أحدث المشاركات
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 12 من 12

الموضوع: صدور رواية « نفق المنيرة » لحسني سيد لبيب

  1. #11
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    جمالية المكان في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب (2 ـ 3)

    بقلم: أ.د. حسين علي محمد
    .................................

    المكان والزمان:
    يرتبط نفق المنيرة بأحداث عاشها البطل (حمزة)، يستدعيها من خلال كلمة كُتبت خلال العدوان الثلاثي (1956م) على جدران النفق، وظلت محفورة على في وجدان حمزة، تستثيره، وتذكره بمشاركته في الدفاع المدني، وذهابه متسللاً إلى بور سعيد، وتذكره دائماً بالرصالصة التي استقرت في فخذه ومازال أثرها ظاهراً للعيان: «في جعبة حمزة مرويات كثيرة تتداعى إلى خاطره، أشهرها ما كتب من عبارات تثير الحماس، على جدران النفق أيام حرب بور سعيد : سنقاتل.. سنقاتل.. سنقاتل.. يستطرد مزهوا بأنها كلمات الزعيم جمال عبد الناصر في خطبة الأزهر المشهورة. ألهبت الكلمات حماسه فانضم إلى صفوف المقاومة الشعبية، وشارك في قوات الدفاع المدني. تسلل مع المتطوعين عبر بحيرة المنزلة إلى بور سعيد. يستطرد باعتزاز راويا قصة الرصاصة التي استقرت في فخذه، وأثر الجرح ما زال ندبة تزين جسمه. يرفع طرف الجلباب ليعرض أثر الجرح، كلما استدعت المناسبة أن يحكي وقائعها، أو أنه يقحمها بلا مناسبة لكل من يأنس منه أذنا منصتة.. وتتداعى الخواطر معتزا مزهوا بأنه لم يترك مكانه بجوار النفق» (9).
    فكأن جدران النفق لوحة حية لمشهد معاصر من تاريخ مصر، وتتسع دلالة المكان هنا وتصير أكثر رحابةً، فكأنَّ «نفق المنيرة» شاهد حي على تاريخ مصر المُعاصر.
    وفي مشهد مؤثر ينقل الكاتب غرق مركبة في النيل «ظهر الاثنين الأول من نوفمبر عام 1965.
    طرق متواصل على الباب جعل أم فتحي تهرع من المطبخ إلى الباب تفتحه، فإذا مصطفى متقطع الأنفاس.. ينزل فتحي السلالم ركضا إثر سماعه صوت صاحبه..
    ـ ادخل.. ادخل..
    لكنه لا يدخل. شده من ذراعه إلى الداخل، وصوته يعلن في ألم:
    ـ التروللي وقع في النيل..
    صكت صدرها بكفها.. ارتدى فتحي الملابس على عجل، وخرج معه، متجهين إلى حيث سقط التروللي باس رقم 44 أمام مستشفى العجوزة.
    خرجت إمبابة كلها لدى سماعها النبأ المروع .. الرجال والنساء والأطفال.. حتى البيوت والمساجد والمدارس والشوارع والحواري والترع والأشجار والمحال، تخرج معهم في مسيرة جنائزية مهيبة. بعض النساء خرجن بجلابيب البيت، حاسرات الشعر حافيات الأقدام»(10).
    فهنا يحدد الزمن حيث كانت القرى والمدن الصغيرة مثل أسرة واحدة، ومكان الحادث (44 أمام مستشفى العجوزة)، والحادث كما يرويه السارد (التروللي وقع في النيل)، والاستجابة (خرجت إمبابة كلها لدى سماعها النبأ المروع .. الرجال والنساء والأطفال.. حتى البيوت والمساجد والمدارس والشوارع والحواري والترع والأشجار والمحال).
    لقد جعل الروائي للأمكنة (البيوت والمساجد والمدارس والشوارع والحواري والترع والأشجار والمحال) حضوراً ومُشاركةً في المأساة المروعة.
    وقد تأنف شخوصه من البيت، وتتصوره في لحظات الضيق كالسجن، ومن ثم تخرج، لتمشي، وتتجول، وتجلس على المقاهي:
    «طلب من صاحبه الخروج، تحررا من حبسة البيت. تجولا كعادتهما في شوارع المنيرة ومدينتيْ العمال والتحرير.. وعلى مقهى الربيع كانت جلستهما المفضلة، إلى منضدة في ركن داخلي، اتقاء لسعات البرد. لعبا النرد فتعادلا. ارتاحا للنتيجة فنهضا.. وجل حديث فتحي عن مارسيل ومريم، اكتشافه المذهل، وتهيؤه للقائهما غدا الخميس.. وأن عليه مذاكرة واجب الأستاذ شفيق الليلة.. إلا أن الثرثرة ـ داءه المزمن ـ يقابلها عند أمين صمت مطبق!
    عرجا على نفق المنيرة، وتجالسا مع حمزة وصاحبه عويس، الذي أكمل لهما السهرة بأغنيات أم كلثوم من مذياعه الترانزستور، حتى انتصف الليل، ثم انصرف كل إلى بيته..» (11).
    المكان والأحداث:
    من البديهي ـ كما يقول رشاد رشدي ـ «أنه ما من حدث يقع بالطريقة المعينة التي وقع بها، إلا كان نتيجة لوجود شخص معين ـ أو أشخاص معينين ـ يترتب عليه وقوع الحدث بطريقة معينة … لأن الحدث هو الشخصية وهي تعمل»(12).
    ومعروف أن «الحدث هو الموضوع الذي تدور حوله القصة، وهو مجموعة من الوقائع الجزئية المترابطة، وهذا الترابط هو الذي يميز العمل القصصي عن أي حكاية يروي فيها شخص لصديقه ما وقع له من أحداث، فأحداث القصة الفنية لها إطار عام، يدفعها في تسلسل إلى غاية محددة»(13).
    والحدث الرئيس في هذه الرواية يدور حول تشقق جدار نفق المنيرة، حيث رأى حمزة فيما يرى النائم أن النفق تشققت أحجاره، ويبدأ السارد الحدث برؤيا مماثلة للعالم الأثري محمد نافع الذي كان يقوم بترميم قبة السلطان الغوري.
    وللمكان حضوره اللافت في الغوري ونفق المنيرة، وما جاء ذكر الغوري والعالم الأثري محمد نافع، إلا ليُطلعنا السارد على اهتمام لشخوص بالأمكنة التي التي احتلت وجدان الرجلين، فأبعدت عنهم السكينة، حينما وجدا ـ فيما يرى النائم ـ أن الجدران تتشقق وتنهار، ومن هنا يكون النهوض للعمل:
    «يحدثنا أحد الكتّاب عن تفاني العالِم الأثري الجليل محمد نافع في عمله وولعه به، حين كان يقوم بترميم قبة السلطان الغوري، التي تشققت جدرانها، فرأى فيما يرى النائم أن الجدران انهارت.. فقام فزعا من نومه ولم يصبر حتى يطلع النهار، وغادر منزله بالعباسية ماشيا على قدميه إلى الغورية فوجد الحال كما هي وأن ما رآه أضغاث أحلام.
    ما حدث لمحمد نافع حدث مثيل له مع حمزة بن محمد بن صابر بن رمضان، الذي استغرق في نومه، وسبح في دنيا الأحلام، فرأى فيما يرى النائم جدار نفق المنيرة قد تشققت أحجاره، فإذا به يجري وهو جزع. يتحسس الجدران، يمرر سبابته على شق من الشقوق، تجزع نفسه، يصيح : ربي.. حلم أم علم ؟ يقرص لحم فخذه حتى يتنبه.. يصيح.. يتردد صدى الصيحة في فضاء لا نهاية له، يا هووه.. يا خلق الله .. النفق ينهار.. أنقذوا النفق.. أهو زلزال مفاجئ أم انهيار كامل ؟ لا يدري. لا أحد يجيب. يجري كالمجنون. يرفع ذراعيه باسطا كفيه على الجدار متحسسا الشقوق، يبكي، يتألم. الناس في بيوت مغلقة لا تسمع، أو أنها تتجاهل الصرخات» (14).
    المكان والشخصيات:
    إذا كانت الرواية جعلت المكان بطلاً، فإن الرواية مليئة بالأمكنة، التي تتقاطع مع الشحوص، وتؤثر فيها.
    فمن شخوص الرواية مصطفى الذي استشهد في الجبهة (في حرب 1967م مع العدو الإسرائيلي)، إن السارد يبدأ سرده عن شخصية مصطفى من خلال المكان «انصرف من المدرسة بصحبة أمين. التقيا مصطفى الذي سيطر بحديثه عن نرجس، البنت التي أحبها. شرح كيف التقاها أول مرة، حين جاءت زبونة تريد رتق صندلها. عرفته بنفسها، تلميذة في مدرسة باحثة البادية. يتبادل معها كلمات قليلة. أبانت له أن أخته سعاد دلتها على المحل. أعجب بحديثها. آلمه أنها تكبدت السير من المنيرة حتى شارع مراد. قالت إنها تسكن في المنيرة أيضا بالقرب من سكنه، وأن سعاد صديقتها. أصر أن يرتق الصندل بالمجان.
    التزم أمين الصمت، يسمع ولا يعلق ولا يبدي رأيا. هذه ليست أول بنت يتحدث عنها. عرف كثيرات قبلها. يعمل مصطفى في محل إسكافي. يرتق الأحذية القديمة على ماكينة أو يحيك بالإبرة ما تمزق من جلدها.. ينظف بعدها الحذاء ويلمّعه بالورنيش. يظل يعمل حتى الواحدة ظهرا فيعود إلى داره سيرا على الأقدام، من شارع مراد مخترقا سوق الجمال والجرن وسيدي إسماعيل الإمبابي، مارا بمدرسة التجارة للبنات. ما أكثر أحاديثه مع فتحي عن البنات اللاتي يقصدن المحل، أخراهن نرجس. يعود إلى المحل في الثالثة بعد الظهر، حتى أذان العشاء، فينصرف إلى البيت منهك القوى. يغتسل طاردا رائحة الجلد والورنيش، ويتعشى ويشرب الشاي. ثم يستسلم لنوم عميق، ما لم يخرج مع الصحاب.. حسده فتحي على زبائن المحل من البنات. لم يصدق أن عاملا بسيطا مثله يمكن أن تقع بنت مدارس في هواه»(15).
    فهنا ذكر لشوارع، ومدرسة، ومحل يعمل فيه مصطفى، ومن خلال محل الإسكافي الذي يعمل فيه يتعرف على البنات، ومنهن نرجس.
    وعندما نتعرف على نرجس فإنه يرد ذكرها بعد وفاة أخت مصطفى، ونرى نرجس وهي داخل حجرة في بيت مصطفى تُقدم العزاء للأسرة: «فوجئ فتحي بنرجس تقتحم مجلسهما بصحبة أمها. انتفض كالمذعور ليقف بمحاذاة مصطفى، مادا يده مثله يتقبل عزاءهما. برغم الثوب الأسود الذي ترتديه، إلا أنه أفصح عن جمال صارخ، أكثر مما يكشف عنه ثوب آخر. عقصت شعرها الأصفر إلى الوراء. عيناها الزرقاوان، ووجهها الأبيض المدور، علامتان للجمال لا تخطئهما عين. لم يفلح احمرار العينين من شدة البكاء، في إخفاء الجمال المعلن. توجهت الجميلة الحزينة هي وأمها إلى غرفة السيدات.. أخذ يحدثه عن وفائها. قال إنها غير ما عرف من البنات. أوضح له:
    ـ نرجس صاحبة المرحومة.. الروح بالروح..
    وأشار بإصبعيْ السبابتين ملتصقين..»(16).
    (يتبع)

  2. #12
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Mar 2005
    المشاركات : 1,000
    المواضيع : 165
    الردود : 1000
    المعدل اليومي : 0.19

    افتراضي

    جمالية المكان في رواية «نفق المنيرة» لحسني سيد لبيب (3 ـ 3)

    بقلم: أ.د. حسين علي محمد
    ............................

    المكان بوصفه رمزاً:
    يقدم الروائي وصفاً دقيقاً، جغرافيا وتاريخيا، لإمبابة التي يقع فيها «نفق المنيرة»، فيقول: «إمبابة من أكثر مدن مصر كثافة سكانية، ومركزا جاذبا للنازحين من الريف إلى القاهرة خاصة أبناء الوجه القبلي، لقربه من العاصمة ورخص القيمة الإيجارية وانخفاض مستوى المعيشة. تقع إمبابة على الضفة الغربية من النيل في مواجهة جزيرة الزمالك في الجزء الممتد بين كوبري الزمالك وكوبري إمبابة، وتمتد شمالا إلى صوامع الغلال وما بعدها. إمبابة في الأصل من القرى القديمة.
    اسمها الأصلي في قول "نبابة" كما ورد في كتاب "جني الأزهار"، وفي قول ثان إن الاسم يرجع إلى نبات كان يزرع بكثرة في هذه الناحية، على شكل أنابيب، فيقال عن المنطقة أنبوبة أو أنابيب، وأدغمت النون والباء فأصبحتا ميما، فقيل عنها "إمبابة". كانت تقع بين شطيْ النيل، لذلك يسمى جزء منها حتى اليوم "جزيرة إمبابة". وفي سنة 715 هجرية تم تقسيم إمبابة إلى ثلاث نواح هي: تاج الدولة ومنية كردك ومنية أبو علي التي تعرف اليوم باسم كفر الشوام. وفي سنة 1274 هجرية فصلت ناحية رابعة هي كفر الشيخ إسماعيل الإمبابي. وفي سنة 1300 هجرية فصل منها جزء خامس هي جزيرة إمبابة. وظلت إمبابة على حالها حتى عام 1940 ميلادية حين صدر قرار وزير الداخلية بإنشاء بندر شرطة إمبابة»(17).
    ومن السطور الأولى في الفقرة السابقة نرى أن عنوان الرواية «نفق المنيرة» ـ وهو في حي إمبابة تتسع دلالته لتشير إلى مصر، من خلال إشارة السارد إلى طوائف الناس الذين أقبلوا على (إمبابة) للسكنى فيها:
    «إمبابة من أكثر مدن مصر كثافة سكانية، ومركزا جاذبا للنازحين من الريف إلى القاهرة خاصة أبناء الوجه القبلي لقربه من العاصمة ورخص القيمة الإيجارية وانخفاض مستوى المعيشة»(18).
    ويجعل من البيت رمزاً للتجمع والألفة، وبخاصة الاجتماع وقت الطعام، وقد يتناقشون في أمر يكون له ما بعده في الأحداث، مثل هذا المقطع: « ذات مرة جمعه وأباه وأمه لقاء.. ما أندر اللقاءات بينهم.. كانوا ملتفين هو وأخواته حول الطبلية يتناولون الغداء. قالت فاطمة وهي في الإعدادية، إن فتحي يرى صعوبة في اللغة الفرنسية. نفى ذلك بشدة قائلا:
    ـ أبدا.. هي مادة لطيفة.. لكن الصعوبة في أنني أحيانا أنطق الكلمة الفرنسية بالنطق الإنجليزي. هذا خطأ نبهني إليه مدرس الفصل.
    لم يعلق أبوه.. مضى على تلك الملاحظة يومان، أخبره بعدها أنه اتفق مع زميل له في المصلحة لإعطائه دروسا في الفرنسية. تردد في البداية. طمأنه بأن أجرة الحصة زهيدة لن تكلفه كثيرا، فقد راعى شفيق زمالتهما» (19).
    إنه ـ فتحي ـ سيأخذ بعد ذلك دروساً، ويحب ـ وهو المسلم ـ ابنة معلمه ( مارسيل بنت الأستاذ شفيق، وهي نصرانية)، وستتناول بعض الفصول مسيرة هذا الحب المتوهج الذي ينتهي عاثراً لاختلاف ديانتي المحبين.
    وتمثل الجامعة ـ وهي مكان مفتوح ـ صورة الحياة، حيث نلتقي بالصحاب والأحبة، وقد توجد في هذه الأماكن المفتوحة المشاكل التي لا تخلو منها الحياة:
    «دخول الجامعة بالنسبة له بداية حياة جديدة، كما كتب في يومياته. رأى أن الحياة تبتسم له، تعطيه ما يتمنى. في اليوم الأول، حرص على لقائها وإعطائها جدول المحاضرات. عرّفها برقم الفصل الخاص بها، أو "السيكشن" كما يطلقون عليه بالإنجليزية. تجولا في أرجاء الكلية. تعرفا على شئون الطلبة والمكتبة وغرفة العميد وغرفة الوكيل، ومدرج فلسطين المخصص لطلبة إعدادي. ربما كانت الكلية في القديم قصرا أثريا. في المدرج، جلست مارسيل في الصف الأول، صف الطالبات. آثر فتحي الجلوس في المنتصف، حيث تعرف على زميله القادم من بني سويف. حسان ودود بطبعه صريح القول. تآلفا سريعا، وتصادقا..» (20).
    وكان في الجامعة لقاءات فتحي مع حبيبته مارسيل، في أماكن مغلقة ـ كقاعات المحاضرات ـ وفي أماكن مفتوحة، وتحدثا عن الحياة والحب واختلاف العقيدة:
    «بدأت هي الأخرى تحدثه عن أسرتها، والصلوات التي تؤديها في الكنيسة. قال في حماس :
    ـ كلنا ندعو الله.. نصلي له.. كلنا نعبد الله..
    أردفت :
    ـ الله محبة..
    في جيدها تتلألأ السلسلة الذهبية، يتدلى منها صليب صغير..
    تحير في نظرته. هل يمعن النظر في الصليب المتدلي إلى مفرق نهديها، أم إلى البريق المتلألئ في عينيها ؟
    أتى النادل بعصير الليمون. انتقلت به إلى المحاضرات وحاورته في مسائل الهندسة الوصفية العويصة. حياهما أحد الزملاء. ذكرهما بمحاضرة الرياضيات قبل أن يغلق الدكتور باب المدرج، فأخبراه أنهما لا يرغبان في الحضور. استمرآ الجلوس في بوفيه الكلية، حيث يمتد الوقت بهما بامتداد وقت المحاضرة التي امتنعا عن حضورها!
    اتفقا على الانصراف من البوفيه قبل انتهاء المحاضرة بربع الساعة. ستكون المواصلات أهدأ ويمكنهما الركوب بسهولة ويجد كل منهما مقعدا يجلس عليه. ثمة سبب آخر لم يعلناه، هو ألا يخرج الطلبة من المدرج، وهما ما زالا جالسيْن في البوفيه !
    كالمعتاد، انتظر حتى استقلت السيارة العامة المتجهة إلى شبرا، ثم انتظر التروللي باس المتجه إلى إمبابة.
    عندما انصرفت مارسيل، افتقد الحنان والرقة والمؤانسة. تشاغل في تأمل وجوه الواقفين بالمحطة. المحاضرة الثالثة لم تنته بعد. حضر التروللي باس. من الممتع والمريح أن تجد مقعدا خاليا تجلس عليه. تهادى التروللي بسرعته العادية» (21).
    والأمكنة هنا رموز لمفردات الحياة:
    الكنيسة = رمز لدور العبادة.
    الجامعة = ترمز للعطاء العلمي، وإعداد الشخص لمعترك الحياة.
    البوفيه = رمز للقاء مع المحبوبة.
    السيارة العامة = رمز لحركة الزمن ومسيرة الحياة.
    كما كان حلم حمزة بانهيار نفق المنيرة رمزاً لانهيار الحلم الذي تجسد في الثورة المصرية التي قام بها الضباط عام 1952م، وحلمنا أحلاماً كثيرة في مستقبل متوهج بالعطاء، وارتفاع الإنسان فإذا بالسجون تمتلئ بالمعتقلين السياسيين، وإذا بهزيمة 1967م تقتل أمل الأمة في النهوض والتقدم.
    يقول السارد:
    «أشرقت شمس نوفمبر في الصباح، فتبدد ما رآه حمزة في منامه، كأنه غير مصدق. إنه مجرد حلم يتبدد في اليقظة، فخرج من بيته يتطلع إلى البناء الحجري، ينتصب في أوله وآخره أربعة أعمدة حجرية شاهدا على متانته.. ولشد ما عجب من أمر النفق الذي يتحمل قطارات تزن مئات الأطنان.. تعبر فوقه ليل نهار، فلا يكل ولا ينهار. سار بطول النفق من بدايته إلى نهايته.. توقف لحظات يتحسس بكفيه الجدار السميك. لم يلحظ تشققات ولا وجد كسرا. لا شيء يعتور النفق. بدا أمام ناظريه سليما معافى. ما رآه في المنام كذب في كذب. هاهي الحقيقة ناصعة ساطعة سطوع الشمس الدافئة في نوفمبر. إذن هو الحلم وإرهاصات الغافل عن الدنيا السابح في ملكوت الله. عجيبة هي الأحلام، ترينا فانتازيا تخلط بين الواقع والخيال.. قد تنبئ عما هو آت في مقتبل الأيام.. قد تكون الحاسة السادسة تُري المرء بشفافية تخترق كالأشعة حجب الغيب. تريه ما لا يراه بعينيه، ما لا يطوف بخياله» (22).
    ***
    وقد أحسن الروائي توظيف مفردات المكان في روايته، فمنحنا نصا روائيا ذا قيمة فنية عالية، نجح من خلاله ألا يجور الموضوع فيه على عناصر السرد، ومنها عنصر المكان، الذي وظفه في فنية لافتة.
    ............................................
    (1) د. عبد الفتاح عثمان: بناء الرواية: دراسة في الرواية المصرية، ط1، مكتبة الشباب، القاهرة 1982م، ص59. (بتصرف).
    (2) حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي: الفضاء، الزمن، الشخصية، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1990م، ص29.
    (3) د. طه وادي: دراسات في نقد الرواية،، ط2، دار المعارف، القاهرة 1993م، ص36، 37.
    (4) حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، ص29.
    (5) خالد حسين حسين: شعرية المكان في الرواية الجديدة، العدد (83)، سلسلة «كتاب الرياض»، الرياض 2000م، ص209.
    (6) د. محمود محمد عيسى: تيار الزمن في الرواية العربية المعاصرة، ط1، مكتبة الزهراء، القاهرة 1991م، ص5.
    (7) حسني سيد لبيب: نفق المنيرة، كتاب الاتحاد، اتحاد كتاب مصر، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2007م، ص7.
    (8) الرواية، ص8، 9.
    (9) الرواية، ص8.
    (10) الرواية، ص35، 36.
    (11) الرواية، ص67.
    (12) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة، ط2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1964م، ص30.
    (13) د. حسين علي محمد: التحرير الأدبي، ط6، مكتبة العبيكان، الرياض 1430هـ-2009م، ص296. وانظر: عزيزة مريدن: القصة والرواية، دار الفكر، دمشق 1400هـ-1980م، ص25.
    (14) الرواية، ص53، 54.
    (15) الرواية، ص29، 30.
    (16) الرواية، ص43، 44
    (17) الرواية، ص9، 10.
    (18) الرواية، ص9.
    (19) الرواية، ص163.
    (20) الرواية، ص197.
    (21) الرواية، ص214، 215
    (22) الرواية، ص54.

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

المواضيع المتشابهه

  1. لقاءٌ في عتمةِ نفق ....
    بواسطة هبة الأغا في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 21-08-2014, 05:59 PM
  2. أَرِنِي ابْتِسَامَاتِي المُنِيرَةْ
    بواسطة عارف عاصي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 04-07-2008, 05:38 PM
  3. إسرائيل و نفق المسجد الأقصى
    بواسطة أيوب عوينات في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 16-04-2007, 10:59 PM
  4. رابعة البنات ـ قصة لحسني سيد لبيب
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى الاسْترَاحَةُ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-02-2006, 11:14 AM