أحدث المشاركات
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: صراخ الأحياء ـ مسرحية

  1. #1
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي صراخ الأحياء ـ مسرحية

    صراخ الأحياء: مسرحــــــــــــــــية
    الفصل الأول:
    المكـــــــان: ساحة شبه خالية
    الشخصيات: سعد/ أيمن/ نصيحة
    [الساحة شاسعة مهجورة، قام في منتهاها كوخ من الصفيح وجريد النخل. سعد وأيمن ينزويان في أحد الأركان جنب الحديقة. ينهمكان في لعبة الورق وعيون كليهما تضمر بعض المكر والدهاء. غير بعيد عنهما تنتصب نصيحة، فتتابع المشهد متأملة في استغراب وتأس]
    سعــــــد: ـ [ينتفض من مكانه، فيبدو قوي البنية عريض المنكبين حسن الطلعة، عكس زميله النحيف الطويل، ذي الوجه الشاحب. يرقص في غمرة فرحة طارئة ويصيح بصوت مرتفع] لقد هزمتك للمرة الثانية، يا فرحتاه! هيا، تهيأ وامتثل يا أيمن..
    أيمــــــن: ـ أرجوك لا تكن قاسيا في إصدار الحكم.
    سعــــــد: ـ لو كنت بالأمس علي مشفقا لوجدتني اليوم بك رحيما.. كفاك توسلا وتأهب..
    أيمــــــن: ـ[يداري هزيمته بنعي خبر مشئوم] ماتت حمالة الحطب يا سعد!
    سعــــد: ـ لو كنت لصا فحلا محترفا لاستفدت من ريع بقرتها بدون تصفيتها! ولكن ما عساني أقول أمام طائر موت حقير ولص ذليل.. [يلفت انتباهه شبح كائن معلوم، فيتغير لون سحنته] أنظر، أما ترى الآنسة نصيحة ترقبنا من بعيد؟
    أيمـــــن: ـ [ يمد عنقه مستطلعا] ألا تعرف ما تحمله نصيحة؟! رزمة من النصائح مشفوعة بسخريتها المألوفة.. لقد سئمنا محاضرتها البائرة التي تنغص علينا مرحنا..
    سعـــــد: ـ [مستهينا] المسكينة تسعى جادة في استمالتنا وإقناعنا بالعودة إلى المدرسة!
    أيمــــن: ـ يا للحماقة! أ نعود بحد السيف ونتخلى عن مشروعنا الناجح..
    سعــــد: ـ [مختلقا الجد] لا داعي للانزعاج.. نصيحة لا تروم من وراء نصحها غير مصلحتنا..
    أيمــــن: ـ [ينهض من مكانه ويصرخ ملء حنجرته] ماذا جنينا من وراء نصحها سوى الألم يهيج أعصابنا؟!
    سعــــد: ـ لندع نصيحة وشأنها الآن، واستعد لتنفيذ الحكم الجاهز.. ولكن، لن أنطق وأصدر الأوامر إلا في محضرها..
    أيمــــن: ـ ولم تصر على أن تحضر نصيحة مراسيم التنفيذ؟
    سعـــد: ـ لأثيرها وأهيج أعصابها كما هيجت أعصابنا.. أليس ذلك أفضل جواب ؟
    [تبرح الفتاة مكانها وتواصل الخطو على مهل ناحيتهما عابسة منزعجة، فتنتصب عند رأسيهما شابكة الذراعين إلى صدرها]
    نصيحة: ـ يا لسوء حالكما! يا للعار!.. لم تمعنان في نهب الوقت بلا هوادة يا زميليَ؟ إلى متى هذا التهور في دنيا الضياع يا إخوة الضباع؟!
    سعـــد: ـ يتفادى الإساءة إليها ، لما لها من فضل عليه إبان كان متزنا مواظبا على الدرس ] ذرينا والنصيحة اللحظة واسمعي البشرى.. لقد هزمت اللعين وليس له من مخرج سوى الامتثال.. قضيت يا نصيحة وما عليه إلا التنفيذ..
    نصيحة: ـ ما الذي تريد منه أن ينفذ يا هذا؟
    سعــــد: ـ سوف يحضر جحشا وديكا، وبعد ذلك يفعل ما يؤمر به! [ويلتفت إلى زميله مشيرا بيده] انطلق يا أيمن.. أيمـــن: ـ حالا، حالا يا سعد.. [ينهض ويضرب على مؤخرته بكفه ليزيل ما علق فيها من القش والتراب ثم ينظرإليها بعينين يضمران بعض التذمر، ويسأل زميله] هل سرك ما قذفتنا به من شر النعوت يا هذا؟ كيف تتوسل لمن جعلتنا والضباع في خندق واحد؟ وأحرى بك أن تتصدى لها وتقوًم سلاطة لسانها..
    سعــد: ـ ذاك الشأن شأني، هيا انطلق..
    أيمـن: ـ [ينبس بصوت مهموس] سأفعل، سأفعل..[ويطلق ساقيه للريح]
    نصيحة: ـ ما أحقر فعلتكما النكراء يا سعد!
    سعــد: ـ [يرفع إليها رأسا أشعث أغبر، ويأخذ نفسا قويا من سيجارة محشوة بالحشيش، يمعن فيها النظر ويضحك ضحك المجانين، ثم ينبس بصوت خافت] ارحمي نفسك وأعفينا من عبء نصحك.. نحن أحرار في خلوتنا..
    نصيحة: ـ لقد حز في نفسي ما تفعلان يا سعد.. أرجوك عد إلى صوابك، وسالف سعيك وانضباطك.. أما كان أليق بكما أن تنكبا على إنجاز تمرين، أو مراجعة درس، بدل قتل الوقت وتدمير المعرفة؟
    سعـــد: ـ [يدخن بشراهة وتعلو قهقهته] لا متعة في الدرس.. تخلصنا من أسر المدرسة، وطلقناها ثلاثا يا أختاه..
    نصيحة: ـ[وأية متعة تستلذها في هذا الداء الذي تختزن دخانه في جوفك؟ أتجهل شر هذه السموم أو تتغابى؟ إياك أحذر!
    سعـــد: ـ زديني من رنة صوتك العذب واغمري أنفاسي ووحدتي من سنا محياك الصبوح.. ومن يذري فقد يصبح الصباح فأسكت عن الكلام المباح! [يشير ببنانه إلى أيمن وقد لاح له عن بعد ممتطيا ظهر جحش] أنظري يا نصيحة، ها هو ذا يعود غانما!
    نصيحة: ـ وما سر إقحام الجحش البريء في اللعبة؟
    سعـــد: ـ هو الفضل ورأس المال.. [يبتلع دفعة من الدخان وينفث مقهقها].. هو شر البلايا يا نصيحتي!
    نصيحة: ـ ما هذا التناقض؟ لم أفهم شيئا!
    سعــــد: ـ خير لك ألا تفهمي [يحني رأسه، ترتسم على صفحة وجهه المستدير ابتسامة ذابلة أوحى بها المخدر، ويشرع في فتل سيجارة محشوة بالكيف الأخضر، فينبس] سبق أن هزمني الملعون بالأمس في اللعبة، وقضى بأن أحضر جحشا فتيا [يضحك ضحكا متقطعا]...يا للجحش المشئوم في اليوم المشئوم ذاك!
    نصيحة: ـ ما ذنبه يا فتى؟
    سعـــد: ـ ذنب لا يغتفر يا فتاة.. لقد عمد أيمن إلى دس الفلفل الحار في مؤخرة الجحش، وما إن امتطيته حتى ثارت ثائرته، فراح يركض بكل ما أوتي من القوة، ويركل من فرط النعرة الحارقة التي ركبته... وما عليك يا نصيحة إلا أن تتخيلي سيناريو الحدث وتتصوري نهايتي المفجعة.. آه، لا يزال كتفي يؤلمني من حر السقطة القاتلة..
    نصيحة: ـ هل تنوي التنكيل به كما فعل شريكك بمثيله؟
    سعـــد: ـ لو يكون الأمر كذلك تهون العاقبة!
    نصيحة: ـ أ تضمر له حدا أمضَ؟
    سعـــد: ـ حد الموت يا فتاة.. لن يفلت المسعور من حد السكين والساطور..
    نصيحة: ـ ولكن ما صدر عنه كان خارج عن إرادته..
    سعـــد: ـ أ للحمير إرادة؟
    نصيحة: ـ بل إرادة أنقى من إرادة البشر أمثالكم! على كل، أتوسل إليك أن تعدل عن قرارك الجائر.. ارحم ضعف مخلوق أعجم أبكم لا حول له.. لا تقدما على هذه الفعلة الشنعاء، وإلا رفعت أمركما إلى السيد الضمير..
    سعيـد: ـ اسمعي، نصيحة: خير نصحك أن تنصرفي إلى حال سبيلك، تالله لوما سالف فضلك علي لقلت لك اذهبي والضمير إلى نار السعير.. [ يشير إلى أيمن بتنفيذ الأوامر، فيستجيب ويسوق الضحية إلى مذبح الحمير الفتية عند جنب الحديقة..
    نصيحة: ـ [لم تستحمل منظر الجحش يشرع في نحره، فتصيح عاليا].. لا تفعلا بربكما.. لا تفعلا.. وا ضميراه..
    الفصـل الثاني
    المكــــــان: سوق قروي.
    الشخصيات: سعد/ أيمن/ نصيحة/ أدهم الثعبان ومرافقاه.
    ساحة السوق تمتلئ بروادها، وتنشط الحركة.. يقف أيمن أمام طاولة عريضة عليها مجمر طويل الحجم ملتهب، فوقه مشواة صفَت عليها حبال من النقانق.. ويأخذ في خدمة زبائنه المحتشدين وسط زوبعة من دخان الشواء المتصاعد.. بالقرب منه يجلس سعد على كرسي قصير الأرجل وقد مدَت أمامه أربع دجاجات معصوبة السيقان.. تحج نصيحة إلى السوق.. يثيرها منظر الحشد المتهافت وزوابع الدخان المتطاير فيدفعها الفضول لاستطلاع الأمر.. يعلو سحنتها الاندهاش من رؤية أيمن يشوي الشواء ويلبي رغبات المندفعين في خفة ودهاء]
    نصيحة: ـ[تقع عيناها على سعد يتفاوض مع زبون في شأن واحدة من دجاجه، فتندفع نحوه وتهتف].. يا للصدفة!.. لم أصدق عيني.. أيمن و سعد ؟!
    سعـــد: ـ [يغضي عن المشتري ويقف من على الكرسي فيصيح].. نصيحة؟! يا مرحبا.. أشرق السوق من بهاء طلعتك.. تفضلي بالجلوس يا نصيحة [يقدم إليها الكرسي بخفة واحترام]
    نصيحة: ـ هل انقلبت أحوالكما رأسا على عقب يا سعد؟ يا سبحان مبدل الأحوال! يا لشرف الحرفة ويا لحلاوة مصدر الرزق الحلال! أحييكما وأثمن من أعماقي عملكما..
    سعـــد: ـ هذا فضل الَلَه يؤتيه من يشاء!.. هذه ثمار نصائحك تؤتي أكلها!
    نصيحة: ـ العفو يا سعد، هذا واجب خلقت له بالفطرة، وقلما يواجه سداد رأيي وصائب حكمتي بالصد والنفور.. [وتدنو منه وتشد على ساعديه وقد لاح على سحنتها التأثر].. " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا" [وتلتفت جهة أيمن المنهمك في قلب لفائف النقانق وقضبان الشواء]..آه كم هي مثيرة للشهية هذه الروائح!
    سعد: ـ [يخطو بخفة نحو الطاولة ويقطع من الحبل بعض النقانق فيقدمها على طبق فضي ناصع بعد أن رشه بمرق أحمر حار]
    نصيحة: ـ [تأكل في شهية غير مسبوقة].. كم هو لذيذ مذاقه يا سعد!.. زدني منه ما يكفي أفراد أسرتي.. [ودست يدها في حقيبتها اليدوية غير أن سعدا أمسكها من ذراعها وصاح].. والله العظيم لن تؤدي مقابلا.. كيف أنسى ما شملتني به من عطفك ومساعدتك؟! ومن أخرجني من ظلمات النشل والرذيلة سواك؟ [ ينهض ويلف ما رغبت فيه.. وهي تتسلم البضاعة تفاجأت بأدهم الثعبان يخترق الواقفين، ويعطي الإشارة لمرافقيه فيلقوا القبض على سعد وأيمن..
    نصيحة: ـ [تندفع بغير شعور وتصيح في وجه أدهم].. ما ذنبهما حتى يعتقلا بهذه الطريقة المهينة أيها الضابط؟
    أدهــــم: [يواجهها بنظرات حادة وينطق بلهجة حادة].. وأنت ما شأنك في هذا ومن تكونين؟
    نصيحة: ـ أنا نصيحة، المسعفة المؤازرة والمسخرة من قبل السيد الضمير..
    أدهــــم: ـ حسنا سيدتي، إننا مجبرون على تنفيذ الأوامر.. نحن بدورنا نجهل السبب!
    نصيحة: ـ ما رأيك في أن نحيلهما على أنظار السيد الضمير أولا؟
    أدهــــم: ـ ريثما يكتمل محضر المتابعة.. [ويساق سعد وأيمن مصفدين إلى المخفر للتحقيق معهما في بعض الجرائم التي اقترفاها في غمرة الطيش والتهور]
    الفصــــــل الثالث
    المكــــــان: قاعة للمحاكمة
    الأعضــــاء: الضمير[القاضي] ـ سناء البيئة [النيابة]
    المتهمـــــان: سعـــد/ أيمــن
    الضحايـــا: نخلة وزهرة/ العصفور/ الشيخ/ رقية العجوز
    المـــؤازر: نصيحة
    [يدخل أعضاء الهيئة، ويقف الحاضرون احتراما وإجلالا.. يعلن القاضي افتتاح الجلسة، ويمثل المتهمان في قفص الاتهام]
    القاضي: ـ هذا صوت الضمير يخاطبكما، فلتسمعا على لسان الضحايا ما تقشعر له الأبدان.. تقدمي أيتها النخلة الفرهاء وذكري بمصابك، إنا لنصغي إليك..
    النخلــة: ـ هذا عنصر خطير يا سيادة الضمير [ تشير إلى سعد].. لقد أتلف ورفيقه سعفي وجريدي.. أنظر إلى أسفل جدعي.. ألم تزكم أنوفكم هذه القذارة التي تغسلني صباح مساء، وتنخر سائر جسدي؟
    الضميـر: ـ عودي إلى مكانك في انتظار أن نبث في الأمر.. وأنت أيها الطائر الحزين ماذا ألمَ بك؟ حدث عن أوزارك ..
    الطائــر: ـ يا سيادة الضمير، اسمع من هذا المخلوق الكسير.. والله إن كان في قريتكم ـ معشر الإنس ـ من مجرم، فهذا واحد من أكابر مجرميها! [في إشارة إلى أيمن]
    الضمير: ـ إنا لننصت إليك أيها الكسير، فلتفصح للضمير..
    الطائـــر: ـ لقد هجم المعتديان عصرا على عشي في غيبتي، فأسرا زوجتي الحاضنة، وفقسا قبل الأوان بيضي وخربا مسكني.. خلص عصفورتي من قبضة السجن المرير يا سيادة الضمير.. لن أتنازل عن حقوقي..
    الضمير: ـ كفى أيها الكسير، سوف نقتص لك وتعود العصفورة إلى العيش تحت جناحيك حرة طليقة..
    [ويلتفت العصفور إلى الحضور متوسلا].. يا معشر الإنس، ارحموا ضعفنا ولا تقهرونا بلهيب فخاخكم وعذاب أقفاصكم.. لا تجهزوا يا بني آدم على أحلام الصبية والعقلاء فتحرموهم متعة التسلي بمنظري حين أحلق في فضاء ربنا الواسع، أو أشدو فوق فنن يانع.. [ينصرف صائحا في غضب].. لن أتنازل عن حقوقي..
    الضمير: ـ انتهى دورك يا عصفور اترك الأمر لنا ندبره.. [ ويأذن للشيخ بالمثول فيستجيب].. عدد محنك أيها الوقور..
    الشيــــخ: ـ إن هذين اللئيمين ينغصان علينا صفو العيش ويكدران نعمة الحياة..
    الضمير: ـ أفصح يا رجل وهات برهانك..
    الشيــــخ: ـ يدمنان على القمار والخمور جنب الدور.. يتبدلان أشنع السباب المخل بالحياء والحشمة.. وكل صباح نفتح عيوننا على فضلاتهم منثورة أمام أبواب منازلنا وفي قارعة الطريق.. ذلكم حالنا يا سيادة الضمير مع هذا الثنائي الخطير..
    الضمير: ـ عد إلى مكانك وسيقضي الله أمرا كان مفعولا.. [يلتفت إلى رقية العجوز المعتمدة على عكازها].. ما ضرك يا مسكينة؟
    العجوز: ـ عجز لساني عن الكلام في محضر ذئبين من قساة البشر.. لقد سرقا دجاجي وسلبا قططي وكلابي وسائر جحاشي.. [تنقض على سعد وتشرع في نتفه ولطمه.. يضرب القاضي بمطرقته ويتدخل الشاوش فيبعد المرأة]
    الضمير: ـ لقد أخذنا كلامك على محمل الجد يا عجوز، ولكن، احذري أن تعودي إلى مثل هذا السلوك، وإلا أمرنا بسجنك.. الزمي مكانك حتى تسمعي ما يرضيك.. [ ينادي على زهرة بنت الحديقة فتمثل في خفة وأدب].. أسمعينا ما ألمَ بك يا سليلة الياسمين..
    زهـــرة: ـ سمعا وطاعة أيها الحق المبين، لقد جئت أبتكم الشكوى باسم أمنا الحديقة أجمعين..
    الضمير: ـ احكي أيتها الزهرة اللطيفة..
    زهـــرة: ـ قبل أن أزيح الستار عن مأساتنا أقر بما أقر به أخونا الطائر، من أن هذين العدوين لمن أكابر مجرمي القرية الآدمية! أجل أيها الحق المبين، لقد أجهزا على سائر إخوتي الزهور وفصلا رؤوس الورود عن أجسادها، وعاثا على بساط الأعشاب فسادا.. إن أمنا لتحتضر، فقدنا الأمان وهجرنا الأنس الذي ألفناه من الزوار.. لم تعد الأنوف تستحمل نتانة الفضلات وروائح بقايا الجثث المتعفنة.. الوضع في غاية الخطورة يا ضمير..
    الضمير: ـ أية جثث يا هذه؟
    زهــــرة: ـ جثث لبقايا قطط وكلاب وحمير أعز الله وجهك أيها الضمير.. عجلوا بالتدخل.. ضعوا حدا للجنون القاتل..
    الضمير: ـ كل شيء يتم بمشيئة ربنا.. لن ندخر جهدا.. والآن الكلمة للسيدة سناء البيئة..
    سنــــاء: ـ [تنتصب ببطء وقد بدا بطنها منتفخا من حمل].. صدمت وعجزت عن التعبير أمام هذه الحقائق المخجلة والأساليب الإجرامية الحقيرة.. لم يكتفيا هؤلاء بقتل الحيوان والشجر، بل قتلا الناس جميعا بانتهاك حقهم في الانتعاش بأريج الزهر ونسيم الهواء، واحرماهم متعة الاستظلال تحت الأدواح الوارفة.. ذلك لأقصى العبث، وباسم البيئة أطالب بالحد الأقصى..
    القاضي: ـ الكلمة للدفاع الآنسة نصيحة
    نصيحـة: ـ سيدي الضمير المحترم، إن هذين المتهمين الماثلين أمامكم، في واقع أمرهما، ضحيتان أجرما في حق ضحايا، فأيمن احترقت أحاسيسه من نار زوجة أبيه الحلاق.. وسعد، وحيد أمه، شب في كنفها يتيما محروما، وبين عشية وضحاها لفظته لتعيش بعيدا في كنف زوج صارم لم يقبل بغيرها.. سيدي الضمير: فلا أيمن ولا سعد نفرا من حضن المدرسة بل هي التي طلقتهما بدون رجعة.. كذلك أصبحت معاول القمع والنكاية تستبد بجسميهما وتنكل بنفسيهما فلم يجدا مبررا لوجودهما في أحضان تنكرت لبراءتهما.. لا مجال إذن للاستغراب مما أفرزه رصيدهم المأسوي من تجاوزات.. سيادة الضمير المعظم: إن المتهمين لا يزالان قاصرين ولم يشتد عودهما بعد، وإن وضعهما الاجتماعي البئيس قذف بهما إلى هوة الرذيلة ومسلك الإجرام، وكل ذلك في غمرة طيش طفولي لا يحسب للعواقب حسابا.. عنفوان ازداد حدة في غياب أب قدوة نصوح وأم مثلى رؤوف.. سيدي الضمير المحترم: مراعاة لكل ذلك أطالب بأن يشملا بالعطف والرحمة فتعود الثقة إلى نفسيهما ويستعيدا ما ضاع من الكرامة وتداوى جراح طفولتهما المغتصبة.. لقد ألقى الندم بظلاله عليهما فتغير مسار حياتهما المنحرف واندمجا في بوتقة العمل الشريف يقتاتان من مصدره الحلال.. لقد عاينت سعيهما الميمون عن قرب..
    الضمير: [يتوجه إلى المتهمين] ارفعا رأسيكما وقولا آخر ما عندكما..
    سعـــد: ـ نشهد الله ونشهد هذا الجمع بأننا نعلن منذ الآن توبتنا النصوح، ولم نعد نعصي للضمير أمرا.. أذنبنا وليس باليد حيلة.. غفرانك الله..
    أيمــــن: ـ اغفر أيها الضمير فقد آلمنا حر وخزك.. وأنت يا عزيزتي البيئة، رقي لحالنا، فلن نعد نؤذي منك الأحياء، أحياؤك جميعا إخوة لنا، عنهم نذود ومن أجلهم نسخو ونجود.. [يلتفت إلى الضحايا متضرعا].. ويا أيها المساكين الذين اكتووا بشرنا، أشفقوا لحال سذاجتنا أنعموا علينا بجميل صفحكم..
    الضمير: ـ [ينادي على الضحايا أحاد].. ماذا ترى أيها الشيخ؟
    الشيــخ: ـ غفرت لهما معصيتهما بعدما أشهدا الله.. والله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه..
    النخــلة: ـ عفا الله عما سلف...
    البيئـــة: ـ اذهبوا فأنتم الطلقاء واتقوا شر الوباء..
    زهـــرة: ـ على الله العوض ولهم منه العقاب.. "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير بحساب"
    العجــوز: ـ أريد جحاشي ودجاجي..
    القاضي: ـ كم حمارا وديكا سرق منك؟
    العجوز: ـ عشر دجاجات وأحد عشر جحشا!
    القاضي: ـ اسمعي يا امرأة، إن لكل دجاجة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.. فما قولك؟
    العجـــوز: ـ والحمير أيها القاضي؟
    القاضي: ـ اضربي عشرة في إحدى عشر وعلى الله العوض كما قالت زينة الرياض.. وأنت أيها الطائر الكئيب؟
    العصفور: ـ لن أبرح المكان حتى تحضر عصفورتي الحبيسة.. وا عصفورتاه.. وا عصفورتاه..
    هم القاضي بفض الجلسة فأوقفه الضابط من خلف الجالسين بإشارة من يده، وتقدم بأمره فأدى التحية العسكرية ثم سلم هذا الآخير ملفا وتقهقر إلى الوراء في أدب..
    القاضي: ـ [ يتفحص الملف ويرتسم على وجهه الاندهاش، فيوزع النظر بين سعد وأيمن في حيرة وريب].. ما هذا الذي أقرأ بين السطور أيها المجرمان السافلان؟.. من منكم أجهز على حمالة الحطب وسرق ثمن بقرتها؟
    سعــــد: ـ [ ينتفض كالطير الذبيح] والله ما مسست المرأة بسوء يا سيدي.. هذا من طرق سمعي بنعيها..
    القاضي: ـ وأي عمل أخبث وأدنس من إطعام الآدميين لحوم الحمير والكلاب والقطط؟ [يرفع رأسه إلى نصيحة التي جمدت في مكانها من سماع هذا الخبر الذي لم يخطر لها يوما على بال، فخاطبها] هل سمعت بالعمل الشريف الذي اندمجا فيه يقتاتان من مصدره الحلال أيتها المؤازرة الساذجة؟!
    نصيحة: ـ [تشعر بدوران في رأسها وينتابها الغثيان فتلقي ما بجوفها من خليط الشواء والنقانق، فيضطر القاضي لرفع الجلسة بغرض التداول..]
    [القاضي والنيابة يوليان الحاضرين ظهريهما وينحرفان إلى ركن خلف قاعة الجلسات.. سناء تلاحظ بعض الاضطراب البادي على القاضي وتبادر بسؤاله]
    سنـــاء: ـ ما الذي غير أحوالك أيها الضمير المبجل؟ يبدو أنك تأثرت من فظاعة الجرم الذي اقترفه المذنبان!
    القاضي : ـ ليت التأثر انتهى عند هذا الحد فتهون الأمور يا سناء؟
    سنـــاء: ـ ماذا جرى بالضبط يا رجل؟
    القاضي: ـ لا أخفي عنك سرا يا سناء، أنا واحد من ضحايا المجرمين سعد وأيمن!
    سنـــاء: ـ هل استهدفك شرهما بالنشل والسرقة؟
    القاضي ـ [يشعر بانهيار باطني يروع أمعاءه، فينطق بحسرة وندم طفحتا على سحنته].. استهدفني الشواء والنقانق يا هذه!
    سنــــاء: ـ هل أكلت ما لذ وطاب يا هذا؟
    القاضي: ـ إلى حد التخمة يا سناء لقد كنت وأفراد أسرتي مدمنين على تلك الوجبة اللعينة!
    سنـــاء: ـ [وهي تصطنع الجد] كم كنت تدفع مقابل كل وجبة أيها القاضي المغرر به؟
    القاضي: ـ [متحسرا] كلها بالمجان.. كان الملعون يمطر بيتي بكم وفير..
    سنــــاء: ـ لا داعي للانزعاج أيها الضمير المبجل، فلست بأحسن منك حالا! والحمد لله أن وجدت سيد الضمائر يقاسمني شر الوليمة الملغومة!
    القاضي: ـ [يستعيد بعض حيويته ويهمس مستغربا].. كيف اهتديت إلى الطاولة اللغم يا سناء؟
    سنـــــاء ـ [ متأسفة].. قدماي أوصلاني بمحض الصدفة.. ويا لمكر الصدف!.. كنت أمر من فترة وحام حادة، ولم تعشق نفسي سوى نقانق سعد التي ذهب بذكرها الركبان!
    القاضي: ـ وأنت كم كلفتك الوجبة الدسمة يا مغفلة؟
    سنـــاء: ـ بالمجان!
    القاضي: ـ [يضحك هازئا ساخرا] وماذا ينتظر من ملأ بطنه بالمجان غير السحت يتجرعه أنفاسا متقطعة؟..
    سنـــاء: ـ هلا سألت نفسك أيها القاضي القدوة؟
    القاضي: ـ على أي نحن شركاء في المصاب يا عزيزتي فأمرنا لله وعزاؤنا واحد.. [يغير لهجته ساخرا].. صراحة، لقد انتابني الخوف وتملكني الريب مما يرقد في بطنك أيتها الزميلة المخدوعة!
    سنــاء: ـ أبعد الله الشر عما يرقد في أحشائي يا رجل.. فكلما زرت الطبيب وليت مرتاحة البال مطمئنة النفس.. الجنين في كامل عافيته ومنتهى صحته!
    القاضي: ـ المشكل لا علاقة له بسلامة الجنين وعافيته.. إنه فوق ما تتصوره الأذهان!
    سنـــاء: ـ أين يكمن المشكل أيها القاضي؟
    القاضي: ـ أخاف ألا يكون الرافد في بطنك سوى جحش سليم معافى أشبه بجحاش رقية العجوز!
    سنــــاء: ـ [تضحك] وأخوف ما أخاف أن تملأ صدر قاعة الجلسات عواء ونهيقا!
    [يتصافحان ويتعانقان، ثم يوليان شطر القاعة.. لم يكد القاضي يستوي على كرسي العدالة حتى ثارت ثائرة معدته فعوى عواء منكرا وقذف ما في أحشائه من قطع اللحم وفتات النقانق.. وأمسكت سناء برأسها وعجزت عن ضبط نفسها فانفجرت كقناة الماء.. يرفع القاضي رأسه فتبدوا عيناه دامعتان محمرتان ويصيح بأعلى صوته مومئا إلى سعد وأيمن]
    القاضي: ـ خذوهما.. غلوهما وفي غياهب الزنازين ألقوهما...
    [وتضج القاعة بالضحك وتعلو القهقهات]
    قصبة تادلة في 1711 2005 محمد غالمي

  2. #2
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي

    الغالمي المبدع.....
    بلا شك أن المسرحية الناجحة هي التي تضم فريق عمل متمكن إضاءة، مؤثرات صوتية، ديكور، أزياء، نص، ممثلين جيدين، استغلال جيد للمكان ، وهنا لا يمكن الخروج بصورة صحفية لعرض مسرحي تجسد كامل العرض كما قلت إلا إذا أضيف طرف أخير يعمل في أصعب ظروف العرض وهو المصور المتمكن غير المرغوب به في المكان ، هذه بلاشك من اولويات المسرحية الناجحة ، ولكن مما لاشك فيه ايضا ان المسرحية هذه يجب تكون في مجملها عملا ادبيا متمكنا ، واقصد بالعمل الادبي هنا الاخص النص نفسه ، حيث يكون ملما بماهية الواقع ، ومسايرا للحدث الزمكاني ، ومن خلالهم يكتب النص ليلامس الاخرين بواقعهم ، حتى وان اعتمد بعض الرمزية في بعض ملامحه ، وهنا في نصك اراك قد اجدت توظيف الواقع بشكل لايمكن الا ان نقول عنه توظيف محترف.
    دم بخير
    محبتي لك
    كل عام وانت بخير
    جوتيار

  3. #3
    قلم منتسب
    تاريخ التسجيل : Nov 2007
    الدولة : المغرب
    المشاركات : 77
    المواضيع : 17
    الردود : 77
    المعدل اليومي : 0.02

    افتراضي

    جوتيار الكريم دمت صديقا ودودا.. كل ملاحظاتك تصب في الصميم وأنا جد فخور حين ألمس في الرد ما يوجه ويرشد.. تحياتي لك
    محمد

  4. #4

المواضيع المتشابهه

  1. حول تلاقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات
    بواسطة عبدالله علي باسودان في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 28-02-2016, 10:47 AM
  2. الأحياء بالزمن
    بواسطة نبيل أحمد زيدان في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 23-08-2014, 07:30 AM
  3. صراخ المؤودة
    بواسطة سامح العربي في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 19-06-2006, 02:06 AM
  4. تستغربين صراخ حرفي
    بواسطة زاهية في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 28
    آخر مشاركة: 08-03-2006, 09:00 PM
  5. صراخ طفل عراقي ... صراخ صراخ
    بواسطة د . حقي إسماعيل في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 17-01-2006, 03:04 PM