أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: ساره روزنسكي ( الجزء الثاني ) - قصة - نزار ب. الزين

  1. #1
    الصورة الرمزية نزار ب. الزين أديب
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    الدولة : Anaheim,California,USA
    العمر : 88
    المشاركات : 1,930
    المواضيع : 270
    الردود : 1930
    المعدل اليومي : 0.35

    افتراضي ساره روزنسكي ( الجزء الثاني ) - قصة - نزار ب. الزين

    ساره روزنسكي
    رواية قصيرة
    نزار ب. الزين*

    الجزء الثاني

    بعد أن توثقت صداقة عمر بساره روزنسكي ، حكى لها قصة والدته :
    اسمها طالي طوطاح ،هي حاليا في الثلاثينيات ، تعرف عليها والدي عندما كان مع عائلته في يافا ، كان والده ( أي جدي ) من كبار تجار سوق (اسكندر عوض) في يافا ، يرسله إلى تل أبيب لتخليص الأقمشة التي كان يستوردها ، تعرف على والدها و هو مخلِّص بضائع في ميناء تل أبيب ، و أصبحا منذ ذلك الوقت صديقين ، و دعاه مرارا إلى منزله حيث تعرف عليها ، و لا أعلم بالضبط كيف تبادلا إعجابهما ثم حبهما ، و ما أعلمه أنه عندما طلبها والدي للزواج قلب له والدها ظهر المجن و طرده من منزله ؛ و لكن والدتي تسللت ذات ليلة من بيت أبيها ، و اقترنت بوالدي بعد أن أشهرت إسلامها فأسماها والدي أمينة. و لكن جَدَّيَّ ، والدي أبي ، قاوما هذا الزواج ؛ مما دفع والدي إلى مغادرة يافا سرا مع والدتي صفر اليدين ، ليحط رحالهما في مدينة الخليل ، ثم تمكن بفضل خبرته و تعامله السابق مع تجار المدينة من بدء مشروعه التجاري الخاص من الصفر .
    إلا أن الناس من حولنا لم يتركونا نعيش حياتنا بهدوء ، فمنذ حرب حزيران المشؤومة ( حرب الأيام الستة كما يحلو لكم أن تسموها ) و سقوط مدينة الخليل بأيدي إسرائيل ، بدأت النساء من جيراننا و معارفنا بمضايقتها ثم بمقاطعتها رغم علمهم بإسلامها .
    ليس هذا فقط ، فوالدها الذي ادعى أن ابنته خطفها عربي رغما عنها ، و الذي لم يكف عن التقصي عن مكانها بمساعدة الشرطة الإسرائيلية ، فما أن علم بشكل أو بآخر أنها تقيم في مدينة الخليل ، حتى بدأ يرسل لها من يقنعها بأن تترك زوجها العربي و تعود إلى أهلها و دينها معززة مكرمة ، و إلا اضطر إلى إعادتها بقوة القانون . بينما بدأ بعض المستوطنين بمضايقة والدي ، فخربوا له سيارته ، ثم اقتحموا مرة دكانه ، و عاثوا بموجوداتها فسادا ، و هددوا والدي مرارا بالقتل ، و لكن ظل على موقفه ثابتا .
    و ذات يوم عدت من مدرستي لأكتشف أن أمي قد غادرت المنزل ، و لأجد والدي حزينا كئيبا ، و في يده رسالتها التي تعتذر فيها منه ، مبررة هجرنا بعدم قدرتها على احتمال الضغوط الهائلة الواقعة عليها و عليه ، من كل الجهات ، و أنها أصبحت تخشى على حياته ، و أنها وجدت أن من مصلحته و مصلحة ابنهما عمر أن تغادر ، رغم ما في ذلك من ألم تكتوي و ستظل تكتوي بناره .
    تأثرت ساره بقصة عمر و أمه فعصرت قلبها الرقيق ألما و أدمعت عينيها ، و لكنها لم تكتفِ بالانفعال فقد جعلت من مسألة العثور عليها لتجمعها به قضيتها الأولى .
    و بينما كانت ساره تقوم بمهمتها الإنسانية ، كان بيتوئيل و عصبته من المستوطنين المتطرفين تهاجم بلدة حلحول المجاورة ، بحجة أن بعض أطفال هذه المدينة الصغيرة قد رجموا حافلة إسرائيلية بالحجارة أثناء مرورها فيها .
    كان أفراد العصبة مسلحين بمطارق و فؤوس و هراوات ، فأخذوا يحطمون بها زجاج سيارات مواطني البلدة ، و يشوهون هياكلها ، و يقطعون عجلاتها ، ثم انبرى بعضهم إلى نوافذ المنازل فكسروها ، و أتلفوا كذلك مصابيح الشوارع ، بينما كان حرس الحدود الإسرائيليين يتفرجون ، إلى أن حاول بعض طلاب المدارس التصدي لهم ، عندئذ أطلق الجنود عليهم النار فقتلوا طالبا و تلميذة ، و أوقعوا عددا كبيرا من الجرحى . ثم أخضعوا البلدة لمنع تجول خانق استمر عدة أيام .
    ثم أخذت عصبة بيتوئيل تتحرش بأهالي الخليل ، و خاصة خلال إقامة صلوات الجُمع ، ثم توجهت طغمة منهم إلى الحرم الإبراهيمي وسط مظاهرة مسلحة استفزازية ، فاحتلوا قسما منه ، و حولوه إلى معبد ...
    كان هذا التوتر بين الجانبين قد حال دون لقاء ساره و عمر ، فقد منع حرس الحدود المستوطنين من زيارة حبرون- الخليل - كما منعوا العرب من تخطي حدود مدينتهم لأي سبب كان .
    و ذات يوم و بينما كان عمر جالسا بجوار دكان أبيه ، تقدم منه جندي من حرس الحدود :
    - أنت عمر سليم عمر ؟ سأله بلغة عربية سليمة ، فأجابه عمر و قد ارتعدت فرائصه :
    = نعم ، أنا عمر سليم ، خير ؟!
    ابتسم الجندي ثم قال مطمئنا عمر :
    - لا تخش شيئا ، فأنا من عرب شمال فلسطين .
    سأله مستغربا :
    = عربي ، و جندي في حرس الحدود الإسرائيلي ؟
    - لا تستغرب إنها لقمة العيش ..
    و لكن ...
    و قبل أن يكمل كلامه ، صاح به والده يمنعه من الاسترسال ، ثم تقدم نحو الجندي يسأله عن حاجته و لِمَ يسأل عن عمر بالذات ؟ هل هو مطلوب ؟!
    و لدهشتهما معا ، أجابه الجندي :
    - إنني أحمل رسالة إلى عمر من فتاة اسمها ساره روزنسكي ..
    و ما أن مضى الجندي في سبيله حتى انبرى أبو عمر يؤنب ولده :
    - لديك صاحبة إسرائيلية ، يا حمار ؟ ألم تعتبر بما جرى لي و لك نتيجة غلطتي الفاحشة ؟ ألا تلاحظ أن العداء بيننا و بينهم يتعمق و يتأجج ؟ ألم تتعظ بما فعلوه بحلحول ؟ ألم تسمع بهدفهم الجديد و هو احتلال المكان الذي كان يحتوي على مدرستهم الدينية و ما حولها ؟ و أنهم يعتزمون الاستيطان فيه و حوله ؟ اي أنهم قد يستولون على دكاننا هذه و ربما على بيتنا ، ثم تقيم علاقة مع فتاة منهم ؟
    يجيبه عمر مبتسما ، و دون أن يبدو عليه أي ارتباك :
    = هدئ من روعك يا أبي ، و الله – و راس أمي - ليس بيني و بين ساره سوى صداقة عادية !
    - و هذه الرسالة ، ماذا تسميها ؟
    و اختطف الرسالة من يد ابنه ، قرأها فاكفهر وجهه و ارتعشت يداه ، ثم ترقرقت عيناه بالدموع ، و ما لبث أن تهاوى على أقرب مقعد .
    تناول عمر الرسالة من يد أبيه برفق ، فقرأها على مهل ، كانت تخبره فيها بأنها تعلم الآن أين هي والدته ، و دعته إلى التسلل عصرا إلى الربوة ، لتخبره بقصة عثورها عليها ، فقد علمت أن منع التجول قد خففته السلطات الإسرائيلية ليقتصر على ساعات الليل فقط ، و مع ذلك رجته أن يتوخى الحذر .
    قبيل بلوغ قمة الربوة لاحظ أن ساره ليست وحدها ، فبجوارها سيدة ...
    فتحت ذراعيها الآن ، و توجهت منحدرة نحوه ...
    أدرك أنها أمه ، ففتح بدوره ذراعيه و جرى صاعدا نحوها ..
    أخذ يجري بسرعة أكبر ، غير عابئ بلهاثه المتزايد أو بالحجارة التي ما فتئت تعرقل قدميه و تؤلمه ...
    ثم .....
    ما لبثا أن اندمجا في عناق طويل و هما يجهشان بالبكاء معا ...
    و جلست ساره عن بعد تتأملهما و هي تشرق بدموعها ..
    - لكم اشتقت إليك يا أمي ..
    = لكم افتقدتك يا ولدي .. لكم سهرت الليالي و أنا أفكر بك و بوالدك ، لكم شعرت بالذنب لاضطراري إلى ترككما ، و لكن شيطان التعصب كان أقوى منا جميعا ...
    ثم نادت ساره قائلة :
    = أنت منذ اليوم ابنتي ، معروفك هذا لن أنساه أبدا ....
    و لكن ....
    ثم صمتت لفترة و قد ارتعشت عيناها و تبللت وجنتاها بدفق جديد من ماء الأسى.....
    ثم أضافت قائلة بصوت متهدج و بحنان صادر من الأعماق :
    - و لكن ... إياك أن ترتكبي نفس غلطتي يا ابنتي ، أنا أدرك أنك تحبين ابني عمر و أنه يحبك ، و لكن هذا الحب لن يكتب له النجاح ، سوف يُحارب ، سوف يُقضى عليه في مهده ؛ البشر يا ولديَّ أسرى لأفكارهم المتضاربة ، يخترعونها ، يؤمنون بها ، يكرسون حياتهم لفرضها على الآخرين ، ثم تتحول إلى حواجز تفصل بينهم من الصعب اختراقها ؛ الإنسان يا ولديَّ لا زال نصفه شيطان و نصفه ملاك ، و كثيرا ما يتغلب شيطانه على ملاكه كما يحدث الآن من حولنا .
    أجابها عمر بهدوء ، و بحنان صادر من الأعماق :
    - أمي الحبيبة ، لا تقلقي ، ساره صديقتي ، أنت لم تنجبي لي أختا ، ساره هي أختي ..
    **
    كان خبر ساره و بحثها عن طالي طوطاح و عثورها عليها مثار فضول الكثيرين في كريات أربع ، ثم بلغ إلى مسامع والدي طالي أن ساره صحبتها إلى الربوة ، أدركا أن وراء الأمر ما وراءه ، فارتديا ملابسهما على عجل و توجها نحو الربوة ..
    و كان خبر ساره و توجهها الدائم إلى الربوة ، محل تساؤلات الكثيرين في كريات أربع ، و محل تندرهم ، فمن قائل أنها على علاقة حب بشاب تقابله سرا هناك ، و من قائل أنه استبد به الفضول ذات يوم ، فتبعها عن كثب ، ليتأكد أنها تقابل شابا عربيا يأتيها من ( حبرون ) ، و لكن أحد اللؤماء أثار نقطة حساسة : " فما يدرينا ، أنها عميلة ، تنقل معلومات عن المستوطنة إلى منظمات المخربين العرب في حبرون ، عن طريق الشاب العربي الذي تقابله ؟؟ " .
    ثم بلغ الهمس الحاخام بيتوئيل فجن جنونه ، و قرر أمرا ، و إذ علم أن ساره متوجهة مع طالي طوطاح إلى الربوة ، صحب بعض أعضاء عصبته ، و توجه بدوره نحوها ..
    و عندما أسر أحد تلاميذ ليونيد روزنسكي والد ساره ، أسر له أن ابنته كانت تبحث عن طالي حتى وجدتها ، و أنها توجهت معها إلى الربوة ، و أن بيتوئيل و جماعته تبعها و هو ينوي شرا ؛ اتصل هاتفيا بضابط شرطة صديقه و من أصل أوكراني مثله ، فأبلغه عن مخاوفه ، و سرعان ما توجه ليونيد و زوجته نحو الربوة ، كما توجه الضابط بعد قليل مع اثنين من أفراد الشرطة إلى هناك ، تحسبا لوقوع مشكلة كبيرة .
    و بعد تفكير طويل تراءى لأبي عمر أن ابنه سيقابل أمينة ، عندئذ قرر أن يتوجه بدوره إلى الربوة
    و كان أبو عمر أول من وصل ، و كان لقاؤه بطالي حميما : " أمينة .. لقد تركت فراغا كبيرا يا أمينة " قال لها و قد ترقرقت عيناه ، فأجابته و هي تمسح دموع عينيها المشتعلتين بطرف كم ثوبها : " الظروف أقوى منا يا سليم ، الكل يكره الكل ، و الكل يعادي الكل ، و الكل يحارب الكل ، و لا يمكننا أن نعيش في عزلة عن الناس في قلعة من الوهم ، لقد عانيت من فراقك و فراق عمر أضعاف ما عانيته يا سليم ، و لكن قدرتي على الاحتمال نضبت ، فأرجو أن تكون قد عذرتني ."
    كان والدا طالي قد وصلا ، و بدءا يؤنبانها بالعبرية ، فاشتبكت معهما في مشادة كلاميةِ بلغت فيها أصواتهم عنان السماء ، و لم يكفا عنها إلا عندما وصل الحاخام بيتوئيل مع عدد من أفراد عصبته ، فتوجهوا مباشرة نحو عمر و والده . أمر رجاله بالإمساك بهما ، فقاوما ما استطاعا و لكن عندما بدؤوا بضربهما بهراوات كانوا يحملونها ، هرعت ساره و طالي لنجدتهما ، و لمفاجأة الجميع انضم والدا طالي إلى ابنتهما ، فوقفا في وجه عصبة بيتوئيل يذودان عنهما ..
    جن جنون بيتوئيل و بدأ يكيل السباب و الشتائم لساره و طالي ووالديها ، و أخذ يهددهم بالويل و الثبور و عظائم الأمور ، و يتهمهم جميعا بالكفر بدينهم و الخيانة لمواطنيهم .
    كان والدا ساره قد وصلا الآن و انضما فورا – أمام ذهول بيتوئيل و صحبه – لجبهة ابنتهما ساره ..
    فبدأ بيتوئيل – و قد غلت مراجل غضبه – يلقي و زمرته الحجارة على الجميع ، ثم سحب مسدسه الذي كان يخفيه تحت ثوبه الكهنوتي و وجهه نحو مقاوميه ، طالبا منهم تسليم عمر و والده في الحال و إلا أطلق الرصاص .
    و لكن ساره و طالي ووالديهما ظلوا على موقفهم الصلب مشكلين ترسا بشريا في وجه بيتوئيل و زمرته ..
    كان ضابط الشرطة و اثنين من مرافقيه قد وصلوا الآن ، و تمكن بعد جدل طويل من إقناع بيتوئيل و صحبه بالانصراف ، ثم التفت نحو سليم و ابنه عمر منذرا : " غادرا هذا المكان فورا و إلا اعتقلتكما " فأجابه عمر : " و لكن هذه الأرض التي تقف عليها حضرتك هي أرضي و أرض أبي " تبسم الضابط ، ثم أجابه ساخرا : " كانت أرضك ، و هي الآن قيد التخطيط لإلحاقها بكريات أربع في مشروع توسعتها الجديد ؛ خذ والدك و انصرف في الحال و إلا اضطررت لاعتقالكما . "
    صاحت ساره " هذا ظلم " أجابها الضابط : " في حالة الحرب تُلغى عبارات العدالة و الرحمة يا ساره ، إطوي لسانك الطويل و عودي إلى بيتك مع والديك في الحال تحاشيا لمزيد من المتاعب ! "
    صاحت طالي : " هذه وحشية ! " فأسكتها والداها و جراها معهما ذبيحة القلب عائدين إلى البيت .
    و عاد عمر مع والده إلى دارهما يجران أذيال الخيبة ، فقد فقد عمر أمه من جديد كما فقد الأمل بلقاء ساره بعد اليوم ، و خسر سليم زوجته بعد أن ومض أمله بعودتها لسويعات ، كما فقد الرجاء نهائيا باستعادة أرضه ، عادا مليئي الجسد بالكدمات ، و النفس بجروح غير قابلة للشفاء .
    *****
    في مطار اللد ، نودي على ركاب طائرة العال للرحلة رقم 48 المتوجهة إلى نيويورك في الولايات المتحدة عن طريق فرانكفورت ، نهضت ساره روزنسكي و والداها متوجهين نحو البوابة التي ستقودهم إلى مدخل الطائرة ، و لدهشتهما تقدمت منهم طالي ، فحيت والديها ثم قدمت باقة من الزهور لساره وعانقتها بحرارة مودعة ..

    ============================
    * كتبت قصة ( ساره روزنسكي ) عام 1978 و نشرتها في جريدة القبس الكويتية في نفس العام ، ثم نشرتها ضمن مطبوعة تحمل نفس الإسم عام 1979 عن طريق مكتبة أطلس في دمشق / سوريه ، ثم قمت بتعديلها في شهر آب/أغسطس عام 2007
    ============================
    *نزار بهاء الدين الزين
    سوري مغترب
    عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
    عضو جمعية المترجمين العرب ( ArabWata)
    الموقع : www.FreeArabi.com
    البريد : Nizar_zain@yahoo.com

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي

    الاستاذ نزار الزين...(كتبت نفس الرد في الجزء الاول)
    غياب طويل..وعودة ميمونة اكيد..واتمنى ان يكون غيابك هو غياب خير..
    جملة امور استوقفتني في النص..وجعلتني اقف متأملا..فمع البناء المحكم..والسردية الرائعة الملمة بتفاصيل الحدث القصصي..والمكانية التي رسمت ملامح الزمن في ذاتها..جاء النص يحمل طابعا تشويقيا..روائيا..دراميا.. مشهديا..صورياً..ملفتاً للنظر..فمن العنوان ابدأ..سارة روزنسكي..مزج رهيب..بانتمائية الاول للارض التي تهاجر اليه..واحتمالية الثاني بانه جاء من اقاصي الارض وبعد الانتماء الارضي..ف(سارة) تواترت في المنطقة..واصبحت تشكل اسما عامياً..له مدلول شرقي بحت..ورزونسكي..روسي على بولوني على اوكراني...وووو اي من الجمهوريات السوفتية السابقة..لهذا الاسم الثاني مدلول واضح على انه اسم مهاجر الى هذه الديار..ثم الدخول في النص..بذكر اسم الحاخام بيتوئيل..له الاخر مدلول واضح كونه يلهمنا بأننا نقرأ نصاً..له ابعاد دينية ايديولوجية...ونحن امام صراع فكري ديني حضاري له عمق تاريخي..والامر الذي اكد هذه المقولة..مهمة الحاخام وعمله الذي يقوم به..حيث شعاراته ودعواته من اجل غرس هذه المفاهيم التوسعية في نفوس الاخرين من ابناء جلدته..وربما استغل النقطة التي تشكل هاجساً لدى الاغلبية من ابناء المستوطنات المهاجرة..حيث هولاء بلاشك يحتاجون لمأوى..ولتوسيع..ولمصادر القوت..ويجب ان تكون على حساب الاخر الذي يرون هم بانهن سلبوا ارض الميعاد منهم منذ البدء.. وما اوقفني في خضم هذه السردية المتقنة منذ البدء..هو الاعتماد في الكثير من الاحيان على الوصف الدقيق لملامح الشخوص فيها..وكأننا نعيش الحدث والشخوص بصورة مباشرة..وهذا بلاشك اضافة للنص..بل وكأني به استراحة قصيرة قبل الدخول في العمق الحبكي للنص...لانه الحبكة الاساسية تبدأ منذ الان..حيث عمل الحاخام يوجب عليه ان يحاضر في المدارس.. وسارة طالبة..وبين دور الحاخام المجتهد وثقافته العدائية الواسعة.. ووجود طالبة متمردة ومتمرسة برغم صغرها..لابد وان نجد الفكرة الاساس.. في الحدث القصصي..ومن ملامح الروعة هنا ان الحاخام كان يحمل صدرا رحباً..بغض النظر الى ما كان يرغب في نقله الى الاجتماع والاخرين..لكن أ ليس هناك فرق هنا..ان نقبل النقاش وسماع رأي الاخر..دون نعود بعدها الى ارسال من يعاقبه على فعلته..النص اصبح الان على المحك..حيث الفكرة اتضحت بشكل واسع..الحاخام يحاول ابلاغ رسالته المفهومة..تحقير الجانب الاخر...واظهاره على انه دموي خبيث حاقد...ومن ثم بناء اساس لمنظمة او جمعية تحاول توسيع المستوطنات..بلاشك الاذان الصاغية تكون كثيرة..الجانب الاخر الفتاة التي لاتؤمن بهذه الافكار تعيش صراعا داخليا على ضوء خلفيتها وتربيتها..بين اب حاقد..وام لاتهتم بهذه الامور..ومن ثم على ضوء حكمتها هي وقناعاتها التي ارى باننا في الشرق نفتقدها تلك القناعات التي تسيرنا ولا ان نكون تحت تاثير دائم لقناعات تفرض علينا..وفي خضم المغامرة الذاتية ل سارة تلتقي بشاب من الطرف الاخر ..حيث هنا تظهر بوادر التغيير الذي وجدته لازم وضرورة من اجل الوعي بالجانب الاخر وادراجه في مقارنة مع العقل والقناعة..لكن بلاشك جاءت بعض العبارات ربما وجدتها لم تضف للمشهد الكثير بل وجدتها عادية وكان يمكن الاستغناء عنها..كالتي عبر فيها عن كون هذه الارض هي ارضهم وحتى طريقة التعارف ربما فيها نوع الدراما التمثيلية ..ولكن ما غطى هذا الامر هو عنصر التشويق الذي رافق حادثة التعارف بالاخص عندما اوحى عمر لها بأن هناك سر يجمعه وهذه الارض..حيث بقى السر هذا معلقا في ذهن المتلقي وذهن سارة نفسها..لذا في وقت المكاشفة كانت ردة الفعل اقرب لصدمة لها..وربما كانت المكاشفة هي اعلان رسمي لضرورة الاستمرارية في الالتقاء...المهم الملامح اتضحت للفتاة.. وجهات النظر الان تباينت..وبما انها في الاصل كانت معارضة للحاخام..تجد الان مبررات اكثر للمعارضة..وتأتي اعترافات الحاخام لها في وقت ليس بوقته وليس في صالحه حيث سارة تعيش التناقض الحاصل بين اراء الاثنين عمر والحاخام..وتختم الفصل الاول بتمرد واضح من قبل سارة على الحاخام ومبدائه ونظرته للجانب الاخر.
    الان نجد العقدة القصية قد توسعت مساحتها..فاصبحت تشمل فكر ودهاء حاخام استغل التوراة من اجل ترسيخ مبادئ لاتنم بالانسانية في ذهن المستوطنين.. وسارة التي عاشت الحدث التمردي منذ البدء وزاد تمردها في لقائها الاخير مع الحاخام..ومن ثم ادراكها لشيء ظل معلقا في ذهنا ويؤنب ضميرها..حادثة ام عمر..حيث لامست ان الدين والمفاهيم هنا كانت ضد توحد روحين احبا بعضهما...وعمرنفسها ومعاناته.. كل هذه الامور جاءت في سلسلة متصلة ومرافقة بصورها الحية في ذهنية المتلقي..وفي ذهنية سارة قبلهم..وربما هي وجهى نظر خاصة...لكني اجد بان القسم الاول من القصة كانت تشد المرء لتقنيتها اكثر من القسم الثاني لكون القسم بعد اعترف عمر لسارة اصبح ينحو منحى الرواية التمثيلية التي برزت فيها العاطفة اكثر من القضية ذاتها..لكنها مع ذلك..حافظت على المتانة القصية..والحبكة الجيدة..وقوة الوصف والبناء..بحيث يصبح المتلقي في حالى ترقب دائمة للاتي دون ان يشابه ملل من طول القصة.. وكأني بالرواي هنا قد امسك بزمام الامور ونسج خيطا عريضا وطويلا يلف المتلقي به فيلزمه على اتمام النص..والبقاء امام اللوحة ورؤية مشهد الى اخر..القصة اخذت تبرز هنا دور العاطفة لانها ركزت على المشاعر التي انهالت على الطرفين جراء المكاشفة التي قام بها ل سارة..حيث الاخرى بعاطفتها وتمردها وقناعاتها الانسانية راحت تبحث عن الامر التي فقدت الابن والزوج جراء تعسف ديني طائفي لاانساني في نظرها.. واللقاء والدموع..ومن ثم الصراع المحتدم..والاقتراب من سفك الدماء..والالتفاتة الرائعة لقضية حساسة عمل بعض العرب لدى الجهات الاسرائيلية..وكذلك الكلمة التي قالها الضابط.. كانت لكم والان هي قيد التخطط..كل هذه الامور خاضت معترك الاحاسيس..واثارتها..بل حتى النهاية جاءت تثير عاطفة المتلقي.
    الاستاذ نزار..
    هذه رؤية سريعة للنص..اتمنى ان اكون قد وفقت فيها..ولك دائما وابدا مني كل التقدير والاحترام وعذرا ان وجدت بعض الاخطاء الاملائية في ردي لكوني كتبت هنا دون مراجعة.
    محبتي لك
    واهلا بك من جديد
    جوتيار

  3. #3
    الصورة الرمزية وفاء شوكت خضر أديبة وقاصة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : موطن الحزن والفقد
    المشاركات : 9,734
    المواضيع : 296
    الردود : 9734
    المعدل اليومي : 1.91

    افتراضي

    قد قرات الجزء الثاني على عجالة ، فقد آن أوان صلاة الفجر ..
    ولكن لي عودة أكيدة ..

    القصة أكثر من رائعة ..

    تحيتي وتقديري .
    //عندما تشتد المواقف الأشداء هم المستمرون//

  4. #4
    الصورة الرمزية نزار ب. الزين أديب
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    الدولة : Anaheim,California,USA
    العمر : 88
    المشاركات : 1,930
    المواضيع : 270
    الردود : 1930
    المعدل اليومي : 0.35

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وفاء شوكت خضر مشاهدة المشاركة
    قد قرات الجزء الثاني على عجالة ، فقد آن أوان صلاة الفجر ..
    ولكن لي عودة أكيدة ..
    القصة أكثر من رائعة ..
    تحيتي وتقديري .
    =======================
    أختي الكريمة وفاء
    تقبل الله
    في انتظار قراءتك بفارغ الصبر
    مودتي
    نزار

  5. #5
    الصورة الرمزية نزار ب. الزين أديب
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    الدولة : Anaheim,California,USA
    العمر : 88
    المشاركات : 1,930
    المواضيع : 270
    الردود : 1930
    المعدل اليومي : 0.35

    افتراضي

    أخي الحبيب الأستاذ جوتيار
    قراءة أدبية متكاملة للنص تناولت جميع أهدافه و مراميه و أسلوبه و لغته
    الشكر الجزيل لإثرائك النص بهذا الجهد الرائع الذي أعتبره إكليل غار يتوج راسي
    عميق مودتي لك و اعتزازي بك
    نزار

المواضيع المتشابهه

  1. [ . . ا لْ حُ بُّ الوَحِــــيدْ ] . .
    بواسطة محمود قحطان في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 05-05-2008, 02:07 AM
  2. ساره روزنسكي ( الجزء الأول ) - قصة - نزار ب. الزين
    بواسطة نزار ب. الزين في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 31-08-2007, 10:31 PM
  3. **(( أ .. ح .. بُّ .. كِ شهداً حلاوتُهُ بفمي ))**
    بواسطة عبدالخالق الزهراني في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 19-08-2007, 11:01 AM
  4. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 31-05-2006, 06:00 AM
  5. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 18-05-2006, 05:36 AM