما يعتمل في نفس كل إنسان غيور منصف.

    أما أن تقوم بنقله بهذا الشكل وفي ذلك ما فيه من المشقة والتعب فهو مما أجدني أقترح بأن تمنح عليه وسام تقدير في يوم قريب.

    وللحق فإن هذا الموضوع شدني بقوة ولكني لم أجد الوقت الكافي إلا لقراءة استطلاعية كان لها هذه النتائج:

    1- وجدت أن هذا الموضوع مكانه التثبيت في رأس منتدى النقد وهذا ما أستأذنك أن أفعل.

    2- أن هذا الأستاذ الجليل له علي فضل كبير وقصة منذ أكثر من عشرين عاماً سأعود لسردها بإذن الله تعالى.
    3- أن هناك أمر مهم كنت أتمنى أن يكون ضمن هذه الدراسة الصادقة والمنصفة للمشهد الشعري العربي في هذا العصر ، وأجدني سأقوم بكتابة فصل في هذا الأمر أفرده قريباً بإذن الله تعالى في منتدى النقد.


    يبدو أنني سأعود كثيراً هنا وسأجعل هذا الموضوع المفضل عندي وأوصي به كل من أحب فهو قيم وراق ودقيق.


    تحياتي وشديد امتناني.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. جناية
    بواسطة خلود محمد جمعة في المنتدى القِصَّةُ القَصِيرَةُ جِدًّا
    مشاركات: 38
    آخر مشاركة: 16-11-2015, 10:02 AM
  2. *** جناية بين البرد و النار***
    بواسطة نادية بوغرارة في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 32
    آخر مشاركة: 16-12-2012, 11:15 PM
  3. الشعر الحر ( شعر التفعيلة ) الجزء الأول
    بواسطة د. مسعد زياد في المنتدى قَضَايَا أَدَبِيَّةٌ وَثَقَافِيَّةٌ
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 05-05-2008, 05:41 AM
  4. جناية التفاعيل على فكر الخليل
    بواسطة خشان محمد خشان في المنتدى مَدْرَسَةُ الوَاحَةِ الأَدَبِيَّةِ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 17-12-2007, 05:07 PM
  5. جناية ...
    بواسطة د.عمر خَلّوف في المنتدى أَدَبُ العَامِيَّة العَرَبِيَّةِ
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 10-06-2006, 11:11 AM