أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 12

الموضوع: صدور رواية « نفق المنيرة » لحسني سيد لبيب

  1. #1
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي صدور رواية « نفق المنيرة » لحسني سيد لبيب

    صدور رواية « نفق المنيرة » لحسني سيد لبيب
    .................................................. ..........

    صدرت رواية "نفق المنيرة" عن اتحاد الكتاب والهيئة المصرية العامة للكتاب.وهي الرواية الثانية لحسني سيد لبيب بعد "دموع إيزيس".
    وتدور أحداث"نفق المنيرة" أيام الستينيات، وقد اتخذ المؤلف من مدينته "إمبابة" مسرحا لأحداثها. وتقع في 304 صفحات، وتضم 51 فصلا. وقد أهدى المؤلف الرواية لروح والده. يقول في سطور الإهداء: "إلى من علمني أسمى المعاني وأنبل القيم.. إلى الذي علمني الصبر وقت الشدائد.. إلى والدي رحمه الله وغفر له".
    ويقوم المؤلف الآن بوضع اللمسات الأخيرة للجزء الثاني، قبل أن يدفع به للنشر.

  2. #2
    الصورة الرمزية علاء عيسى قلم فعال
    تاريخ التسجيل : Jun 2006
    العمر : 50
    المشاركات : 1,651
    المواضيع : 95
    الردود : 1651
    المعدل اليومي : 0.34

    افتراضي

    أجمل التهانى
    لأديبنا الراقى
    حسنى سيد لبيب
    وهو علامة مميزة فى الأدب المصرى
    والعربى
    وتحية خالصة لناقدنا الكبير
    والأديب
    د. حسين على محمد
    مؤسس سلسلة أصوات معاصرة
    هذا بعض منى http://alaaeisa.maktoobblog.com/

  3. #3
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علاء عيسى مشاهدة المشاركة
    أجمل التهانى
    لأديبنا الراقى
    حسنى سيد لبيب
    وهو علامة مميزة فى الأدب المصرى
    والعربى
    وتحية خالصة لناقدنا الكبير
    والأديب
    د. حسين على محمد
    مؤسس سلسلة أصوات معاصرة
    شكراً للشاعر المبدع الصديق
    الأستاذ علاء عيسى.
    وقد زرت مدونتك الجميلة اليوم.

  4. #4
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    قراءة في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب

    بقلم: إبراهيم سعفان
    ـــــــــــــــــــــــــ ــــ

    الأستاذ حسني سيد لبيب أديب ملتزم بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وهو منحاز للطبقة المتوسطة والفقراء، ويعتني أيضا بالأسرة باعتبارها النواة الأساسية التي يرتكز عليها المجتمع. إنهم يعيشون في الأرض، ويسعون في مناكبها بحثا عن الرزق، ولتحقيق أحلامهم البسيطة، كأحلام "حمزة" صاحب الغرزة الذي "يدعو الله أن يصلح الأحوال، ويحقق الآمال، كانت آماله محدودة متواضعة، لا تتعدّى أن يعينه الله على مواجهة ما تأتي به الأيام، وأن يحقق "لحميدة" حلمها في ولد تفرح به".
    الرواية صورة واقعية حقيقية، لأناس يكافحون من أجل توفير أدنى متطلبات الحياة، فالنفق يمثل قوة من قوى الضغط النفسي، فالخوف ساكن في قلوبهم خشية انهيار النفق في أي لحظة، أصبح يمثل كابوسا يهدد حياتهم في يقظتهم، وفي أحلامهم، وهناك أيضا "سيد سبرتو" الفتوة يمثل قوة ضغط وخوف وتهديد.
    ويبين الكاتب الروح الشعبية المتألقة بشكل واضح. ولذا يمكن القول: إن الشعب يحركه أمران هامان هما:
    1. الوجدان الديني،
    2. الروح الشعبية.
    فالوجدان الديني يحرك فيه الصدق والأمانة والعدل، والروح الشعبية تحرك في الإنسان الشهامة. وهذان الأمران يسريان في الشخصيات، ونتبين ذلك في سلوكهم.
    هذه الروح جعلت والد فتحي يتراجع عن الهروب من كمساري الأتوبيس حتى لا يدفع ثمن التذكرة، ثم يفيق إلى نفسه فينادي على الكمساري ويعطيه ثمن التذكرة في إباء. لننظر إلى كلمة "في إباء" وما تكشفه عن اعتزازه بنفسه. وعند عودة "فتحي" من الخارج سمع حديث والده مع والدته. ماذا فعل؟ أخذ يعاقب نفسه بتأنيب الضمير، فيقول الكاتب "أنّب نفسه لمجرد التفكير في قضاء ليلة في المولد يلهو فيها ويعبث، باحثا عن اللذة.. بدأ يفيق على صورة الأب المكافح الذي هزمته الحياة في مواقع عديدة، لكنه يواجهها برباطة جأش، وتحمّل. بدأ يتنبه إلى أنه ينتمي للأسرة الفقيرة، وابتأس لحاله".
    يبين الكاتب أن الإنسان يحمل الشر والخير، فشخصية "سيد سبرتو" الفتوة وما عرف به من قوة شريرة نجده يسارع فورا في إنقاذ غرقى الأتوبيس في النيل، وكذلك والد فتحي يتراجع عن الهروب من الكمساري حتى لا يدفع ثمن التذكرة. لم يمنع فتحي إحساسه بفقره من محاولة تحقيق حلمه وحلم الأسرة بدخوله كلية الهندسة.. يعيد الثانوية العامة بعد حصوله على مجموع 56 % لا يؤهله لدخول كلية الهندسة، فقدم أوراقه إلى معهد الخدمة الاجتماعية، فلما طلبوا منه كتابة بحث اجتماعي، اختار موضوع "التسول كظاهرة اجتماعية".
    وافق الوالد دون تردد على تحقيق رغبة ابنه. لم يتردد في بيع طقم الصالون، ودفع الرسوم المقررة.
    تحول النفق إلى كابوس يجثم على الأهالي في اليقظة، وفي النوم، يضج مضاجعهم، ويؤثر في أعصابهم، فها هو "حمزة"، يرى في منامه حلما مزعجا فيقول:
    " لم ينم هذه الليلة. إن غفلت عيناه، حلت كوابيس أفزعته من نومه في حالة لم يعهد لها مثيلا. أتاه حلم مرعب لعمال بأفرولات زرقاء، وجوههم غير محددة المعالم، يحفرون مقبرة بعمق لا نهاية له. وهو مستكين ينتظر حتفه في هذا الجب العميق. ولما حان أجله أحس بقوة تحاول دفعه للسقوط، فصرخ صراخا عاليا، لكن الصراخ لا صوت له، تردد صداه في المقبرة التي لا قرار لها، ينهض هلعا.
    أما الحلم الثاني لحمزة بن محمد، فقد استغرق في نومه وسبح في دنيا الأحلام، ورأى فيما يرى النائم نفق المنيرة قد تشققت أحجاره، فإذا به يجري وهو جزع، يتحسس الجدران.. يمرّر سبابته على شق من شقوقه، تجزع نفسه.. يصيح.. أبي.. حلم أو علم.. يقرص فخذه حتى يتنبه، يصيح.. يتردد صدى الصيحة في فضاء لا نهاية له.. يا هُو.. يا خلق الله.. النفق ينهار.. انقذوا النفق.. أهو زلزال مفاجئ، أم انهيار كامل.. لا يدري.. لا أحد يجيب.. يجري كالمجنون.. الناس في بيوت مغلقة، لا تسمع، أو أنها تتجاهل الصرخات".. وهذه إشارة إلى لا مبالاة الأهالي. ويصف الكاتب الحلم بأنه "إشارة لما سيحدث في المستقبل، فيقول: "الحلم إرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام، وقد تكون الحاسة السادسة تري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب.. تريه ما لا يراه بعينيه، وما لا يطوف بخياله".
    أما حلم اليقظة: فهو القدرة على استحضار صور شتى، تخدع العقل، وتخضع الإرادة الشخصية، وحسها الانتقائي، فالتخيل هنا إرادي، مجاله لا وعي لليقظة. وفق الكاتب في تصوير معاناة أهل الحي، نتيجة لما مرّ من حروب في الماضي، وما يتحملونه من أزمات اقتصادية شديدة. إنه شعب لديه إرادة على تحمل الصعاب. لقد ربط الحزام ولم يفكه.. ورغم ذلك يدبر حياته متحديا ظروفه القاسية مستعينا بالله سبحانه وتعالى.
    أما اللغة فالكاتب يحسن اختيار ألفاظه السهلة الحميمية، كما يتميز بالأسلوب والصور الفنية غير المعقدة، ليحدث التواصل بين المتلقي وبين النص. لذلك نراه يحرص على تنقية اللغة من أي إغراب، لذلك يمكن القول: "إن الأسلوب هو المبدع"، وإن "اللغة العربية هي التي تحدد خصوصية المبدع وهويته الحضارية".
    اللغة الإبداعية نسج بديع يبهر ويسحر، وعلى الأديب أن يعرف كيف يتعامل مع لغته، كما يقول الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه "في نظرية الرواية": "حتى يجعلها تتنوع على مستويات، دون أن يشعر القارئ باختلال المستويات في نسج اللغة". فالأستاذ حسني واع لمهمة اللغة وأهميتها في تحديد المستويات، كما يولي أيضا لغة الحوار اهتماما كبيرا، فهو يحرص أن تكون لغته عربية فصيحة بسيطة سلسة، يفهمها المتلقي بمستوياته المختلفة، فهو لا يستخدم العامية حتى في الأمثال الشعبية.
    واختلف في ذلك النقاد، فمنهم من يرى بقاء الأمثال بلهجتها العامية مثل الدكتور علي الراعي ـ رحمه الله ـ الذي قال إن الأمثال الشعبية تكتب بلهجتها لتحتفظ بزخمها.
    وسبب تمسك حسني سيد لبيب باللغة العربية الفصيحة يرجع إلى أن العامية لا تقدر على التعبير عن العواطف والأفكار والواقع اليومي مثل اللغة العربية.
    الكتابة الروائية عمل فني جميل يقوم على نشاط اللغة الداخلي، ولا شئ يوجد خارج تلك اللغة، وإذا كانت غاية بعض الروائيين العرب المعاصرين هي أن يؤذوا اللغة ( ليس بالمفهوم الفني ولكن بالمفهوم الواقعي للإيذاء)، بتسويد وجهها، وتلطيخ جلدها، وإهانتها بجعل العامية لها ضُرّة في الكتابة.. فلم يبق للغة العربية إلا أن تُحزّم حقائبها، وتمتطي ركائبها، وتمضي على وجهها سائرة في الأرض لعلها تصادف كتّابا يحبونها من غير بني جلدتها.
    أمام كل هذا فإننا لا نقبل اتخاذ العامية لغة في كتابة الحوار.. ونؤثر أن تكون للغة الحرية المطلقة لتعمل بنفسها عبْر العمل الإبداعي، فلا واقعية، ولا تاريخ، ولا مجتمع، ولا هم يحزنون، إن هي إلا أساطير النقاد الآخرين.
    استعان الأستاذ حسني سيد لبيب بوسائل فنية تعمق الحدث، وتنشط ذاكرة المتلقي، فيسترجع ذكرياته ويحل رموزها، ويصل إلى مفاتيحها، ودلالاتها، ونتبين ذلك في: الحديث النفسي، والمناجاة، وحمزة صاحب الغرزة الذي يتذكر أحداث عصره، ومذكرات فتحي الذي يسجل وقائع زمنه، وأحوال الشخصيات. وكذلك الأحلام سواء الأحلام التي نراها في النوم، أم في أحلام اليقظة.
    لقد قدم الأستاذ حسني سيد لبيب بانوراما لمدينة إمبابة، وسجل الحركة الدقيقة لسكان الحي، حالتهم النفسية، والاجتماعية. كما اهتم بإبراز شخصية ابن البلد عن إيمان عميق يسري في وجدانه، ولا يظهر ذلك إلا في الملمات، كما أبرز أن الإنسان فيه الخير وفيه الشر، ولكن الخير هو المقدم عنده، ويتضح ذلك في سلوك "سيد سبرتو" الفتوة الذي يهب لنجدة أبناء حيّه ومساعدتهم. فشخصيات الرواية سوية إيجابية، لذا نراها متكاتفة، متعاونة في أي ظرف من الظروف.
    ونورد أخيرا الكلمة التي ختم بها الكاتب الرواية: "عكف فتحي يسطر في مذكراته مأساة أمة نكبت في أعز أمانيها. بللت الدموع الصفحة التي يكتب فيها.. تطلع إلى السماء، عساه يهتدي إلى نجم ما، لعل أملا جديدا يضئ الأفق".. وهذا الأمل هو الذي يعيش له أهالي حي المنيرة.
    الجوانب الفنية:
    1. بدأ الكاتب ببيان جغرافية المكان ووصفه وصفا دقيقا. الأماكن الجديدة والأماكن القديمة، ذاكرا كل الأماكن المشهورة، التي لها ذكريات في حياته، وفي حياة سكان إمبابة، التي تحرك أشجان الإنسان وتعيده إلى مراتع الصبا.
    2. بيّن الأزمات والمعاناة من الآثار النفسية المتراكمة نتيجة الحروب في الماضي، ونتيجة الأزمات الاقتصادية التي يعيشونها دون أمل في حل الحزام الذي ربطوه منذ سنين.
    3. من يقرأ الرواية قراءة سريعة يعتقد أنها رواية تعالج مشاكل اجتماعية ومشاكل الشباب فقط، ولكنها رواية تعالج قضايا سياسية، لم يشأ أن يعرضها بالتفصيل، ولكنه عرضها كأسماء شخصيات، أو أماكن، أو مواقف سياسية مثل الحديث عن عبد الناصر، واعتقال الشيخ محمود خطيب المسجد، غير الإشارات والتلميحات التي استخدمها.
    4. وفق الكاتب في توزيع الأسماء في فصول حتى لا يقع الإنسان في لبس لكثرة ذكر الأسماء.
    5. كما أنه وفق أيضا في تقسيم الفصول فهي تتتابع حينا وتتبادل حينا آخر.
    6. لم يذكر الكاتب بعض أسماء الشخصيات في بداية الفصول لإحداث شئ من الإبهام ليستثير القارئ ليتابع أحداث الرواية.
    7. الرواية واقعية اجتماعية سياسية، أي أن أحداثها مستمدة من الواقع المعيش لسكان الحي. والواقعية التي استخدمها الكاتب واقعية نظيفة ليس فيها هبوط أو استخدام ألفاظ رديئة تجرح مشاعر المتلقي، كما نرى في إبداع بعض الأدباء من إسفاف وخروج عن الذوق مما يفسد الجانب الفني والخلقي. أما حسني لبيب، فقد استخدم الواقعية النظيفة التي تفيد المتلقي فنيا وخلقيا.
    8. نلاحظ أن الكاتب حسني لبيب يضع نصب عينيه المتلقي، فهو ملتزم، فلا نجد في الرواية وصفا خارجا جارحا، ويبدو ذلك في التالي: "يدخل فتحي المسرح، ويرى الراقصة العارية، عندما وصل إلى بيته، ماذا فعل؟ هل سلك سلوك الشباب الطائش؟ لم يفعل ذلك، بل تصرف تصرفا عاديا، "حضن المخدة كما فعل عبد الحليم حافظ في فيلم "الوسادة الخالية". كما أن الكاتب لم يستغل هذا الموقف في وصف جنسي يداعب به غرائز الشباب، ويرجع ذلك إلى رفضه هذا حماية للشباب واحتراما لأمانة الكلمة، والتزاما بالخط الخلقي الذي التزم به..
    9. لم يحقق أهل الحي أحلامهم أو بعضا منها، ولكن لم يسدّ الطريق عليهم، فهو كعادته يؤمن بالمستقبل الذي سيحمل تفاؤلا وأملا جديدا يضئ الأفق.
    إبراهيم سعفان
    ....................................
    *ألقيت هذه الدراسة في ندوة رابطة الأدب الحديث بمناسبة احتفالها بصدور الرواية.

  5. #5
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    ندوتان لمناقشة رواية حسني سيد لبيب "نفق المنيرة"
    .................................................. ..............

    انتظمت ندوتان لمناقشة رواية حسني سيد لبيب، الأولى برابطة الأدب الحديث في 15 يناير 2008، والثانية برابطة الأدب الإسلامي في 18 فبراير 2008.
    أدار الندوة الأولى محمد علي عبد العال. قال في كلمة الاستهلال: هذه النخبة من القمم الأدبية والنقدية قد جاءت إلى هنا، لتدل على أهمية ما يكتب حسني سيد لبيب، وعلى مدى الحب لهذا الكاتب الكبير. وهي مفاجأة سارة لنا أن يكتب حسني الرواية عن نفق المنيرة بإمبابة. وتدور أحداثها قبل وبعد نكسة 1967.
    ثم تحدث حسني سيد لبيب، فرحب بالسادة الحضور وشكرهم على الاشتراك في فعاليات الندوة: " أرحب بالسادة الحضور وأشكرهم على هذه الاستجابة لحضور الندوة. أما تلخيص الرواية فهو يخل بالعمل الروائي الذي تتعدد فيه مستويات السرد. هذه الرواية قد لا تقبل التلخيص. غاية ما أستطيع قوله إنها تعبر عن مجتمع الستينيات، واتخذت إمبابة مسرحا لأحداثها. وإمبابة رمز لمكان ما في مصر. وبالرواية واقع ومعلومة وخيال، وكلها عناصر ترتبط بعضها ببعض، وتتداخل الأحداث والشخصيات".
    وتحدث القاص الروائي جمعة محمد جمعة عن الرواية عارضا لأهم أحداثها وشخصياتها.
    وركز الدكتور زكي البحيري على تعدد الأحداث وكثرة الشخصيات، وتتعرض الرواية لفترة مهمة من تاريخنا. وأبدى ملاحظته حول بعض الشخصيات التي تظهر وتختفي، أو تتبادل الظهور فيما بينها. أحيانا يأتي الحوار دون ذكر اسم الشخصية التي تتحاور. الرواية مفيدة حيث أنها تتعرض لقطاع مهم من المجتمع المصري.
    استهل الدكتور إبراهيم محمد كلمته معبرا عن سعادته لوجوده مع نخبة من الأدباء، الذين نتمنى على أيديهم صلاح الأحوال. بداية أشكر حسني على إهداء الرواية لوالده، مما يدل على صلة الرحم وبر الوالدين، والإهداء من أجمل الإهداءات. وأشكره على اختياره لاسم الرواية (نفق المنيرة)، وهي رواية رائعة. وقد شعرت شخصيا أنني دخلت نفقا وأنا أقرأ الرواية، والنفق عبارة عن طريق ضيق تحت الأرض يمكن التخبط فيه يسارا ويمينا. والمؤلف عليم بالمنطقة متعايش معها. حيث أنه عايشها صغيرا بدليل درايته الواسعة بالشوارع والبيوت والمساجد وأضرحة الأولياء، والمعالم البارزة، وقد ألبسها ثوبا فضفاضا. شب المؤلف وترعرع في منطقة إمبابة، في فترة الستينيات، لذا استطاع أن يتحدث عنها بشكل قصصي جيد، أوضح فيها تقاليد ولغة العصر، وأيضا عادات الناس مثل زيارة أضرحة الأولياء، والموالد، وما يفتخر به الشباب مثل الجانب الجنسي.
    وقال رائد أدب الرحلات الأستاذ حسين قدري: شدتني الرواية لروايتها الأحداث في منطقة إمبابة الشعبية، وهو حي قريب الشبه بحي السيدة زينب الذي تربيت وعشت فيه.
    أما الأستاذ وديع فلسطين فقد تحدث عن الأحداث المتعاقبة والشخصيات الكثيرة، التي ازدحمت الرواية بها. وقد سار الكاتب في فلك الروائيين المعاصرين في اختيارهم المكان عنوانا لرواياتهم، ومنهم نجيب محفوظ في اختيار المكان (زقاق المدق) عنوانا لإحدى رواياته. تبدأ رواية حسني سيد لبيب في الواقع من حادث سقوط التروللي في نهر النيل، وما ترتب عليه من أحداث تواصلت في أنحاء الرواية.
    أما الدكتور الناقد شريف الجيار، فقد تحدث عن طبقة البسطاء من شخصيات الرواية. وتحدث بإفاضة عن الخطاب السردي بكل تشكيلاته. هذه الرواية برمتها ترصد لنا شريحة محددة مثل حمزة الذي اعتبر نفسه بطلا. حمزة هذا، يرمز اسمه للقوة والصمود والاستمرار. أنجب حمزة حميدة التي تزوجت من بائع خضار. كل ما يملكه غرزة ملاصقة لجدار النفق. يحلم حمزة بشكل دائم بأن هناك زلزالا. ويرمز النفق للصمود في الماضي.
    ترمز عزيزة لقاع مصر التي جاءت بخيرها ووجهها الريفي الجميل، وإذا بثروت يغتصبها. وعزيزة أيضا ترمز للنكسة.
    والغرزة في اللغة الدارجة مكان صغير لشرب الشاي وأمور أخرى، ويجتمع فيه بسطاء القوم. لكن الغرزة عند حمزة لها بعد آخر، فهي ملتصقة بجدار النفق. يريد السارد العليم هنا أن يقول إن النفق يحمل المفارقة، ويحمل أيضا عبق التاريخ المصري في تلك الأيام.
    استعان السارد هنا بعدة تقنيات كالاسترجاع. تكرر الحلم عند حمزة خمس مرات، وفي كل مرة يحلم بتصدع النفق أو انهياره. نستبين تقنية الحوار الداخلي حين راودت فتحي خواطر حول علاقته بمارسيل، وما ستسفر عنه في الأيام المقبلة.
    حمزة هو الركيزة الأساسية في تشكيل جماليات النص. الحلم يبدو لنا في قوله "رأى في المنام"، ثم يستيقظ فيفيق إلى الواقع في قوله "نهض من نومه". وما بين النوم واليقظة يمكن أن نفسر الحلم، بما يعني أن الحلم يمكن تفسيره فيفصح ويكشف عما يمور داخل الشخصية. هذا النفق الذي يحلم بتصدعه يعكس خوف حمزة من المستقبل، كما أنه يحمل تاريخ أمة.
    ويعبر الكاتب عن ديمومة الحياة في موت حميدة وولادة حمزة الصغير.
    وقد اضطرت كثرة المشاهد الحوارية الكاتب إلى جعل الإيقاع أميل إلى التوسط في السرعة الإيقاعية، أي اعتدال الإيقاع.
    ولنأخذ مثالا في قول السارد (ص 129): "سبقته الفرحة إلى بيتها. اصطحب والديه في مسيرة قصيرة عبر شوارع المنيرة الضيقة، مرورا بمسجد زيدان، حاملا معه "زيارة" من الحلوى والملبس والشيكولاتة والشربات. راجع أمه، ربما نسي نوعا آخر". بعد هذا الاستهلال، ينتقل بنا إلى غرفة الجلوس. ثلاثة أسطر استطاع السارد أن يصف لنا المكان، والاهتمام هنا بالحدث، وهو الزيجة.
    من التشكيلات الجمالية في الرواية استخدامه فكرة اليوميات، فيما يخص فتحي. والأهمية الأولى لهذه اليوميات الإيهام بواقعية الحدث. يقول في (ص163): "ذات مرة جمعه وأباه وأمه لقاء. وما أندر اللقاءات التي تجمعهم. كانوا ملتفين هو وأخواته حول الطبلية يتناولون الغداء. قالت زينب: "إن فتحي يرى صعوبة في اللغة الفرنسية".. وهكذا تتعدد الانطلاقات السردية. أيضا نجد السارد هو عين الكاميرا وبلغة السينما camera eye ، هو يراها من بعيد ولا يشارك أو ينغمس فيها. وفي (ص 133): نلحظ السارد يستعين بتكنيك السينما في قوله: "انخلع قلب مصطفى لهذا الاستدعاء غير المألوف..".
    وقد عقد الناقد مقارنة ذكية بين هذا الفتوة سيد سبرتو وفتوة نجيب محفوظ. فتوة رواية نفق المنيرة سيد سبرتو، لاحظ هنا دلالة الاسم: سيد أي يسود بعضلاته، وسبرتو تحدد لحظة اللاوعي. أما فتوة نجيب محفوظ فيأخذ الإتاوة ويوزعها على الفقراء. هنا فتوة لبيب يجمع الإتاوات ويضعها في جيبه أو ينفقها على صبيانه. نمى إلى علم الفتوة حكاية عزيزة بعد أن اشتكى له عويس ومصطفى. اتهمت عزيزة وهي بريئة.
    وتحدثت الدكتورة زينب العسال قائلة: "أنا سعيدة بحضور هذه الندوة وإن كنت لم أقرأ الرواية. ولي ملاحظة على قوله: إن الرواية لا تقبل التلخيص. مطلوب من حسني أن يحدثنا عن شخصية هذا المكان".
    وقال الروائي الكبير محمد جبريل: "قرأت العمل كمخطوط وكتبت عنه في أحد مؤلفاتي. أنا سعيد بالروائي حسني لبيب، وقد أكدت على سيادة المكان في رواية "نفق المنيرة". وهو عمل جميل كتب بتقنية عالية. هناك تعامل مع الفانتازيا ومع التاريخ. مطلوب النظر في الإبداع العالمي وتقنياته".. وانتقد هؤلاء الذين يتبنون أفكارا انتهى عهدها.. "لابد من الإفادة من التقنيات المعاصرة. أنا فرح بكم وفرح بحسني لبيب".
    ووصف الباحث الناقد أحمد حسين الطماوي الرواية بأنها رواية أجيال، وأن كاتبها أنجز منها الجزء الأول. وقد برزت فيه سيرته الذاتية وتوقف عند نكسة 67. وكان النفق ساكنا على أسرار كثيرة. تبدو الرواية استرجاعية، فقد تدفقت ذكريات المؤلف. أبرز ما في الرواية حديثه عن المكان، ولا يمكن أن يكون مكانا ما. فنفق المنيرة خاص بالمنطقة التي أنشئ بها، لأن المكان هنا يحكي المكان والإنسان. لذا يصعب نقل الأحداث إلى مكان آخر. فعنوان "نفق المنيرة" هو المكان أو مفتاح للمكان. خذ مثلا حمزة بن رمضان، الذي يحلم بتصدع النفق، فينزعج. يتكرر الحلم عدة مرات وفي كل مرة يتأكد من سلامة النفق. ويوسّع المؤلف مفهومه في الحلم على أنه فانتازيا. أمضى حمزة عمره في الغرزة بجوار النفق، وهذا يدل على أن النفق يعيش في وجدانه فإذا نام حلم به.
    قد يأخذ القارئ على المؤلف أن هذه الكوابيس جاءت واضحة متماسكة وكأنها حكاية واقعية. قد تنمّ الأحلام عن الواقع، لكنها لا تأتي في العمل الفني بطريقة واقعية، لأن الحالم يتذكرها وفيها غبش أو يراها مضببة، إذا استعادها لنفسه. والرد على هذا أن راوي الحلم لا يلتزم الصدق وإنما نراه يحبب له أشياء تجعل الحلم صورا متلاصقة.
    النص الروائي الذي بين أيدينا يحفظ للمؤلف هويته الدينية، مثل خطيب المسجد الذي اعتقل والذي شنق. كذلك يحفظ النص هوية المكان الشعبية، حيث يتضامن الناس وقت الشدائد كحادث التروللي. يعايش الكاتب هؤلاء ، لذلك فإن المؤلف لم يؤلف روايته وإنما الرواية هي التي تؤلف نفسها. وشخوص الرواية يتداخلون وهذا لا يحدث تماسكا فحسب وإنما يحدث تشوقا وتوشجا في النسيج الروائي.
    وأعد الناقد إبراهيم سعفان دراسة مطولة بعنوان "قراءة في رواية نفق المنيرة"، نجتزئ منها حديث الناقد عن الجوانب الفنية في هذه الرواية، وحددها في النقاط التالية:
    1. بدأ الكاتب ببيان جغرافية المكان ووصفه وصفا دقيقا. الأماكن الجديدة والقديمة، ذاكرا كل الأماكن المشهورة، التي لها ذكريات في حياته، وفي حياة سكان إمبابة، التي تحرك أشجان الإنسان وتعيده إلى مراتع الصبا.
    2. بيّن الأزمات والمعاناة من الآثار النفسية المتراكمة نتيجة الحروب في الماضي، ونتيجة الأزمات الاقتصادية التي يعيشونها دون أمل في حل الحزام الذي ربطوه منذ سنين.
    3. من يقرأ الرواية قراءة سريعة يعتقد أنها رواية تعالج مشاكل اجتماعية ومشاكل الشباب فقط، ولكنها رواية تعالج قضايا سياسية، لم يشأ أن يعرضها بالتفصيل، ولكنه عرضها كأسماء شخصيات، أو أماكن، أو مواقف سياسية مثل الحديث عن عبد الناصر، واعتقال الشيخ محمود خطيب المسجد، غير الإشارات والتلميحات التي استخدمها.
    4. وفق الكاتب في توزيع الأسماء في فصول حتى لا يقع الإنسان في لبس لكثرة ذكر الأسماء.
    5. كما أنه وفق أيضا في تقسيم الفصول فهي تتتابع حينا وتتبادل حينا آخر.
    6. لم يذكر الكاتب بعض أسماء الشخصيات في بداية الفصول لإحداث شئ من الإبهام ليستثير القارئ ليتابع أحداث الرواية.
    7. الرواية واقعية اجتماعية سياسية، أي أن أحداثها مستمدة من الواقع المعيش لسكان الحي. والواقعية التي استخدمها الكاتب واقعية نظيفة ليس فيها هبوط أو استخدام ألفاظ رديئة تجرح مشاعر المتلقي، كما نرى في إبداع بعض الأدباء من إسفاف وخروج عن الذوق مما يفسد الجانب الفني والخلقي. أما حسني لبيب، فقد استخدم الواقعية النظيفة التي تفيد المتلقي فنيا وخلقيا.
    8. نلاحظ أن الكاتب حسني لبيب يضع نصب عينيه المتلقي، فهو ملتزم، فلا نجد في الرواية وصفا خارجا جارحا، ويبدو ذلك في التالي: "يدخل فتحي المسرح، ويرى الراقصة العارية، عندما وصل إلى بيته، ماذا فعل؟ هل سلك سلوك الشباب الطائش؟ لم يفعل ذلك، بل تصرف تصرفا عاديا.. "حضن المخدة كما فعل عبد الحليم حافظ في فيلم "الوسادة الخالية". كما أن الكاتب لم يستغل هذا الموقف في وصف جنسي يداعب به غرائز الشباب، ويرجع ذلك إلى رفضه هذا حماية للشباب واحتراما لأمانة الكلمة، والتزاما بالخط الخلقي الذي التزم به..
    9. لم يحقق أهل الحي أحلامهم أو بعضا منها، ولكن لم يسدّ الطريق عليهم، فهو كعادته يؤمن بالمستقبل الذي سيحمل تفاؤلا وأملا جديدا يضئ الأفق.
    وتساءل محمد حجاج حول نقطتين: هل هي رواية تسجيلية؟ هناك وقائع تاريخية تم تسجيلها، جغرافيا وتاريخ إمبابة، وحادثة وقوع التروللي في النيل.. وتفاني العالم الأثري محمد نافع في عمله، وحادث عزل الشيخ الباقوري، وإعدام سيد قطب، وإنشاء مدينة العمال بإمبابة، وعودة سعد زغلول من أوربا.
    وألقى عبد الناصر العطيفي دراسة حول الرواية. وألقيت بعض المداخلات من مديحة السعداوي وفايز جعفر وزينب عويس، وغيرهم.
    وختم حسني سيد لبيب اللقاء بكلمة شكر للجميع، فقال: "أولا أشكركم على حضوركم الندوة وعلى الكلمات الجميلة والناقدة التي استمعت إليها. نحن نكتب وليست هناك كلمة نهائية في الفن. هناك وجهات نظر وهناك تضاد واتفاق، ولكني هذه الليلة سمعت الكثير من الإطراء على الرواية.
    وفي الختام سأل محمد علي عبد العال: ما الذي جعلك تكتب هذه الرواية؟
    أجاب حسني: كتبتها بحكم انتمائي للمكان.
    * * *
    أما الندوة الثانية المنعقدة في 18 فبراير 2008 بجمعية رابطة الأدب الإسلامي، فقد أدارها الناقد الأستاذ إبراهيم سعفان. وشارك فيها: د. عبد المنعم يونس "رئيس الرابطة"، محمد علي عبد العال " رئيس رابطة الأدب الحديث"، نوال مهنى، عماد الدين عيسى، الشاعر محمد حافظ، إسماعيل بخيت، حسين عبد العظيم، جمعة محمد جمعة، وقد أثنى رئيس الرابطة على الرواية، لا سيما ما تتضمنه من معان وقيم، وهنأ مؤلفها على ما بذله من جهد.
    وألقى الشاعر الكبير إسماعيل بخيت قصيدته "ثريات مذابة" يثني فيها على فن القص عند حسني لبيب. نجتزئ منها هذه الأبيات:
    لبيبُ القصِّ .. مشهودُ المَثَابـهْ .:. روائعُ قَصِّهِ تُعْلِـي انتسابَـــهْ
    لفنِّ القَصِّ..حيثُ القصُّ يَحْلُو .:. وحيثُ الفَنُّ يمنحنــا لُبَابَــهْ
    صفا أسلوبُهُ .. وسَمَــا يراعًـــا .:. تَجَلَّتْ فيه معجـزةُ الكِتَابَــهْ
    وكم من مُعْجِزَاتٍ كُــنَّ غَرْسًــا .:. لأَفْذَاذِ البيـان ذَوِي النَّجَابَــهْ
    وفي كلمة الشاعرة نوال مهنى، تحدثت عن المسيرة الإبداعية لحسني سيد لبيب،وإنتاجه الغزير في مجال الإبداع والنقد. وركزت في كلمتها الضافية على تسليطه الأضواء على كتابتها الشعرية، وله في هذا دراسات عديدة.
    وفي كلمة الشاعر محمد حافظ قال عن السرد بصفته مقوما من مقومات الرواية: "سرد حسني سيد لبيب أحداث روايته في سهولة ويسر بلغة سهلة تشي بالشئ ولا تفضحه، اعتمد فيها على الجمل القصيرة التي هي أشبه بتلغرافات سريعة أسقط من بينها في مرات عديدة حروف العطف مما أضاف نوعا من الإثارة والتشويق، وإن كنا في كثير من الأحيان نتوقف لمعرفة عودة الضمائر والشخصية المتحدث عنها، فمثلا في المشهد 23 ص 129، نجد السرد يتجه إلى وصف الأثاث الذي يحتويه بيت الحاج فريد والد نرجس، وتلك طبيعة في أي صاحب مهنة يلفته كل ما يتعلق بمهنته، ولأن مصطفى عمل في ورشة أبيه، وأحب النجارة فجاء السرد منصبا على الأثاث. ولقد كان بارعا حيث استطاع أولا أن يضع اللمسات الأولى لمسرح الأحداث ثم يستدرجنا مع شخصياته في خلق نوع من الصدام الهادئ يقدم خلاله كل واحد مشكلته في الحياة، وتدريجيا تتلاقى الشخصيات وتتصارع وتتشابك مصائرها. كل هذا يعطينا انطباعا بوشك اندلاع كارثة قاصمة فجاءت نكسة يونيو 67، ثم يستمر بنفس الحبكة تدريجيا للوصول بنا إلى لحظة الأمل والنور التي تعيد البسمة من جديد".

  6. #6
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب: دراسة تحليلية

    بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
    ....................

    (1)
    يصحبنا اليوم في هذه الرواية القاص المبدع الأستاذ حسني سيد لبيب في رحلة ممتعة تستكشف قطاعا مهما من قطاعات المجتمع المصري عاشه القاص بوعيه وأحاسيسه ومشاعره وأبعاده الفكرية، محاولا أن يرصد هذا القطاع بكل ما له وما عليه ؛ وقد جاءت هذه الرحلة في أحدث ما أبدع الروائي الكبير "نفق المنيرة"؛ وهكذا يرى القارئ أن القاص يسجل لنا في هذه الرواية سيرة شعبية متكاملة لهذا القطاع الذي ارتبط بهذا النفق في المرحلة المتأخرة ، وقد امتدت هذه الرحلة على مدى زهاء ثلاثمائة صفحة، كان حريصا على أن يكشف لنا فيها جوانب متعددة من حيوات شخوصه وأبطال روايته. وقد حرص القاص منذ البداية على تحديد شخصية هذا " النفق"، وأبعاد المكان الذي دارت فيه أحداث الرواية مما يكشف عن أهمية المكان الذي اختاره عنوانا لروايته، كما كشف عن أبعاد الصلات المتنوعة بكل ما يسودها من تشابك وحميمية، أو تنافر وتضاد، والتي تربط ما بين شخوص الرواية؛ وقد استغرق هذا الجانب صحفا عديدة سجلت طرفا من ذكريات النفق المخزونة في ذاكرة بطل الرواية "حمزة" صاحب "الغرزة" التي اتخذها في زاوية من زوايا النفق . وقد غدا حمزة أشبه بالمؤرخ الذي يختزن كما هائلا من معلومات النفق وحكاياته وأخباره وعلاقات السكان الذين يرتبطون به. ومن هنا يمكننا منذ هذه البداية أن نقرر أن هذه الرواية ليست رواية شخوص وأحداثهم وعلاقاتهم بكل أبعادها وتطوراتها، بل هي رواية تشخيصية لهذه النفق الشامخ القابع في قلب القاهرة القديمة.
    وأول ما يكشف القاص عنه من أبعاد شخصية المكان "النفق" الأسماء والنعوت التي ارتبطت به؛ فهو "الجسر أو النفق كما اعتاد الناس أن يطلقوا عليه ، وتحديدا يشير إليه المارة من أهل المنطقة قائلين: "نفق المنيرة"، أو يختصرون الاسم إلى "النفق"؛ أما الوافدون من خارج المدينة ، فقد يسمونه: نفق إمبابة". وهو جسر تعبر فوقه القطارات الذاهبة والقادمة من الصعيد ؛ ثمة فرع عند بشتيل يتجه إلى الخطاطية وكوم حمادة في الوجه البحري ". /7 كما يلتفت القاص إلى جانب أو مظهر آخر من مظاهر وجوانب شخصية النفق من خلال ارتباطه بشخصية حمزة / البطل، الذي يرجع به إلى مرحلة النشأة على أيدي آبائه وأجداده ـ والد جده ـ منذ عشرات السنين ليحدثنا عن مشاركة هؤلاء الآباء والأجداد في أعمال الحفر لخطوط السكة الحديدية مع زملائه من عمال التراحيل / اليومية.
    وإذا كان ارتباط آبائه وأجداده ، أو قل والد جده بهذا النفق من خلال بنائه ومدّ خطوط السكك الحديدية أو قضبانها ، فإن ارتباط حمزة / الابن ، به يأخذ منحى آخر خاصا ومتميزا من خلال تلك الغرزة التي ابتناها من الخوص والخشب في موضع قريب من مدخل النفق لتكون مقهى يتردد عليه عمال التراحيل والمزارعين والبائعين الجوالين الذين يترددون على المنطقة المتوسطة بين الريف والمدينة للارتزاق ..
    كذلك لا ينسى القاص تلك العبارات التي كتبت على جدران النفق وما تحمل من إشارات تاريخية مهمة خاصة فيما يتصل بحرب بورسعيد سنة 1956 " العدوان الثلاثي على مصر " ، وكذلك الرصاصة التي استقرت في فخذ حمزة في أثناء تلك الحرب ، والتي ما تزال آثارها تغريه بين الحين والحين للكشف عنها وإطلاع الآخرين عليها إحساسا بما تركته من ذلك الوشم الذي يثير في نفسه قدرا ظاهرا من الفخر والاعتزاز والانتشاء !
    أما أحداث الرواية فيبدو أنها تدور في الفترة التي سبقت حرب 1967 ، ثم واكبتها دون أن تقف عندها وقفة مناسبة بصفتها ذات أثر بالغ الخطورة والأهمية في الحياة المصرية والعربية في هذه المرحلة ، حيث لم يذكر من أخبارها وأحداثها غير حكاية وصية مصطفى التي حملها رفيقه في الجبهة لزوجته بعد استشهاده . ومن هنا يستطيع القارئ أن يخمن الفترة التي وقعت فيها أحداث الرواية ببضع سنوات هي فترة الدراسة التي قضاها الشخوص في أواخر المرحلة الثانوية والجامعية فقط ؛ وما جاء مخالفا لذلك فهو من أثر الاستذكار والاسترجاع .
    وتتواصل مسيرة الملامح المميزة لشخصية " النفق " قديما وحديثا حيث يسترسل الكاتب في سردها وعرضها مستغرقا عدة صفحات من روايته (7 ـ 11) ، ثم يأخذ في عرض أحداث روايته ، أو قل شخوص روايته الكثيرة جدا والتي جعلت الرواية مجرد مجموعة من الفصول المتناثرة التي لا تجمعها أحداث عامة مشتركة ، حيث ارتبط كل شخص من شخوصها بحدث أو أحداث خاصة به لا تكاد تتصل بغيره اتصالا يؤكد وحدة الحدث والاشتراك فيه ، وإن لم يحرص الكاتب على إفراد فصل لكل شخصية من شخوص روايته يسرد فيه أحداثه وتطوراتها منذ البداية وحتى النهاية ، وإنما حرص على تشتيتها وبعثرتها في أنحاء الرواية وفصولها الكثيرة (51 فصلا) وهكذا نتبين أن الحبكة العامة في الرواية أو الحبكة الكلية للحدث المشترك بين الشخوص مفقودة لأن القاص تحول عنها إلى وحدة الحدث الخاص بكل شخصية من شخوصه ، ولم تكن وحدة عامة مستقلة وشاملة للرواية كلها بكافة شخوصها الذين يقومون بأدوار مستقلة في إطار الحدث الكلي العام للرواية .
    وقد كان هذا الأمر دافعا إلى تشتت ملامح الحبكة الروائية أو الوحدة الموضوعية للرواية على نحو ما سنرى ؛ وهذا ما جعل الرواية أشبه بفصول أو مذكرات ترتبط بشخوصها حيث يأخذ القاص في سرد أحداث بعضها ، ثم سرعان ما يتحول إلى غيره ليعرض طرفا من مشهد آخر من مشاهده وأحداثه ، ثم يتحول إلى شخصية ثالثة ليعرض مشهدا أو خبرا أو جزءا من حكايته .. وهكذا .. حتى إذا تذكر الشخصية الأولى كرّ راجعا ليعرض طرفا من فصول حكايته وهكذا دواليك .. ومن هنا تعددت الأحداث والفصول والحكايات في " نفق المنيرة " تعددا واسعا بحسب شخوصها التي أفرد لكل منها حكاية خاصة به فرقها بين فصول الرواية غير حريص على وضعها في فصل مستقل ربما بسبب ارتباط هؤلاء الشخوص ببعضهم وعلاقاتهم المشتركة وإن تفاوتت شخوص روايته تفاوتا واسعا من حيث الأهمية والتميز ؛ فكان منها المتميز الذي قد يرقى إلى مستوى البطولة ، كما كان منها الثانوي الذي لا يرقى إلى هذا المستوى ، وإن غلب هذا المظهر على كثير من شخوص الرواية بطبيعة الحال لكونها رواية مكان مشترك ولست رواية حدث مشترك ، حتى " حمزة " الذي يبدو أنه كان يمكن أن يكون محور أحداث الرواية أو قل حدثها الرئيس ، وإن حاول القاص أن يجعل منه شخصية رئيسة ، كان ارتباطه بأحداث الرواية ارتباطا خارجيا ولا يكاد يتميز عن ارتباط سائر الشخوص بها مما يجعلنا نميل إلى وصف الرواية بأنها رواية شخوص لا رواية حدث، وأنها غير محددة الحدث والشخوص ، بمعنى أنها لا تدور حول حدث محدد يشترك فيه سائر الشخوص، مما جعلها تبدو أشبه بالمذكرات أو الذكريات الخاصة بالشخوص الذين لا يربطهم فيها غير المكان "النفق" أو "نفق المنيرة"؛ ولعل هذا الأمر يذكرنا ربما بأقرب مثال في الساحة الروائية "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني، وكذلك برواية "ليالي ألف ليلة " لنجيب محفوظ وغيرهما كثير ..
    وإذا حاولنا تحديد ملامح الحبكة الروائية في " نفق المنيرة " لنتبين ما يسودها من تمزق أو تنوع وتباين فرضته البنية الروائية لشخوصها وما يرتبط بهم من أحداث مختلفة ، ألفيناها تبتدئ مع " حمزة " وهو يعرض أطرافا من ذكرياته عن النفق ، والغرزة التي اتخذها فيه ، ثم ظهور شخصية " سيد سبرتو" الفتوة الطاغية المستبد ليلتهم ما أعدته له حميدة بنت حمزة من طعام ، ليتحول المشهد من ثم إلى شخصين آخرين من شخوصها هما " فتحي " و" ثروت " في أثناء عودتهما من المدرسة ... وهكذا ...
    ومن ناحية أخرى حرص الكاتب على أن يجعل لكل شخصية من شخصيات روايته فصلا مستقلا ، أو قصة مستقلة لها بدايتها ولها نهايتها انطلاقا مما أشرنا إليه آنفا وقررناه وهو وحدة الحدث والقصة لكل شخصية من شخوص " النفق " وليس وحدة الحدث لسائر الشخوص فيها .
    وقبل أن نعرض لهذه القصص والحكايات الخاصة بالشخوص في الرواية نودّ أن نشير إلى ما يمكن أن يعدّ أهم أحداث الرواية ، أو الأفكار التي ارتبطت بها وهو حكاية الحلم الذي كان يتكرر بشكل لافت ومؤثر في حياة حمزة حينا بعد حين وهو "انهيار النفق"!
    وقد ابتدأ هذا الحلم منذ الفصل التاسع في الرواية حيث رأى حمزة فيما يرى النائم أن جدار نفق المنيرة تشققت أحجاره ؛ (ص53) ويستدعي القاص رؤيا مماثلة وقعت للعالم الأثري محمد نافع الذي كان يقوم بترميم قبة السلطان الغوري فرأى فيما يرى النائم جدرانها تتشقق وتنهار ؛ فهب من نومه فزعا مذعورا ، ونتوجّه إلى القبة ليجدها على حالها !
    وهنا يتبادر تساؤل عن حلم حمزة ، وما إذا كان قد وقع حقيقة على نحو ما وقعت رؤيا محمد نافع، أم أن القاص أراد أن يوظف تلك الرؤيا في روايته توظيفا جديدا ، فاستدعاها على هذا النحو المتميز! وكلا الأمرين جائز وممكن بالنسبة للقارئ ؛ أما بالمنسبة للقاص فقد يكون لديه رأي آخر! المهم أن حلم حمزة بانهيار النفق اتخذه القاص بمثابة العقدة أو الخيط الرفيع الذي يشد أحداث الرواية مذكرا بوحدتها التي سعى إليها حيث وجدناه يتذكر هذا الحلم حينا بعد حين عبر رؤى متكررة تعرض لحمزة في نومه لتقض مضجعه، وتعكر صفو حياته ، فتتكرر محاولاته لفت الأنظار إلى النفق وضرورة العمل على ترميمه لئلا ينهار !
    ونودّ أن نقف مع المشهد الأول لهذه الرؤيا كما قصها الكاتب في لنتبين طرفا من جمالياتها حيث يقول : " أشرقت شمس نوفمبر في الصباح، فتبدد ما رآه حمزة في منامه، كأنه غير مصدق. إنه مجرد حلم يتبدد في اليقظة، فخرج من بيته يتطلع إلى البناء الحجري، ينتصب في أوله وآخره أربعة أعمدة حجرية شاهدا على متانته.. ولشد ما عجب من أمر النفق الذي يتحمل قطارات تزن مئات الأطنان.. تعبر فوقه ليل نهار، فلا يكل ولا ينهار. سار بطول النفق من بدايته إلى نهايته.. توقف لحظات يتحسس بكفيه الجدار السميك. لم يلحظ تشققات ولا وجد كسرا. لا شيء يعتور النفق. بدا أمام ناظريه سليما معافى. ما رآه في المنام كذب في كذب. هاهي الحقيقة ناصعة ساطعة سطوع الشمس الدافئة في نوفمبر. إذن هو الحلم وإرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام.. قد تكون الحاسة السادسة تُري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب. تريه ما لا يراه بعينيه، ما لا يطوف بخياله" (54)
    ويحاول أحد شخوص الرواية " فتحي " تأويل الرؤيا بأنها ط ردّ فعل لكارثة التروللي باص الذي وقع في النيل ظهر الاثنين الأول من نوفمبر سنة 1965 " وما كان لها من آثار بالغة في نفوس الناس .(35) وهو تأويل يمكن أن يكون مقنعا لواقعيته وآثاره النفسية البالغة، وإن لم يقتنع به حمزة أو قل القاص نفسه لسبب آو لآخر لم يكشف عنه، وأبقاه قيد الاحتمال والتأويل ؛ وقد يمكن أن يكون بتأثير من رؤيا العالم الأثري محمد نافع حرصا منه على توظيفها في هذه الرواية في وضع مشابه إلى حد ما ، مما جعله يكرر مشهد الحلم في أكثر من موضع من الرواية : (الفصل 13 ، ص 77 ، الفصل 16 ص 91).
    وإذا لم تستمع الحكومة لصرخات حمزة ، ولم تستجب لتوسلاته بترميم النفق وإضاءته ، فقد بادر هو إلى ترميم الغرزة ليتخلص من وطأة هذا الكابوس المرعب ؛ (125) وبالفعل لم يعد يرى هذا الكابوس مرة أخرى ؛ وقد كان هذا التحول مصاحبا لتحول جذري آخر في حياة ابنته حميدة التي بدأت تظهر عليها أعراض الحمل بعد تأخر مثير للقلق استمر سنوات طويلة من الصبر والانتظار (149 وما بعدها).
    وهكذا استردّ النفق عافيته ، وكاد حمزة أن يتخلص من ذلك الكابوس الرهيب ! (157 ) ولكن يبدو أن هذا الكابوس كان يلاحق حمزة كلما ألمت به مصيبة أو محنة ، أو حلّ به سوء أو شرّ ، (224 ـ 225) بل إنه فسره بمرض حميدة ؛(259) ، حتى إذا قضت نحبها بعد الوضع عاوده الكابوس من جديد (270).
    أما التأويل الأخير لهذا الكابوس فكان في أعقاب نشوب حرب 67 وما أسفرت عنه من مآس مفجعة عبر عنها حمزة بقوله : " خفت على نفق صغير ، ولكني لم أتوقع هذا الزلزال يصيب مصر كلها"! (290).
    وإذا تركنا حكاية النفق وانهياره في رؤى حمزة ، لقيتنا حكايات أخرى للشخوص الذين حشدهم القاص في الرواية دون أن يكون لها أدنى ارتباط فيما وراء ارتباطهم المكاني بالنفق الذي يجمعهم كما يجمع سائر الناس الذين يقيمون في المكان أو يترددون عليه بين الحين والآخر؛ وقد كان يمكن القاص استدعاء شخوص آخرين وراء من ذكرهم ليرصد أطرافا أخرى من ملامح وجودهم وسيرهم وأخبارهم وسلوكياتهم المتباينة مما يمهد لطول ظاهر في الرواية، وسرد لأحداث وحكايات أخرى تتعلق بأولئك الشخوص لو أراد القاص حيث إن الحبكة الروائية لا ترفض ذلك بل تسمح به ما دامت الحبكة تدور في فلك القصة القصيرة أو الحكاية الخاصة بكل شخصية من شخصيات الرواية لاعتبارها شخصية رئيسة أو محورية، أو على الأقل مستقلة عن غيرها ولا ترتبط معها في الأحداث.
    ومن يتأمل شخوص هذه الرواية " نفق المنيرة " يجد لكل شخصية من شخوصها حكاية خاصة أو حدثا خاصا بها له بدايته وله نهايته ؛ وهذا يعني أن الكاتب كان يمكنه جمع هذه الأحداث والحكايات في أطر مستقلة ، أو مواضع خاصة لكل شخصية منها ؛ ولكنه فيما يبدو آثر إضفاء سمة الروائية عليها ، فوزعها هذا التوزيع الواسع ، أو قل التشتيت أو البعثرة غير المنطقية ، أو المجردة من التسويغ والتبرير ؛ ومن هنا فإننا سنقوم برصد أبعاد حكاية كل شخصية من شخصيات الرواية لنتبين ما اعتورها من تشتت وتمزق . وقد سبق أن أكدنا أن جميع شخوص رواية " نفق المنيرة " ثانويون بعد أن اعتبرنا الرواية رواية مكان لا حدث حيث انعدم الحدث الموحد فيها والذي يجمع سائر شخوصها المشتركين في صنعه وتطويره لبلوغ الذروة أو لحظة التوير أو النهاية الطبيعية ؛ وفي ضوء الوضع الراهن يمكننا أن نعدّ كل شخصية من شخوصها محورية ورئيسة بالنسبة لحدثها الخاص المرتبط بها ؛ وهذا يدفعنا إلى محاولة الوقوف عند الحدث الخاص بكل شخصية من شخوصها لنرصد أبعاده وتطوره وما ارتبط به من أحداث الرواية.
    (يتبع)

  7. #7
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    (2)
    أما أول الشخوص التي كان لها ظهور متميز في الرواية بحيث يمكن أن يرتقي بها إلى مستوى "المحورية " إلى حد ما شخصية حمزة أقدم الشخوص وأوثقهم ارتباطا بالنفق خاصة ، والمكان عامة ، وكذلك ارتباطا بالشخوص الآخرين من خلال معرفته بهم ولقائه الدائم معهم ، ووجوده بين ظهرانيهم ؛ وكل هذا من مظاهر الحياة الاجتماعية العامة التي يشترك فيها سائر شخوص " النفق " خاصة ، وكافة أبناء المنطقة عامة . وواضح أن هذا شيء والاشتراك في الحدث الروائي الخاص وتطوره ونهايته ـ وهو أمر مفقود في الرواية التي بين أيدينا ـ شيء آخر؛ وهذا ما دفعنا إلى وصف الرواية بأنها أشبه بالمذكرات أو الأحداث المتنوعة المستقلة التي يخص كل حدث منها شخصية مستقلة عن الآخرين دون الاشتراك في حدث واحد ومتطور ومنها. حتى شخصية حمزة التي ذكرنا أنها قد تبدو للقارئ رئيسة ومحورية، هي في الحقيقة لا تتميز عن غيرها من شخوص الرواية لكونها مرتبطة بحدث خاص بها، مستقل عن غيره من أحداث الشخوص الأخرى. وتبدأ مسيرة الحدث في الرواية مع شخصية حمزة من خلال ارتباط آبائه وأجداده بالنفق عند إنشائه منذ عشرات السنين ، ثم تتوالى أحداثها ، أو قل أحداث حياة حمزة عبر علاقاته المتنوعة بزبائن الغرزة وأبناء الحي الذي يقيم فيه ؛ وهي علاقات عادية وغير مؤثرة في طبيعة الرواية وتطور أحداثها وتصعيدها وبنيتها الفنية والموضوعية على السواء ، وإن ساهمت في تصعيد مشكلته الذاتية بطبيعة الحال بصفته شخصية مستقلة من شخوص الرواية ؛ وهو ما حرصنا على تأكيده فيما مضى . ومن تلك الأحداث الخاصة في حياته ذلك الجرح الذي خلقته إصابته برصاصة في فخذه إبان حرب 56 ، واعتزازه البالغ بهذا الوسام؛ حتى إذّا كانت نكبة 67 عاد الكابوس الذي أقض مضجعه بانهدام النفق وانهياره ليشارك في تأويل الهزيمة! ومن هنا يمكن اعتبار هذا الكابوس من أهم وأبرز ملامح شخصية حمزة الروائية ، وأبلغ المظاهر الدالة عليها؛ كذلك رأينا ارتباط هذا الكابوس بمشكلة حميدة بنت حمزة وزوجها جابر المتمثلة في تأخر الحمل، وعند بدايته وإلى حين الوضع ثم الوفاة على نحو ما مر بنا (ص ص 49..، 78..، 257 وما بعدها) ويلاحظ أن هذا الكابوس كان يظهر في حالات الشدة، ثم يختفي في حالات السعادة والفرح! وكأن القاص هدف من وراء ذلك إلى إيجاد رمز دال على هذه الأحوال من خلال الكابوس!
    كذلك يرتبط الكابوس أو النفق عموما بشخصية أخرى من شخوص الرواية هو "ثروت" الفاسق الماجن ، حيث يكشف لنا القاص مظاهر الانحراف الخلقي في هذا الشخص منذ الصفحات الأولى من الرواية ، وكذلك عند تأزم الموقف أو العلاقة ما بينه وبين حمزة (91، 103) وما نجم عن ذلك من تدبيره مكيدة للانتقام من حمزة (139) واكتشاف فتحي لذلك (142 ، وانظر 169) ثم علاقته الآثمة بعزيزة ومأساتها التي أحدثها لها (203، 258).
    وتلقانا شخصية فتحي صديق ثروت من خلال علاقة الحب التي كانت تربط ما بينه وبين ليلى بنت الجيران ، وارتكابه تلك الحماقة التي جنت على هذا الحب بكتابة رسالة إليها على لسان أحد الجيران لتتزوج من كويتي ترحل معه إلى وطنه. على أن هذه الرسالة كانت تمثل بداية التحول في شخصية فتحي وسلوكه وحياته عموما (64 ـ 76) ثم يقف القاص عنده وهو يدخل في تجربة عاطفية جديدة مع فتاة مسيحية "مارسيل" بنت الأستاذ الذي كان يتلقى دروس الفرنسية على يده، وتستمر على مدى عدة سنوات، وكانت تمثل فكرة الانفتاح الديني في مسألة العلاقة بين المسلمين ولنصارى وتكريس مبدأ حرية العقيدة بالنسبة للفتاة عندما تقدم على الزواج من مسلم (163 ، 214، 234)، ثم قطع هذه العلاقة بينهما بسبب ما واجهت من مشكلات في أثناء المحاضرات المشتركة وما انطوت عليه من مضايقات بالغة (247.. ، 256.. ، 264..، 275...).
    على أن هذه العلاقة الحميمة مع مارسيل لم تمنعه من خوض تجربة عاطفية عابرة مع الممرضة ناديا في أثناء نوبة الحمى التي ألمت به . (172).
    أما على الصعيد السياسي، فقد كان فتحي يمثل أنصار السلطة المؤيدين والموالين للحكم أو النظام بخلاف " أمين" الذي كان يمثل الوجه الآخر أو تيار الرفض والمعارضة للنظام .(85وما بعدها) ، وإن كان ظهور أمين في الرواية محدودا جدا وهامشي إلى حد بعيد ..(16، 30، 173)
    أما "مصطفى" الذي يمكن أن يعدّ شخصية روائية واضحة القسمات والأحداث ، ويعدّ بحق من أبرز شخوص "النفق"، والذي يشبه إلى حد بعيد " فتحي" في علاقاته العاطفية الواسعة ، فقد كان يمتهن في البداية صبغ الأحذية وإصلاحها، ثم تحول على النجارة في ورشة أبيه ؛ وقد كانت له علاقات نسائية كثيرة حاولت أخته لأبيه "سعاد" التي كانت أشهر ضحايا مأساة التروللي الغارق في النيل أن تحدّ منها بشكل ظاهر، وكانت تلومه على نزواته الطائشة رافضة هذا الأسلوب في علاقاته العاطفية، وتدفعه إلى التخلص منه خصوصا عندما بدأت علاقته بنرجس صديقة سعاد تأخذ منحى آخر خصوصا وأن سعاد اختارتها له لتكون "زوجة لا نزوة" (88) وكانت صدمته لغرق سعاد بالغة الأثر تمكنت من تغيير جذري في شخصيته وسلوكه وحياته عامة حيث سادها أثر ديني عميق .(70ـ72)، كذلك كان لمشكلة القبض على الشيخ محمود أثر بالغ في سلوك مصطفى تحول إلى أزمة حادة أضافت إلى حزنه بفقد سعاد حزنا آخر (84..) ، ويلقانا مصطفى في فصل آخر في بيت الشيخ محمود بعد الإفراج عنه وفرض الإقامة الجبرية عليه في بيته ومنعه من إمامة المصلين في المسجد (96..) وقد بدا الشيخ متخوفا عليه من هذه العلاقة عندما تلاحقه السلطة ..(98) ويتواصل التغيير في أبعاد شخصية مصطفى وملامحها فيخطب نرجس ويتزوجها _109 ، 127، 129، 137، 211، 223..) حيث تحين نهايته في حرب 67 ويكون مصطفى أحد شهدائها حيث حمل أحد زملائه: "إسماعيل" إلى زوجته نرجس لفافة من مصطفى بعد استشهاده تحتوي على ذبلة الزواج ومصحف وبطاقة هوية ومحفظة نقوده وغيرها من الأوراق، ورسالة سريعة كتبها إليها قبيل استشهاده عبر فيها عن أمله في العودة إليها منتصرا أو شهيدا ..(288).
    ومن خلال هذا العرض لأطراف من حياة مصطفى نرى أن شخصيته احتلت مساحة ظاهرة من الرواية مما أضفى عليها مسحة فنية خاصة كان يمكن أن يتحول بها القاص إلى شخصية روائية رئيسة ومحورية لو أراد، ولكنه آثر الاستمرار في نمطية البناء الفني لروايته القائم على الحكاية الذاتية الخاصة لشخوصه المتجردة من الحبكة الكلية المشتركة، ولم يتحول منه إلى البناء الفني القائم على وحدة الحدث أو الأحداث التي يتحرك الشخوص في إطارها على نحو ما قررنا.
    على أن أهم ما يمكن أن يميز شخصية مصطفى وحكايته في "النفق" إمكان تحولها إلى رواية ذات فصول لوفرة أحداثها وتنوعها وإمكان توافر العقدة والحبكة لها، وكذلك روعة النهاة المفجعة التي رسمها القاص لها.
    ويلقانا من بعد مصطفى ونرجس من شخوص "النفق" شخصيتان تمثلان مظهرا اجتماعيا متميزا يقوم على البلطجة والفتونة وهما "سيد سبرتو" و"عتريس"؛ أما الأول "سيد سبرتو" فهو كبير فتوات المنطقة، المتحكم في كافة رجالاتها أمثال حمزة وحميدة وجابر وتوفيق الذين اعتادوا تقديم الطعام والشاي وغير ذلك من المشروبات له بالمجان، وغير ذلك من الخدمات. وواضح أن هذه الشخصية كانت تمثل نموذجا شائعا في الأوساط الشعبية المصرية، وكانت تعيش على السطو والإتاوات التي يبتزونها من الآخرين بحجة حمايتهم والدفاع عنهم ضد الفتوات الآخرين! والويل كل الويل لمن يحاول الرفض أو التمرد والامتناع عن تحقيق مطالبهم (11) ومما يلفت النظر أننا وجدناه يتباهى بشهامة بالغة يوم كارثة التروللي حيث امتنع عن أخذ الإتاوات في ذلك اليوم المشؤوم وفي اليومين التاليين أيضا، بل إنه منع رجاله من فعل شيء خارج على القانون! والغريب في الأمر أن هذا الفتوة الطاغية برغم أخذه الإتاوات من الناس فإنهم يدركون مبلغ حاجتهم إليهم لحمايتهم من بطش الأشرار واعتداءاتهم، والذود عن شرفهم ودفع المكائد عنهم، حتى إنهم بدؤوا يتقربون إليه حين يفتقدون الأمان ما دام يقف ضد السرقة وما يمس العرض والشرف، ويعتمد عليه في أوقات الشدة والملمات ..(208 ..)
    وهكذا يتحول الفتوة في هذا الوسط الشعبي إلى نصير للمظلومين يدفع عنهم ما ينزل بهم من ظلم الآخرين، ويحميهم من عدوان المجرمين.
    على أننا نجد هذا الفتوة "سيد سبرتو" من خلال علاقته بـ "عويس" يبرز مظهر الإتاوة الجبرية عندما ألجأه إلى غرزة حمزة ليبيت عنده فيها نظير ريال يأخذه منه عن كل ليلة؛ وكانت البداية عندما احتاج حمزة إلى من يساعده في ترميم الغرزة ؛ وقد قام عويس بها العمل على أكمل وجه لتتواصل إقامته في الغرزة برغم إنجازه الترميم وبرغم أنف حمزة .. بيد أن هذه الإقامة الجبرية سرعان ما حظيت بالرضا والقبول بعد حمل حميدة .. ويسرد القاص حكاية عويس في القرية التي كان يعيش فيها "ميت نما" حيث كانت زوجة أبيه تسيء معاملبته وتقسو عليه فقرر الفرار من القرية إلى القاهرة يفترش الأرصفة والطرقات، ويعيش مع المشردين والخارجين على القانون (59 ، 195) ؛ كذلك يظهر عويس إبان مشكلة عزيزة مع ثروت حيث تدفعه النخوة والشهامة إلى إعلان رغبته في الزواج منها سترا للفضيحة بعد أن أبدى عزمه على الانتقام من ثروت لجريمته النكراء ..(279)
    أما الشخوص النسائية في رواية "نفق المنيرة"، فلعل أبرزهن شخصية عزيزة الشغالة الشحاذة التي التقاها عويس وعطف عليها وتوسط لها للعمل في بيت ثروت، ولكنها هربت عندما حاول الاعتداء عليها، مما دعاه إلى اتهامها بسرقة المجوهرات، وقد جهد عويس كثيرا في البحث عنها حتى عثر عليها لرد ما سرقته، وأكدت له براءتها من هذه التهمة ، وعزمت على الانتقام من ثروت ، ولكنه تمكن من الاعتداء عليها لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها يسودها الضياع والتشرد حتى تمكن عويس من العثور عليها .. ثم قررت الانتحار للتخلص من الفضيحة التي سببها لها ثروت.
    كذلك تظهر "سعاد" كشخصية نسائية متميزة كانت على موعد مع القاص ليجعل منها شخصية رئيسة في الرواية لولا أنه تعجل نهايتها في حادثة التروللي الغريق .
    وكذلك سائر الشخوص النسائية في الرواية أمثال نرجس وليلى وحميدة ومارسيل التي كادت أن تكون شخصية روائية متميزة، وكان لها حضورها واستمرارها ومارست دورا مهما فيها إلى أن انتهت قصة حبها بالفشل؛ فضلا عن سائر الأمهات اللاتي ذكرن في الرواية وخصوصا عمة فتحي التي بدت كشخصية نسائية متميزة من خلال علاقاتها الحميمة ومساعداتها المادية لأقاربها.
    ووراء هذه الشخوص الظاهرة ذات الوجود الروائي المتميز في "النفق" تلقانا شخوص أخرى مرت مرورا سريعا وعابرا منها والد فتحي ووالدته وإسماعيل رفيق مصطفى في الجبهة وحامل وصيته إلى نرجس، وصديق مصطفى الآخر "رأفت"؛ ومنها في إطار الفكر الإسلامي الشيخ محمود الذي كان يشتبه فيه بأنه من جماعة الإخوان المسلمين ، وهو شيخ جليل متعمق في الدين ، يؤم الناس ، وخلفه إمام جديد ، كما قبض على سيد قطب من قبل منذ أربعة أشهر، وهم ناشطون في القبض على رفاقه وكل من له صلة بجماعة الإخوان؛ المهم أن صدمة مصطفى بسبب القبض على الشيخ كانت من الشدة بحيث تعدل صدمته بوفاة أخته سعاد! ومهما يكن فقد فرضت على الشيخ اٌلإقامة الجبرية في بيته وعدم مغادرته لإمامة المسلمين في المسجد .. ثم أفرج عنه .. ثم ظهر للمرة الأخيرة في أعقاب نكبة حزيران مقررا أن هذه النكبة إنما هي بسبب بعدنا عن كتاب الله وسنة نبيه الكريم (ص) (289)
    ويلقانا شيخ آخر في آثار مأساة مصطفى بفقد سعاد ليعطيه كتيبا فيه سورة ياسين ، ويوصيه بقراءتها عدة مرات ، ويلقي عليه درسا دينيا ، ويتلو عليه آيات ابتلاء المؤمنين ، ويفسرها، كما أعدّ خطبة عن الصبر في القرآن الكريم والسنة المطهرة ..(72)
    وعلى هذه الشاكلة جاءت حركة لشخوص في رواية "نفق المنيرة" ما هو منها رئيس أو فعال ومؤثر في حركة الرواية ومسيرتها، وما هو ثانوي، وإن كانت كافة شخوص الرواية كما قررنا آنفا لا تتجاوز نطاق الثانوية لعدم اشتراكها في حدث الرواية الرئيس الذي خلت منه الرواية حيث كان لكل شخصية منها حدثها الخاص بها ؛ ومهما يكن فقد تجلت عناية القاص برصد ملامح شخوصه من خلال الأدوار التي أسندها إليهم في الرواية ..
    (يتبع)

  8. #8
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    (3)
    الأبعــاد السياسيــة والوطنيــة في الرواية:
    تبينت لنا فيما سلف من الدراسة مختلف الأبعاد الاجتماعية التي شاعت في الرواية أو قل قامت عليها، وهي الأبعاد الرئيسة التي حرص القاص على رصدها فيها بطبيعة الحال؛ وقد جاءت هذه الجوانب الاجتماعية واسعة و متنوعة بحسب حالات الشخوص الذين عرض لهم، وطرح أطرافا من حيواتهم وسيرهم الذاتية ومشكلاتهم الاجتماعية والنفسية.
    كذلك حرص القاص بشكل أقل مما سبق على رصد بعض الجوانب الأخرى التي ساهمت بفعالية في تشكيل حركية الأحداث في الرواية، فضلا عن الانفعالات والخلجات النفسية والهواجس الخاصة، منها الأبعاد السياسية والوطنية التي عاشها الكاتب وعالجها من خلال شخوصه الذين يمثلون المرحلة الراهنة بكافة إيجابياتها وسلبياتها، وإن لم يحرص على رصدها كاملة أو شبه كاملة، بل حرص على مسها مسا رفيقا دون أن يغوص في أعماقها ليكشف عن أبعادها وآثارها وتأثيراتها الواسعة في المجتمع لسبب لا نريد أن نتكهن به ..
    ومن هذه المظاهر السياسية والوطنية التي كان لها وجود في الرواية الإشارة السريعة أو الخاطفة إلى حرب السويس 56 من خلال الرصاصة التي استقرت في فخذ حمزة وخلفت جرحا وأثرا ظاهرا لا يزول، ومشكلة إحساسا ضخما بالانتماء الوطني والاعتزاز بالمشاركة في الدفاع عن الوطن .. وقد كان حمزة جد حريص على اهتبال كل فرصة ومناسبة للإشارة إلى هذا الأثر أو الوسم الوطني المتميز..(85..، 147..)
    كذلك يظهر القاص حمزة وفتحي من أنصار جمال عبد الناصر ومؤيديه الذين يعتبرونه بطل العروبة والانتصارات، صاحب الخطب السياسية الحماسية الملتهبة ، وعباراته الرنانة التي كانت تتردد في آفاق الوطن منذ حرب السويس، وفي حرب يونيو، وكذلك حرصهم على الاشتراك في المقاومة الشعبية الباسلة في بورسعيد ..(85..) فحب عبد الناصر في نظر فتحي وأمثاله لا يعادله حب حتى لو كانت له بعض الأخطاء لكنها تغتفر لوجه الزعيم الذي أحبه، ولمبادئه التي كان يرددها دائما ودعوته للوحدة العربية، وتصديه للاستعمار، ولكونه نصير الفقراء والبسطاء ... (87)
    وإذا كان هذا هو موقف أنصار عبد الناصر أمثال حمزة وفتحي، فقد كان ثمّ موقف آخر يمثل الرفض والمعارضة لسياسة هذا الزعيم رصده القاص في شخصية أمين الذي بدا في نظر القاص، أو كما احتفظت به الرواية "يعزف عزفا منفردا للحن لا يطرب أحدا"! وكان صاحبه فتحي يتمنى لو تخلص من هذا الموقف الرافض لسياسة عبد الناصر، ولكنه تشبث به، وعدّه قضيته التي لا يتنازل عنها حتى لو انطبقت السماء على الأرض .(86..)
    ومثل هذه القضية لا سبيل إلى تقارب وجهات النظر فيها لما فطر عليه الناس من مفاهيم ومبادئ متباينة وأفكار مختلفة؛ وإذا لم يتفق البشر على توحيد الذات الإلهية، والإيمان المطلق بالله الواحد، فهل يتسنى لهم أن يتفقوا على عبد الناصر أو غيره من رجال السياسة والوطنية، والقادة والزعماء؟!
    كذلك شكلت هزيمة يونيو 67 ملمحا آخر للصراع الوطني والخصومة مع عبد الناصر في الرواية منذ ألقى عبد الناصر خطاب إعلان الهزيمة والتنحية، مؤكدا أن هذه المعركة لن تكون آخر المعارك مع العدو، و"إنها نكسة في تاريخ كفاح الشعب"؛ كما أعلن مسؤوليته عن هذه الهزيمة، ولذلك أعلن عزمه على التنحي عن السلطة .. وما إن أعلن ذلك حتى اندلعت مظاهرات التأييد التي عمت أرجاء القاهرة خاصة وغيرها من مدن القطر وقراه التي كانت أشبه ببركان يندلع فجأة! (288) ويقرن الكاتب الفاضل هذا المشهد بمشهد مماثل وقع لسعد زغلول مستعيرا رأي الأستاذ مصطفى الرافعي الذي يرى فيه ضربا من الانتصار برغم ما ساده من فشل ..
    وواضح أن القاص هنا في هذا الموقف أو الرأي ينطلق من موقف فتحي وليس من موقف أمين وما يسوده من رفض .. وهكذا عاد الزعيم المنهزم إلى السلطة تحت إلحاح الجماهير ودعوتها له لمواصلة المسيرة وتحمله كافة مسؤوليات الحكم في هذه المرحلة لتتواصل المسيرة، وتتحقق الأهداف المنشودة، وعدل عن التنحي وترك زمام القيادة لغيره.
    ويبدو أن القاص أراد أن يحدد زمن الرواية بهذه الفترة الواقعة قبل هزيمة يونيو ببضع سنوات وإلى وقوع هذه النكبة ، ولم يحرص على متابعة الأحداث التي شهدها العهد الساداتي اللاحق ليطلعنا على آرائه فيه، ويطرح طرفا من المواقف الرافضة أو الموافقة من خلال شخوص الرواية، وربما أرجأ ذلك إلى رواية أخرى أو أعمال سردية تالية! "وعند جهينة الخبر اليقين"!.
    ومهما يكن فقد جاء هذا الجانب من الرواية محدودا جدا ولا يتناسب وزخم الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية عامة ومصر خاصة في هذه المرحلة الراهنة بكافة سلبياتها وإيجابياتها؛ وإذا سكت أصحاب الأقلام من الأدباء والمفكرين ورجال السياسة عن كشف السلبيات وطرح الإيجابيات التي ارتبطت بأحداث المرحلة، فمن ذا الذي يمكن أن يتولى هذا الأمر لينير الطريق للسالكين ليتجنبوا السلبيات، ويكرسوا الإيجابيات؟؟!
    ا لأبعـــاد الد ينيـــة في الروايــة:
    لعل هذه الأبعاد الدينية كانت أسعد حظا من نظيرتها السياسية في رواية "نفق المنيرة" برغم حرص القاص على أن يمسها مسا رفيقا هينا لا يتناسب وحرية الفكر التي يجب أن يدافع عنها الأدباء والمفكرون في هذه المرحلة للتخلص من السلبيات المدمرة، وتكريس الإيجابيات التي يعوّل عليها في تغيير الأوضاع ونفي السوء والفساد المستشري في كل الأنحاء ..
    ومن هنا فقد حظي هذا الجانب من الرواية ببعض الإشارات الخاطفة برغم انتشار هذا الجانب الديني في المجتمع بشكل ظاهر ومؤثر إلى حد ما .. فقد أشارت الرواية إلى محاربة النظام الناصري ـ السلطة الحاكمة ـ الإخوان المسلمين، وحملات الاعتقال الشرسة التي وجهت إليهم وأسفرت عن اعتقال نفر من قاداتهم وأشهر الشخصيات الإسلامية أمثال أحمد حسن الباقوري والذي حرص الشيخ الشرباصي على مواصلة زيارته في المعتقل، وإن أعلنت السلطة رضاها عن هذا الموقف وما ينطوي عليه من وفاء نادر في هذا الزمن الرديء ..(79 ،81 ،89 ، 98).
    كذلك أشار القاص إلى قضية اعتقال سيد قطب وإعدامه فجر الاثنين التاسع والعشرين من أغسطس 1966 بتهمة تكفير المجتمع ؛ ويعرض القاص الفاضل هنا طرفا من الآراء المتباينة في هذه القضية ، والدوافع الحقيقية لإعدامه؛ وقد استغرقت هذه القضية جانبا مهما من الرواية لولا خشية الإطالة ، والخروج عن منهج الدراسة لعرضناه بشيء من التفصيل.. ويمكن القارئ العزيز الاطلاع عليه ومناقشته في موضعه من الرواية (187 ـ 191).
    كذلك عرض القاص الفاضل لاعتقال شخصية إسلامية أخرى وإن لم تكن على مستوى الشخصيات السابقة بطبيعة الحال، وهو الشيخ محمود الذي كان مصطفى يكثر التردد على منزله والتزود من علمه بتهمة الاشتباه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين ، وفرضوا عليه الإقامة الجبرية في بيته ومنعوا عنه زيارة أي شخص ؛ وقد جاء ذلك الإجراء عقب اعتقال سيد قطب بأربعة أشهر في إطار مخطط القبض على كافة رفاقه وكل من له صلة بهذه الجماعة ..
    واللافت في هذا الجانب من الرواية موقف مصطفى الأسيان من هذا الاعتقال العشوائي العدواني الذي عبر عنه القاص بقوله: "إن كان موت سعاد أدمى قلبه، فقد ابتلاه الله بجرح ثان بمحنة شيخه الجليل .. "حماك الله وكشف عنا الغمة ، وهدانا جميعا إلى الطريق القويم"!
    أكثر من الصلاة والدعاء ، طفق يرتل الآيات الثلاث من سورة البقرة التي أسهب الشيخ في شرحها له عن ابتلاء المؤمن ! حقا يا شيخنا " المؤمن مصاب ليختبر الله قوة إيمانه " .(84)
    وفي الفصل (17) يرصد القاص هذا الشيخ محمود وقد فرضت عليه الإقامة الجبرية في بيته حيث كان يؤم أهل بيته للصلاة ، وكذلك إصرار مصطفى على زيارته في بيته برغم منع السلطة لذلك حرصا منه على التزود من علمه .. وكذلك المشاركة في نقد النظام في ممارساته الدائمة والمستفزة لجماعة الإخوان .. وحرص الشيخ على سلامة مصطفى عندما طلب منه ألا يزوره مرة أخرى خوفا عليه حتى لا تعتقله السلطة .. كذلك أفرد القاص الفصل (30) للحديث عن إفراج السلطة عن الشيخ محمود وما أضفى من أحاسيس البهجة والسعادة على نفوس مريديه وأصفيائه.
    كذلك رصد القاص الشيخ محمود في مأساة أو نكبة 67 وهو يعلن أسباب هذه النكبة التي ألمت بالأمة من وجهة النظر الدينية التي يؤمن بها الشيخ إذ يقرر " أننا هزمنا لأننا بعدنا عن كتاب الله وسنة نبيّه صلوات الله وسلامه عليه " ! (289)
    ويلقانا الشيخ الآخر الذي خلف الشيخ محمود بعد اعتقاله ليتحفنا القاص الفاضل بفصل ديني رائع يمليه على مسامع مصطفى بصفته ممثل هذا القطاع الشعبي في الرواية منذ تحوله عن أسلوب حياته اللاهي العابث في أعقاب كارثة التروللي وفقد سعاد حيث لقي شيخا أعطاه كثيبا وطلب منه أن يقرأه مرات كثيرة ، وسأله عن سبب حزنه وبكائه الحار ، ثم أعلمه أن المؤمن مبتلى، ودعاه إلى الصبر والدعاء للفقيدة بالرحمة والغفران ، ثم تلا عليه آيات كريمة ـ آيات الابتلاء من سورة البقرة، ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم وأولئك هم المهتدون ) ، ثم انبرى الشيخ يشرحها لمصطفى ذاكرا مناسبتها .. وقد أوحت المناسبة للشيخ بموضوع خطبة الجمعة التالية حيث جعلها على الصبر وجاء فيها : " إن الله جلّ وعلا اختبر عباده المؤمنين في حالات عديدة.. مثل الخوف من الأعداء، والجوع، وقلة المال أو نقصه، أو صعوبة الحصول عليه. اختبرنا في أحبائنا وأصفيائنا، في ذوينا وأقاربنا.. اختبرنا بالموت أو الشهادة في سبيل الله، أو ضحية نازلة أو حادثة.. وما حدث بالأمس القريب ليس ببعيد.. هذه المأساة التي اغتالت أنفسا عزيزة علينا، إنما ابتلانا الله بها ليختبر درجة الإيمان في قلوبنا.. ليختبر قوة احتمالنا.. ليختبر صبرنا.. وإذا كنا نردد القول المأثور بأن المؤمن مصاب.. أفليس ما حدث منذ أيام هو اختبار لقوة احتمالنا وقبولنا بما قضى الله ؟ يا عباد الله اذكروا الله مخلصين طائعين.. يا عباد الله ترحموا على موتاكم.. وادعوا لهم بالرحمة والمغفرة.. وقد توجه الله بخطابه إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليبشره بحسن جزاء الذين صبروا على البلاء من عباده المؤمنين. بشّر رسوله الكريم بأن لهؤلاء الصابرين ما يفرحهم ويسعدهم من حسن العاقبة في الدنيا والآخرة". (72)
    كذلك حرص القاص الفاضل على رصد لعض المظاهر الدينية في الرواية ما وجد إلى ذلك سبيلا؛ ومن ذلك ما ورد على لسان أحد الشيوخ في أثناء الاجتماع في حفل العزاء بضحايا التروللي من أن هذه الكارثة سببها أننا بعدنا عن شريعة الله ، وإن ما حدث غضب من الله سبحانه بسبب القبض على مفكرين إسلاميين ورجال دين " .(39 ـ 40)
    وإذا كان القارئ لرواية "نفق المنيرة" يجد في هذه الإشارات الدينية ضربا من التحسس العميق لهذا الجانب الفكري في الحياة المصرية المعاصرة وظهوره الواضح،فإنه بلمح إلى جانبه حرص القاص على سرد أطراف من مظاهر الشعوذة الشائعة في المجتمع المصري من مثل زيارة الأضرحة والقبور المنسوبة إلى بعض الأولياء، وما يرتبط بها من الدعاء والتقرب إليهم وممارسة كثير من الطقوس المرفوضة وتقديم القرابين والنذور لهم، وغير ذلك مما هو شائع ومشهور في المجتمع المصري خاصة وكثير من المجتمعات العربية الأخرى !(155 .. ، 211..) وواضح أن مثل هذه المظاهر يجب النهي عن ممارستها وضرورة التخلص منها والدعوة الدائمة إلى رفضها وإنكارها ما وُجد إلى ذلك سبيل.
    ا للغــــة وا لأ سلـــوب في ا لروايــــــة :
    الجانب الأخير الذي نودّ الوقوف عنده في هذه الدراسة لرواية "نفق المنيرة" اللغة والأسلوب الذي صاغ الكاتب فيه روايته وسرد أحداثها ووقائعها؛ وقارئ الرواية ـ وسائر إبداعات الكاتب الفاضل ـ يدرك منذ الوهلة الأولى ما يمتاز به أسلوبه ولغته من سلاسة وسلامة ودماثة، وما يتبع ذلك من التصاق حميم بطبقة المثقفين الذين يتعاطون هذا اللون من الإبداع: إبداعا وثقافة .. فقد رقّ الأسلوب وسلس ودمث دماثة بشكل لافت، وإن تعاورته في أحيان كثيرة وجوانب متعددة من الرواية العامية الفاقعة التي لم يحرص، بل لم يحاول الكاتب التخلص منها ربما بحجة الالتصاق بالواقع أو الواقعية التي تفرض الالتحام بالشخوص ورصد تعابيرهم وأساليبهم اليومية المعتادة في الحديث والحوار وما إلى ذلك مما لا حق فيه على الأقل في نظرنا؛ لكونها ليست أكثر من حجة واهية يتذرع بها أعداء الفصحى ودعاة العامية تهبط بالأدب والفن إلى درك سحيق يجدر بالأدباء الجادين المخلصين التخلص منها والحرص على الفصحى البعيدة عن التقعر والتشدق وما إلى ذلك؛ وهكذا نجد أنفسنا ومن قبلنا وبعدنا سائر أفراد الطبقة المثقفة لا نريد أن نهبط بالأدب إلى هذه الهوة السحيقة، كما لا نريد من الأدباء أن يهبطوا بنا إلى هذا الدرك، بل نريدهم أن يرتفعوا بنا إلى مراقي الفصحى البسيطة السليمة.
    ومن هنا فقارئ الرواية يحس حرص الكاتب الفاضل على سلامة لغته وسلاسة أسلوبه فيها ما وجد إلى ذلك سبيلا ؛ ولكنه سرعان ما كان ينفتل بسرعة وقوة ، وينكفئ انكفاء حادا ومزريا خاضعا خضوعا شرسا لسلطان العامية الشرس ، وتعابيرها البائسة النكدة لتشوّه ـ في نظري على الأقل ـ أسلوب الرواية ولغتها ؛ وقد انتشرت هذه المظاهر في جوانب كثيرة وواسعة من الرواية كما في ص ص 26 ، 38 ، 87 ، 92 ، بل كانت بعض العبارات تتكرر في أكثر من موضع ؛ كذلك جاءت بعض العبارات الفاسدة المضطربة كما في هذه العبارة : "لا داعي تقلقي أباك، يكفيه همومه"؛ (199) لتتبين مبلغ التخبط والتشويه الذي سادها دون أن يشفع له تصحيح " أباك " برغم مجيئه على لسان جابر زوج حميدة الأميّ الثقافة !
    ثم اقرأ صفحة 204 لتجد سيطرة العامية على أسلوب القاص بشكل لافت وكامل ؛ وكذلك صفحات 208 ، 217، 219 ، 268 ... وغيرها كثير ؛ بل إننا نلحظ سيطرة العامية على الحوار في جوانب كثيرة من الرواية كما في ص 154 مثلا ...
    ويستوقفنا في هذا الجانب مثل كرره القاص أكثر من مرة ـ أو قل مرتين ـ وقد ذكره مخطئا في كتابته ثم صوبه في ورقة التصويبات المرفقة بالرواية وهو:"لا لـُه في الدور ولا في الطحين"! (149) ثم جاء التصحيح " الطور"! وهذا المثل إذا رجعنا إلى أصله وجدناه يعني أنه لا علاقة له بشيء، أو لا صلة له بشيء! وأصله أن كلمة " الطور" بالعامية المصرية الصعيدية وغيرها محرفة عن "الثور" في الفصحى، والذي يشدّ إلى حجر المطحنة أو الطاحونة التي تطحن الحبوب والغلال ، والذي يعرف في اللهجة الصعيدية بـ " وابور الطحين "! وأهمية المثل أنه يحدد موقف الآخر / الشخص المحايد من التدخل في مشكلات الآخرين وقضاياهم وأمورهم مما لا صلة له بها ؛ وذلك أن عملية الطحن تقوم بين طرفين: صاحب المطحنة ـ الوابور ، والثور / الطور الذي يديره، والآخر صاحب الطحين، أو الحب الذي يريد طحنه؛ وقد ينشب خلاف بين الطرفين يتطلب حلا أو علاجا مناسبا؛ مما يستدعي دخول طرف ثالث في القضية لحلها وفض الخلاف الناشب بينهما؛ وربما يكون هذا الشخص الثالث ممن يدس أنفه فيما لا يعنيه لسبب أو لآخر فيفسد ما حقه الإصلاح؛ وهنا يعترض عليه أحدهما أو كلاهما قائلين له: لا لك في الطور ولا في الطحين! فلماذا تدس أنفك في ما لا يعنيك!؟
    ويمكن أن تصدر العبارة / المثل عن شخص برفض التدخل في مثل هذه القضايا عندما يحس أن تدخله قد يفسد ولا يصلح فيقول لنفسه محذرا ومنددا : "لا لك في الطور ولا في الطحين "! والله أعلم !
    ووراء هذه المظاهر تلقانا في رواية " نفق المنيرة " بعض الأخطاء التي تساقطت فيها من مثل استخدامه لكلمة " توأم " للدلالة على التوأمين ، والصواب استخدامها مثناة "توأمين".(45، 165) ومن ذلك استخدامه كلمة " يأويهم " (88 ، 204) بدلا من " يُؤْويهم " مضارع : آوى ، يـُؤوي ، وهو الصواب ، وليس مضارع : أوى ، يأوي إلى المكان.
    ومن ذلك عبارة : " حتى لا يتعرضون". (89) وصوابها : " يتعرضوا " .
    وكذلك قوله : "إن ينسى فلا ينسى" (106)، وصوابها: "إن ينس فلا ينس بحذف ألف " ينسى" فيهما على الجزم الشرطي ـ فعل الشرط وجوابه. كما أنه أدخل الفاء في الجواب وهي لا تدخل هنا مع "لا".
    ومن ذلك عبارة " ليفعل الله ما يريد ". (113) وسياقها في أسلوب الأمر غير لائق ، والأولى سياقها في المضارع بإسقاط اللام "يفعلُ الله ما يريد " . ومن ذلك قوله : "مما حدا به"، (207) وصوابها " حداه " . ومن ذلك قوله: "شتان الفرق بينهما" .(280) والصواب : شتان ما بينهما .
    وعلى هذه الشاكلة نصل إلى ختام هذه الدراسة التحليلية الموجزة لرواية "نفق المنيرة" للقاص المبدع حسني سيد لبيب التي حملنا فيها إلى أجواء هذا الحي الشعبي من أحياء القاهرة القديمة لنتعرف على بعض المظاهر الحياتية الخاصة به وإن لم تختلف عن نظائرها المنتشرة في أحياء القاهرة الشعبية أمثال السيدة زينب والحسين والأزهر وإمبابة وبولاق الدكرور وغيرها.. بل إنها تغزو سائر أحياء القاهرة الراقية بسبب طبيعة الشعب المصري الأصيل الذي لا تقوى أعتى التطورات على تغييرها؛ وقد حقق لنا هذا عبر هذه الرحلة قدرا هائلا من المتعة التي جددت لنا ذكرياتنا القديمة الحلوة التي اختزناها في ذواكرنا منذ أكثر من نصف قرن!
    وإلى أن نلتقي مع قاصنا المبدع في إبداع أدبي أصيل نتمنى له ولسائر أدبائنا كل توفيق وسداد!
    (انتهت الدراسة)

  9. #9
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    النهر الغاضب
    ...............

    الروائي المعروف حسني سيد لبيب.. أنهي الجزء الثاني من روايته "نفق المنيرة" التي صدر جزءها الأول منذ عامين عن هيئة الكتاب. اختار للرواية الجديدة اسم "النهر الغاضب". تتناول الرواية تطورات الحياة في منطقة المنيرة بإمبابة خلال العقود الماضية.
    ...........................
    *المساء ـ في 6/6/2009م.

  10. #10
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    جمالية المكان في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب (1 ـ 3)

    بقلم: أ.د. حسين علي محمد
    .................................

    تعد رواية «نفق المنيرة» (2007م) للروائي حسني سيد لبيب الرواية الثانية في مسيرته الإبداعية بعد رواية «دموع إيزيس» (1998م)، وكان قد أصدر من قبل ست مجموعات قصصية، هي: «حياة جديدة» (1981م)، و «أحدثكم عن نفسي» (1985م)، و « طائرات ورقية» (1992م)، و«كلمات حب في الدفتر» (1993م)، و«نفس حائرة» (1999م)، و«الكرة تختفي في الأعالي» (2005م).
    وفي هذه الرواية يسجل الروائي وثيقة فنية عن المجتمع المحيط بنفق المنيرة (إمبابة) في زهاء ثلاثمائة صفحة، يتناول فيها مرحلة الستينيات الميلادية من القرن الماضي ـ قبيل ما اصطلح على تسمسته نكسة 1967م، وما بعدها.
    ولا يُراد بكلمة المكان في الرواية «دلالتها الجغرافية المحدودة، المرتبطة بمساحة محدودة من الأرض في منطقة ما، وإنما يُراد بها دلالتها الرحبة التي تتسع لتشمل البيئة وأرضها، وناسها، وأحداثها، وهمومها وتطلعاتها، وتقاليدها، وقيمها. فالمكان بهذا المفهوم كيان زاخر بالحياة والحركة، يؤثر ويتأثَّر، ويتفاعل مع حركة الشخصيات وأفكارها كما يتفاعل مع الكاتب الروائي ذاته»(1).
    ومما لاشك فيه أن الأحداث التي تتعلّق بمكان ما، قد يتعذَّر أو يستحيل حدوثها في مكان مُغاير، فالحدث الذي يدور على سفينة في البحر يختلف عن غيره الذي يكون في صحراء، عن ثالث يكون في مدينة تمور بالحركة والحياة، ومعنى هذا أن الحدث الروائي «لا يُقدَّم إلا من خلال معطياته الزمانية والمكانية، ومن دون هذه المعطيات يستحيل على السرد أن يؤدي رسالته الحكائية»(2).
    ولذا «يجب أن يهتم الكاتب القصصي بتحديد المكان اهتماماً كبيراً ليعطي الحدث القصصي قدراً من المنطق والمعقولية ... كذلك ينبغي أن يعنى الكاتب بتصوير مفردات المكان الذي تتحرك فيه الشخصيات، لأن القارئ قد يستشف من هذا التصوير دلالات كثيرة، تفسر أو تعمق أموراً تتصل بالحدث أو بالشخصيات أو بهما معاً»(3).
    والمكان لا يتشكل في الرواية ولا يأخذ شكله الروائي إلا من خلال ما يرتبط به من أحداث «وليس هناك أي مكان محدد مسبقاً، وإنما تتشكّل الأمكنة من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال … وعلى هذا الأساس فإن بناء الفضاء الروائي يبدو مرتبطاً بخطة الأحداث السردية، وبالتالي يُمكن القول إنه هو المسار الذي يتبعه تجاه السرد، وهذا الارتباط الإلزامي بين الفضاء الروائي والحدث هو الذي سيُعطي للرواية تماسكها وانسجامها … إن المكان هو أحد العوامل الأساسية التي يقوم عليها الحدث»(4) ، ولن تكون هناك رواية ما لم يكن هناك مكان ما يلتقي فيه شخص بشخص، ويقع فيه حدث ما، تحتاجه الحبكة الروائية والموضوع الروائي.
    والمكان في الرواية «لا ينفصل عن أشيائه، فهي التي تملؤه، وتمنحه ذلك الثراء الذي يتميَّز به مكان عن آخر»(5). ويرى كثير من النقاد أن المكان يرتبط بالأشياء التي توجد فيه، و«ليس مستقلا عن نوعية الأجسام الموجودة فيه»(6).
    وللمكان في رواية «نفق المنيرة» حضوره اللافت، بدءاً من العنوان الذي يتحدث عن مكان مجسدٍ هو «نفق المنيرة»، وتبدأ الرواية بتحديد النفق من خلال رؤية السارد، الذي يمزج بين شخصية البطلين اللذين يتقاسمان النص الروائي: نفق المنيرة، وحمزة:
    «أهاجته الذكريات وهو يسترجع العمر الذي ولى. بلغ الستين من العمر. شخص نظره إلى الجسر أو النفق كما اعتاد الناس أن يطلقوا عليه، وتحديدا يشير إليه المارة من أهل المنطقة قائلين «نفق المنيرة»، أما الوافدون من خارج المدينة فقد يسمونه "نفق إمبابة".. وهو جسر تعبر فوقه قطارات السكة الحديدية الذاهبة والقادمة من الصعيد، وثمة فرع عند بشتيل يتجه إلى الخطاطبة وكوم حمادة في الوجه البحري. أما الجسر عند حمزة فوضع يختلف تماما عما ألفه الناس، فقد اعتاد أن يحكي لكل من يأنس منه مودة كيف بنوا الجسر. كيف شارك والد جده في أعمال حفر لخطوط السكك الحديدية مع زملائه عمال اليومية، وإن كان لا يحدد تاريخ بناء النفق بالضبط، مكتفيا بقوله إن أجداده عاصروا بناءه منذ عشرات السنين» (7).
    فهذا المكان الذي أشارت إليه الفقرة الأولى في الرواية هو المكان المرجعي الذي يدور النصُّ فيه (وتبعاً لذلك الشخوص والأحداث والزمان)، وفي فضائه نرى عالماً يتخلَّق، وتغتني دلالاتُه بقدرة مؤلفه على أن يجعل من الأمكنة الفرعية في النص سواءٌ أكانت مفتوحة (كالشارع، والمدرسة) أو مغلقةً (كالبيت، والحجرة، والدكان) روافد صغيرة تثري المكان المرجعي وتُغنيه، وتُكمل لوحته. ولا تجعل عناصر الفن الروائي الأخرى (كالشخوص، والمكان، والأحداث ...) غريبةً على هذا الفضاء المكاني.
    الوصف والمكان:
    يرتبط وصف المكان في الرواية بثلاثة أشياء يحرص عليها الراوي:
    أولاً: الدقة التي تُشعرك بأن الراوي يعرف تفاصيل عمله مكانيا؛ ذلك الفضاء الذي سيشهد تحرك الأحداث والشخوص، وسيشهد فصولاً من التدافع بين شخوص عمله الروائي.
    ثانياً: الاهتمام بالملمح الشعوري والنفسي للبطل تجاه المكان، وهل هو مكان / صديق يحس تجاهه بشعور الحب والألفة والاهتمام، أم هو مكان / عدو .. يُحس تجاهه بالنفور.
    ثالثاً: العلاقة بين وصف المكان والحدث الذي ينطلق منه، أو يدور في إطاره، وخصوصية ذلك بأن يرينا الروائي مقدرته الفنية في إقناعنا أن هذا الحدث ما كان ليقع إلا في المكان الذي وقع فيه..
    وفي البداية يُواجهنا هذا الوصف الذي يحدد إطار النفق، مما يكشف عن أهمية المكان الذي اختاره عنوانا لروايته، ومن الوصف سنعرف حميمية العلاقة بين الشخوص والمكان.
    وهو هنا يتحدث عن المكان من خلال وعي شخصية «حمزة»:
    «منذ وعى الدنيا والجسر شاخص في مخيلته، وإن كان يرى أن عمر الجسر من عمر آبائه وأجداده. لا يدري أحد كيف حسب حمزة هذا العمر الطويل، إنما يتمثل الجسر شريانا في قلبه، مثلما هو شريان يتدفق منه الناس يعبرونه إلى أحياء إمبابة .. إلى المنيرة الشرقية والغربية، وإلى مدينة العمال، ومدينة التحرير، ووراق العرب، ووراق الحضر، بل بات الجسر منفذا آخر إلى بشتيل..
    ما زال حمزة يلذ له استرجاع صورة المنطقة التي تضم سيدي إسماعيل الإمبابي وأرض عزيز عزت والجرن وسوق الجمال وسوق الجمعة والكيت كات وعزبة الصعايدة .. والمدرسة الثانوية .. والترعة الممتدة في شريط واسع يمر من الجهة الغربية لكل هذه المناطق، ثم يقع النفق في نهاية الترعة. كان يمر منه الناس إلى مزارع المنيرة، وبيوت متناثرة شحيحة يعيش فيها البسطاء..
    هكذا كانت الصورة في الماضي .. تغيرت الأحوال .. هجم سكان من بولاق أبي العلاء والفرنساوي والسبتية وجزيرة بدران والسيدة زينب وغيرها من أحياء القاهرة ليستوطنوا إمبابة. هجموا كالتتار، فأتوا على كل شيء أخضر, وأقاموا بيوتا أسمنتية. وفد السكان الجدد عابرين النهر إلى الغرب. إمبابة من أكثر مدن مصر كثافة سكانية، ومركزا جاذباً للنازحين من الريف إلى القاهرة خاصة أبناء الوجه القبلي لقربه من العاصمة ورخص القيمة الإيجارية وانخفاض مستوى المعيشة. تقع إمبابة على الضفة الغربية من النيل في مواجهة جزيرة الزمالك في الجزء الممتد بين كوبري الزمالك وكوبري إمبابة، وتمتد شمالا إلى صوامع الغلال وما بعدها. إمبابة في الأصل من القرى القديمة»(8).
    وقد لاحظنا في هذا الوصف:
    الاهتمام بالملمح الشعوري والنفسي للمكان: من خلال وصف ملازمة حمزة للنفق بـ«العمر الطويل» ومن خلال العلاقة الحميمة بين المكان والبطل: «يتمثل الجسر شريانا في قلبه، مثلما هو شريان يتدفق منه الناس يعبرونه إلى أحياء إمبابة».
    ومن خلال نفسية البطل لتحول المكان من أرض خضراء مزروعة إلى كتل أسمنية، ومن ثمَّ وصف إقبال السكان الجدد الوافدين على إمبابة، الذين غيَّروا طبيعتها، بهجوم التتار على بغداد « هجموا كالتتار، فأتوا على كل شيء أخضر».
    (يتبع)

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. لقاءٌ في عتمةِ نفق ....
    بواسطة هبة الأغا في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 21-08-2014, 05:59 PM
  2. أَرِنِي ابْتِسَامَاتِي المُنِيرَةْ
    بواسطة عارف عاصي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 04-07-2008, 05:38 PM
  3. إسرائيل و نفق المسجد الأقصى
    بواسطة أيوب عوينات في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 16-04-2007, 10:59 PM
  4. رابعة البنات ـ قصة لحسني سيد لبيب
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-02-2006, 11:14 AM