أحدث المشاركات
صفحة 1 من 9 123456789 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 86

الموضوع: حقيبة متربة وجورب أبيض

  1. #1
    الصورة الرمزية حسام القاضي أديب قاص
    تاريخ التسجيل : Mar 2006
    الدولة : مصر+الكويت
    العمر : 59
    المشاركات : 2,153
    المواضيع : 74
    الردود : 2153
    المعدل اليومي : 0.43

    افتراضي حقيبة متربة وجورب أبيض

    حقيبة متربة وجورب أبيض
    وضع أذنه اليمنى على الباب ، استرق السمع ، ثم وبحذر متناه أمسك بالمقبض وأداره، تحرك الباب تاركاً فرجة صغيرة سمحت له بإلقاء بصره إلى الداخل ، ظلام دامس ، انحنى ليسمح لضوء الردهة خلفه بالسقوط، حدق ملياً ، كانت هناك في فراشها ، وقد انحسر الغطاء عن ساقيها اللامعتين ، حرك الباب ببطء شديد حرص فيه أن يئد صريره قبل مولده .
    بخطوات حذرة اتجه صوبها، تبدت أمامه كاملة، ثنت ساقها اليمنى فانزاح الغطاء أكثر، أمسك طرف الغطاء وهم بـ.... ولكنه خشي أن... تركه وتراجع ، جثا على ركبتيه يتأملها ..
    غاص رأسها في الوسادة، انتشر شعرها عليها محيطاً برأسها في فوضى جميلة، قسمات وجهها الناعمة مستكينة مع ابتسامة..
    ابتسامتها كانت تزلزل كيانه دائماً، تدك حصون قسوته المصطنعة، تنسف جبال انفعالاته الغاضبة؛ فيتبدل من حال إلى حال، يسرع متوارياً عن عينيها كي لا تلمح الشلال المنهمر من قمة الجبل.. من قطرات ساخنة..
    شعر بسخونتها على وجنتيه، حاول إيقاف جريانها فازداد انهمارها..
    "سامحيني فقد أجرمت في حقك، لكني لم أقصد والله، ما حدث كان رغماً عني ".....
    ـ طاعتي عليك واجبة.
    ـ في الحق فقط.
    ـ لاتنس أني رئيسك في العمل.
    ـ لا أحني رأسي إلا لله .
    ـ رأسك الحجري هذا هو ما أطاح بك.
    ـ لا يصح إلا الصحيح .
    ـ إذاً ارحل..ولا تنس الحقيبة .
    بيديها الصغيرتين كانت تحرص على تنظيفها يومياً، وتلميعها له ، ليحملها ويخرج ..
    في طريقه كان ينظر إلى النافذة مبتسماً، ثلاث كفوف تلوح له، اثنتان صغيرتان بينهما واحدة كبيرة..
    الآن هي في مكانها الدائم، ضاعت معالمها تحت أمواج الأتربة المتراكمة عليها، يدها تظهر بالكاد، باقي تفاصيلها انسحبت تحت وطأة هذا الهجوم المتكرر المزمن..
    تحركت يدها لاإراديا تبحث تحت الوسادة عن شيء ما ..
    انهمرت دموعه بغزارة .. " آه .. هل تكررين هذه الفعلة دائماً ؟ هل تبحثين عن قالب (الشيكولاتة)؟ رحماك يا ربي ..سامحيني ..كنت أريد لك الأفضل دائماً.. لم يكن بيدي .. لم أستطع أن أصير مثلهم..ليست بطولة مني ، ولكن هكذا خلقني الله ..يوماً ما ستدركين كم كنت أحبك برغم كل ما جرى "
    تململت ،انكمشت متكورة على نفسها ..مد يده أمسك بطرف الغطاء ،جذبه لم يخش أن يوقظها هذه المرة.. سحبه على جسدها ، وأحكمه عليه ..راوغ يدها الممتدة الباحثة في الظلام، أفلت منها واقفاً، قفل عائداً للباب بظهره تتبعه قطرات ساخنة منهمرة عندما لمح تحت فراشها حذاءً صغيراً ممزقاً و..جوربًا أبيض .
    ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
    الكويت في 23/4/2007
    جريدة القبس 3 / 5 / 2007
    حسام القاضي
    أديب .. أحياناً

  2. #2
    الصورة الرمزية وفاء شوكت خضر أديبة وقاصة
    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : موطن الحزن والفقد
    المشاركات : 9,734
    المواضيع : 296
    الردود : 9734
    المعدل اليومي : 1.94

    افتراضي

    أستاذي الأديب القاص القدير / حسام القاضي ..

    قراءة أولية ومرور ترحيب بعودتك لواحة الخير ..
    سعداء نحن بتواجدك بيننا مرة أخرى بعد طول غياب نتمنى أن لا يتكرر ..

    لي عودة قريبة بإذن الله ..

    تحيتي وتقديري وطاقة ورد ترحيبا بعودتك .
    //عندما تشتد المواقف الأشداء هم المستمرون//

  3. #3
    شاعر
    تاريخ التسجيل : Jul 2007
    العمر : 46
    المشاركات : 1,177
    المواضيع : 55
    الردود : 1177
    المعدل اليومي : 0.26

    افتراضي

    الأستاذ الكبير حسام القاضي

    ليس لمثلي أيها الأديب أن يبدي رأيا في نصك المحترف الرائع هذا ، ولكني مررت لأسجل أعجابي ، وأرجو أن تكون لي عودة أسجل فيها إعجابي بشيء من التفصيل - إن شاء الله .

    تحيتي ومودتي وتقديري

  4. #4
    الصورة الرمزية حسنية تدركيت أديبة
    تاريخ التسجيل : Jan 2006
    الدولة : طانطان
    المشاركات : 3,590
    المواضيع : 309
    الردود : 3590
    المعدل اليومي : 0.70

    افتراضي

    اهلا بك اخي من جديد في الواحة
    وان شاء الله عودة محمودة ومباركة
    نص رائع كما عهدناك دوما
    كل التقدير والاحترام لهذا العطاء
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

  5. #5
    الصورة الرمزية خليل حلاوجي مفكر أديب
    تاريخ التسجيل : Jul 2005
    الدولة : نبض الكون
    العمر : 53
    المشاركات : 12,542
    المواضيع : 378
    الردود : 12542
    المعدل اليومي : 2.36

    افتراضي

    اشتقنا لروائعك ... استاذنا الغالي ..

    القصة تبث روح الشكوى عن أزمة الفقر حين يجعلنا نرقد ونتوجع ...

    السرد ماتع لولا بعض الغموض الذي أحسسته كقارئ أراد التوصل إلى سر الجورب ...

    \

    نص مترع بالألق

    بوركت وعوفيت
    الإنسان : موقف

  6. #6
    الصورة الرمزية زياد موسى العمار شاعر
    تاريخ التسجيل : Jul 2007
    الدولة : سورية
    المشاركات : 597
    المواضيع : 16
    الردود : 597
    المعدل اليومي : 0.13

    افتراضي

    .
    حقيبة متربة وجورب أبيض
    الأديب الرائع حسام القاضي
    أقف مذهولاً أمام كل هذا الإبداع والله.
    تضيع الحروف وتتلاشى من شنّة عقلي، فلا أجد ما يسعفني سوى الصمت، وقسمات إعجاب تبدّت على وجهي، وبقايا كلمات من شكرٍ وثناء.
    ليس مثلي من يقيّم لأدباء من أمثالك أستاذي، ولكن اسمح لي بأن أبدي إعجابي.
    أترك لك بعض نبض يهمس بمودّتي وتقديري واحترامي.
    ................................................

  7. #7
    الصورة الرمزية رنده يوسف قلم نشيط
    تاريخ التسجيل : Jun 2007
    المشاركات : 450
    المواضيع : 32
    الردود : 450
    المعدل اليومي : 0.10

    افتراضي

    الاستاذ الاديب حسام القاضي
    تحيه وسلام
    لا اجد الكلمات التي تفي قصتك حقها لأنه لايصح الا الصحيح ندفع ثمنه غاليا من الشده ولاكن
    دونما يأس وليتأكد بأنها تعلم بـأنه لايريد لها الا الافضل دائما ..ولاكن..هي تريده كما هو
    قويا عزيزا شامخا لا يحني رأسـه الا لله
    لأنها امل وكل الأمل في عودتها لتنظف حقيبته وتلمعها يوميا
    وتمسح قطرات ساخنه بابتسامتها الصغيره
    ولا يسعني الا ان اقول سلمت وسلم قلمك
    لك كل الاحترام

  8. #8
    الصورة الرمزية حنان الاغا في ذمة الله
    أديبة وفنانة

    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : jordan
    المشاركات : 1,378
    المواضيع : 91
    الردود : 1378
    المعدل اليومي : 0.28
    من مواضيعي

      افتراضي

      لغة الفن أيا كان جنسه ، تشبه لغة العصافير.
      من منا يريد فهم ما يقول العصفور لعصفورته أو لصغاره ؟

      وهكذا السرد هنا بحواراته الملمحة لأشياءبعيدة في غور الشخصيات ، لم نعرف مبتداها وبالتالي لا نميز بحدة منتهاها .
      لغة قص شاعرية هامسة
      وروح شفيفة سامية .
      وأهلا بنصوصك العائدة بألق .
      "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي"

    • #9
      الصورة الرمزية محمد سامي البوهي عضو غير مفعل
      تاريخ التسجيل : Mar 2006
      الدولة : مصر+ الكويت
      العمر : 42
      المشاركات : 1,087
      المواضيع : 110
      الردود : 1087
      المعدل اليومي : 0.21

      افتراضي

      حقيبة متربة وجورب أبيض

      عنوان تصدره الرمز ، فدب الفضول في نفس المتلقي منذ لحظة الزمن صفر لبدء القراءة ، لكشف ماهية الرموز ، ورغم أن هناك رموزاً أخرى ظهرت لنا بعد ذلك ، إلا أن الرموز الرئيسة لخصها العنوان ..

      ــــــــــ حقيبة متربة ــــــــــ
      ــــــــ جورب أبيض ــــــــ
      ولكن رمز من الرموز الرئيسة التي احتواها النص لم يشمله العنوان
      ــــــ حذاء ممزق ـــــ
      وذلك لأن إيراده بالعنوان كان سيسبب طولاً غير مرغوب في القراءة
      ــــــــ حقيبة ممزقة و جورب أبيض ـــــــــ
      ــــــــ حقيبة ممزقة وحذاء ممزق ، وجورب أبيض ــــ

      عودة :
      النص بدأ بإيهام القارىء بمشهد ربما اشتمل على ايحاءات كانت سبباً في إحداث المفارقة الداخلية للنص ، فبدا النص في أوله بشكل ، وانتهى بشكل آخر تماماً ...
      وكان الفصل بين الشكلين موظفاً بحرفية عالية ، حيث جاء على هيئة الاسترجاع الزمني المتساوي مع الحدث ذاته ، فلم يشعر القارىء أبداً بأن نوعاً من الفصل قد تم ...
      .
      .
      .
      مدة الاسترجاع الزمني ، تخطت الزمانية ، والمكانية ، وهي مدة قصية ، هي مدة قريبة ، لذلك هي مازالت راسخة بالذاكرة المؤقته للبطل ،وقد دلت الأحداث التالية ، وثيات عمر الأطفال على ذلك ، ولكن الموقف الذي صنعه الحوار :
      ـ طاعتي عليك واجبة.
      ـ في الحق فقط.
      ـ لاتنس أني رئيسك في العمل.
      ـ لا أحني رأسي إلا لله .
      ـ رأسك الحجري هذا هو ما أطاح بك.
      ـ لا يصح إلا الصحيح .
      ـ إذاً ارحل..ولا تنس الحقيبة .


      كان هو الخالق الأول للأزمة ، أي أن الأزمة قد بدأت تنكشف تدريجياً ، من منتصف النص ، ولكن البداية الموحية لعبت دور التشويق .. ولكن هذه الحالة الإيحائية لا أعلم لمَ وقع عليها الإختيار هي بالذات(استرق السمع - سمحت له بإلقاء بصره إلى الداخل - كانت هناك في فراشها ، وقد انحسر الغطاء عن ساقيها اللامعتين-أمسك طرف الغطاء وهم بـ.... ولكنه خشي أن ... ) ، فكان يمكن صناعة المفارقة بشكل إيحائي آخر لا يشتمل على هذا النوع من الإيهام ، وكانت ستؤدي نفس الغرض ، ولكن أعود وأقول ربما أن نظرتي الشخصة لم تحصر السبب ، ، وهناك ما يكمن بنفس الكاتب ولم أره
      ، وهذا بالطبع هو مجر اقتراح ، ولكن في النهاية المفارقة موجودة وحليفة النص ...

      فك الشفيرة :

      بعد قراءة المتلقي لصلب النص بتأن بقي عليه أن يفك شفيرات الرموز ، سواء كان رموزاً لفظية، أم رموزاً وصفية..
      الرموز اللفظية :
      1- حقيبة متربة .......
      .
      .
      .
      حقيبة العمل التي أمره المدير ألا ينساها ..
      .
      .
      .
      متربة ... دليل على التراكم الزمني ..
      .
      .
      .
      حالة الحقيبة الخاصة إبدال بعض من كل للحالة العامة ، التي تتبع التقاعد من العمل ، خصوصاً الحالة الاقتصادية ..
      2- جورب أبيض
      يأتي ليلخص لنا صورة من تحمل المسئولية
      .
      .
      .
      طفلان وأمهما ـــــــــــــــ (ثلاث كفوف تلوح له، اثنتان صغيرتان بينهما واحدة كبيرة..)
      .
      .
      .
      مصاريف مدرسة + مصاريف البيت .
      |
      |
      |
      قالب الشيكولاتة
      .
      .
      رغم رخص ثمنه ، إلا أنه أصبح غير قادر على ابتياعه لها ، وهذه النقطة ، أو هذا الرمز ، جاء ليسبب حالة الأزمة الكبرى ، وهي من إفرازات الأزمة الأساسية ، التي كانت سبباً في تقاعده عن العمل قهراً وتعسفاً ...
      (هل تكررين هذه الفعلة دائماً ؟ هل تبحثين عن قالب (الشيكولاتة)؟ رحماك يا ربي ..سامحيني )
      ورغم ذلك ، هو يشعر بالذنب ، وكأنه هو المتسبب في هذه الأزمة الإقتصادية التي انعكست بدورها على أهل البيت ....
      .
      .
      .
      حذاءً صغيراً ممزقاً
      .
      .
      .
      هذا الرمز يسمى بالرمز التأكيدي ، فجاء يؤكد حالة الضيق ، والأزمة الإقتصادية ، خصوصاً بعد إضافة صفة التمزيق ، وياليته كان :
      حذاءً صغيراً بالياً ...
      ولكن ربما جاءت صفة التمزق لتلعب دور المعادل الموضوعي ، لحالة القهر والظلم ، التي كانت السبب في هذه الحالة المتردية لهذه الأسرة ...
      في النهاية ..
      النص من النصوص الإجتماعية الرمزية ، والتي أديرت بحرفية ، ومهارة فائقة ...
      ودي واحترامي الدائم
      محمد

    • #10
      الصورة الرمزية وفاء شوكت خضر أديبة وقاصة
      تاريخ التسجيل : May 2006
      الدولة : موطن الحزن والفقد
      المشاركات : 9,734
      المواضيع : 296
      الردود : 9734
      المعدل اليومي : 1.94

      افتراضي

      حقيبة متربة وجورب أبيض

      وضع أذنه اليمنى على الباب ، استرق السمع ، ثم وبحذر متناه أمسك بالمقبض وأداره، تحرك الباب تاركاً فرجة صغيرة سمحت له بإلقاء بصره إلى الداخل ، ظلام دامس ، انحنى ليسمح لضوء الردهة خلفه بالسقوط، حدق ملياً ، كانت هناك في فراشها ، وقد انحسر الغطاء عن ساقيها اللامعتين ، حرك الباب ببطء شديد حرص فيه أن يئد صريره قبل مولده .
      بداية فيها تشويق ، تشد المتلقي ، السرد يأتي مبهم لوصف حالة ، خاصة في محاولة الإيحاء للمتلقي بالحذر ، حيث الظلمة والسكون وحالة الترقب القلقة ، ( كانت هناك في فراشها ، وقد انحسر الغطاء عن ساقيها اللامعتين ) ، إعطاء المتلقي مساحة أكبر للتخيل ، ربما يخالها البعض أنها لا تخدم النص ، وبها شبهة في التعبير ..
      بخطوات حذرة اتجه صوبها، تبدت أمامه كاملة، ثنت ساقها اليمنى فانزاح الغطاء أكثر، أمسك طرف الغطاء وهم بـ.... ولكنه خشي أن... تركه وتراجع ، جثا على ركبتيه يتأملها ..
      غاص رأسها في الوسادة، انتشر شعرها عليها محيطاً برأسها في فوضى جميلة، قسمات وجهها الناعمة مستكينة مع ابتسامة..
      ابتسامتها كانت تزلزل كيانه دائماً، تدك حصون قسوته المصطنعة، تنسف جبال انفعالاته الغاضبة؛ فيتبدل من حال إلى حال،
      اسمترارية السرد بتشويق أكثر من خلال الوصف ..
      ( جثا على ركبتيه يتأملها ..
      غاص رأسها في الوسادة، انتشر شعرها عليها محيطاً برأسها في فوضى جميلة، قسمات وجهها الناعمة مستكينة مع ابتسامة.. )
      أن يحثو شخص على ركبتية ، يوحي بالطاعة ، الإنكسار ، التودد ، هنا جثا على ركبتيه ليكون قريبا ، متوددا ، بمشاعر فياضة عميقة ، فخدم هذا التعبير حالة التشويق ، المتلقي لا زال يتابع الغموض الذي اكتنف السرد ، خاصة في ما أتى بعدها ..
      ابتسامتها كانت تزلزل كيانه دائماً، تدك حصون قسوته المصطنعة، تنسف جبال انفعالاته الغاضبة؛ فيتبدل من حال إلى حال، يسرع متوارياً عن عينيها كي لا تلمح الشلال المنهمر من قمة الجبل.. من قطرات ساخنة..
      قوة تأثير الشخصية الأخرى على بطل القصة من الناحية العاطفية ، ابتسامتها " تزلزل كيانه ، تدك حصون قسوته المصطنعة .. تنسف جبال انفعالاته الغاضبة ، فتبدل من حال إلى حال ..
      تراها من تكون هذه التي لها كل هذا التأثير ؟؟
      عامل التشويق يزداد عمقا هنا ، والبحث في مدارك المتلقي عن هذه الشخصية ..
      ( يسرع متوارياً عن عينيها كي لا تلمح الشلال المنهمر من قمة الجبل.. من قطرات ساخنة.. )
      أي ضعف وأي خوف هنا يسيطر على البطل أمام تلك الشخصية الأخرى ، أي عاطفة هذه التي تجعل دموع رجل تنساب حرى .. ( قمة جبل شامخ ) هو بالنسبة لها جبل شامخ .. وتشبيه الدموع بالشلال الساقط من الجبل الشامخ هنا تأتي لخدمة الوصف ، غزارة الدموع ، وعظم حجم الألم ، هنا ألقي الكاتب الضوء على شخصية البطل ..
      شعر بسخونتها على وجنتيه، حاول إيقاف جريانها فازداد انهمارها..
      "سامحيني فقد أجرمت في حقك، لكني لم أقصد والله، ما حدث كان رغماً عني ".....
      حوار داخلي بتأنيب للضمير واعتراف بالذنب ، وكأنه تمهيد لبداية كشف ما أبهم في البداية .
      ـ طاعتي عليك واجبة.
      ـ في الحق فقط.
      ـ لاتنس أني رئيسك في العمل.
      ـ لا أحني رأسي إلا لله .
      ـ رأسك الحجري هذا هو ما أطاح بك.
      ـ لا يصح إلا الصحيح .
      ـ إذاً ارحل..ولا تنس الحقيبة .
      حالة استرجاع .. أول نقطة ضوء على عقدة القصة ..
      أساس المشكلة ، التي تعطينا لمحة عن طبيعة تكوين البطل ، التي كانت سبب في مشكلته ، وهي التمسك بالمبادئ ، حتى وإن كانت سببا في قطع سبل عيشه ، وطرده من العمل .
      بيديها الصغيرتين كانت تحرص على تنظيفها يومياً، وتلميعها له ، ليحملها ويخرج ..
      في طريقه كان ينظر إلى النافذة مبتسماً، ثلاث كفوف تلوح له، اثنتان صغيرتان بينهما واحدة كبيرة..
      الآن هي في مكانها الدائم، ضاعت معالمها تحت أمواج الأتربة المتراكمة عليها، يدها تظهر بالكاد، باقي تفاصيلها انسحبت تحت وطأة هذا الهجوم المتكرر المزمن..
      بدأ ينكشف الغموض عن ماهية الشخصية الأخرى في القصة ..
      بيديها الصغيرتين .. ( أي أنها ليست امرأة ، ولكنها طفلة ) ، كانت تحرص على تنظيفها يوميا ، وتلميعها له ، ليحملها يوخرج ..
      حالة استرجاع ، حين كانت تنظف الحقيبة يوميا ، حقيبة العمل ، التي ربما هي معدات أو أدوات ، أو أوراق ، هنا لا تحديد لنوع العمل ، لكنه مهنةكان يزاولها ، وتحتاج مهنته لهذه الحقيبة بمحتوياتها .
      ثلاث كفوف تلوح له، اثنتان صغيرتان بينهما واحدة كبيرة..
      ثلاثة كفوف .. هنا توضيح أكبر وأعمق ، لعلاقة البطل بالشخصية الثانية ، اثنتان صغيران ، أي أن لديه طفلين وواحدة كبيرة وهي يد الزوجة .
      (الآن هي في مكانها الدائم، ضاعت معالمها تحت أمواج الأتربة المتراكمة عليها، يدها تظهر بالكاد، باقي تفاصيلها انسحبت تحت وطأة هذا الهجوم المتكرر المزمن..)
      كناية عن طول فترة توقفه عن العمل ، ضاعت ملامح الحقيبة تحت أمواج الأتربة ، فلم تعد تلك الصغيرة تنظفها وتلمعها ، فما عاد لذلك حاجة طالما أنه لا يستخدمها ..
      تحركت يدها لاإراديا تبحث تحت الوسادة عن شيء ما ..
      انهمرت دموعه بغزارة .. " آه .. هل تكررين هذه الفعلة دائماً ؟ هل تبحثين عن قالب (الشيكولاتة)؟ رحماك يا ربي ..سامحيني ..كنت أريد لك الأفضل دائماً.. لم يكن بيدي .. لم أستطع أن أصير مثلهم..ليست بطولة مني ، ولكن هكذا خلقني الله ..يوماً ما ستدركين كم كنت أحبك برغم كل ما جرى "
      عودة للحظة الآنية مع استمرار حالة الإسترجاع والتذكر ..
      حوار ذاتي ، تأنيب للضمير ، وإحساس بالذنب ، عاصفة ألم ، انفعال أبوي ناتج عن الإحساس بالتقصير تجاه الإبن .. مع محاولة لتبرير الموقف ، لما كان سببا في تقوفه عن العمل ، وتدهور الحالة الإقتصادية ، حتى أن باتت قطعة الشوكولاته رغم بخس ثمنها ، صعبة المنال بعد أنكانت في يوم متوفرة بطريقة سخية حيث باتت عادة دائمة تعودتها في أن تحتفظ بها تحت الوسادة ، ولم تنسها ..
      تململت ،انكمشت متكورة على نفسها ..مد يده أمسك بطرف الغطاء ،جذبه لم يخش أن يوقظها هذه المرة.. سحبه على جسدها ، وأحكمه عليه ..راوغ يدها الممتدة الباحثة في الظلام، أفلت منها واقفاً، قفل عائداً للباب بظهره تتبعه قطرات ساخنة منهمرة عندما لمح تحت فراشها حذاءً صغيراً ممزقاً و..جوربًا أبيض .
      تأتي النهاية هنا ، بشكل متناغم مع السرد منذ بدايته ،
      مشاعر الأبوة بما تحمله من عاكطفة تغلب كل خوف ، وتتغلب على كل حرج ، لتمتد يده تسحب الغطاء على جسدها ، تراوغ يده يدها الباحثة تحت الفراش ، أفلت منها واقفا ، رد فعل لشخص متوتر ، كأنه يخشى لسعة النار ، قفل عائدا للباب بظهره ، هنا لا يستطيع أن يبعد عينيه عنها ، وذلك مرده للعاطفة الطبيعية بين الأب والإبن ، والتي يمازجها الألم مع الحب العميق ، والحزن الذي يقهر الرجل حتى تغلبه دموعه فجري مدرارة حارقة على وجنتيه ..
      ( عندما لمح تحت فراشها حذاءً صغيراً ممزقاً و..جوربًا أبيض . )
      هنا .. النهاية المؤلمة للقصة ، حذاء ممزقا ..
      البالي مهترئ في بعض جوانبه لكن الممزق ، يكون بلى الحذاء حتى صار في حالة أسوأ من أن نطلق عليه صفة بالي ، ممزق ، ما بلي من الحذاء بات مزقا ، مما يوحي بأن الحالة المادية وصلت إلى مرحلة أكثر سوء من أن نطلق عليها احتياج ، وجورب أبيض ..هو نقاء الطفولة ، وبراءتها .

      أستاذي الأديب القاص القدير / حسام القاضي ..
      اعذر فقر حرفي إن قصرت في قراءة هذا النص ، الذي أعتبره نصا اجتماعيا بحتا ، فيه من جمال السرد وعذوبة المشاعر المحملة بالألم ما جعل قلوبنا تتفطر من خلال سردك الذي أتى بشكل مشوق ، عميق في وصف الحالة ..

      مرحبا بعودتك أيها الأديب القاص الرائع ..
      أسعدني المرور هنا ..
      تقبل تحيتي وخالص الود ، واعتذاري إن قصرت .

    صفحة 1 من 9 123456789 الأخيرةالأخيرة

    المواضيع المتشابهه

    1. لوحاتُ حنينٍ في حقيبةِ سفر
      بواسطة وليد عارف الرشيد في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
      مشاركات: 44
      آخر مشاركة: 09-01-2016, 07:12 PM
    2. رؤية نقدية لقصة " حقيبة متربة وجورب أبيض " .. للأديب حسام القاضى
      بواسطة هشام النجار في المنتدى النَّقْدُ التَّطبِيقِي وَالدِّرَاسَاتُ النَّقْدِيَّةُ
      مشاركات: 1
      آخر مشاركة: 21-05-2015, 09:57 PM
    3. عام "حقيبة النّقود"
      بواسطة كاملة بدارنه في المنتدى الاسْترَاحَةُ
      مشاركات: 4
      آخر مشاركة: 12-06-2012, 07:48 AM
    4. حقيبة الذكريات...
      بواسطة صهيب توفيق في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
      مشاركات: 26
      آخر مشاركة: 04-03-2009, 10:29 AM
    5. حقيبة الإسعاف
      بواسطة نزار ب. الزين في المنتدى القِصَّةُ وَالمَسْرَحِيَّةُ
      مشاركات: 4
      آخر مشاركة: 25-10-2005, 01:10 AM