أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: ثرثرة رحلة أو المقامة القطارية .

  1. #1
    الصورة الرمزية علي قسورة الإبراهيمي قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2003
    المشاركات : 144
    المواضيع : 71
    الردود : 144
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي ثرثرة رحلة أو المقامة القطارية .

    بسم الله الرحمن الرحيم .
    حدثنا قسورة بن حيدرة ، قال :
    كان لي سفر بعيد الى مدريد ، فامتطيت قطارًا قد سابق الرياح، وجعل يخترق الهضاب والبطاح .. فبينما أنا أخذت مقعدي للجلوس ، مع خلق الله فمنهم البشوش و منهم العبوس . فإذا بصديق قديم أمامي ، يرنو الي في قلق ٍ ، و هو غير مصدّق .. فبادرته أنت فلان حين سألته .. فأجابني أنت علان و عانقني ... و بعد تجادب أطراف الحديث ، و عن العمل كان التساؤل الحثيث .. بادرني ، اتعلم تاريخ هذه الأراضي الشاسعة ؟.. أنها الاندلس الفردوس الضائعة .
    و أخذ زمام الكلام و ذكّرني ـ حين جادلني ـ بالقصة الصادمة ،....والحقيقة المؤلمة ، التي تقول : إن ضياع الأندلسِ ، موطن الطمأنينة و الأنسِ من أيدي عرب، بعد ثمانية قرون و بلا حرب ، من بناء واحدة من أرقى الحضارات و مدنيّّة فاقت كل الأزدهارات
    و حسبك بما كُتِب عنها نثرًا ، وما قاله ابن خفاجة شعرًا :
    يا أهـــــــــل أندلـس للـه درُّكمُ
    ********مـاءٌ وظــــلٌ وأنهار وأشجار
    ما جنة الخــلد إلاّ في دياركمُ
    ******** ولو تخيرت هـــذا كنت أختار
    و لكن أهاج حزني و كمدي ، حين ذكّرني بشعر ابي البقاء الرندي :
    لكـلّ شيءٍ إذا ما تـمّ نقصـــانّ
    ******** فلا يغرّ بطيبِ العيش إنسانُ
    هـي الأمور كماَ شاهدتها دولُ
    ****** **من سرّهُ زمنٌ ساءته أزمان.
    فأزبأر صاحبي و زأر ، و حدجني ببصره و عكر ، ثمّ استجمع فكرة المقال ، بعد أن استرجع انفاسه و قال : إن ضياعها ، لم يكن عقب معراك عسكرية ، و لا انهزامات حربية ، هزمت فيها الجيوش الإسلامية ، لانعدام توازن القوة، و اتساع الهوة ، ولم تسقط آخر حواضرها في ثلاثة أسابيع ، كما سقطت بغداد في فصل الربيع.. وأنه ما بين تسليم مفاتيح قرطبة وسقوط غرناطة المغتصَبة ، قرابة القرن والنصف أو يزيد ، من الشهور و السنوات العديد .
    فقلت له :
    تالله ! كنت آمل في صاحب من الخلان ليسرني ، فإذا بك تسرد من الأحزان لتذكرني ، و سكن لساني الجرار و تهاطل دمعي المدرار ، و ساءني الحال و كدرتُ ، حين تذكرتُ . قول الشاعر :
    كم يستغيث بنا المستضعفون و هم ****** قتلى و أسرى فما يهتزّ انسانُ .
    فقال لي أزيدك من الشعر ابياتًا ، تمزق الفؤاد أشتاتًا
    يا رب أم وطفل حــيل بينهمــــــــــــا
    ********كما تفرق أرواح وأبـــــــــدان
    وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت
    ********كأنما هي ياقوت و مرجـــــــــان
    يقودها العلج للمكروه مكرهـــــة
    ******** والعين باكيــــة والقلب حيــــران
    لمثل هذا يبكي القلب من كمـــــد
    ********إن كان في القلب إسلام وإيمان
    و تابع قائلاً:
    ذلك أن سقوط الأندلس كان بفعل انهيار داخلي ، و عدم اكتراثٍ و تصارع عائلي.. كان قوامه استشراء الفساد، و تعطيل مصالح العباد فعمّ الخراب في البلاد.. و طغى الفساد السياسي والمالي والأخلاقي في أوساط النخب الحاكمة ، وانتشر ذلك الفساد بالمؤانسة في جسم الأمة واقتداء العامة .
    و توقف صاحبي فجأة عن الكلامِ ، و كأن به داء البرسام ، فخفت أن تكون لحظة السام .. ثم قال لي : دعنا من ذلك العصر الغابر ، و لنعود الى وقتنا الحاضر ..
    و انظر أحوال الأمة اليوم في المشرق، كما في المغرب العربيين، تقترب من أحوال الأندلس في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين.. حتى أنه يخشى عليها من التسليم الطوعي ، لمفاتيح ما بقي من الحواضر مجانًا لا البيعي .. طوعا من "عبادلة" هذا العصر، كما فعلها "عبادلة" الأندلس في ذلك الدهر..
    و" صدام" يكون قد استجمع تلك الشجاعة ، عندما واجه بها جلاديه وحبل المشنقة في تلك الساعة ...إحساس صادق أنه كان كبيرًا، حتى وإن أخطأ في إدارة دولته كثيرًا ، فحسبه ، أنه لم يرتكب خطيئة الاستسلام والتسليم ، كما يفعله نظراؤه بتسليم الأوطان لكل لئيم ...
    فقلت : وماذا عن الرعية ؟ فهل يكفيها ما أصابها من بليّة ؟..
    فقال لي : انت غلطان ، و اسمع مني يا إنسان .
    وكما نفعل نحن الرعية ، فقد انسلخنا من كل هويّة ، حين استسلمنا وسلّمنا أمرنا لهذه الزمرة الفاسدة، فطمعت فينا من هي على ديننا حاقدة ، و نهبت خيراتنا و ليست لنا حامدة .. كيف نعيب على حكّام ما هم عليه من تسفل ، و للاجنبي من تزلف و تطبل ، و على جميع المستويات، وسوء تسييرهم لمصالح الأمة و الإدارات ، وخضوعهم لكل للإملاءات ، هذا و دون ثورة لعدو أو مقاومات ..
    يا صاح ! نحن نفعل حيالهم ما هو ألعن، و هل غيّرنا منكرًا مع أن لنا ألسن .. الكثير منا في إدارة عائلته الصغيرة قد أفلس ، و على جمع المال بلا عملٍ فحريص و أحرس .. و منّا من لا يتوخى السبل الحلال والطيب من القوت، و هو أحرص على حياة و مصيره الى الموت ِ.. ونفعل ما هو أسوأ بهذا الاستسلام الفظيع ، لزمرةٍ حاكمةٍ و نساق كالقطيع ، زمرة جمعت بين الفساد والجور والاستبداد، و علت في الأرض و استعبدت العباد .
    ولكن قبل أن نحاسب هذه الزمرة الفاسدة الفاشلة، و لخيرات البلد الناهبة و الآكلة .. نبدأ بمحاسبة أنفسنا كأفراد أوائل ، وكأولياء على أسر وعوائل.. ونراقب أنفسنا علنا ، مع من هم أقل قوة و شأنا على البطش من بوش وبلير، و نحاسب أنفسنا على الكبير و الصغير .. كيف نشجب ، ما يبدو على ملوك ورؤساء الأمة و نصرخ و نصخب الذل والهوان العابس ؟... وهم يهرولون لدعوات خطة " رايس "، و فينا مَن لا يجد غضاضة في تأييد الخطة ، و يغور سقطة تلو سقطة . مع إنها خطة لإبادة ما بقي من أشقائهم من عرب العراق، فجاء العداء و ذهب الوفاق . وفينا من لايفتأ يهرول لدعوات و مساندة هؤلاء الحكام ، لإبادة ما بقي من العروبة والإسلام ، حتى في دور التعليم ودور العبادة، بل وحتى في عقر الدار المعتادة ، إن لم يكن بعضنا قد سلّم مفاتيح غرفة النوم ، بعد أصبح رهن إشارة هؤلاء القوم . لو أن عرب الجزيرة والشام ومصرلم تسلّم مفاتيح هذه الأمصار، فما كانت حاضرة العراق يُسلّم مفاتيحها جهارًا في وضح النهار . وبلا مقاومة لهذا الفصيل من الرخويات ، و هذا الهجين من الفطريات و " ا لبكتيريات.
    يذكر نظام الملك في كتابه "سياسة تام" أنه باستطاعة حكومة أن تستمر مع فجورها مع العدوان ، لكنها لن تصمد بالقهر والطغيان.. ولم يخطر بباله ، و لا جال عن سؤاله ، أن الحكومات تستطيع أن تصمد وتستمر، لو جمعت بين الفجور والقهر والاستبداد ماشاء ان تعمر ، إذا كانت الرعية قد استسلمت للفجورو الفساد ، الذي يعميها عن تحسس مواطن القهر والاستبداد..
    جاء أحدهم إلى علي ـ كرم الله وجهه ـ ببعض الغمز في سياسته ، و لم يفصح ما في درايته ، و يثني على من سبقه من الخلفاء الراشدين و يمدح ، و كأني به في حكم عليّ يقدح ... فما كان من الإمام إلا القول: "لقد أُمّر هؤلاء على أمثالي وأُمّرت أنا على أمثالك"..
    فكما نكون يولى علينا ، وهذه الزمرة الفاجرة المستبدة إنما أمّرت على أمثالنا، فكيف نحاكمها إلى من أمر على أمثال علي فنخاصمها .
    و انتهت الرحلة .
    و بعدئذ صمت صاحبي و سكن ، لأنه مثلي فارق الأهل و الوطن .. فتذكرت كم من قفارٍ جبتها ، و أوطانٍ زرتها .
    المرء ضيف في الحياة وانني *** ضيف, كذلك تنقضي الاعمار.
    فاذا اقمت, فان شخصي بينكم *** واذا رحلت, فـ(قسورة)تذكار.

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.83

    افتراضي

    لقد امتزج في هذا النص الحس النفسي لك مع الحس التاريخي في مسيرة ممسوقة،بحيث تكشفت التاملات بتلقائية اكتسبت سحرها من البساطة التي احتضنت النص لو لا بعض الوقفات العقلية التي قررت فيها اعتقادك بشكل مباشر دون ان تتوصل الى ذلك عن طريق الايحاء الذي ترسمه الصورة.

    تقديري ومحبتي
    جوتيار

المواضيع المتشابهه

  1. اغضبْ..أوْ لاتغضبْ
    بواسطة عطاف سالم في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 25
    آخر مشاركة: 02-07-2007, 05:28 PM
  2. "أوِ ما درى"
    بواسطة ينابيع السبيعي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 55
    آخر مشاركة: 19-03-2007, 06:47 PM
  3. أوَ انـتــهـــيــــنــا . . ؟ !
    بواسطة مروان المزيني في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 10-01-2007, 08:51 PM
  4. عُمْيٌ وصُمٌّ مُقْتَفوا خطْوٍ لعميٍ أوْ لِصمّ
    بواسطة مازن عبدالجبار في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 28-01-2006, 10:19 PM
  5. أوَ تعلمين
    بواسطة إلهام محمد في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 22
    آخر مشاركة: 18-01-2006, 09:11 PM