أحدث المشاركات
صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 39

الموضوع: رواية سارة ونافذة الآخر ... كاملة

  1. #1
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي رواية سارة ونافذة الآخر ... كاملة

    الجزء الأول
    الفصل الأول .... ذاكرة أزلية


    كنت في الليل, ودخان التبغ يحوم كهالات رمادية فوق سهري. تابعتها بعيني, وهي تهاجر كسحب صغيرة باهتة, خارج تلك النافذة المطلة على فضاء داكن وبلا ملامح.
    أوراقي أمامي على الطاولة, بيضاء وبلا حروف, والقلم يغفو فوقها, ويتابع الصمت معي بكل اهتمام. حتى كأننا نغفل عن دقات الساعة ببعض الصمت, وصوت يأتي من بعيد, لحفيف أشجار يداعبها النسيم. ودون أن أدري, تباعدت الجدران من حولي, وتلاشت ملامح الأشياء. فشعرت ببعض البرد, كرعشة الليل على الطرقات الترابية بين الأشجار. أفقت من غفلتي على رطوبة عشب ندي, وكذلك كل ما حولي.أين أنا؟, وكيف هنا, وما هذا الدرب معتماً وصامتاً؟, تصطف أشجاره على جانبيه كالمراسم المسائية. كنت أغفو على ذاك المفترق الترابي, ولأي درب يرسم توجهي؟. أين كنت ومجلسي ذاك والسحب الصغيرة الباهتة ونافذتي؟.
    لم اصدق ملكتني الدهشة, وسرت مع ذلك الدرب المؤدي إلى أنوار بعيدة وخافتة جدا, لعلي أتبين أين أنا, وكيف أتيت, أكان حلماً؟ أم أنني الآن أحلم. بدأت أسير وتقترب الأضواء مني, وتخرج من الصمت حولي كلمات بعيدة, وضحكات خافتة, وكأنها تأتي من رجع ذكرى. بدأت أتذكر الآن. أنا على أعتاب تلك القرية الجبلية حيث يعيش ذلك المدرس, وحيث تبدأ القصة بسرد وقائعها المرسومة على جدران الذاكرة الأزلية.
    صرت عند الساحة الدائرية, ورأيت نافذة مضاءة. كان يجلس هناك مطرقاً برأسه بين كتب وأوراق, يلتفت نحو النافذة ويراقب الحركات العفوية لذاك الليل الهادئ. لم يكن هناك أحد, سوى أولئك الجالسين في المقهى. ضحكات وبعض الهمسات, والتي لا تعني سوى التسامر في الركن الوحيد من القرية, حيث ملتقى الأصدقاء, للخروج من حاجز الصمت والسكون القابع خلف جدران البيوت المتلاصقة على جوانب الدروب.
    اقتربت من المكان أكثر. وكنت بين الحين والآخر, أختبئ خلف الأشجار خوفاً من أن يراني أحد. لم أكن أريد أن أدخل أكثر, وأتلاعب في سير القصة وأحداثها. فجأة لاحظ وجودي أحد الكلاب على باب بيت, وابتدأ بالنباح, فسارعت بالتراجع. تعثرت قدمي بأحجار على الدرب, سقطت وعاودتني الغفلة, لولا النباح الذي أخذ يزداد. جعلني استفيق من جديد, لأجد جسدي على الأريكة أنظر حولي, لا زلت مكاني وتلك الساعة ونافذتي. سيجارتي على أرض الغرفة, و أوراقي مبعثرة أمامي. هي لم تعد بيضاء و بلا حروف. نظرت ملياً, فوجدت كل ما كنت به حلم من كلمات. قرأت القرية والدرب, والأشجار والمقهى. ثم درت برأسي أنظر حولي, فلم أجد أية إجابة. أقفلت النافذة وتركت الضوء, لعلي أتبين أمري ومن أين أبدأ سطوري عن ذاك المكان.

    كان الصباح يولد من ربيع مزهر وعبق. ساحرة تلك القرية حين تستفيق ذابلة العيون, يملؤها الضوء, ويتسلل إليها الانتعاش, وتنسحب الظلال كسلا. بدأ البريق يتلألأ على الأغصان الندية مع تفتح الزهور, وأصوات طيور يطربها الشروق, بدأ الناس على الطرقات يسرعون نحو أشغالهم وكأنهم يخرجون من زمن لآخر, يحيط بأماكن ودروب تحلق فيها ابتسامات وتحيات صباح.
    كان عزيز يرتب المقاعد والطاولات الصغيرة أمام المقهى, يغني كعادته ويقطع غناءه بابتسامة, حين يلقي التحية أو يردها على المارين من أمامه. فتحت تلك النافذة الصغيرة, ونظر أحمد نحو الساحة, يلتفت هنا وهناك مشيراً بيده, ويقول:
    صباح الخير, كيف حالك يا عزيز؟, أراك في غاية النشاط والسرور.
    صباح النور أستاذ أحمد, هل شيئاً من السوق؟
    شكراً, اليوم سأعفيك من هذه المهمة, فلقد تأخرت عن المدرسة قليلاًً.
    عاد يلتفت من جديد نحو المارة. ثم نظر إلى السماء الصافية كي ينساب إليه الشعور بالارتياح, غادر النافذة حين سمع صوت والدته من الداخل وهي تقول:
    هيا, لقد أعددت لك الفطور, ولم يبق هناك وقت.
    صباح الخير يا أجمل أم في الدنيا, ها أنا قادم.
    خرج إلى الحديقة الخلفية للمنزل, وجلس مع والدته, ثم أشعل سيجارة وتناول فنجان القهوة.
    لماذا ابتدأت بالسيجارة؟, ألن تتناول شيئاً قبل ذهابك؟ .
    مستعجل يا أمي, لا أستطيع الآن, أكملي إفطارك.
    أراك لا تتغير أبدا, فدائما تأخذني بابتسامتك, كم أتمنى أن أزوجك, عندها لن تقول لها لا أستطيع. متى يأتي ذاك اليوم؟, حين أراك وزوجتك وأحفادي الصغار يملأون البيت.
    لا تقلقي يا أمي, سيأتي ذاك اليوم, فلست في عجلة من الأمر, أمامي وقت طويل.
    كيف يا بني؟ أصبحت فوق الثلاثين, ولم أراك تفكر بذلك أبداً, كم أتمنى أن يهدأ بالي, وأطمئن عليك قبل أن أموت.
    بعد عمر طويل يا أمي.
    اقترب وقبل يدها وابتسم وهو يغادر. ثم التفت نحو الياسمينة قرب الباب, ولامس أزهارها البيضاء. كانت والدته تتبعه بنظراتها وهي لا تصدق نفسها, فهو وحيدها وليس لها غيره.
    كانت الطريق المؤدية إلى المدرسة ككل دروب الطفولة, تختلف في بعض الملامح, إلا أنها هي نفسها الدروب التي تعيدنا إلى الملعب والدراسة والأصدقاء, حتى المدرسون يملكون نفس الشعور مع اختلاف الوعي, فالمعلم قد أعاد المشهد آلاف المرات حتى أصبح الأمر روتينا وإعادة لمشاهدات يومية ووجوه صغيرة, ومقاعد خشبية أرهقها المكان والزمان.
    غادر البيت واخذ يعبر الساحة الدائرية, ويبتسم لمن يصادفهم في الطريق, كان يحاول أن يستحضر في ذاكرته واجبات اليوم, ويعد النفس لروتين يأخذ جزءاً من يوم يمضيه بين تلك الوجوه الصغيرة, حتى ينتهي الدوام ليفارق ذاك الجزء المعتاد من يوم, و كأنه يخبئه بين الشجيرات الصغيرة على جانب المنعطف, والذي يؤدي إلى خارج القرية حيث حقول القمح الخضراء وذلك المبنى القديم المطل من بعيد فوق التلال الهادئة, بأسواره العالية, وبابه الحديدي الضخم والذي يحمل ملامح المدرسة.
    في الداخل كان كل شيء مهترئاً وهرماً, حتى ذلك المدير الجالس على مكتبه المغطى بأوراق وكتب وأقلام من كل نوع. بعض المعلمين يتحدثون في أمور يومية, وآخر هناك يراجع الأوراق لامتحان شهري.
    دخل وألقى التحية, وتراجع إلى الغرفة الأخرى, ثم جلس ينتظر صديقه حمدي لكي يتناول معه فنجان القهوة المعتاد, قبل أن يقرع الجرس المعلق على الحائط الخارجي, وكأنه معلق هناك من قبل أن تبنى تلك الجدران والأبواب.
    وصل حمدي وقال:
    صباح الخير يا صديقي, أين القهوة ؟ ليرحمنا الله من العمل هنا ومن هذه البلدة, لولاك يا عزيزي لغادرت منذ زمن طويل. فأحلامي تبدأ هنا, لكنها ستسافر معي إلى العاصمة حيث الفرص الجيدة, مدارس أفضل ودروس خصوصية, أتعلم ما تعنيه الدروس الخصوصية ؟ تعني دخلاً أفضل وانطلاقة نحو مستقبل يرحمنا من وجع الفقر والحاجة, فنحن نسير بأحلام تضيع في آخر النهار تحت خطى الغد, ولا ندري؟.
    ضحك أحمد وقال:
    كنت أعلم بأنك ستقول هذا, وكم أصاب بالملل من شكواك المتكررة. فلماذا لا تصبر يا صديقي؟ ما كتب لك سيأتي, ولكن خبئ أحلامك وكن واقعياً, نحن هنا, وهذا هو المكتوب. ألا تستطيع أن ترى أشياء أخرى أجمل من قصيدة الصباح البائسة, تلك التي تحملها معك طوال الطريق إلى هنا؟. اشرب قهوتك ولنسارع إلى قاعة الدرس, ألم تسمع الجرس؟.
    أجل اسمعها الأجراس, فهي تثير أعصابي, و كأنها تهزأ بي في نهاية الأمر, ومن كل ما أقوله وأحلم به.
    لم يكن أحمد بلا طموح, بل كان يتعامل مع الأمور ببعض البرود, هو دائم المتابعة لما حوله بصمت, وكأنه زائر يمارس الحياة بما تتطلبه أمورها البسيطة. يحمل آمالاً اكبر, ولكن ما يشغله الآن هو حبه للتعليم و لوالدته, تلك التي أمضت حياتها وهي تعمل بكل جد, في الأرض التي تركها لهم والده. كانت امرأة نشيطة, علمتها الحياة أن الكفاح مهمتها لتقدر على تكاليف معيشتها وولدها الوحيـــــد, راقبته وهو يكبر, وعلمته القيم التي تحمل, ونشأته بأخلاق حسنة وأغرقته بكل حنانها وحبها. ربما هذا ما جعله يحمل القناعة والتمهل, صارعت الحياة كثيرا لتؤمن دراسته الجامعية في العاصمة, وها هو الآن بجانبها, وهل هناك أمنية أجمل من ذلك.
    اعتاد أن يأتي من المدرسة كي يذهب إلى الأرض ويساعدها في أعمال الزراعة هناك, ثم يعود إلى البيت عند الغروب ليجلس في غرفته, كي يستريح من عناء اليوم. كان يحب القراءة كثيرا, ويحب الذهاب في الليل إلى المقهى ليتحدث مع أصدقائه, ثم يعود من جديد إلى غرفته التي هي جزء من أعماقه, ويحضر واجبات اليوم التالي. ثم يجلس ليكتب خواطره وأشعاره, فهو ينقل ما يحمله في داخله من مشاهدات و أفكار, على أوراق أصبحت كثيرة ومبعثرة هنا وهناك.
    كان في كل يوم يخرج من ضوء الشمس, ومن الوجوه العابرة على الطرقات, ومن الأحاديث والتناقضات, ومن جماليات المكان وأنغام الموسيقا, تلك التي تتنوع حسب الأماكن والأشخاص والزمن. يخرج من ذلك ليدخل في آخر الليل إلى عالمه الخاص, حيث تدور بفكره كل ملامح التواجد ومؤثراتها, فيبدأ بمداعبة الكلمات بأحرفها , وينثر على الأوراق تراتيل وأفكاراً تخرج من وعي آخر, يتملكه بعد رحيل الصوت إلى صمت وتراكيب ظلمة, ونسيم هادئ وعبق ليل, و يصير الكون ملكا له وحده, ليرتقي به حتى يمتزج الحلم بالمشاهدة في آن واحد.
    هكذا تسير الأيام كعربات قطار لا ينتهي, عربات متشابهة تسير إلى ما لانهاية, ليس في تلك القرية فقط , بل في كل القرى والمدن وفي كل تقاسيم العمر, يتخللها بعض المحطات التي تجعلنا نخرج من العربات ولو قليلاً, لندخل في عوالم أخرى, لا تأسرها السكك الطويلة الممتدة على طول السنين.




    يبتع ....

  2. #2

  3. #3
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    اشكرك اخت ريمة ...

    امنياتي لك بالخير....

  4. #4
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي


    الفصل الثاني ... طائرة ورقية



    كان عزيز مليئاً بالحركة لا يستريح, يتنقل من مكان لآخر ويضحك لهذا وذاك, ويلقي بكلمات تجعله يضحك قبل أن يقولها. فلقد كان باعثاً للحيوية في تلك الجلسات المملة. بعضهم على طاولة النرد, والبعض الآخر يلعب الورق, ونظرات ريبة مع بساطتها تضفي بعض الغموض على تلك الجلسة, وآخر يستلقي على مقعده وهو يعانق الدرب لا يلتفت إلا لذلك الرصيف, ولا يرى سوى أحذية سوداء وبنية وبيضاء, وأحيانا يراقب أقدام القطط حين تقف لتبحث عن شيء بين القمامة, ثم تولي مسرعة نحو لاشيء. في الزاوية المطلة على ساحة القرية, يجلس أحمد وصديقه حمدي يتحدثان عن مباراة الغد في المدرسة, وبعض الأمور الأخرى المتعلقة بالتحضير لتلك المناسبة. وفي اللحظة يبتسم حمدي لشخص يعبر الطريق باتجاه المقهى ويقول:
    أهلاً أستاذ فارس تفضل, أريد أن أعرفك على صديقي.
    التفت أحمد, فعرف أنه المدرس الجديد القادم من مدينة أخرى, ذاك الذي انتقل إلى المدرسة حديثا. وقف ثم ألقى التحية. ابتسم فارس وأخذ كرسياً من طاولة أخرى ليجلس معهم, ثم نادى حمدي عزيزاً, فجاء مسرعاً وقال:
    أهلا بالمدرسة ومعلميها ماذا أقدم لكم ؟
    فقال أحمد:
    اسأل ضيفنا ماذا يشرب.
    أجاب فارس:
    فنجان قهوة وسط إذا سمحت.
    استمر الجميع بالحديث, ولم تكن الأحاديث تأخذ أية خصوصية أو تركيزاً على موضوع معين, مجرد كلمات لا تتطرق لشيء يبتعد عن مشاهدات يومية, وأحوال عادية. فكما قلت كان المكان ركناً يمزق حاجز الصمت الذي يسكن الدروب المؤدية إلى المساكن المتلاصقة في القرية.
    سكن الليل, وسكتت معه الأحاديث, وعاد الكل إلى بيوتهم يسلكون الدروب المؤدية نحو سواقي التواجد اليومي
    يدخل أحمد إلى البيت,وكانت والدته تعد العشاء فقال:
    مساء الخير يا أمي.
    أهلاً يا بني, كيف حمدي؟, ألا يزال وذلك الجنون و الشكوى ؟.
    بخير, وكما هو لا يتغير أبداً, كباقي الأمور الأخرى في هذا المكان. آه نسيت أن أقول لك, فلقد دعوته وزميلاً جديداً في المدرسة للغداء عندنا يوم غد, هو شخص لطيف وأحببت أن أقدم له واجب الضيافة.
    كما تريد يا بني, ولكن عليك أن تصحو مبكراً في الغد كي تحضر لي بعض الأغراض اللازمة.
    حاضر يا أمي, أعلم أني أتعبك أحياناً ولكن...
    لا يا بني, فهذا واجب. هيا تعال الآن إلى العشاء.
    حسن يا أمي, ولكن سأغير ثيابي ثم أعود حالاً.
    بعد العشاء عاد إلى غرفته, وأخذ يرتب أشياءه المبعثرة, ثم استلقى على السرير ينظر إلى السقف, هو يبحث عن معنى التواصل مع تلك الأمور اليومية. يفكر بحمدي وفارس وعزيز, ثم يغمض عينيه. يريد أن يقول أشياء كثيرة, ولكن لمن سيقول. أشعل سيجارة وذهب إلى المكتب قرب النافذة, تناول القلم, وبدأ ينساب على الورق بكل ما يثير فكره في تلك الليلة, فهو دائم التساؤل عن معنى الحياة واختلاف أشكال البقاء, فكتب:
    طائرة ورقية
    تحلق في فضاء واسع
    تحسدها الطيور على ألوانها
    وعلى وجهها الكبير
    تحلق
    ترقص للريح
    تتمايل زهواً
    لكنها مربوطة بخيط رفيع
    ويد طفل صغير
    لا تقدر أن تحلق أكثر
    ولا في الأفق تطير
    كانت طائرة ورقية
    إن بللها المطر تذوب
    ولا يبقى منها سوى الخيط
    ويد الطفل الصغير
    فما الأقدار وما المصير.
    ألقى القلم على الأوراق ثم اقترب من النافذة ليستنشق بعض الهواء النقي. تراجع دون أن يطفئ النور, واستلقى على السرير, وترك عيونه تدور وهي تبحث عن قرار أو مصير. كان السقف أبيض وبلا ملامح. أيجد في الحلم شيئاً؟, لم يكن يدري, ولم يملك سوى أن يغمض عينيه.
    في اليوم التالي عاد الجميع من المدرسة إلى بيت أحمد, وأمضوا فترة بعد الظهر هناك, تعرف خلالها فارس على والدته. وابتدأت بينهم في ذلك اليوم صداقة من نوع آخر. حين تقاربت أمور كثيرة تجمع بينهم في طرق التفكير وتلك النظرة للأمور.
    كان يحمل أفكاراً تلقى تقبلاً من فارس, وتجيب على كثير من تساؤلاته, كان الآخر محباً للمعرفة وقد قال بأن نقله إلى هنا أثار فيه الفضول, خصوصا, أنها أماكن جديدة وأناس آخرون, ومشاهدات تحمل طابعاً يختلف عما يجده في مدينته الساحلية. كلا الطرفين له اهتمام مغاير لما تتطلبه الحياة اليومية العادية, من بساطة واقتناع. غادر الجميع المنزل قبل غروب الشمس, وأخذتهم الطريق والأحاديث إلى خارج القرية, حيث الطبيعة الخلابة والحقول المترامية على امتداد البصر. وتراءت لهم خلف التلال المحيطة بالقرية تلك الغابة الكثيفة, كانت داكنة وغامضة, خصوصاً بعد غياب الشمس خلف التلال.
    سأل فارس:
    هل من الممكن أن نذهب إلى تلك الغابة ؟, كم أحب أن أرى ما بداخلها, هل هناك غزلان وحيوانات بريه؟.
    ضحك أحمد وقال:
    ليست كما تتصور يا صديقي, يوجد هناك حيوانات برية, لكنها أرانب وثعالب صغيرة, وأنواع عديدة من الطيور. جميل أن نمضي هناك يوماً من أيام العطلة الأسبوعية, قريبا سنذهب برحلة طوال اليوم, وسترى العديد من الصيادين والحطابين, بعضهم يقصدها للهواية وآخرون لطلب الرزق. وسأعرفك هناك على الرجل العجوز, هو يسكن في ذلك الكوخ الصغير. أترى الضوء بين الأشجار على المرتفع؟, هناك يسكن, فهو يتكفل بحماية الغابة ممن يقطعون أشجارها الخضراء, وممن يغالون بالصيد. ليس موظفا تابعاً لجهة ما لها علاقة بالبيئة, ولكنه اختار المكان هناك لكي يحافظ على الطبيعة, وليجد مسكنا فيه, ولا أجمل من تلك البقعة التي يقطن فيها.
    تابع يقول:
    هيا بنا, بدأ الظلام يحل على المكان, وأمامنا درب طويل للعودة إلى القرية.
    عاد الجميع, ولم يعـد هناك حديث. يسيرون بصمت, ولم يبق سوى أصوات صغيرة تأتي من هنا وهناك, بدأ السكون يرخي بظلاله على الأشياء وكأن الطبيعة تغفو بنوم هادئ وجميل.
    في اليوم التالي, كان أحمد في طريقه إلى السوق لشراء بعض الأغراض اللازمة للأرض, فلقد أوصته والدته على أنواع من البذور وبعض العدد الضرورية. كان يفعل الأمور المطلوبة وبكل الرضا, ليس بآلية التعامل مع الأمور, ولكن لإحساسه الدائم بأن هناك ما يجب أن يكتمل, حتى تأتي أمور أخرى تكون أكثر إثارة. كان يجد في مسير الحــياة اليومية إحساساً وكأنه المخدر, فهو ليس بحاجة إلى الوعي الكامل حتى يستلقي على أريكة, أو يتناول فنجان قهوة, فكل الأمور الاعتيادية أصبحت أموراً عفوية ومتكررة, لا تحتاج إلى أي انفعال زائد, أو أية يقظة حسية. كان دائم الانتظار لمنعطف حاد يصادفه في مسيره على درب الأيام. ولكن, وحتى الآن يتراءى له الدرب وكأنه يمتد على مد الأفق, نحو أبعاد غير مرئية, وخوف دائم من أن يتعدى الأمر تلك الأبعاد نحو قادم مجهول. وبينما هو في تلك الهالة من الأفكار, أحس بيد تلامس كتفه, نظر إلى الخلف وابتسم, فلقد كان فارس.
    اعذرني, بالفعل لم أنتبه, ما هذه الصدفة؟, وإلي أين أنت ذاهب؟
    ليس لمكان محدد, لقد مللت الجلوس في البيت, فأخذت أسير في الطرقات قليلا, أو بالأحرى كنت أقصد المقهى علّي أجدك هناك.
    جيد أني التقيتك, هيا تعال معي, أريد أن اشتري بعض الحاجات, ثم نعود سوية إلى البيت, لترى غرفتي وتجلس عند النافذة وكأنك في المقهى.
    عند المساء, وصل الاثنان إلى البيت, لم تكن والدة أحمد هناك. كانت تقوم بزيارة لبعض الأقارب منذ يومين في قرية أخرى, فهي تريد أن تبحث له عن عروس مناسبة, علها توفق هذه المرة في جعله يفكر بالزواج. فتح باب الغرفة, واقترب من النافذة, ثم وضع كرسياً آخر هناك, وطلب من صديقه الجلوس ريثما يحضر القهوة.
    بدأ فارس يجول بنظره في أرجاء المكان. فهناك يرى سريراً من الخشب, مرتباً وجميلاً, وخزانة لا تحمل فوقها أية حقيبة سفر. ثم شاهد تلك اللوحة المعلقة على الجدار المقابل, كانت لبحر هادئ معتـــم, ومركب تمتد صاريته نحو السماء وبلا شراع, وكأنه مهجور في المكان منذ آلاف السنين, جبال بعيدة سوداء فارقها ضياء الشمس, ومرفأ صغير بلا حراك.
    كانت لوحة لمكان بلا زمن, وكأنها ذكرى البحر والإبحار, كئيبة بعض الشيء, لكنها تحمل معنى للحياة يأتي به الصمت والسكون, وتوحي بإشراقة جديدة ليوم جديد ولزمن آخر. أعجبته الساعة على المنضدة الصغيرة, قديمة كانت ويلازمها الوقت حين يلتزم بالحضور دون ملل. وفي الزاوية القريبة من الباب تمتد أرفف متعددة تحوي العديد من الكتب, تتراكم بلا ترتيب. نظر أمامه, فرأى أيضا طاولة المكتب, مليئة بأوراق مبعثرة وأقلام, وكراسة كتب على غلافها * أيام وكلمات*. وحتى على السجادة الصغيرة أوراق هنا وهناك, ملقاة لم تعبث بها الريح ولا الزمن, راكدة بلا حراك. نظر من النافذة وأخذ يرقب المنظر, أخذته الدهشة حين رأى المقهى والساحة والمارة, فلم يكن يفصله عنهم سوى شجيرات الحديقة الأمامية للبيت, ورأى بدايات الدروب المؤدية نحو الأحياء, وكأن المكان هو انطلاقة الحركة والحياة.
    أحس بأنه بين عالمين, عالم خارج النافذة يتكرر في الأزمان, وفي القرى والمدن, وعالم آخر, يبدأ من داخل تلك الغرفة, ليمتد حتى أعماق ساكنها, فهي ذاكرة النافذة تخبئ ما يحدث في الخارج. أخذ يبتسم حين رأى عزيزاً يتراقص بين الجالسين في المقهى.
    ومع محدودية المكان والجسد, إلا أن الدرب الذي يأخذنا نحو أعماقنا, هو درب بلا نهاية لعوالم أخرى, لا تعترف بالأحجار ولا الأسوار, ولا يحكمها البوح ولا الصمت.
    دخل أحمد وهو يحمل القهوة وقال:
    أهلاً بك, آسف على ما تراه حولك من فوضى, فأنا لا أسمح لوالدتي أن تلمس أوراقي, لأني أعرفها حيث وضعتها, وأتوه عنها عندما تأخذ شكلاً أكثر تنظيماً. أحس بها تحاكي أعماقي المبعثرة بين الشك و اليقين, وبين الماضي وما سيأتي.
    بالعكس,لم يزعجني شيء, فهي غرفة جميلة ومطلة على عالم أكثر اندماجاً مع واقعنا. أعجبتني اللوحة كثيرا. واراك تحتاج إلى امرأة تغير ملامح هذه الغربة المقيمة بين الأشياء وأعماقك , و إلى أمور أكثر إثارة من جلوسك وحيداً. أظن والدتك تؤيد كلامي, فهي الأخرى بحاجة إلى من يؤنسها طوال النهار, ولمن يساعدها في أعمال البيت.
    ضحك أحمد وقال:
    لا يا صديقي, أمي تمضي معظم يومها في الأرض, وتعود لتكمل أعمال البيت, منتهى السعادة عندها حين تتحرك لتعمل وتنظف, فهي تمارس ذروة الحياة من خلال نشاطها الزائد, ولا تقدر على الجلوس لحظة واحدة دون عمل. تتمنى ما تقوله أنت, كباقي الأمهات, وقد ذهبت بزيارة لتبحث لي عن فتاة. صدقني يا عزيزي, لا أملك في داخلي أي تخيل بأني سأتزوج من هنا, ودائما ما كنت أشعر بأني سأصادف فتاة أحلامي في مكان آخر, مجرد هاجس دائم, لذلك أنا لا أهتم بأي فتاة, وكأني موعود بأمور أخرى لا أعلم ما هي, أحس بأن العالم مليء بأمور لا نفهمها, ولا ندري متى ستأتي كالمنعطف الحاد, لتغير مسيرة الدرب التائه فينا. اشرب القهوة قبل أن تبرد فلقد نسينا أمرها.
    أخذ فارس يرتشف القهوة وهو يتأمل الساحة الحجرية الواسعة, وبقايا لأعمدة تحيط بها, والتي تنتهي عند الطريق المحاط بالأشجار العالية على جانبيه, والذي يمتد إلى خارج القرية, كان بمثابة المدخل لهذا المكان الواقع بين الجبال الخضراء. نظر إلى أحمد وكأنه ينظر من خلاله, لعله يجد الإجابة دون أن يسأل.
    ماذا هناك, بماذا تفكر ؟
    آسف ولكني أستغرب أمراً وأريد أن أسألك عنه منذ أن وصلت هنا, إلى هذا المكان. لم أستطع أن أجد أي ارتباط بين الساحة المرصوفة بشكل متقن, وتلك البقايا لأعمدة وكأنها كانت تحيط بكل تلك الساحة. أراه نظام بناء مختلفا تماما عن باقي المباني هنا, وتلك الأشجار العالية منظمة بطريقة مختلفة أيضا, فلأول وهلة تشعر وكأنك تدخل إلى مكان من زمن آخر وحضارة أخرى, بالطبع ليست آثارا قديمة ولكنها...
    ضحك أحمد وقال:
    بالفعل يا صديقي, فهمت الآن معنى أنك أحببت انتقالك إلى مكان آخر, وهو لأنك تحب أن تعرف أكثر. فقصة هذه الساحة طويلة وقديمة بعض الشيء, وكأني سأبدأ أحدثك عن تاريخ قريتنا. ومع أني أستاذ تاريخ, إلا أني ولأول مرة أحس بأني سأسرد تاريخا مقيماً حولي, لم أكن أعره أي انتباه من قبل, ربما لأني اعتدت على هذه الأمور وعايشتها منذ الصغر.
    أترى ذلك المكان بجانب المقهى؟, كان هناك في الماضي مبنى ضخما أشبه بالقصر, مع اختلاف في الملامح الخارجية فقط. فلقد كان مقرا لتلك الحامية التي بقيت تعسكر هنا في هذه المنطقة, والمقهى وما خلفه من مخازن للحبوب, كانت في الماضي إسطبلات للخيول.
    كان المقر يتكون من ثلاثة طوابق, في الأعلى يقيم قائد الحامية ومكتب القيادة, وفي الثاني مكان إقامة الضباط والجنود والطابق الأرضي كان عبارة عن معتقل, ومخزن للذخيرة والتموين. أما الساحة فكانت الجزء الأمامي للمقر حيث العربات والخيول, ولم تكن بيوت القرية ملاصقة للمكان, فلقد كانت بيوتاً طينية قديمة, أقرب إلى الحقول منها لهذا المكان. كانت تلك الأيام حسب ما قرأت وسمعت من الحكايا, هي أسوأ فترات منطقتنا, حين بني المقر هنا. لأن قريتنا تتوسط قرى كثيرة ومناطق زراعية خصبة وكان الفلاحون عبيداً, مجرد عبيد يعملون بالسخرة حتى في أراضيهم, تثقل كاهلهم الضرائب الكبيرة ومطالب قاسية, لتموين هؤلاء القادمين من مكان آخر, جنس مختلف ولغة مختلفة, حتى الشباب في مناطقنا, كانوا يعملون في البناء والطرق, و يجندون أيضا لمعارك وحروب في أماكن أخرى, كانوا يأخذون كل شيء جميل ولا يبقى لنا سوى البؤس والشقاء.
    غدا سآخذك معي إلى نبع الماء غرب القرية, بنيت هناك أحواض كبيرة لسقاية الخيول, ولتأمين الماء للمقر ومن فيه, ينقلها الفلاحون على الدواب كل يوم, فكثيرون من أهل القرية كانوا يعملون خدماً في هذا المقر. على كل حال تلك كانت فترة بائسة, تتخللها خطايا وظلم, وتضحيات وشقاء, ولم يكن هناك في ذلك الزمن مكان للأحلام, ولا للحب ولا معنى للفرح. كان جدي من الذين ذهبوا إلى الحروب القديمة ولم يعد, ولا أحد يعرف عنه شيء. المهم زالت تلك الأيام وخسرنا الكثير من شباب المنطقة, وهكذا حصل في باقي المناطق الأخرى, وعندما خرج آخر جندي من المقر, أشعل الأهالي النار في المبنى, وبقي مشتعلاً عدة أيام, حتى تهدم وأصبح ركاماً, وأصبحت ذكرياته البغيضة رماداً, سرعان ما تناثر مع الريح في فضاء النسيان. أزيلت تلك الأنقاض ولم يبق لذلك المبنى أي أثر, سوى الإسطبل والساحة وذاك الدرب, وأيضا تلك الأحواض عند نبع الماء, بقيت منذ ذاك الوقت لتستخدم كمشارب للدواب والمواشي.
    كانت تلك الأبنية والساحة والأشجار بدون خطايا, لذلك بقيت, لكي تكفر عما حصل. أما المقر وكل الظلم, فقد توارى خلف الزمن, ولم تستخدم تلك الأرض لأي شيء, هي الآن مجرد ملعب لأطفال القرية حيث الضحكات البريئة والعيون التي تحمل أملاً ورؤيا جديدة لعالم أفضل. للعلم يا صديقي بعد تلك الفترة عم الكساد والفقر, وأصبحت البطالة داء يعم كل المناطق. كنت صغيراً عندما سافر والدي ليعمل في بلد أخرى, تركني ووالدتي وللآن لم يعد, مضت خمس وعشرون سنة ولا نعلم عنه شيئا. لكن الحياة تستمر, ولا تزال الأشجار تثمر وتعبق الزهور, حين بدأت تشرق شمس أخرى, وبقينا نملك مع الاستمرار الأمل.
    لم يكن فارس من عالم آخر, فهو يعرف ذلك التاريخ جيداً. تأثر كثيرا مما سمع, وضع يده على كتف أحمد وقال:
    أنا آسف, لم أقصد أن أحرك الظلال أمام عينيك, وأرجوك أن تقبلني صديقاً, وأخاً مع كل تقديري.
    وأنا يشرفني ذلك.
    نظر فارس إلى الساعة, كانت تتجاوز الثانية عشرة, قام واستأذن بالانصراف, ثم أخذ يعبر الساحة, ومع كل الهدوء المحيط بالمكان, إلا أنه سمع وقع حوافر الخيل, وأصوات الألم من تلك النوافذ ضيقة, هو الصراخ يأتي من بين الأحجار المرصوفة. متقنة وجميلة ولكن للأسف تبقى, تحمل ذاكرة الألم. توالت الأيام, وتناثرت الأحداث خلف جدار الذكريات, فهي تختبئ خلف التغاضي.
    لم تستطع والدته أن ترسم على مخيلته أية فتاة من تلك القرية, كثيراً ما كان يحب أن يمارس الحياة اليومية دون مؤثرات تأتي من منطقيات يصنعها العقل, فهو دائم الانتظار لشيء جديد يأتي, دون ممارسة لتقليد أو عرف قائم, ويرفض أن يخضع لتجربة, كما تسير الأمور مع باقي الناس, بمنتهى الآلية والاقتناع الغريزي. فهو غالبا ما ينظر إلى الحياة بمنظار مختلف, تماماً كأنه إحساس الزائر, مع كامل المسؤولية تجاه التواجد الموروث, دائماً ما كان يريد أن يملك شيئا آخر, كالوعي مثلا. فلقد كان يتوه في المفهوم ولا يناقش أمره مع الآخرين, يفضل الصمت مع ابتسامة دون البوح بأية رغبة أو امتناع.


    الفصل الثالث ....صمت على الطرقات



    في يوم العطلة خرج من بيته في الصباح, وعبر الساحة مسرعاً, متوجها نحو بيت فارس, كان بحاجة ماسة إلى من يناقشه ويحاوره, والى من يتعايش معه في أمور أخرى, محاولا أن يختلق الأحداث على أن يستسلم لما يحدث.
    دق الباب وخرج فارس قائلا:
    أهلاً.
    صباح الخير, ما رأيك أن نخرج اليوم في نزهة خارج القرية؟, أشعر بالضيق, وأريد أن أمضي اليوم خارج نطاق المألوف.
    فهم فارس من كلامه عن حاجة ماسة للحديث, لذلك أحس بضرورة مرافقته إلى أي مكان يريد, فهو أيضا يحب أن يعرف أكثر عما يجول في خاطر الآخر عن معنى الأشياء, فقال:
    ادخل الآن, سنشرب القهوة ثم نغادر, كم أتمنى أن أرى تلك الغابة, وأن نمر بطريقنا على نبع الماء والأحواض, أريد أن أرى وأعيش تلك الحقبة بكامل المشاهدة والإحساس.
    كان فارس يسكن في غرفة ضمن بيت كبير لعائلة من القرية وله مدخله الخاص, لذلك كان شعوره بالراحة التامة في هذا السكن, خصوصا وأنه يطل على الوادي ذلك الذي تنساب إليه سفوح الجبال المقابلة, منظر جميل وساحر, خصوصاً عند مغيب الشمس, فهو يجلس أمام غرفته ويراقب الكون من مكان آخر, بمنتهى الروية والسكينة.
    خرج الاثنان يسيران نحو الطريق المؤدي إلى نبع الماء, كان أحمد يتحرك بصمت دون أي حديث, والخطوات بكل عفويتها تنسحب نحو المنحدر. ومع أن فارس يحمل سؤالاً, لكنه أيضا يحمل التردد في الحديث, فقد استمر يراقب العربات العائدة من الحقول, ويرى الفلاحين هناك حيث يجلسون تحت الأشجار القديمة, لعلها فترة الراحة بعد عناء العمل, كم تمنى في داخله لو انه معهم,ففي ذلك الوقت الذي يمتد على مر الأزمان, وعبر حياة الأرض وعلاقتها الحميمة بالإنسان, يبقى الكل في خدمة الآخر بمنتهى الحب والعطاء.
    خرج أحمد عن صمته وقال:
    تعال لننزل من هنا, فالطريق أقرب وأسهل, ولم يعد أمامنا الكثير كي نصل إلى نبع الماء.
    تحدثت أخيراً وقلت شيئا؟, بالمناسبة أريد أن أسألك, ماذا فعلت والدتك في تلك القرية؟.
    وماذا ستفعل ! أعجبتها إحدى الفتيات, وأخبرتها بأن تنسى الموضوع نهائياً.
    عجيب أمرك, شاهد الفتاة أولاً ثم بعد ذلك قرر ما تريد.
    للأسف, الأمر بحاجة إلى دافع يأتي من الداخل, وأنا لا أجد بأني أملك ذاك الدافع, لكي يجعلني أفكر في الزواج أو حتى الرغبة في أن أكون تحت المجهر أمام عائلتها, وأن أمارس الانتقاء والمقياس حين أراها.
    عزيزي دائما نحتاج إلى شيء يخاطبنا من داخلنا, ويهجس فينا لنقوم بعمل ما, خصوصاً حين يكون قرار كهذا, استقرار وتغيير نمط حياة, لا يختلف كثيرا عن حياة من سبقوني إلى ذلك, أراهم وليس جميعهم يعيشون حياة رتيبة تحمل مسؤولية وأعباء, دون سعادة كانوا ينتظرونها أن تأتي بعد الزواج.
    على كل حال لن أظلم مبدأ الزواج, فهو سنة حياة, وأظن الأمر يبعدنا عما جئنا من أجله. انظر هناك في الأسفل, تلك هي الأحواض التي حدثتك عنها وذاك هو نبع الماء, هو لم يعد غزيراً كالسابق, ولكنه كباقي السواقي المتناثرة في أرجاء الأرض يعطي دون توقف. تعال وانزل من هنا, فهذه الدرجات عمرها من عمر الأحواض, واحذر أن تنزلق قدماك فالأحجار ملساء ورطبة.
    نزل الاثنان إلى نبع الماء, كان بارداً جداً. غسل فارس يديه ووجهه, وشرب من ذلك الماء وقال:
    الله ما أجمل الطبيعة!
    نظر إلى الأحواض, كانت بالفعل مبنية على نفس طراز الساحة والمقهى, ورأى الأغنام والطيور وهي تشرب من الأحواض.
    قال له أحمد:
    هناك في ذلك المكان كانت تقف العربات, وعلى تلك الصخور كان يجلس الجنود بانتظار ارتواء الخيل, ومن النبع هنا كانت تملأ أوعية الماء, وتوضع على الدواب, ليذهب بها الفلاحون إلى المقر ثم إلى بيوتهم, هو مصدر الماء الوحيد للقرية كلها في تلك الفترة. أما الآن, وبعد أن وصلت المياه عن طريق الخطوط, لم يعد للمكان أهمية كالسابق.
    يأتي بعض الفلاحين, وأحيانا ترى الصيادين الذين يملأ ون بعض الماء قبل ذهابهم للصيد, لو تعلم يا صديقي كم هي الحكايا التي تدور على ألسنة أهل القرية, عن زمن الظلم وعن هذا المكان, فكم حصلت خلافات هنا بين الجنود وأهل القرية بسبب توزيع الماء, وكم شهد المكان العديد من الضحايا من الطرفين. أخبرني الفلاحون بأنهم لا زالوا يسمعون أصوات الخيل, وأمورا أخرى غريبة في المساء, لأشباح وحركات مريبة, وكأن المكان مازال عالقاً بين الحاضر وبين ذلك الماضي القديم.
    تابع أحمد يقول:
    أظنك استرحت من السير, هيا بنا لنكمل نحو الغابة, فالطريق إليها صار قريباً عبر تلك الدرب, هي ليست بعيدة عن تلك التلة المقابلة. سار الاثنان وبقي فارس يلتفت للخلف, عله يدخل في ذاكرة الأماكن, ولكن سرعان ما اختفت الملامح خلف الأشجار, حين ابتدأ صعود التلة نحو الغابة. صارت الطبيعة تأخذ شكلاً آخر كلما تقدما أكثر, فكل ما حولهم ينبع من عفوية لم تتدخل فيها يد الإنسان, بدأت الأشجار أكثر كثافة, وارتفاعها الشاهق نحو السماء يعطي للمكان معنىً آخر, فهو يشعرك بالرهبة
    تنساب خيوط الشمس بين الأغصان المتشابكة بتناغم ساحر, وبتوزيع مدهش للضوء والظل, فكانا كلما تقدما يبتعد العالم من خلفهم,ويصبح للهدوء رونقاً آخر, كانت خطواتهم تدب على أرض طرية, وكأنها تفقد الجاذبية, فتراكم أوراق الشجر مع مرور الوقت, أعطى لطبيعة الأرض مرونة غريبة, ولم يكن من السهل أن يتبينا ملامح المكان دون الانحناء للرؤية من خلال جذوع الأشجار الضخمة, تلك التي تعاند الزمن في البقاء. طيور وتغاريد وبكل أصناف الصوت, عذوبة وسحر, وكأنها احتفالات عالم آخر.
    بين تلك الأغصان, ومع تلقائية النمو, وتلك العفوية والانتقاء, إلا أنك تحس بعبقرية التنظيم, ذاك الذي يتشكل من رؤى مبعثرة, تعني الغابة والعفوية, والطبيعة الساحرة بكل عذريتها. استمرت الخطوات, واستمر الصمت والدهشة للجمال, وكان الارتياح ينساب إلى عقول السائرين نحو رؤية أوسع وأشمل, ونحو صفاء لا يقاوم.
    ينظر إلى صديقه مبتسماً حين يراه مأخوذا بما يشاهد حوله ثم يكمل سيره دون أن يقاطع الاندماج.
    فجأة استدار فارس وقال:
    كم هو ساحر ما حولنا, أليس هذا هو الصمت الحقيقي , أم هو الجمال؟.
    نعم هو جمال وحقيقي, لا تجده دائما, إلا عندما تنسجم مع ما حولك بالكامل,عندها تصبح جزءا من حركة قادرة على تحقيق الرغبة في الامتناع.
    ما هذه التركيبة؟, أراك تخرج عن صمتك إلى حديث لم يكن يصمت في أعماقك.
    أقصد أنك نسيت نفسك مع ما حولك, وبما أنه جميل, ونسيان النفس مع الجمال يؤدي إلى الامتناع عن الرغبة, فالرغبة مع الأنا لها خطايا, حتى ولو كانت صغيرة.
    نظر فارس إليه بإعجاب وقال:
    من أين تأتي بهذا ؟
    لم آت بشيء. هيا بنا فلقد اقتربنا من الكوخ, وأظن صديقي غاضباً مني لأني لم آت لزيارته منذ مدة طويلة, انشغلت مع والدتي في موسم الزرع, مع أني في العطلة الصيفية لا أفارقه أبدا, ولا حتى في العطل الأسبوعية, ولكن لا بأس, هو يعرف ما بيننا جيداً ولن يغضب, أعلم أن الصيادين لا يفارقونه أبدا, فذلك الكوخ هو في طريقهم إلى الغابة, لذلك هو يعتمد عليهم في إحضار حاجياته من القرية.
    حدثني عن الرجل قبل أن نصل إليه, أريد أن أعرف كيف أقابله وأتحدث معه ؟
    هو الرجل الأنقى, حارس الغابة و العفوية, وذاك الحلم الخالي من الخدش والتشويه. كنا نطلب منه في الماضي أن يأتي ليعيش بيننا في القرية, ولكن بعد أن عرفته جيدا, صرت أخاف على ذاك النقاء من صراعات البقاء, تلك التي تبنى على منطق مصطنع. ذلك الرجل أبسط من أن تناقش كيف تحادثه, فله حديث في داخلك دون أن تدري, فقط حين تراه وتصغي إليه ستعرف أكثر.
    نظر فارس أمامه فرأى الكوخ الخشبي. لم يكن صغيراً حسبما تخيل, فهو بناء ينسجم مع رؤيا المكان, وكأنه جزء من تلك الطبيعة المحيطة. سقف مائل ومغطى بألواح خشبية رقيقة, وجدران بنيت من جذوع الشجر, ونوافذ صغيرة ومدخنة ترتفع فوق الكوخ, يخرج منها الدخان, وكأنه يعلن عن وجودها. لاحظ أيضاً ذلك الباب الذي يقف فوق درجات من الأحجار, فقد كان حصيناً كذاك الكوخ, وتدل على ذلك تلك القاعدة من الأحجار الضخمة التي بني فوقها. أمام الكوخ كانت هناك ساحة واسعة تحوي عند احد أطرافها على كومة من الحطب المقطع للموقد. أعجبه المقعد الكبير عند أسفل الدرجات, وكأنه ينتظر أي قادم من مكان ما. اقتربت الخطوات أكثر, فسمع وقعها ذلك الرجل العجوز, كان يتجاوز السبعين من عمره , ويرتدي قبعة من القش عتيقة وكأنها تعود لبقايا الحرب القديمة. كان منشغلاً ببعض الأخشاب حين التفت من تحت القبعة, فكانت نظرة استقصاء تبحث عن القادمين, وعندما عرف بأنه أحمد, عاد للانشغال من جديد.
    ضحك أحمد وقال:
    أعلم أنك غاضب مني, ولكني أملك عذراً لذلك الغياب . فهل تريد استقبالنا؟
    لم يلتفت الرجل, وتابع أحمد يقول:
    حسنا سأعود من حيث أتيت.
    عندها قال الرجل وبدون أن يلتفت:
    أهلاً بكما.
    ثم أشار إلى أحمد وقال:
    أما أنت فأذهب وضع الحطب في الموقد, وحضر لنا الشاي.
    لم ينطق بأي كلمة, وذهب إلى داخل الكوخ. فناداه الرجل:
    أين تذهب؟ تعال إلى هنا.
    عاد أحمد وسأله:
    ألم تقل ...؟
    تابع الرجل :
    كيف حالك يا بني, ومن هذا الذي معك ؟
    هو صديقي فارس, جاء معي ليتعرف عليك.
    ادخل أنت ... ومادام هو صديقك فأهلاً به .
    قام الرجل من مكانه, وذهب إلى حيث فارس ومد يده مصافحاً ثم قال:
    تفضل اجلس, أما أنا فسآتي بمقعد آخر.
    خرج أحمد من الكوخ وهو يحمل الشاي, وكان الرجل يلف لفافة تبغ. ورأى فارساً ينظر إليه وإلى المكان ويتملكه الحياء والحرج, ينتظر قدوم صديقه بفارغ الصبر حتى يكسر ذلك الحاجز من عدم القدرة على البوح أمام الرجل, فهو يملك تقاطيع قاسية نوعا ما, وعدم اكتراث لما حول لفافة التبغ.
    هو لم يكن يعرف, أيسأله عن أحواله؟ أم عن ماذا كان يفعل بتلك الأخشاب؟, أم يصف حالة الطقس. كان إحساس بالارتباك , فكل ما سينطق به لا يناسب القبعة الغريبة, ولا تلك التقاطيع التي تعاند الكهولة. وضع أحمد الشاي أمامهم, وأخذ كأساً ثم جلس على أول درجة من تلك الدرجات الحجرية.
    التفت إليه الرجل وقال :
    كيف والدتك؟, هل هي بخير ؟
    بخير ولا تزال نشيطة كعادتها, ولقد أرسلت لك بعض الكعك, فهي تذكر بأنك قد أحببته حين كنت تزورنا.
    شكرا لها, كم هي امرأة طيبة وقلائل اللواتي مثلها هذه الأيام. ولكن قبل الكعك, هل أحضرت لي بعض ما تكتب؟, فمنذ زمن لم اقرأ لك شيئاً جديداً؟. أتعلم بأن الأوراق التي عندي قد قرأتها عدة مرات, حتى أني أحياناً كنت اقرأها للأشجار, ومنها تلك الشجرة الأم .
    استغرب فارس من كلماته وقال :
    أية شجرة هي الأم, ولماذا؟
    أجاب الرجل :
    تلك هي أكبر الأشجار هنا وأوفرها ظلالاً, ودائما يجلس تحتها الصيادون وتقبل بهم, رغم أنهم يسرقون الفرح من الغابة, تلك التي لها عطاء دون تمييز, كما الطبيعة وكما الأم.
    ضحك أحمد وقال:
    أعلم أنك تفعل ذلك, وأعلمك كم تصبح وحيداً حين يأتيك أحد, أذكر كم حدثتني عن الصداقات بينك وبين الشجر والمطر, والقمر أيضا, وأتذكر كم كنت تتحدث للريح بموال حزين عن الذكريات وعن الربيع.
    كان فارس يقف بين منطق الحديث وجنون المنطق في كلام الاثنين, لكنه بقي يفضل الصمت, فلعل للحديث ملامح أخرى تكون أكثر وضوحاً.
    أخرج أحمد الأوراق, وكراسة يذكرها فارس جيداً عندما زاره في غرفته. تناول الرجل الأوراق والكراسة وقرأ على الغلاف "أيام وكلمات" ثم ابتسم, ولأول مرة يرى فارس تلك الابتسامة وهي تغير معنى التقاطيع القاسية, وتحول الرجل إلى حركة توحي بالارتياح.
    التفت الرجل اليه وقال :
    أعرف أحمد منذ زمن طويل حين رأيته في القرية, فقد كنت أجلس في المقهى لأرتاح من تعب الطريق, رأيته يجلس وحده ويكتب. تأملته وهو بكل قلق وعصبية ينثر حروفا على الأوراق, ومنذ ذلك اليوم دخلت إلى عالمه, فأصبح يأتيني إلى هذا المكان كي نتحدث عن الحياة. كان يحمل هموماً اكبر من أن تعنيه, فهو لازال شاباً صغيرا.ً وجدت فيه التائه عن الحياة وسط الحياة, فعلمته الكثير من حصاد السنين الماضية, ومن هذه الغابة أراه قد تعلم أكثر .
    استدار إلى أحمد وقال:
    هيا اقرأ لي آخر ما كتبت.
    حسن سأقرأ لك, ولكن عن ذاك الصمت القابع في عزلة المكان, فانا أحياناً أكون كما تقول.
    أخذ الأوراق من الرجل وتناول إحداها ثم بدأ يقرأ:
    عن صمت في الطرقات
    وحديث يزرعه الآخرون في الثنايا
    وآخر لا يدري
    فهو يرسم على التلال أغرب التساؤلات
    وحين يعود مبتسماً, تلقاه الغفلة
    لا موقع للغفلة في وعي الآخر
    هو يعلم متى يكون أو لا يكون
    لأنه زائر يهوى العودة للبحر كنقطة ماء
    ولا يهاب النهايات
    كل أغانيه تبدأ هناك
    وتراتيل تعلمها في الصغر, يخبئها لهناك
    مرسوم على الجدار القديم عشق وسفر
    لذلك يستعير جسده من بقايا الأرض
    لكنه سيخرج يوماً, حراً طليقا
    تحلق معه النوارس إلى أفق خلف أفق, وخلف زيارة قصيرة
    كم كان يحلم أن يأخذ معه الأميرة
    فهناك عند الصمت
    تطل نسائم, ويحتفل بالقادمين
    لذلك هو يأتي ويذهب كما يشاء
    ويرسم على التلال أغرب التساؤلات.
    عندما أنهى قراءته كان الرجل ينظر إلى الشجرة الأم, ثم أخذ يلف لفافة تبغ, وطلب منه أن يعيد عليه ما قرأ, فعاد أحمد يقرأ من جديد. وخلال قراءته بدأ فارس يشعر بأن للحديث بين الاثنين مسافات أعمق وأوسع, وأحس بأنه لم يعد يملك الحق في أن يدخل أكثر في تلك العلاقة الرائعة بينهما, فقام عن مقعده وقال :
    اعذراني يجب أن أذهب قبل المساء, سيأتي إلي زوار من هناك, أقصد من مدينتي كنت قد أوصيتهم على بعض الأغراض .
    وتابع يقول لأحمد :
    بإمكانك أن تبقى هنا إن أحببت فأنا أعرف الطريق, وأرى أن تلك التلة هناك هي على أطراف القرية.
    قال الرجل :
    ولماذا لا تبقى معنا؟, فهو سيبقى هنا الليلة, غداً هو يوم عطلة أيضاً, أليس كذلك؟.
    أحس أحمد بالحرج, فهو يحب أن يبقى ولكن, كيف سيترك صديقه يغادر وحده.
    قال فارس :
    سأذهب الآن فأنا أحب أن أسير وحدي قليلاً بين الحقول,
    صافح الرجل مودعاً ثم قال لصديقه:
    أبق أنت وسأخبر والدتك بأنك تنوي البقاء هنا, وداعاً.
    ثم أخذ يسير باتجاه القرية, ووقف أحمد تحت تلك الشجرة يتابعه وهو يبتعد, حينها عاد الرجل من جديد لعمله في تلك الأخشاب, وبقي أحمد يراقب فارساً حتى اختفى خلف التلة المقابلة, ثم عاد إلى حيث كان يجلس, وأخذ الشاي والأوراق إلى داخل الكوخ.
    خاطبه الرجل من الخارج وقال :
    هناك بعض الحساء بجانب الموقد, ضعه على النار. أظنك جائع مثلي, أليس كذلك؟
    وضع الوعاء على النار ثم أخذ ينظر حوله, وكأنه الاشتياق إلى المكان, فهناك السرير الكبير من خشب الغابة, وبجانبه على الطاولة ذلك القنديل النحاسي القديم, فلم تكن هناك كهرباء تصل المكان. أخذ يتأمل الموقد المبني من الطوب الأحمر, وعليه فتحات مغطاة بأغطية معدنية دائرية توضع عليها الأواني للطهي, وبالأسفل مكان لوضع الحطب له باب صغير, وعليه نقوش غريبة الشكل. وبجانب السرير من الجهة الأخرى, وتحت النافذة الصغيرة المطلة على تلك الشجرة, يوجد صندوق خشبي كبير, يضع به الرجل تلك الأشياء التي يحتاج أن يغلق عليها, ليس لقيمتها بل لخصوصيتها. وبجانب النافذة مكان لتعليق الثياب, كانت تغطي أرض الكوخ سجادة قديمة, فكل شيء هنا قديم ولا ينتمي إلى هذا الزمن, لكنه يتناسب مع المكان المنعزل بعيداً عن عيون الحكايات وعن الضجيج.
    بعد أن تناولا الطعام خرج أحمد ليشعل النار أمام الكوخ, فلقد بدأ الليل يلتف حول بقايا الضوء, وكانت النسمات الربيعية باردة بعض الشيء, لكنها تحمل معها عبق الطبيعة.
    تصاعد اللهب عالياً, وبدأت تتراقص الألسنة كالحوريات وهي تشق ظلام الليل لتؤنس وحشة المكان. خرج الرجل وجلس على مقعده الكبير, ثم بدأ يلف لفافة تبغ وهو ينظر إلى النار, فلقد كان هناك حديث آخر ينتظر المساء.
    سأله أحمد:
    ماذا تريد أن تفعل بتلك الأخشاب؟
    أريد أن أعمل أرجوحة وأضعها هناك بجانب الدرجات, فلقد مللت هذا المقعد الهرم. أحيانا أحب الاسترخاء قليلاً وأنا أنظر إلى السماء, وهذه ستكون أرجوحة مريحة وسترى.
    أظنها الشيخوخة بدأت تسري في هذا الجسد, مع أني لا أراه كذلك.
    ضحك الرجل وقال :
    أجل أظنني بدأت أحس بالتعب أكثر من السابق, فلست بأفضل من تلك الأشجار, هي أيضاً تصاب بالتعب والهرم. أسمعها أحياناً وهي تغني بأغصانها مع الريح أغنية حزينة عن الذكريات, ويأتي الربيع لكنه لا يغني لها, فهناك شجيرات اصغر حول المكان تتمايل أغصانها بكل رشاقة وفرح. هيا يا أحمد أخبرني ماذا يدور في عقلك ألم تفكر بعد بأن تجد تلك الفتاة؟, كم أتمنى لقلب أمك أن يهدأ ولقلبي أيضا, ألست الأب الروحي كما تقول دائماً؟, أنا لا أكلمك بأسلوب من لا يعرف ما في أعماقك, ولكني أريدك أن تأتي بقرار, فلم تعد صغيراً, أليس كذلك؟
    نظر أحمد إلى اللهب أمامه وكأنه يختبئ من ذلك السؤال بين ثنايا الظلال, فهو يعود بوعيه نحو أعماقه التي تحمل القلق و الانتظار لشيء لا يعلم ما هو, ولم يتبين بعد أي الدروب سيحمل له بدايات الرؤى, وإلى متى وهذا الضباب على السفوح وعلى الأمل. خرج من بين الأشباح المتراقصة على أطراف المكان, كانت ظلالاً وأضواء, وكأنها الأصداء لتلك النار المشتعلة أمامه وفي أعماقه. ألقى بنظراته المتسائلة على مسامع الرجل وقال:
    كم أحس بك وبتواجدك على دربي, واستأنس بك مع كل غربتي, ولكني لا أقتنع بالانتقاء. أعلم أنه أسلوب الزواج في القرية, ولكن عيوني لم تقع على فتاة أحس بها, وبتلك النظرة التي تلامس غشاء الروح.
    أنت تعلم كم أنا بحاجة إلى الحب, وإلى تلك السكينة حين أجد توأم الروح, فأنا كما قلت لا أحب الانتقاء. ولست أبحث عن زوجة بمقاييس, ولا عن أم لأولاد بشروط أصل ونسب, ولا امرأة قوية قادرة على العمل في الحقل. تعلمني أعف عن حاجات جسدي إذا لم تكن تتبع رغبات الروح أولاً.
    أخذ الرجل عودا من الخشب ووضعه في النار وأشعل لفافة التبغ, نظر إلى أحمد وقال:
    أعلم ما تقوله يا بني, فما للروح ستبحث عنه الروح. أحياناً يأتي حين نحب, وأحيانا يأتي مع الانتقاء دون قصد, وأحياناً لا يأتي طول العمر.
    يا بني, ما تبحث عنه أنت هو العشق, والعشق لقاء روح, وهو ارتقاء لمعنى الاقتران والعشرة. ولكن مع تجربتي أؤكد لك, بأن لقاء الروح بالروح تعانده الطبيعة ويصبح داء مستمراً. وإن حصل فهو العشق ونادراً ما يحصل لقاء بأرض. وإن حصل يكون حلماً جميلاً وساحراً تباركه السماء.
    ما تبحث عنه يا بني, هو أمر يأتي من مكان آخر ومن فضاء آخر, لن تدلك عيونك على دربه ولا حتى أسراب الطيور, فاغمض عينيك تأتيك الرؤى. ولكن ما تبحث عنه والدتك وما أطلبه منك, للأسف هو في آخر دربك هذا. لماذا يا بني لا ترضى برغبات نفسك والجسد؟, ستأخذ حياتك شكلاً آخر إن سرت على نصيحة والدتك, فهي تتمنى لك السعادة قبل أن تغادر هذه الحياة, وهي لن تدوم لك طويلا. أنا أيضا سأفارق هذا المكان إلى بلدي بعد أن أنهي عملي في تلك المحطة, فأنت تعلم أن ابنتي قد تزوجت, ولي أحفاد صغار هناك, سأذهب لأكمل ما بقي من الأيام بينهم, فأنا عما قريب سأحتاج للرعاية أيضا. فكر يا بني بأبسط أساليب الحياة, واعلم أن الروح لن تهدأ أبداً ولكن للجسد عليك حق.
    قاطعه أحمد وسأله:
    لماذا لا أقدر على أبسط أساليب الحياة؟ ولماذا بعد أن أصبحت أعرف أكثر, تصعب علي الأمور أكثر؟ ولماذا لا أقدر أن أختار أي شيء, رغم أني أعرف كل شيء ؟. أنا فقط أمارس الحياة وبكل الرضا, ولكل ما تتطلبه مني أمورها الموروثة والمفروضة. وأين أنا مما يجب أن يكون عليه قراري والمصير؟.
    أخذ يلقي بأحجار صغيرة وسط النار, ليتطاير الشرر في فضاء المكان, وكأنها الحيرة وسط ارتياح الآخرين, أو الصحوة وسط غفلة تدور في أرجاء الزمن.
    كان الرجل مطرق الرأس, ويعلم جيداً معنى خروج القطار عن السكة الحديدية, حينها يصبح القطار سائراً بلا هدى, وسرعان ما تغوص عجلاته الحديدية في التراب, ويبقى كذلك حتى يصبح غير قادر على أن يرسم الدرب الجديد. فالوعي كما العجلات يغوص حتى يتوه في أبسط أساليب الحياة.
    رفع رأسه ونظر إلى وجه أحمد, ذاك الوجه الغائر في ثورة الرماد والشرر وقال:
    أتعلم يا بني, عندما كنت شاباً صغيراً, لم أكن أعي من الأمور أكثر من حاجات ذلك الشاب الصغير. أنهيت الدراسة, وبدأت أساعد والدي في دكانه الصغير, أملك حماس الشباب ولكني لم أكن أفكر بأبعد مما حولي, أخرج مع أصدقائي وأعبث, أجلس عند باب الدكان أراقب المارة, تلك جميلة, وذاك جارنا فلان, وتلك السيدة التي تسكن في ذاك البيت الكبير أنيقة وقبيحة. وانتظر دائما ذلك المجنون حين يأتي في يوم محدد من كل أسبوع إلى السوق, ليطلب قرشاً واحداً فقط, هكذا كان يقول لأي شخص في السوق, ثم يختفي ليعود في نفس الموعد من الأسبوع المقبل, ولم أكن أعلم لما هذا التوقيت؟.
    أعود في المساء إلى البيت لأسمعهم يقولون, لقد كبر الولد ويجب أن نفرح به, وهكذا وبأبسط ما عندي تزوجت. كان انتقاء والدتي, تزوجت تلك الفتاة وعشت معها, كانت عادية طيبة وخجولة قليلاً, كان بقاؤها مع والدتي أكثر من بقائي معها, فأنا آتي في المساء فقط , أما هي فتمضي كل يومها معهم في البيت. مضت السنون ورزقنا بابنة جميلة أسميتها سلمى, كنت أحب أن أعود إلى البيت لأداعب سلمى, حتى كبرت وتزوجت. حينها كنت قد تركت الدكان بعد وفاة والدي وعملت في السكك الحديدية. أمضيت مع زوجتي عمراً كاملاً, ثلاثين سنة, ثم توفيت وشعرت بالحزن والوحدة, فلقد كانت رفيقة عمر. ولا أذكر من تلك الحياة معها سوى الخير والأمور الحسنة.
    انتقلت بعد ذلك إلى هذه المحطة القريبة من هنا, كنا ثلاثة أشخاص نعمل على شكل دوريات واخترت أنا دورة الليل. حتى عملي هنا كان بسيطاً جداً مجرد مفتاح, أتعرف معنى مفتاح؟, كنت أحول السكك عند قدوم قطار أو ذهاب آخر, ولكن بعد أن أغلق المنجم في الشمال من هذه المنطقة, لم يعد هناك أية حركة على السكك, سوى قطار واحد ينقل بعض العمال أو الساكنين في تلك المناطق, يمر من هنا مرة وأحيانا مرتين في الأسبوع, أعني أنه لم يعد لنا عمل كثير ولا قليل, وكأن إدارة السكك الحديدة قد نسيتنا في هذا المكان.
    كنت دائماً أراقب السكك التي تمتد بلا حراك وأراقب المطر, فهو غزير في ليالي الشتاء هنا, وأرقب القطار حين يأتي وأحس بصفق العجلات على السكك, فيزداد الضجيج وتعم الحياة في المكان. وفجأة تتباعد الأصوات كما الحركة, ويعود البرد من جديد, ليصبح المكان وحيداً بارداً وبلا حياة.
    دهشت من كل ما حولي, وصرت أناقش زمني وذكرياتي, أحلام كانت تغفو مهملة في خزائن عقلي أقلقت تلك الروح النائمة في داخلي, فاستفاقت روحي على خريف العمر, ماذا أريد؟, ولماذا أكمل المشوار بالملل والتكرار؟. من هنا بدأت أبحث عن معنى التواجد, فأنا لم أعد أبحث عن حب ولا عن تطلعات لمستقبل واعد, ولم يعد هناك في آخر الدرب سوى خزائن ذكريات غطاها التراب, بعضها مقفل والبعض الآخر تهترئ به الذكريات. عندها فهمت ذلك المجنون , فهو لم يكن بلا عقل فقط , بل كان أيضا بلا أمنيات , كان يملك وضوح الرؤيا مع القناعة تلك التي تحققها البساطة.
    بدأت أفتقد الأشجار والمطر, والقمر أيضا, صرت أحب أن التصق بالتراب أكثر, وكأني مللت السكك والأسواق والوجوه, وحتى السفر بين بلدتي ومحطة بلا قطار. صعدت إلى هذه الغابة, وسرت خلال دروبها, أحسست بذاك الحب المتناغم بين العفوية والقدرة, وبين العذرية والعطاء, فعشقت الطبيعة ورأيت الكوخ وأعجبني. سألت عن أصحابه, لكنه لم يكن ملك احد, فلقد كان يخص الحامية وذاك المقر في الزمن القديم .
    وها أنت يا بني, لو أعرف متى أقلقت تلك الروح في داخلك, أليس من الأفضل لو بقيت على غفوتها؟, وكل هذا الوعي, أتدري ما فعل بك؟. لقد جعلك تطفو, كي تنظر بعينيك نحو آفاق وأمواج, وأسراب طيور قادمة وأخرى مهاجرة, ومراكب تعود وأشرعة تنشر لسفر آخر, وتبقى وتلك الرؤى, دون قدرة على الإبحار, فقدماك تغوصان في القاع, وتبقى أنت تمارس وعي الماء, دون أن تقدر على الغوص أو التنفس كالأسماك .

  5. #5
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي



    الفصل الرابع ....بداية الحلم

    سار أحمد باتجاه البيت, ونظر إلى نافذته المغلقة, فعاوده الحنين إلى الجلوس هناك حيث سكون الليل. فهو يشعر بالارتياح, ولا يتملكه القلق. دخل إلى غرفته, وفتح النافذة وجلس يستمع للموسيقا و بصوت خافت, كانت عينه تنظر إلى الأوراق والى السرير, فهو لا يملك في داخله أي نبض لأفكار تستفيق.
    فاختار أن يستلقي على السرير, وبدون أن يدري غاب في نوم عميق. وكذلك القرية أيضاً, ولم يبق سوى الليل يلقي بظلاله على المكان, وكأنه يخبئه عن عيون الأحاديث خلف السهر. بدأ النسيم البارد يدخل من النافذة التي لم يكن يعنيها النسيم ولا البرودة, فهي مشرعة على فضاء بلا ملامح وبلا أضواء. واستمرت الساعة تدق بلا زمن أو مكان, حتى غابت العيون كما الضحكات خلف نسيان وتراكم صور. وقبل أن يتلمس الفجر طريقه من بين الظلال, تدافعت هبات النسيم تحمل عبق الفضاء الندي, وتراقصت الستائر الصغيرة, وكأن الأشياء أصبحت تمتلك وعياً صغيراً, يستفيق بحركة عفوية.
    أفاق من نومه حين أحس ببعض البرد يتسلل من النافذة مفتوحة, تقدم نحو المقعد وتناول سيجارة ثم أشعلها وهو ينظر نحو الخارج, وأغمض عينيه كي يقفل باب النسيان, فلقد تذكر حلماً كان جميلاً, فهو يشعر وكأنه كان يغفو على سحب تحمل رؤيا غريبة وساحرة. أخذ يستجمع الصور والرؤى تلك الخائفة من اليقظة قبل أن يسافر بها الحلم.
    فتذكر وكأنه كان يسير في طريق يصعد نحو تلة, وأشجار صغيرة مكتظة على جانبيه. ومن خلفها أزهار بيضاء وأخرى بنفسجية تزهو بتناسق مذهل, ومقاعد خشبية على الجانبين ومتباعدة, وكذلك كانت الأشجار العالية, متباعدة أيضا وتظلل تلك المقاعد. يسير بذلك الدرب وهو ينظر أمامه, فيشاهد في آخر الدرب برجاً عالياً يتصاعد نحو السماء, كان أبيض اللون ذلك البرج, ولم يكن أحمد يدري أين هو, فهو مصاب بالذهول مما يرى.
    تذكر أيضاً أن المقاعد لم تكن متقابلة, فقد كانت تلك التي على يسار الطريق تتجه للبحر أيضا. هو يراه لأول مرة, ويرى طيوراً تحلق في السماء وتأتي من جهة البحر, ومراكباً بأشرعة بيضاء. يذكر بأنه كان يشعر بالارتياح, وبكل الدهشة يسير متقدما نحو البرج, حتى لاحظ ذاك الباب الخشبي الكبير, ورجلاً يقف هناك, طويل القامة يرتدي معطفاً أسود يصل حتى قدميه. التفت إلى المقعد المتجه نحو البحر, فرأى فتاة تجلس هناك, لكنه لم يستطع أن يتبين وجهها, فقط شعرها الطويل وذاك الرداء الأزرق. تمهل في السير لعلها تلتفت إليه, لكنها بقيت ونظرتها تسافر في الأفق البعيد, واختفى الرجل ومعطفه الطويل داخل البرج.
    أحس ببعض الخوف مما يرى, وتلاشت الدهشة خلف التساؤل, فالطيور في كل مكان, وتلك الفتاة تنظر للبحر وكأنها مأخوذة للصمت, وكان كلما اقترب من البرج يزداد إحساسه بالبرد, فهي نسائم البحر في ذاك الفجر. فجأة استفاق على نافذته وتراقص الستائر, تساءل عن الحلم وعن البرج وذاك الرجل. هي أشياء غريبة لم يرها من قبل, والفتاة كانت أغرب من كل التساؤلات. أقفل النافذة وعاد للنوم من جديد.
    أفاق في الصباح على صوت والدته وشروق الشمس. لكنه لم ينس الحلم, فقرر أن يسأل والدته عن ذلك, خرج إليها وقال:
    صباح الخير يا أمي.
    صباح النور, أراك قد نمت جيداً؟
    أجل يا أمي نمت جيداً, لكني رأيت حلماً غريباً.
    خيراً, ماذا رأيت؟
    رأيت أماكن غريبة لم أر مثلها من قبل,
    وسرد الحلم على والدته بكل الدقة والتفصيل وكأنه لم يفارق الرؤيا ولا المكان.
    ضحكت والدته وقالت :
    خيراً إن شاء الله , هو درب سعادة مليء بالزهور, وتلك الطيور بشرى خير, والفتاة هل تعرفها؟, هل هي من القرية؟.
    لم أر وجهها, وكيف ستكون من فتيات القرية؟, فهل في القرية برج أبيض وبحر أيضاً؟
    ضحكت, وأنهى سيجارته والقهوة ثم غادر إلى المدرسة, كان يحاول أن يستعيد الحلم قبل أن يتوه بين الضجيج وتلك الوجوه الصغيرة. طوال الوقت كان يشرح للتلاميذ وكأنه يتمنى أن يسرد لهم ذلك الحلم. لم تفارقه السعادة, فهو يشعر بالنشوة من تأثير تلك المشاهد, وتملكه الحيرة حين يتساءل من أين أتت وكيف؟.
    لا أحد يعلم في أي ذاكرة تختزن تلك الأمور, فهي لم تكن في الأصل ذكرى ولا واقعاً ولا مشاهدة, منتهى الحيرة حين تخرج من أعماقنا ملامح لعوالم وأفكار لم تكن, وأحيانا كثيرة لن تكون, فنحن عندما نغفو نفارق الإرادة ومنطق العقل, فمن يقود المركب دون أشرعة, وبلا قبطان أو بحارة؟, أحيانا ينتابنا شعور بالعجز والدهشة حين لا نقدر على الإجابة, وحين يملؤنا الارتياح والأمل دون أي ارتكاز على وقائع أو وعود قادمة.
    في ذلك اليوم وبعد انتهاء الدوام, انصرف الطلاب, واجتمع المدير بالمدرسين. فقد كان موضوع الاجتماع عن اقتراب نهاية السنة الدراسية, ولم يبق سوى شهر واحد, واستمر الحديث عن الترتيبات وعن مستوى الطلاب وكيفية وضع الأسئلة, وانتهى الجميع إلى قرارات تبدأ بالتفعيل من يوم غد.
    بعد أن وصل إلى البيت أحس بحاجته لأن يذهب إلى الحقل لمساعدة والدته, وليجد متسعاً من الوقت والمكان للتفكير بما سيفعله, إذ تمر السنون سنة بعد سنة دون جدوى, فما أن يبدأ العام الدراسي حتى ينتهي, وكذلك العمر. سار في طريقه نحو الحقول, في حين أخذت تزداد الدروب عددا في مخيلته والقرية اتساعا, فهناك الدرب المؤدي إلى البرج الأبيض والبحر, أيصبح الحلم وكأنه جزء من ذاكرة أحمد؟, أم ركناً آخر يلتجئ إليه تماما كغرفته, أو كما الكوخ عند أطراف الغابة؟, ولكن, أين الحقيقة من الخيال؟, نظر حوله فلم يجد هناك أي فرق, فهو يعرف بأن الواقع الذي نعيشه لا يتعدى أن يكون سوى خيال عابر يغيب مع آخر شمس خلف أشجار الغابة, وأحياناً نكون على يقين أيضا بأن كثيرا من المشاهدات الواقعية لا يمكن أن توصف بمنطق العقل, بل تتعدى ذلك لتصبح ضرباً من جنون.
    أخذ يعمل مع والدته وبكل جد حتى يفهم أكثر, معنى التواصل مع الأرض, فهو التعب والجهد المتصل, يصبح أحياناً أداة كما العقل, ويتعدى ذلك ليصبح لغة مشتركة بين الإنسان ووعي الطبيعة. هو يريد أن يتعلم الغوص أكثر من السابق, لكي يتعلم الإبحار أيضاً في يوم ما. كان أحمد يتقن أي عمل يقوم به, و يتقن حب الآخرين. هو قريب من الجميع, مع احتفاظه ببعض المسافات, فهو لا يتقن الانسجام الكامل ومنطق التعايش, ولا يملك قرارات للآخرين, فقط يحمل النصح لمن هم بحاجة إلى ذلك, ويبتعد عمن يجدون في أنفسهم القدرة. كان يشفق على الضعفاء, لكنه لا يقترب للعون كثيراً, فهو يمر عن الأحداث وكأنه خلف زجاج, فيجيب من يسأل ويمد يد العون لمن يعرفهم, ويرى بأن كثيراً من الأمور في هذه الحياة يجب عدم العبث بها, فهي حياة بكل ما فيها, وحرية للآخرين حتى في الألم .
    لم يكن يهمه الظاهر من الأمور بقدر ما يبحث عن الجوهر, يملك عفوية الحديث والاندماج والتفاعل, ولم يكن متواضعاً أو مشاركاً, بل هي عفوية تحسب عليه أحياناً. غالبا ما كان يحتاج إلى قصور في التفكير حتى يستطيع أن يندمج مع أبسط الأمور, ولكن دون جدوى, وهذا ما جعله ينظر للأمور البسيطة أحياناً بمنظار أكبر مما تحتاج, لذلك كان هذا يشعره بالتعب والإرهاق وبالخيبة أحياناً. أصبح يتمنى أن ينتهي اليوم أو أي يوم آخر, حتى يعود إلى غرفته, فهو يحن إلى تلك التجربة مع الحلم, مع اقتناعه الكامل بأن الحياة كلها حلم.
    جلس في تلك الليلة ليكتب, ثم أمسك بالقلم ورسم خطين, وكتب كلمات لا تعني شيئاً, ألقى بالأوراق وعاد إلى نوم جديد, فلم يكن هناك سوى الصمت في تلك المخيلة وفي المكان.
    في الصباح, خرج من البيت مبكراً جدا, وقف في منتصف الساحة لا يعلم إلى أين يتوجه, نظر إلى عزيز على باب المقهى وهو يرتب المقاعد والطاولات الصغيرة, ثم اتجه نحو المقهى وقال:
    صباح الخير.
    صباح الخير, لماذا أنت مبكر هكذا؟, وإلى أين ستذهب الآن؟, فهذا ليس وقت المدرسة ؟
    لن اذهب لأي مكان, هل لي بفنجان قهوة ؟
    جلس إلى الطاولة عند تلك الزاوية, لم يكن هناك أحد حول المكان, سوى عامل النفايات ينظف الرصيف المقابل, وبعض الفلاحين مبكرين في الذهاب إلى عملهم في الحقول. أشعل سيجارة وجلس يفكر بصمت, حينها اقترب منه عزيز يريد أن يحادثه, لكنه لم ينتبه, كان بحالة توتر فقد أشعل سيجارة أخرى وطلب فنجاناً آخر من القهوة. بعد ذلك قام فجأة من مكانه, وغادر مسرعاً باتجاه الدرب المؤدي نحو التلة المطلة على الغابة .
    كان يقصد الذهاب للرجل في الكوخ, وصل إلى الغابة لكنه لم يجده هناك. جلس على المقعد الكبير, وأخذ يتأمل المكان, بدا وكأنه يبحث عمن يحادثه في أمر ما, فهو دائم النظر نحو الدرب ينتظر عودة الرجل من عمله. أخذ يتساءل في أعماقه, لماذا يستطيع ذاك الرجل أن يتحدث إلى الأشجار والريح, وإلى كل ما حوله؟, ولماذا لا يقدر هو أن يسأل تلك الشجرة الأم؟, فلعلها تحمل إجابة لتلك التساؤلات.
    وبينما هو كذلك, سمع صوت الرجل من بعيد يقول:
    أهلاً أحمد, غريب أن أراك هنا وفي هذا الوقت المبكر, ماذا حصل؟.
    صباح الخير, ليس هناك ما يدعو إلى القلق, فقط جئت لزيارتك, ولأستشيرك في أمر ما.
    هل تحمل أخباراً سارة؟ أتذكر, لقد كان هذا طلبي منك.
    لست أدري ما أحمل لك هذه المرة, ولكني بحاجة إلى أجوبة, وتفسير لأمور غريبة تحصل معي. وأظنك أنت من يجيب, ويجعلني أكثر وضوحاً مع ما أحمله بداخلي .
    حسنا, سأعد الشاي وآتيك حالاً. أتريد أن تجلس في الداخل؟.
    غير مهم, أظن أن هنا أفضل.
    جلس الاثنان لشرب الشاي, ولم يتحدث أحمد بأي شيء, بل بقي ينظر إلى الشجرة الأم.
    سأله الرجل :
    لماذا تنظر إلى تلك الشجرة؟.
    كنت أتساءل, إن كنت أستطيع التحدث معها كما تفعل أنت.
    ضحك الرجل وقال :
    ولم لا, تحدث كما تريد, ولكن عليك أولا أن تتعلم الإصغاء.
    تعلم أني أجيد الإصغاء.
    لا يا بني, هناك إصغاء من نوع آخر, إصغاء إلى حديث لا يأتي من تلك الشجرة, بل من داخل أعماقك, فمن هناك يأتي حديث الأشجار والمطر, وحتى حديث الريح. ففي داخلنا درب بلا نهاية, وأحاديث تنتمي لكل المخلوقات, ورؤى وأحلام.
    قاطعه أحمد وقال:
    أجل رؤى وأحلام, هذا ما جئت من أجله. أريد منك تفسيراً لحلم غريب, وأن توضح لي, كيف يمكن أن يتكرر الحلم نفسه؟
    ثم تابع يقول:
    قبل بضعة أيام وفي إحدى الليالي, شاهدت حلماً غريباً, وقد كان بمنتهى الدقة والتفصيل. وفي الليلة الماضية, عاودني الحلم مرة ثانية, وبنفس المشاهد والرؤى. فقد كنت أرى نفسي أصعد عبر طريق يؤدي إلى تلة, وكان الطريق محاطاً بأشجار الأرصفة المتلاصقة, وخلف الشجيرات أزهار منسقة بيضاء وبنفسجية تمتد على الجانبين. وفي آخر الدرب هناك, كان ينتصب برج عال لونه أبيض وله باب خشبي كبير. ورأيت رجلاً يقف أمام البرج, طويل القامة ومعطفه الأسود الطويل ينساب حتى قدميه, وما أن رآني أتقدم نحوه, حتى استدار ليختفي داخل ذاك البرج. نسيت أن أقول بأنه وعلى طول الطريق, كانت هناك مقاعد خشبية على الجانبين, لكنها لم تكن متقابلة, وأشجار عالية تظللها. وعلى الجهة اليسرى, كنت أشاهد البحر يمتد على مد الأفق, ومراكب وأشرعة بيضاء, وطيوراً تحلق في السماء تأتي من خلف الأفق. وعلى أحد المقاعد الخشبية كانت تجلس فتاة ووجهها للبحر, ولم أتبين منها سوى شعرها ورداء أزرق. بعد ذلك أفقت من نومي على برودة ونسائم, فقد كنت قد نسيت النافذة مفتوحة طوال الليل. والغريب في الأمر هو أن الحلم تكرر في الليلة الماضية وبنفس التفاصيل, لولا اختلاف واحد, هو أني لم أر تلك الفتاة على ذاك المقعد, بل لم تكن في الحلم. والدتي لم تلاحظ شيئا في حلمي سوى الفتاة, فسألتني إن كانت من فتيات القرية ومن هي. والآن جئتك لعلي أجد تفسيراً لما يجري.
    خلال السرد لوقائع الحلم, كان الرجل يستمع بكل انتباه وعيونه لا تفارق وجه أحمد, وما أن أنهى أحمد حديثه حتى قام الرجل من مكانه, ونظر نحو السماء, ثم جال بنظره في المكان, وكأنه يبحث عن تفسير لما سمع, ثم قال:
    حقا إنه حلم غريب, وتكراره أغرب. ولا أظنه حلماً عابراً, وأؤكد لك بأنها رؤيا صادقة. أرى يا بني بأنك على أعتاب درب جديد, وجمال ذاك الدرب دلالة على بداية الأخبار السارة, تلك التي كنت تنتظرها في أعماقك وكأنها الرجاء. وذلك البرج والرجل, يحملان لك النداء كي تصل إلى آخر الدرب, فلولا النداء لما شاهدت تلك الفتاة, ولا الطيور القادمة من البحر, فهي بشرى وأحداث وحكايا, تأتي من وراء الأفق. أما عدم رؤيتك للفتاة في المرة الثانية, فهذا ما لم أجد له تفسيرا.
    أرى أن رؤياك خير, وسيأتيك القادم من الأيام بأحداث تنير دربك, فتابع حياتك واستمر في العطاء. وأغمض عينيك حتى تأتيك الرؤى, وسيزول ضباب الدروب. أما الآن, فهيا إلى المدرسة وتابع عملك, فأنا لا أملك لك سوى الدعاء.
    شعر أحمد بالارتياح, فقام مودعاً الرجل ليعود إلى القرية, ولأول مرة بدأ يشعر فعلا بأنه يبحث عن حلم, لكنه يتساءل من أين تأتي الرؤى؟, وهل عيشنا على الأرض هو فقط نوع من رؤى؟. وأين تكمن الحقيقة؟
    أزاح تلك الأفكار عن مخيلته وأسرع نحو المدرسة, فلقد أصبح يتمنى هذه المرة أن يذوب في الضجيج وفي الوجوه الصغيرة, لم يعد يحتمل الفكرة ولا التساؤلات, ولم يعد باستطاعته أكثر بأن يرتكز على حلم فقط. لماذا لا تسير الأمور معه كما هي وبكل بساطتها مع الآخرين؟, ولماذا يكون دائما كمن يسير على حافة تجعل منه الفاصل بين عالمين؟, وكيف بإمكانه أن يكون حقيقيا ملموساً, كباقي الأشياء والآخرين؟. هو يحب أن يبحر, ويحب أن يسافر في المجهول, ويفهم معنى الظلال التي تتحرك على الجدران, ويعلم من أين تأتي. فلماذا تبقى قدماه عالقتين بين أقدام المارة على الطرقات, ولا تملكان هوية المرور نحو أهداف صغيرة؟, ولماذا تلك الأحلام المؤجلة أحياناً؟.
    أصبح يرى نفسه بأبعاد غير منتظمة, ولا مجال له بان يكون من مكعبات الجدار, فتلك المكعبات تحمل بأبعادها الواضحة تشكيلة الجدار, يبقى يتساءل دائما, ويلقي بالتساؤلات على أعتاب الأمل.
    في تلك الليلة دخل إلى غرفته, وفتح النافذة ثم جلس يستمع إلى مؤثرات الليل بكل ما فيها, نظر إلى السماء, ومن تلك النافذة أخذ يتأمل النجوم وذاك الفضاء الواسع, وكم تمنى لو أنه هناك بين تلك النجوم, ليكون شيئا أو أن يكون كوكبا صامتاً.
    من قال أن الكواكب صامتة, ها نحن على كوكب يتراءى للبعيد على أنه صامت وساحر, ويلفه الضباب كما الحلم. ثم تمنى أن يكون مداراً, وغابت عيناه في فضاء واسع, وحين أغمضها تراءت له أنوار غريبة وعوالم لا تنتهي, وجمال يوحي بعظمة الخلق تأخذ العقل لمتاهات, فتمنى أن يكون هناك يجلس على شرفة ليطل منها على الدنيا, كما تطل النافذة على عالمه الصغير. أمسك بالقلم, وبدأ يكتب عن حلم أو عن تشكيلة الجدار, فكتب يقول :
    يغرقون في نوم
    ويتواصلون مع حلم
    استفاق ذاك الحلم منذ أن ناموا
    تفاسير الأحلام لا تستفيق
    أشاهد بريق عيون, ويشاهدون ظلام
    بريق عيونهم لا ينتظر البريق
    خيالات أحداثهم ذكرى
    ويعاودون النوم, كنوع من تشكيلة غفوة
    يدخلون بنقاشات واقعية التشكل
    يقتربون من حالة نسيان كامل لليقظة والحس
    لولا وخز الوعي, ذاك الذي يجعلهم يلامسون أشياء غامضة
    تراهم دائما يرددون, بأن الحياة مجرد حلم
    أحداثهم تتوارى خلف أيامهم لتلتصق بغشاء ذاكرة مؤقتة
    يشعرون بالبرد دون برد, وبالكبت دون كبت
    أحيانا يشاهدون طيوراً تحلق في سمائهم, لا تنتمي إلى طيور الحلم
    كأنه تأثير المخدر
    لذة تلك النشوة حين تتغاضى عن الحقيقة دون ملل
    ودون انفصام أو دهشة
    متى سيخرج منهم ذلك الحلم
    ويعودون لليل ساحر ونهار
    أحاول أن أستفيق
    أن أتجسد خارج النطاق
    فأخاف الأرق
    وأسجل في دفاتر أحلامهم منتحراً
    أحاول أن أغفو بعمق, لعلي أشعر بالراحة
    لكن ذاك الأرق يبقى حائلاً
    فأنا أتواجد على حافة بين عالم أؤكد زيفه
    وعالم لا أرى منه سوى الظلال
    هجين عالمين
    أم مجرد ازدواجي الوعي والظنون
    لست أدري ؟
    أنهى كتابته, وخرج من بين أوراقه ومن السؤال, ليستلقى على السرير, كي يحاول أن يعود إلى ذاك الدرب. من هو الرجل ومعطفه الطويل, ومن تلك الفتاة ورداءها الأزرق, ولماذا البحر؟. ومن أين تأتي الطيور؟, كأنه على موعد مع حديث آخر, أو إجابة تأتي من خلف الليل. ترك النافذة مفتوحة يداعبها النسيم, عل الحلم يأتي من هناك.
    ابتدأ الدرب وكأنه بلا ملامح, والشجيرات تلاشت كما الأزهار. أخذ يسير دون أن يدري, فهو لم يعد يقترب من البرج ليسمع أصوات الطيور. ولم يعد يرى البحر أيضا, وكأن الضباب صار يغطي الرؤى. وفجأة تراءى له من بعيد ذاك الواقف أمام البرج, ويلفه الضباب كما المعطف, كان رمادياً كل ما حوله وبلا ألوان. اقترب يبحث عن مقعد خشبي ورداء أزرق, فابتسم له الرجل حين استدار من جديد نحو البرج, ليختبئ خلف ضباب الحلم.
    التفت أحمد نحو البحر, فرآها تجلس على المقعد وتلتفت إلى الوراء نحو القادم من زمن آخر, أو نحو زائر يسافر عبر حلم رمادي وبلا ملامح. نظر إلى عينيها, فأصابته الدهشة بشيء من المس, فهو لم يكن يحلم بأجمل, ولا بسحر أقوى من تلك النظرة. تبسمت وعادت تنظر للبحر, حينها توقف الزمن أمام النظرة ,ولأول مرة يشعر بأن رعشة خفية تلامس غشاء الروح.
    تناثرت الرؤى خلف الوعي, وخرج الزائر من الحلم على استفاقة فجر وأصوات على الطرقات, حاول أن يعود للنوم كي يتراجع خلف نهار جديد, لكنه لم يستطع أن يكون سوى ذاكرة تحتضن الحلم, فبعض منه يستفيق, والبعض الآخر يبقى هناك, عيناها أخذته نحو البحر دون أن يدري, ولم يبق معه سوى الطيف العالق على ستائر يراقصها النسيم. وتنفس الصباح, وكأنه أول صبح يتناثر على ذاكرة الوعي والمكان .
    خرج إلى حديقة البيت وهو يترنم بأغنية كانت تعلق بذاكرته, وكأنه أصبح يكتشف بداخله أشياء جديدة لم يكن يبحث عنها في السابق.
    خرجت والدته وسمعته يغني فلم تصدق, وقالت :
    صباح الخير, أراك اليوم سعيداً؟. صدقني يا بني, هكذا الصباح يكون أجمل, وكم أفرح حين أراك هكذا.
    صباح النور, كم أحب رائحة القهوة عند الصباح, وكم أحب من عملتها.
    تعال واجلس هنا, أرى اليوم أمامي أحمد آخر, يغني ويبتسم, ويتحدث بكلام جميل. فأين ذهب ذلك الحائر وتلك النظرة الحزينة؟, هل هناك جديد لا أعرفه؟.
    لا يا أمي, ولكنني نمت جيداً وأشعر بالراحة والنشاط .
    قبل يد والدته وخرج من البيت, أخذ يعبر الساحة باتجاه المدرسة كان يرى الأشياء حوله تأخذ طعما آخر, وكأنه يتذوق جماليات الأماكن لأول مرة, فهو يشعر بأن الشمس تضيء أكثر, ويرى الناس وكأنهم أكثر تفاؤلاً وحياة.
    رفع يده ملوحاً لعزيز وقال :
    صباح الخير.
    استغرب عزيز من الصوت القادم من جهة الساحة, فهو لأول مرة يسمعه ويحيه بصوت عال ومن بعيد, ولاحظ تلك الخطوات السريعة, فهو لم يعد يسير متثاقلا كعادته.
    في المدرسة تقابل مع صديقه حمدي وسأله عن أحواله, وقال له بأنه يريده في موضوع مهم.
    فقال حمدي :
    الآن عندي حصة, ما رأيك أن نجلس بعد الحصة الثالثة ونتحدث. ولكن, هل لي أن أعرف ما هو الموضوع؟.
    الموضوع بحاجة لوقت أطول, اذهب الآن وستعرف ما أريده منك حين نتقابل.
    بعد أن ذهب حمدي أحس بالحرج, فهو لا يعرف ما سيقوله, هل سيسأله عن الحلم وتفسيره؟. هو يعرفه يؤول الأحلام, فلقد كان غالباً ما يفسر الأحلام للمدير وللمعلمين, وخصوصاً حين كان يأتي المدير مهموماً ومحبطاً من حلم رآه. فقد كان يخاف من الأمراض ومن الموت, وكان يخفف عنه حين يبدأ بتفسير تلك الأحلام . أو انه يخاف من سخرية حمدي, وكيف يحول الأمور إلى وقائع هزلية لا معنى لها, أو ربما يخاف من أن يكون تفسيره مغايراً لما يحبه هو أن يكون. على كل حال, هو يريد أن يعرف أكثر, فهذه ثالث مرة يتكرر فيها الحلم وبشكل مختلف هذه المرة.
    في فترة الاستراحة جلس الاثنان في غرفة المعلمين, أراد أحمد أن يبدأ بالحديث, ولكنه لاحظ بأن فارسا قد جاء أيضا وجلس إلى مكتبه يراجع بعض الأوراق.
    عند ذلك سأله حمدي :
    ماذا هناك, وعن ماذا كنت تريد أن تخبرني؟ قال ذلك وهو يبتسم.
    رجاء وبدون أي مزاح, فأنا أرجوك أن تأخذ الأمر بجدية أكثر هذه المرة.
    سامحك الله, تعرف بأني دائما ما أكون وبكل الجدية حين أتعامل معك أو أحادثك, فهيا قل ما عندك فلم يعد عندي صبر.
    بدأ أحمد يتحدث اليه وبمنتهى الوضوح والهدوء, أخذ يسرد له الحلم بكل روية ودقه, وكيف تكرر للمرة الثالثة. كان من ينظر إلى عيونه يظنه عاشقاً يتحدث عن تجربة حب, فبريق عينيه وتلك الحيرة على وجهه, جعلت حمدي يدخل في أعماق كلماته, فأحس هو الآخر بالغرابة مما يسمع, وأصابته الحيرة أيضاً فقال:
    غريب تكرار الحلم, ومع أني اعرف بأن الأحلام قد تتكرر, ولكن هكذا وخلال أيام متقاربة, وبنفس التفاصيل والدقة فهذا أمر غريب. لكني أرى بأنها رؤيا خير وأرى بأن ذاك الطريق....
    وقبل أن يكمل قاطع فارس الحديث, فلقد كان يسمع ما دار بينهما, ولم يقدر أن يتمالك نفسه, فترك الأوراق من بين يديه وجاء ليقول:
    آسف على مقاطعتي لكما, أعلم أنه موضوع بينكما, ولكني لم أعد أحتمل ولا أكاد أصدق نفسي !
    قال أحمد:
    ولماذا الأسف, كنت أتمنى أن تشاركنا ولكني رأيتك مشغولاً بالأوراق.
    أرجوك أن تعيد علي كل ما قلته عن الحلم, فهناك شيء غريب... وغريب جدا !
    أعاد سرد الحلم من جديد, كان فارس يستمع وعلامات الاستغراب والدهشة تظهران على وجهه, وبعد أن انتهى أحمد من حديثه, قام فارس من مكانه وقال:
    مستحيل.
    وما هو المستحيل فيما أقول ؟
    أخبرني, هل ذهبت يوما إلى مدينتنا على الساحل قبل الآن, أرجوك أجبني ؟
    لم أذهب قط , ولم السؤال؟
    لأن كل ما وصفته في الحلم هو حقيقي وموجود هناك في مدينتنا , ولكن كيف؟
    فتلك التلة هي على البحر ومنعزلة عن المدينة قليلاً, وتوجد بها منارة بيضاء, والدرب الذي تصفه هو الدرب الذي يؤدي إلى تلك المنارة.
    شعر أحمد برعشة في جسده وقال:
    أرجوك لا تمزح معي, كنت أظن حمدي من سيأخذ الموضوع بسخرية وليس أنت.
    أقسم بأني أقول الحقيقة, فما رأيته أنت في الحلم هو في مدينتنا وبكامل الوصف والمعالم, فتلك الشجيرات على جوانب الدرب, والأزهار المزروعة خلفها هي بيضاء وبنفسجية, والمقاعد الخشبية أيضا بنفس الوصف وغير متقابلة, ولا أظن بأن هناك مقاعد غير متقابلة في حدائق أخرى , والسبب هو منظر البحر والمراكب .
    بدأت أشعر بالخوف مما تقول ومن الحلم.
    كان حمدي يتنقل بعينيه بين حديث فارس ودهشة أحمد, ولا يفقه شيئاً مما يسمع, سوى ضرب من جنون أو خيال.
    ثم تابع فارس يقول:
    وذاك الرجل, هو بالفعل كما تقول عنه, طويل وغالباً ما تراه بذاك المعطف الأسود, يقيم في المنارة و يعمل فيها. بالله عليك أخبرني, هل ذهبت إلى هناك قبل الآن, أم انك رأيت صوراً لمكان كهذا من قبل؟.
    فقال أحمد:
    ما رأيت قط.
    قاطعهم حمدي وهو يقول لفارس :
    وأظنك ستقول بأن الفتاة موجودة هناك على المقعد, وتعرفها.
    لا لن أقول, فأنا لا اعلم عن الفتاة شيئا, دائما يتواجد أناس هناك في تلك المنطقة, ونادراً ما يكونون من أهل المدينة, فأغلبهم من السائحين يأتون لزيارة المنارة وللتصوير.
    بدأت الفترة الثانية من الدروس فقال أحمد لفارس:
    أرجوك أن لا تغادر المدرسة قبلي, فأنا أريد أن أحادثك.
    وأنا أيضا كذلك , وأظن بأني سأصاب بالجنون مما أسمع .

    الفصل الخامس ....دعوة ينسجها الحلم


    خرج الجميع من الغرفة, وكأن الممر المؤدي لغرف الصف يحاول أن يبتلع الفكرة والحلم, لم يستطع أحمد أن يبقى, فقد تلاشت خطواته من المكان وصارت الضوضاء في أبعاد أخرى, حتى حديثه مع مدير المدرسة عندما كان يطلب الإذن بالمغادرة, كان وكأنه يأتي من قاع بئر جافة ومملؤة بالأصداء, فلقد كان حديثاً خافتاً وعميقاً .
    سار في درب العودة نحو القرية, وبدأت تختنق الأفكار وتتلاشى الصور المحيطة بالوعي, ولم يعد يمتلك السيطرة على الحواس, فهو قد بدأ يفقد جزءا من تواجده, حتى الخطوات صارت وكأنها تخطو على سحاب يغطي أطراف الدنيا.
    وصل إلى المقهى, وجلس في مكانه المعتاد, ثم بدأ بحوار مفقود وبلا منطق, مع كل تجربته في هذه الحياة, ومع كل المعاناة في البحث عن الحقيقة. يجد نفسه في منتصف الطريق بين العلم و الجهل, وبين الخوف و الأمل. أخذ يلوم العقل والمعرفة وروحه والبصيرة, وعلى أي مفترق يقف الآن؟, هو لم يكن يحب الضبابية حتى في الشتاء, فكيف إن دخلت عقله والبصيرة.
    تراجع خلف عقله وأغمض عينيه, ثم صرخ في داخله وقال: من يناديني, ومن يرسم النداء كحلم يأتي من خلف الليل؟, من هو أحمد, وما أهمية إنسان كأي إنسان, حتى يأتيه الغد على شكل حلم؟, ومن يأخذني إلى مدن أخرى ومعالم لم أرها؟. بدأ يشك في تشكيلة المنطق أكثر من السابق, وبدأ يكتشف بأنه مجرد من أي سلاح أو عتاد, ويواجه معركة مجهولة وملامح بلا تقاطيع. يعلم بأن العقل لا ينفع مع الحلم, ويعلم أيضا بأن الحكمة لا تحدد وجه القادم من الأيام. بقي على هذه الحال يعانق التساؤل بالحيرة والرغبة بالريبة, وتناثر المكان من حوله, ولم يعد هناك أي ارتباط بين التشكل والأسماء, وبين الانفعال ومصدره, بدا وكأنه يولد من جديد خلف الطاولة الصغيرة.
    ما يحتاجه الآن هو رجع ذكريات أزلية تعلق على جدار الروح, منها فقط يستطيع أن يواجه القادم, وأن يمارس الحلم حقيقة ويصنع من الحقيقة حلماً, أخذ يتذكر كلام الرجل في الغابة عن حديث الأشجار, وكيف يكمن في الإصغاء الجيد لما في الأعماق. ويعلم أيضا بأن خلف الحدود وخلف تقزم الوعي والمنطق يوجد درب بلا نهاية, يمتد من أعماقنا نحو الأبدية والمعرفة والحلم.
    حتى عزيز لم ينتبه لوجوده وهو يجلس في الخارج, لأن أحمد لم يكن وذاك الالتصاق بالمكان, كانت الروح شاردة تبحث عن أشرعة بيضاء في البحر الضبابي, فأحيانا تمر لحظات على الإنسان وكأنها دهر كامل, وكم هو صعب أن يعود إلى دقات الزمن المنتظمة, وذلك التراكم للأحداث وللتكرار.
    جاء عزيز يحمل القهوة وقال:
    لماذا أنت هنا وحدك ؟, أنا آسف, لم أكن أعلم بوجودك, على كل حال جئت بها قبل أن تطلبها.
    نظر إلى عزيز ثم ابتسم دون أية كلمة, نظر إلى الساحة وأشجار الدرب العالية ثم أشعل سيجارة, بدأ يشعر وكأنه شخص جديد واضح الرؤى, بعد أن سقطت الهياكل الوهمية تلك التي كانت تظلل الرؤيا, هو الآن لم يعد يشعر بالملل والحيرة, لقد بدأ وكأنه يولد من جديد على مفترق يمزج الرؤى بالأحداث, وصار يشعر بأنه أكثر استعداداً مما كان عليه من قبل, وكأنه قد هدم في أعماقه جدران التثاقل والرضوخ, وأصبح أكثر شفافية وحياة .
    ظهر فارس متقدما نحو المقهى وبدأ الحديث وقال:
    أين أنت؟ ولماذا غادرت مبكراً, فلقد بقيت أنتظرك عند البوابة, وقد سألت الجميع عنك ولكن لا أحد كان يعلم سوى المدير, فقد أخبرني بأنك كنت متعباً فغادرت.
    تفضل واجلس, وأعذرني لأني لم أخبرك, ولكني لم أستطع أن أبقى في المدرسة, فلقد أحسست بالتعب وبحاجتي لأن أكون وحدي, وذلك ما جعلني أغادر وآتي إلى هنا.
    المهم, كيف أنت الآن؟ أعلم كم هو غريب ما تفكر فيه, بالنسبة لي فأنا لا أحمل أي تفسير ولا أملك منطقاً أحادثك به, كل ما فكرت به هو بأنك يجب أن تأتي معي في العطلة الصيفية لتزور مدينتنا, ولترى تلك المنارة. وستعلم كم هي مطابقة لما رأيته في حلمك, صدقني إلى الآن لم أستطع أن أصدق ما سمعته منك, ولكني أرى بان تفسير رؤيتك يكمن في سفرك معي, حيث ستكتمل الرؤيا حين تشاهد ملامحها تتجسد أمام عينيك حقيقة.
    وكيف أسافر معك؟, فأنا لم أخرج من القرية منذ سنين, أكملت دراستي الجامعية وعدت إلى هنا, ولا زلت وكأني أصبح جزءا من هذا المكان.
    أجل ستسافر معي, لترى أين أسكن ولأعرفك على عائلتي ومدينتي, ولتشاهد البحر و تزور الحلم.
    كم أشعر بالخوف حين أتذكر المنارة والحلم, فلم تعد تلك الرؤيا في مخيلتي فقط , فلقد أصبحت أراها تمتد لتتجسد في عقلك على شكل مدينة وبحر ودروب قادمة من نداء غريب .
    غدا في الصباح نذهب للغابة, يجب أن نسأل الرجل هناك, ويجب أن يعرف لكي نعرف أكثر, ولكن قبل ذلك فأنا أصر على أن أسمع موافقتك على السفر معي.
    دعني أفكر, وكما قلت أنت, سنذهب في الغد إلى هناك فحديث الأشجار يحمله وعي آخر.
    في تلك الليلة دخل البيت, ولم يتحدث بأي شيء, سوى مساء الخير. شعرت والدته بأنه يحمل كلاماً صامتاً بين نظراته, فلم تحاول أن تقرأ أكثر في ذاك الوجه, فهي لا تزال تراه بتلك الطفولة ولم يكبر عن حنانها, أحسته وكأنه يغفو على صدرها, فتركته ينسحب إلى غرفته دون أي سؤال.
    بدأ يبحث عن بقايا الحلم في أرجاء غرفته, نظر إلى الستائر فلم يكن هناك طيف, ترك النافذة مغلقة واستلقى على السرير, وكأنه أحس بأن الرؤية قد خرجت من أرض الحلم لتتجسد حقيقة ودرباً جديدا, أحس بضحكات الحلم وهو يخرج طفلا من بين كلمات فارس في المدرسة عن مدينته والمنارة.
    خرج إلى والدته وجلس بجانبها, وبدأ يحدثها عن كل شيء, وبقيت تسمع حتى انتهى ثم ابتسمت بكل بساطة وحب وقالت:
    اذهب مع فارس إلى مدينته, فأنت بحاجة إلى تغيير وراحة, وإحساسي بأن هذا الشاب هو إنسان طيب ويحبك, وستكون سعيداً معه هناك, والله أعلم بأن تفسير حلمك سيكون هناك, ومن يدري فقد يكون نصيبك بانتظارك أيضا.
    كيف سأذهب وأتركك هنا وحدك؟
    لا تخف علي فالمهم أنت, أما أنا فأفكر بأن أدعو خالتك لتأتي إلى هنا كي تقيم معنا, فهي وحيدة الآن بعد وفاة زوجها وبعد زواج أبنائها, وأنت تعلم كم هي الوحدة والعزلة في المدن الكبيرة, هنا ستشعر بالراحة أكثر وأنا احتاج لأكون معها من جديد بعد هذا العمر, فبيننا ذكريات قديمة وجميلة. أما أنت فستسافر مع فارس.
    سأفكر في الموضوع, أما بالنسبة لخالتي فأنا أيضا أتمنى أن تأتي إلى هنا, سنذهب لزيارتها في الأسبوع المقبل وندعوها, كم أحب حديثها مع أنها لا تتوقف عن الحديث ابداً إلا أن جلساتها ممتعة.
    عاد إلى غرفته ولم ينظر من النافذة نحو الساحة, فقد بدا وكأنه يغادر المألوف, ليبتعد عن الأماكن التي بقيت تسير معه كالظل, بدا وكأنه يشعر باقتراب ذلك المنعطف الحاد, لكنه أصبح خائفا أن يبوح للعقل بما يتملكه في الأعماق, لذلك صار يمارس الانعطاف بكل شفافية وبساطة كما الحلم.
    في اليوم التالي, كانوا ثلاثتهم يجلسون أمام الدرجات الحجرية, ولم يزل المقعد الهرم في مكانه رغم انتهاء العمل في الأرجوحة, تلك المصنوعة بالكامل من خشب الغابة, كان لها سقف ينحني نحو الخلف, ليقي من شمس الصيف القادم. ومشغولة بكل إتقان ومتانة, كأنها ستبقى تتهادى لتحاكي بتأرجحها شمس الشروق والغروب, وتمايل الأغصان مع الريح. دائما ما يكون للأشياء حكايا كما للبشر, وأظن بأن الأرجوحة تنتظر, وستبقى تنتظر تراتيل الأحداث حتى تتهادى معلنة تواجدها بين الذكريات وفي الكلمات.
    كان الرجل منشغلاً بلفافة التبغ حتى اكتملت ثم أشعلها, طريقته في إشعال لفافة التبغ توحي بأن العقل يشتعل أيضا, كانت نظرته إلى الدخان توحي بأنه يقرأ كلمات سينطق بها, وتجبرك على الصمت لإصغاء من نوع آخر.
    نظر إلى أحمد وقال:
    هكذا إذا, رؤياك تسكن على تلال تنظر للبحر وذاك البرج منارة, وفتاتك وتلك النظرة تأخذك للبحر, ألم أقل لك سيأتيك القادم, وأظن الحلم قد أرسل رسوله قبله.
    ماذا تقصد ؟
    صديقك هو رسول الحلم, فلولاه لما أضاء الدرب بقنديل .
    قاطعهم فارس وقال :
    ولكن هل من الممكن أن يحصل شيء كهذا؟ وكأننا في حكايا جدتي والشتاء, كانت تحدثني عن الزمن المسحور وعن حكايا يأتي بها البحر, وعن حوريات وأميرات وقصور.
    ضحك الرجل وقال :
    من قال أنها حكايا الأرض, منذ الأزل تنجب أطفالاً وأحلاماً وصوراً, للقوة على الأرض ألف شكل وللمنطق أيضا, صدقني يا بني بعض الأحلام تأتي من ذاكرة أزلية تكمن في أعماق الروح الإنسانية, وبعضها يتشكل من مؤثرات الواقع والمشاهدة, فالروح تملك الرؤى وتخرجها من الأعماق على شكل حلم لترتسم على ذاكرة العقل, وتتجسد في الأحداث القادمة مع إشراقة فجر جديد.
    إذا عليك أن تقنعه بالسفر معي إلى مدينتي, فهناك يتجسد جزء من الرؤيا ولعل الباقي هناك أيضا.
    نظر الرجل إلى أحمد وقال:
    اذهب معه يا بني واتبع الرؤى, واعرف بأنك لن تخيب. وتحدث إلى الرجل في المنارة, فهو عالق بين البحر واليابسة, وأراه يملك وعياً آخر وأحاديث.
    اذهب فاني أرى أن تلك النظرة أخذتك نحو البحر, ولم يعد في عينيك حزن وحيرة. كم أعرفك جيداً وكم أتمنى لو أنتظر هنا حتى تعود, لكني سأغادر إلى حيث ابنتي وأحفادي, فلم يعد بيني وبين الرحيل سوى أوراق أنتظرها من إدارة السكك الحديدية, سأعرف عنك وعن أخبارك, فحديث الأشجار يسيركما هبوب الريح, وهذا المكان سيبقى والأرجوحة أيضا ,وأنت لابد يوما أن تعود .
    قال أحمد :
    كم يحزنني فراقك, ولكن كيف سأبقى وحدي, وأنت تعلمني كم أحتاجك عندما يفارقني الأمل وتنتابني الظنون, وعندما لا أملك خطاي على الدروب.
    لم تعد وحدك يا بني فلقد خرج الحلم إلى الطرقات, وينتظرك القادم, ولست أدري قد يكون لتلك النظرة وعينيك حوار ومعنى انتظار.
    خرج المكان من الوداع, وبقي الحديث يتهادى كالأرجوحة حتى غاب النهار, وعادت الخطوات إلى الساحة والمقهى ولم يبق سوى أيام حتى تسافر النسائم مع الربيع عن الحقول, فسنابل القمح الصغيرة تكبر وخيوط الشمس تنسج للتلال لوناً جديدا. هي الأيام تصل إلى محطة الارتحال, فعندما تأخذك الريبة من القادم لا تعلم كيف وصلت إلى انتظار قد انتهى, وصار ما كان في البعيد يتماثل كحاضر يسقط فجأة أمام القرار الصعب.
    بعد يومين موعد السفر, ولكن إلى أين وإلى متى تلك الإثارة فيما ينتظر؟, هي تجعلك خارج نطاق التركيز ولا تدري كيف ستبدأ الارتحال.
    أعد حقيبته وبعض الأوراق وكتاباً للطريق, وحلماً يعلق في الذاكرة. كان الجميع وخصوصاً والدته يحملون حزناً يختبئ خلف عيون تظهر التشجيع له, لكي يذهب في رحلة ممتعة وحائرة, ففي داخله كان يحمل فرحاً للقاء, وفضولاً لأشياء تبدأ من تلك الرؤيا ولا يدري أين ستنتهي .
    في تلك القرية حافلة واحدة تغادر في الصباح نحو العاصمة لتعود في مساء اليوم نفسه, فالقرية لا تحتاج لأكثر من حافلة, قلائل هناك ممن يعملون في العاصمة, والآخرون ينزلون على الطريق في بعض القرى, لذلك فالجميع معتادون على موعد المساء, وحافلة تغادر في الساعة الصباحية.
    اجتمع أصدقاءه لتوديعه, كانت كلمات والدته لفارس تكفي لأن يهتم به, كما كانت أيضا تدعو لهم بالتوفيق والسلامة, وهمست له بأن يبحث له عن فتاة هناك, فأمنيتها أن يعود وهو يحمل أخباراً تسرها وتريحها.
    هكذا الوداع, أمنيات بالسلامة على عيون حزينة,فوالدته وخالته وأيضاً هناك عزيز وحمدي وآخرون. فهي أول مره يغادر فيها قريته منذ سنين. وسارت الحافلة بين الأشجار, واختفت عند آخر الدرب كما اختفت الوجوه المودعة, صارت النظرات تتجه نحو الدرب الجديد دون أي كلمات, عيون ترقب الملامح المغادرة للوراء, وغياب كامل لأي ابتداء سوى رجع صور ووداع, وتذكر كلمات الرجل بالأمس حين ودعه وقال:
    * لن تكون بداية دون انتهاء, كم تملكنا الدروب وتسير بنا نحو مجهول, حين نفارق تواصلنا وما اعتدنا عليه وكأنه جزء من تواجدنا. دائما لا نملك حق السؤال حين لا تكون الإجابة على جوانب الإدراك, وحين يفصلنا عنها جدار يخفي خلفه ضبابية القادم والمصير*.

  6. #6
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي



    الجزء الثاني
    الفصل الأول ....الكل غرباء


    سارت الحافلة بين الحقول الذهبية, تطل قرية صغيرة من بعيد, وتتوالى المحطات على الطريق. ولا بد من حديث, فالساعات على الطرقات أحيانا تكون أطول من المسافات الباقية.كان أحمد يشعر بأنه يغادر أناسا يحبهم ويفتقدهم, ومن وقت انطلاقه كان كذلك, لكنه لم يشعر بأنه يغادر الرجل, فهو يرافقه, ويعلم بأنه في مكان ما, لأنه يسمع حديثه يأتي من الأعماق, وليس ذكرى حديث أو وداع.
    دائما ما نخلط بين الواجب والحب, فالأول تفرضه الحياة والتعايش مع الموروثات, أما الثاني فيأتي مما نختار ومما يروق لنا, ونبقى لا ندري ما المقياس؟, لما نحب وكيف؟, لم يكن في حكم العلاقة بينه وذاك الرجل ما يدعو إلى واجب اللقاء أو واجب الزيارة أو الوداع, كان التواصل يحمل معنى آخر لا تحكمه الإيقاعات اليومية للمنطق والمألوف, فنحن لا ننسى ما في أعماقنا ولا نفتقد من يحادثنا من داخلنا دائما. هناك ما يخترق جدار الروح ليصبح جزءاً من الذاكرة الأزلية, وهي لا تفنى كما المشاهدات العقلية, لأنها تسير معنا حتى عوالم أخرى وبلا نهاية.
    أين غابت تلك الملامح عن الوعي؟, كان يسير طوال سنين ماضية في طريق يؤدي إلى الجامعة , وقد كان الطريق أحد معالم الماضي المملة, حين كانت تتكرر كل يوم, وهو الآن يرى كيف تغيب الأجساد وتبقى الأماكن دون أن يعنيها انتظار.
    كان فارس يحادث رجلاً آخر, هكذا الطريق تجعلنا نقف أمام الوقت وجهاً لوجه, فهناك خصام دائم بين الوقت والانتظار, يبدأ فينا وننهيه عادة بأي التفاتة نحو شيء يدعونا لممارسة الغفلة, حين تكون اليقظة مللا وبلا معنى .
    لم يكن فارس بحالة تقربه من الحديث مع أحمد, فلقد أحب أن يتركه وحده وتلك النظرة نحو الخارج, كان سعيداً بعودته إلى مدينته بعد الفترة الطويلة التي قضاها بعيداً عما يشتاق إليه, هو الآن يحاول أن يختصر المسافات بتلك الغفلة عن الملل والانتظار حتى ابتدأت ملامح العاصمة تظهر, وبدأ نشاط الركاب, وأحاديث وضوضاء, فهناك محطة الوقوف.
    التفت أحمد إلى فارس وسأله:
    هل سنركب حافلة أخرى من هنا؟
    ألم أقل لك بأننا سنسافر بالقطار, فالمسافة بعيدة نحو الجنوب, عندما ننزل سنذهب لشراء تذاكر من المحطة ثم ننتظر.
    لم تقل لي ذلك, أتعلم بأنها تجربتي الأولى. كم سمعت عن القطار وعن السكك والمسافرين من ذاك الرجل, ولكني الآن ولأول مرة سأدخل في تجربة جديدة.
    نزل الجميع من الحافلة, وبدأ للطرقات شكل آخر يختلف عن دروب القرية وحقولها الذهبية.
    فقال أحمد :
    اشتقت لهذه الحركة والضجيج, وكم كنت بحاجة إلى هذه الرحلة منذ زمن.
    هيا بنا الآن لنذهب إلى المحطة ونشتري التذاكر, بعد ذلك سنتجول في شوارع العاصمة, فنحن بحاجة لبعض الأغراض. وبذلك ننشغل عن الانتظار حتى يحين موعد القطار.
    لم يعد أحمد هادئاً, فقد اخذ يسرع الخطى وتملؤه روح المغامرة بالنشاط , هو يرسم خطوطاً جديدة لبدايات لا يراها, لكنها تراه وتحسب خطواته المسرعة نحو قادم مجهول وحديث بلا كلمات.
    كانت النظرة الأولى لذلك القطار, وكأنه كتلة من الحديد تتشكل كمخلوق يأتي من عالم آخر, تظهر ملامح القوة والصلابة على كل منحنى وزاوية, والعربات الممتدة متشابهة كما الأيام في القرية.
    صعد الاثنان وجلسا في مقطورة الدرجة الأولى, فهي أول رحلة لأحمد في ذاك المخلوق الحديدي, ولم لا تكون على أفضل وجه, وخصوصاً حين تكون السفرة للراحة والتغيير, وتحمل بين جنباتها رؤيا وانتظار لما ستحمله الأيام القادمة, طال الصمت حتى بدأت الأصوات تخرج من صفارة توقظ العجلات من التثاقل, وبدء القطار يبتلع السكك وكأنه ينسحب من زمن لآخر, كم أعجبه الصوت حين تصفق السكك تحت العجلات, وكذلك صوت المحرك الذي كان يأتي منتظم الإيقاع, كأنه الثواني لزمن يمتد بلا نهاية.
    شعور بالإثارة والسعادة كانت ترتسم على الوجوه, فمن هنا تبدأ الرحلة نحو مكان يحمل لكل منهما وعداً مختلفاً, وحديثاً ينتظر الوجوه والأحداث التي تحمل حكايا خلف المسافات الباقية. لأول مرة يبدأ عند أحمد إحساس الغربة في المكان, وإحساس آخر أجمل ألا وهو العزلة بين الحركة والصمت, وبين تلك الوجوه التي لا يعنيها راكب ينظر من نافذة القطار, نحو أماكن تهرب للخلف. وهكذا استمرت النظرة لمعالم تسافر مسرعة نحو الماضي, حتى بدأ الليل يصنع جداراً كأنه أشجار كثيفة سوداء على جانب الرؤية. عندها التفت أحمد إلى أسئلة كانت تدور في عقله, وتمنى أن يحمل إجابتها بعض من حديث فارس عن تلك المدينة.
    نظر إلى فارس وقال:
    هل تعلم بأني بدأت استمتع بالرحلة مثلك تماماً, أعلم كم أنت مشتاق لمدينتك واهلك والأصدقاء, ولكن ألا تخبرني عما ينتظرني هناك؟, فأنا أحب أن أعرف أكثر, هو الفضول قبل اللقاء.
    أحب فارس أن يخرج إلى حديث آخر, وأن يقترب من هناك حتى ولو بالكلمات, فأجاب:
    مدينتنا يا صديقي تنساب على السفوح حتى تدخل في البحر, جميلة تملؤها الحياة. وللشاطئ هناك وجهان, أحدهما يملؤه الصخب والسفن ورائحة الشحن ووجوه الغرباء, والثاني هادئ وجميل, رماله كأنها قاع بحر بلا مياه, منتهى السكينة في ذلك الجانب, ولكن قبل أن يأتي الصيف. لانه يمتلئ بالباحثين عن اللهو والاستجمام, أعرف بأنك ستحب مدينتنا في الشتاء أكثر, ولكن للصيف أيضا سحر من نوع آخر. هناك يا صديقي يمتد الطريق على طول الشاطئ, وكأنه يضع حداً بين عالمين, يبدأ من مدخل المدينة وينتهي إلى التلال حيث منارة الحلم, هكذا سأسميها منذ الآن. طبعاً في الداخل أسواق وطرقات, وأبنية من كل نوع, لا أدري لكني أراها أجمل مكان, فكل ما فيها ينظر للبحر ويتكئ على التلال الخضراء. أرى بأني أتحدث و استعير كلماتي منك. لقد خرجت من القرية ويتملكني حنين إليها فلها شوق غريب, وللغابة أيضا كما للبحر, أحاسيس لا توصف بالكلمات بقدر ما تشعرك بعظمة الخلق, وبأنك لا تملك حق الادعاء بأي عملقة مزيفة.
    خرج الاثنان عن الحديث عندما توقف القطار أمام محطة على الطريق, أخذ أحمد يراقب من النافذة وجوه الواقفين على الرصيف, البعض ينتظر وآخرون لا ينتظرون أحدا, وكأنهم هناك منذ زمن المحطة والليل, هم غرباء وهو الآن غريب, وكم يطول الحديث عن الوجوه العابرة وعن الليل على الطرقات. كم هو عجيب ذاك الشعور حين تكون وكأنك تقف بين ماض وقادم دون أي حاضر يحمل نقشا على الذاكرة. فعلى الطرقات يكون للحظة معنى آخر, هناك فقط تأخذ اللحظة مساحات أوسع, وتظهر كقوس قزح مجرد وهم يتشكل حقيقة حسية, كسراب عالق على صمت الانتظار. كم نصبح بلا وزن ولا لون, ولكن وبكل الصدق نعيشها, تلك اللحظات على الطرقات.
    استعاد القطار وعيه وبدأ يسرق المسافات كما اللحظات من فم الزمن والمصير, أحس بالحاجة لان يكتب شيئا جديدا, اخذ الأوراق من حقيبته وبدأ يخبئ بعض ما كان على الرصيف بين سطور وكلمات. كان فارس يغيب في نوم عميق, حين بقي أحمد مع الصمت والليل. فكتب عن الغربة كلمات لم تخرج من تجربة حسية, بل من ذاكرة أزلية نمارس من خلالها وعيا آخر,فقال:
    كم رأيت أناساً يقفون على قارعة الطريق
    لا ينتظرون حافلة ولا قطار
    ولا يريدون شيئاً من على الرصيف
    أناس فارقوا معنى الجذور
    ومعنى النمو على طريقة الأشجار
    كم أريد أن أعزف لحناً
    أو قولاً يأتي من داخلي يخرج مبللاً بأمطار
    ومتعباً من أسفار
    وصارخاً بأشعار
    عن حياة الليل على الرصيف
    حيث الكل غرباء
    والحافلة مرت قبل قليل
    كم تمنيت لو كنت على ذلك المقعد
    فهو مثلي لا يلتصق بأي انتظار
    عالق فقط بتراب الأرض
    وتراب الأرض صديق
    لا يريد ذاك أن يفقه معنى التواصل كأي تواصل
    فالكل سائرون نحو لاشيء
    حتى الأضواء الخافتة تفهم معنى الغربة
    فللغربة قبر له شرفة تطل على الرصيف.
    خرج من الكلمات ومن أوراق لم تهدأ يوما, حتى تنقش بأحاسيس ووعي يتملك الآخر دون أن يدري.
    بقيت العجلات وذاك الصفق على السكك يقلق سكون الليل الممتد على الدنيا, وفارقت اليقظة كل ما حول الأوراق, وبقيت الكلمات والليل. حتى القطار فارقه وعي الالتصاق بأي زمن. وأطلت الشمس العارفة من أفق جديد, وتهادى التسارع المهلك عند آخر محطة في طريق لم تنته, لكنها السكك انتهت, وابتدأ أمام صحوة العيون فجر بلا ملامح ولا ذكريات. هاهي مدينة فارس ورائحة البحر, وكأن الموج لم يكن, بل هي الريح من ألقت معالم المكان على وعي القادم, لكي يخرج حديث يملؤه الدفء, من بين ثنايا الدهشة. وابتدأت الأجساد تخرج من الزمن القادم كقطار تهادى, وأخذته غفوة بلا سؤال.
    نادى عليه فارس وقال:
    هيا يا صديقي لقد وصلنا, كم أنا متعب من السفر وأظنك كذلك, هيا إلى البيت, أظن والدي لم يغادر عمله الآن وسيفاجأ حين يرانا, فهو لا يعرف متى سنصل.
    خرج الاثنان, وبأول سيارة غادراً المحطة متجهين نحو البيت, أخذ السائق يتحدث مع فارس عن الازدحام وحال الطرقات, في حين بدأ أحمد يخرج من عزلة الدهشة إلى فضول النظرات الصامتة, مع بعض الإثارة تبرق في عينيه, يبحث حوله في كل ما يرى عن أي تواصل, كي يبدأ هو الآخر في التواجد على بدايات صارت حقيقة أمام عينيه, فتبعثر في كل ما حوله, حتى وصلت السيارة إلى نهاية الرحلة أمام درجات عتيقة تؤدي إلى حي يتصاعد لأعلى, حينها أسرع فارس يطرق باباً خشبياً قديماً, وما هي سوى طرقات حتى خرج والد فارس, كانت مفاجأة حين رآهما فهو لم يكن يتوقع أن يأتيا في ذلك اليوم .دخل الجميع إلى البيت, ولأول مرة يشاهد أحمد فيها البحر, فقد كان أمامه حين نظر من خلال النافذة في غرفة الجلوس.
    التفت إليه فارس وقال:
    هذا هو والدي.
    كم أنا سعيد بلقائك, حدثني فارس عنك كثيراً وأتشرف الآن بمعرفتك وأشكرك على حسن استقبالك .
    فقال والد فارس:
    أهلا بك, وأنا أعرفك أيضا, فلقد سمعت عنك الكثير من خلال أحاديث فارس ورسائله , وأرجوك أن تعتبر نفسك بين أهلك.
    شكره على كلماته ثم التفت نحو فارس وقال:
    كم يدهشني منظر البحر, هو شيء جديد وساحر.
    ليس البحر فقط , كل ما ستراه هنا هو شيء جديد. انتظر حتى نخرج, سأجعلك تشاهد معالم المدينة قبل أن آخذك إلى منارة الحلم. أما الآن فسأريك غرفتك لكي ترتاح قليلاً من تعب السفر.
    قال والد فارس :
    أجل ستعجبك مدينتنا وكل ما فيها ولكن ما هي منارة الحلم؟.
    فقال فارس لوالده وهو يبتسم :
    هذا حديث آخر, سأخبرك به لاحقاً.
    خرج الرجل لعمله, وبقي الاثنان في حديث حول البيت وما كان يراه أحمد من خلال النافذة , ثم بدأ يرتب أغراضه بعد أن أعجبته الغرفة, هي واسعة وتطل على البحر. أنهى ما كان يقوم به ثم جلس ليستريح قليلاً, فهو سيخرج بعد الظهر مع فارس في جولة ليتعرف على المدينة عن قرب, كي يسير في الطرقات والميناء والشاطئ.
    هي مدينة كبيرة جداً, وسيجد المتعة بالتجول في أرجائها , فلقد أصبح دائم الهرب من ذاك الحلم, يريد أن يتلمس الأشياء من حوله قبل أن يدخل في تفاصيل أخرى تعزله عن المكان والطرقات.
    كيف سيكمل تنقلاته في المدينة وحده, ففي قرارة نفسه يتمنى أن يواجه الرؤيا بدون فارس كما كان الحلم, إذاً عليه أن يتعلم العودة للبيت وحده, كان ينظر من النافذة فيرى البحر يلقي على الشاطئ وجهين, أحدهما مليء بالحركة والغرباء, والثاني يسكنه زمن ماض وكأنه لم يتابع اليقظة, منذ أن جاءت الأيام نحو الزمن الحاضر.
    أحب أن يتوجه نحو المنارة منذ اللحظة ولكنه ضيف على المكان وأهله, ولهم قرار الضيافة واختيار وقت البداية لما سيحمله القادم من حكايا ومشاهدات, لم يستطع أن يخرج من منطق الأحداث لينطلق نحو الحلم, فهو لازال يحمل في داخله موروثات التعايش, ويمتلك من المنطق بقدر ما يحتاجه الواقع, هو يعلم بأن القادم يحمل تضاريس التكوين الجديدة لدروب تفرض نفسها على المسلمات, لكنه ومع كل الوعي سينتظر إلى أن يحين موعد اللقاء في درب المنارة, هو يعلم بأن المشاهدات اليومية لا تعني أن تكون أكثر من ممارسات تمر كل يوم على مسرح الحياة حيث تحكمها اللحظة والإيقاع, أما هو فيمارس الوعي من خلال الرؤى. لذلك كان يبحث عنها تلك المنسية في ضباب الأيام , ولم يكن يعرف معنى الاستسلام الساذج, فهو يعلم ما يجري على أرض الواقع بكل ما فيه ويرفضه تماما, ومن يستطيع أن يناقش ما يحدث , فكل ما نراه حولنا لا يتعدى أن يكون نوع من عزف عشوائي ولن نناقشه الآن, يكفيه أن يبحث عن حبيبته المفقودة, وترك أمر النقاش للآخرين, لأنك لو جلست على أريكة ولففت لفافة تبغ, ثم أقفلت باب الوعي عن ما حولك فلن تكون مخطئاً أبدا. فالمعركة لا تخص المسافرين إلى زمن آخر, لأنها لعبة أطفال كبار يحكمهم الشر والطمع, مع أنهم بخيوط رفيعة مثبتة في أعلى السقف فوق المسرح الوهمي. هم ينتهون من صراعاتهم قبل أن يبدؤوا بالنوم بلا عيون, لذلك يكون فنجان قهوة سوداء, يحمل معنى أكثر من كل الأوراق المكدسة على الطاولات المستديرة, ليس غموضاً بقدر ما هو فراغ , فلا أجمل من أن تلتفت إلى زوربا اليوناني وهو يرقص على الشاطئ, ورائحة خمره وابتسامة ساخرة, وغجرية تنتظر في الرواق.
    ينتظر أحمد, ويبقى ينظر من النافذة نحو بحر وشراع وأمل, ونحو حياة تكون أجمل قرب عينين ووشاح أزرق ومنارة بحر.
    دخل إلى غرفته ليستريح, يعلم بأن نافذة الغرفة تطل على بحر. وهو على يقين أيضاً بأنه سيجدها هناك على المقعد, وسيحادث الرجل عند المنارة عن وجع الفرسان وموت الخيل. هو يعلم أكثر مما يجب, لذلك يفضل أن يبقى كزائر من سماء, وكشاهد على عصر. يحب أن يرتل أجمل التراتيل ويعزف ألحان الشوق, ويبتسم بكل سخرية الابتسام كي يقدر أن يحب أكثر, تلك المنتظرة خلف ضباب الحلم. ولا يهتم بمنطق ترسمه الطقوس, لانه مجرد رسم على الجدران لا أكثر, تقاطيع حياة وهمية ما أسرع أن تنتهي وتزول خلف ذكريات شمس مساء.
    بعد الظهر سيذهب مع صديقه في جولة داخل المدينة, وغدا سيذهب وحده ليعيش الحلم حقيقة, لكي يصادف القادم دون أن يدري به الزمن, سيغيب خلف التواجد ليعرف أكثر عن حقيقته, فهو دائم البحث عن هوية أو نقش يوشم به جدار الروح, ليعرف به في زمن آخر حين يسافر نحو المصير.
    بعد الظهر خرج مع صديقه فارس, وابتدأ التجوال في الأسواق المكتظة بالبضائع والناس, كان وسط المدينة عالم مليء بكل ما يحمله البحر لليابسة, أسماك ووجوه غريبة, وبضائع من أصناف كثيرة متنوعة. كم هو ممتع أن تتسوق في مدينة كهذه, يغيب فيها الوقت خلف ألوان وأصوات ووجوه, وكم هو غريب ذاك الإحساس حين تخرج من تلك الأسواق الضيقة لتدخل إلى شرفة المدينة, عندها تصبح وكأنك تغادر الأرض نحو أطرافها, فالبحر شيء آخر وتجربة البحر غربة تحن من خلالها إلى الأرض وأنت عليها, شيء غريب. فلأول وهلة تنساب أحاسيس الطفولة, لتخرج من العيون حين النظرة الأولى للبحر, كم هو رائع عالم السفن والمراكب الصغيرة, موج يتهادى وعناق بين الماء والسماء, ونسيم له رائحة فضولية تبحث عن أنس بين الأشجار العالية على امتداد الطريق الطويل.
    كانت البنايات المطلة على البحر تنتظر ما يأتي من هناك, فنادق ومطاعم ومخازن, وأيضا ازدحام ووجوه. لم يقترب الاثنان من الميناء, بل استمر الطريق بهم يحمل فضول النظرات وحديث فارس عن المكان وعن البحر, وانتهى السير حتى الشاطئ , فجلس الاثنان على الرمل.
    ثم التفت فارس وقال:
    أراك مسروراً,هل أعجبتك المدينة ؟
    وكيف لا؟ إنها رائعة جداً, لا أدري كيف استطعت أن تبقى في القرية كل هذه المدة؟.
    أتصدق لو قلت لك بأني أحببت قريتكم أكثر, فانا معتاد على البحر ومدينتي أحبها, ولكن هناك دفء وهدوء لا يحمله لنا البحر,هنا يا صديقي يملؤك الفراغ مع كل الضجيج والحركة, ولا مكان للعزلة حين يكون الأفق ملتصقاً بالأفق. أما هناك فمنتهى الراحة للنفس, حين يكون العالم من حولك متعدد الألوان والآفاق.
    كم هي غريبة تلك القناعة, فهي تحمل ألوانا كالطيف, أو كزجاجة لونها مما تحتويه. لو سألتني يا صديقي لقلت لك بان لمدينتكم مساحات من الحياة تكاد تخرجك من حوارك الدائم مع النفس, كم نحن بحاجة إلى بعض التناثر خارج أنفسنا ولو قليلاً. انظر إلى تلك الحركة على الشاطئ , فمعظم ما تراه من مرح وحركة يأتي من انطلاقة العقل نحو عبثية الاستجمام والخروج من دوامة الأيام المتتالية, وروتين الوقت المستمر بلا توقف.
    نظر إليه فارس وقال :
    دائما هناك معنى حتى للاستلقاء على الشاطئ , أراك هنا ولكنك لا تمارس العبثية, بل تدخل في ثنايا الحركة والعقل معاً. هيا بنا فأمامنا شيء آخر سنشاهده في هذا اليوم.


    الفصل الثاني .... رجل المنارة



    سار الاثنان حتى وصلا الطريق, واستمر بهم المسير حتى وقفا أمام درجات تؤدي إلى طريق يعبر من بين البيوت المصطفة على السفح. فقال فارس:
    الآن بعد أن نصعد هذا الدرج الطويل, سأعلمك كيف تعود إلى البيت وحدك.
    وقف الاثنان عند آخر الدرجات ونظر أحمد من ذلك المكان نحو البحر, فبدت له ملامح الشاطئ أكثر وضوحاً واتساعاً, ورأى المراكب أصغر حجماً وأجمل, ثم قال:
    كم هو منظر رائع, ويعجبني أن آتي إلى هنا كل يوم .
    ابتسم فارس وقال:
    أجل ستأتي إلى هنا كثيراً, ولكن انظر خلفك إلى تلك المنطقة المطلة على البحر والمدينة, انظر جيداً وقل لي ماذا ترى؟
    التفت حيث أشار فارس, وما أن شاهد المنارة والدرب المؤدي إليها حتى غاب في عالم لا يحمل أي التصاق بما حوله.
    تابع فارس يقول :
    اجل, تلك هي المنارة وهناك التلة المطلة على البحر, وذاك هو الدرب المؤدي إلى البرج الأبيض, هو كما ترى محاط بالأشجار على جانبيه.
    قاطعه أحمد وهو يقول:
    ما هذا لا أصدق, هي كما رأيتها في الحلم, كيف يكون ذلك؟
    إن كانت كما تقول, فهذا أمر غريب. على كل حال, من هنا تستطيع أن تكمل نحو المنارة التي تراها.
    ماذا تعني ألن نذهب إلى هناك الآن , فأنا لن أصبر حتى أتأكد من المكان وبكل تفاصيله لأعرف إلى أي أمر غريب تذهب بي الحياة.
    لا ليس اليوم, فلقد قاربت الشمس على المغيب, والمنطقة ليست قريبة كما تراها من هنا, واعلم يا عزيزي بأني لن آتي معك غدا, فأنت ستأتي وحدك لأنها رؤياك أنت ولم أكن في الحلم., أما أنا فعندي أمور أخرى أفعلها.
    كانت المنارة على التلة وكأنها تنتظر ما يحمله الأفق, بيضاء كتلك الأشرعة فوق المراكب. استمر أحمد ينظر إلى الحلم وكأنه رجع ذكرى لمكان يخرج من أحداث لم تكن, هو الزمن يدخل في رقصة حول نار بخطوات بدائية, لا تعرف معنى الظلال العالقة فوق الرؤية الحقيقية لما يحصل حقاً, خارج إرادة العقل والمنطق .
    استدار نحو فارس ولم يكن يملك سوى الصمت, وعيوناً تكاد تبتعد خلف الأشياء, وكأنها تسافر نحو عالم لا نراه ولا نملكه.
    أكمل الاثنان السير نحو البيت, وكان أحمد يخرج من كل الدنيا نحو عالم آخر, لا يملك منه سوى رؤيا وبعض كلمات تأتي من أعماق صامتة, كلمات يحملها المشهد والمساء ولفافة تبغ وأرجوحة, هو بحاجة لذلك الرجل ولحديث يأتي من الشجرة الأم. بدأ يشعر بالغربة أمام منارة وبحر, لكنه لن يغادر إلى واقع لا يأتي به الحلم, بل سيترك ما قبل ذلك, حتى تعود به الأيام نحو شمس تشرق وواقع لا يحتمل المزج بين حقيقة وحلم.
    وكيف سينتهي هذا المساء كي يتبعه الليل ودقات الأرق على الانتظار؟, لا مكان للسؤال بلا إجابة, ولا مكان للأحاديث بلا ذكريات وحقيقة, عليه أن يغمض عينيه حتى تأتيه الرؤى, هكذا كانت كلمات الرجل والأشجار.
    في صباح اليوم التالي خرج من غرفته, كان الهدوء سمة المكان, فلم يكن هناك أحد غيره في تلك الساعة الصباحية, وفي الصالة وجد ورقة على الطاولة موضوعة أمامه مباشرة كي يراها, كان فارس قد كتب له رسالة يقول فيها:
    *صباح الخير, لقد أعددت لك الفطور ووضعت لك مفتاحاً للبيت بجانب هذه الورقة. خرجت مبكراً فلدي بعض الأعمال وزيارات لبعض الأصدقاء. أعلم بأنك تريد الذهاب إلى المنارة, لذلك أتركك لكي تكون وحدك فهذا أفضل. أخبرت والدي عن قصة الحلم وقد أعجبه ما قلته له, مع أنه كان مندهشاً مما يسمع, على كل حال هو يخبرك بأنه معك أيضا حتى نجد لهذه الرؤى تفاسيرها, ما دامت مدينتنا هي من دعتك إليها. اذهب يا صديقي وابدأ ما أتيت من أجله, وأنا سأكون قريبا منك. لم أحب أن أوقظك لأني أعلم بأنك لم تنم في الليلة الماضية سوى القليل من الوقت*.
    ابتسم ثم أكمل إفطاره, وتناول المفتاح من على الطاولة أمامه. وبدأ يشعر وكأنه يمتلك الدنيا, خصوصا وأنه يحظى بصديق مثل فارس وترحيب كما وجد من والده أيضا, فهو لن ينسى هذه الرعاية والاهتمام طوال حياته. خرج من البيت ثم أخذ يتبين المكان حوله, وسار في الطريق المؤدي إلى تلك الدرجات حيث سيرى من هناك منارة الحلم.
    كان لا يحمل في داخله سوى متاهة الرؤى ولا يعلم كيف سيكون وذاك المكان, هو ليس إلا زائرا لمكان يذكره جيداً, فلقد التصق بأعماق الذاكرة. استمر بالسير وما هي إلا دقائق حتى تراءت له المنارة من بعيد, أعاد النظر إليها وكم هي وذاك البرج في الحلم توأمان.
    لأول مرة في حياته يقف أمام الحقيقة والحلم في آن واحد. تسارعت الخطوات نحو المكان, وابتدأت غربة الخطى حين تتراءى المعالم لأول مرة. أحس بأنها بعيدة عنه فعلاً, لكنها تقترب مع اقتراب عينيه من رؤيا تتجسد أمامه, فهو الآن جزء من حلم حين تبدأ ملامح المكان باحتواء إدراكه وأحاسيسه المعلقة على أمل وفضول .
    هاهو الآن على بداية الدرب المؤدي إلى المنارة, لم تعد تتملك الدهشة عينيه, بل صار يفارق كل معاني التواجد حين ابتدأ رحيق أزهار بنفسجية وبيضاء يرسم ثنايا الدرب, اجل عيناه لم تعد, بل غابت في أثير يعبق بالأصداء لأحاديث تتراكم على مسامع الوقت والمصير. لم يدرك شيئاً سوى أنه في بداية اليوم الأول لاستفاقة الرؤى, ويعلم بأنه أمام ستين يوما من تلك الإجازة في أرض الحلم. هو اليوم الأول وإلى أين يؤدي لم يكن يدري, ولا يملك غير الخطى نحو ما يتجسد هناك, أخذ ينظر حوله فشاهد الأشجار الصغيرة, والمقاعد الخشبية التي تلتصق بالرصيف العالق على أطراف الدرب. ثم التفت نحو الأعلى حين سمع أصوات الطيور القادمة من البحر, وكأنها جاءت للقاء زائر لا يعي معنى المكان ولا الزمن الصامت في اللحظات , ومن دون بوح خرجت من عينيه سعادة الأمل في انتهاء نحو منارة تنادي دون همس. علق الوعي على أطراف الرؤى وتسارعت الخطوات نحو المستحيل, ولم يكن في حالة تسمح له بان يتذكر التعب الساكن في جسده من السير الطويل, فقد سحبته الخطى نحو راحة يمتلكها العقل في حالة الرغبة فقط , وابتدأ الحلم يخرج كلياً من أعماق القادم ليتجسد أزهاراً وأشجاراً ورؤى. استفاق الوعي في القادم عند ساحة المنارة. حين نظر إلى المبنى المتعلق بأطراف السحاب, كم هو مرتفع ذاك البرج وكم هو أبيض!, كان يرتكز على مبنى واسع يحوي غرفاً كثيرة. نظر إلى الباب الخشبي العتيق وتساءل عن وجه الرجل ذي المعطف الطويل, وهل سيكون كما تتحدث عنه الأشياء من حوله؟, وهل سيكون حقيقة؟.
    خرج من التساؤل على وقع خطى, فالتفت نحو اليمين ليرى الرجل ومعطفه, واقفاً كما الدهر أمام شجرة مائلة نحو التلال وكأنه يخرج من أعماق الذاكرة, بقي ينظر إلى الرجل دون أن يعي كم سيطول صبر المنطق والدهشة.
    تقدم الرجل منه وقال:
    مرحباً, هل تريد شيئا؟. ولماذا تحدق هكذا؟
    آسف أنا لم أقصد, ولكني لا أصدق بأنك أنت.....
    ومن أنا؟, هل تعرفني من قبل؟
    أجل وكأني أعرفك من زمن بعيد فلقد كنت في...
    سكت أحمد ولم يكمل لم يعلم ما يقول, هل سيبدأ بكلام مجنون عن حلم ورؤى مع رجل لا يعرف عنه شيئاً.
    قاطعه الرجل وقال :
    تعرفني! غريب فأنا لم أرك في حياتي, ربما أخطأت ذاكرتك, فالوجوه تتشابه أحيانا. على كل حال ليس مهماً, هل أساعدك في شيء؟.
    شكرا لك, جئت فقط لكي أرى المكان, فأنا زائر لهذه المدينة وأحببت أن أتجول هنا أيضا لأشاهد روعة هذه المنارة القديمة, أظنها من أقدم المعالم هنا, أليس كذلك؟.
    أهلا بك يا بني, ولكن عليك أن تعرف بأن هناك ما هو أقدم من هذه المنارة هنا, انه البحر يا بني فهو ملتصق بأطراف الأرض كعاشق لا يغادر منذ الأزل.
    هنا أحس بأن الرجل يسكن بين عالمين, ليس بحراً ويابسة فقط , بل بين حقيقة ومنطق. وأحس أيضا بأنه يستطيع أن يتمادى قليلا, فهو لا يملك أن يبقى ومنطق الكلمات في بحثه عن حلم.
    التفت نحو البحر ثم قال:
    اسمح لي يا سيدي أن أخبرك باني جئت إلى هنا بدعوة من البحر, ومن هذه المنارة. فهي برج أبيض يعانق السماء, هكذا هي الرؤيا. وأنت أيضا يا سيدي, لم تخرج من ذاك الحلم سوى الآن فقط.
    استغرب الرجل من الكلمات, ونظر إلى أحمد وكأنه يريد أن يتحقق من علامات جنون على الأهداب فقال:
    تقول بأن البحر من دعاك إلى هنا! ومن أين أتيت أنت؟.
    جئت من الشمال, حيث الجبال والقرى المتناثرة على السفوح, ومن قرية ليست على ذاكرة بحر. فنحن وتلك الغابة وحقول القمح. أنا يا سيدي مدرس هناك في تلك القرية وهذه عطلتي الصيفية.
    إذا هذه عطلتك الصيفية,أراك جئت من مكان بعيد؟, ولكن لم اخترت هذا المكان؟.
    ألم أقل لك يا سيدي هي دعوة البحر, أو بمعنى آخر فأنا قد رأيت هذا المكان في الحلم, ورأيتك يا سيدي ومعطفك الطويل وذاك الدرب. أعلم أنك ستختار جنوني على الإصغاء, ولكن هذا ما حصل.
    استغرب الرجل من الحديث وقال :
    هل زرت هذه المدينة من قبل حتى تراها في منامك؟. رؤياك غريبة وحديثك أغرب.
    لا لم أزرها من قبل, ولكن... سيكون للحديث بقية.
    ما اسمك يا بني؟ أصبح يروق لي حديثك الغريب وكأن له وقع الصدق.
    اسمي أحمد, وأنا اعرف عنك أكثر وأعرف بأنك تحادث البحر؟.
    من قال لك؟ ومن أنت؟.
    ألم أقل لك إني غريب ودعاني البحر. أخبرني صديقي عنك, وأخبرني الرجل في الغابة أيضا, هو لا يعرفك لكنه يشعر بك عالقاً بين البحر واليابسة. وتحادث البحر يا سيدي, كما يحادث الريح والأشجار.
    تغير وجه الرجل, وبدت عليه علامات التساؤل والحيرة مما يسمع ويرى, من أين أتى هذا الإنسان؟, وما هذه الأحاديث, وإلى أي مدى يحاول أن يتدخل في الصمت الطويل؟, فالرجل تسكنه العزلة في أعماقه ولا يرحب بالغرباء. أحس بالفضول لمعرفة ذلك القادم أكثر, لكنه استدار يسرع الخطى نحو الباب العتيق, واختفى داخل المنارة دون أي كلمة أو التفاتة للخلف.
    أحس بأنه استطاع أن يلمس أرض الحلم, بكلام يخرج من وعي آخر, ومختلف عن أي كلام كان قد جعل الرجل ينعزل عن اليابسة ومن عليها. استدار هو الآخر وبدأ يبحث عن باقي الرؤى, فأخذ يسير باتجاه البحر. كم هو المنظر يحمل عمق الأفق, وإعجاز الخالق في روعة الخلق. متاهة الإيقاعات الضوئية عند تهافت الموج الخفيف مع النسيم على صفحة زرقاء, وكأنها انعكاس للون السماء. تابع السير فرأى ذاك المقعد خاليا, لم تكن عيناها وتلك النظرة. عند ذلك أحس بان المكان لا يحتمل بقاء الغرباء أكثر. ولكنه لم يعد غريباً كما يظن هو, فلقد دخل إلى أعماق الرجل وإلى إحساس المكان, لكنه سيغادر نحو المدينة لكي يعود غدا, عل للصمت وجه آخر.
    أجل لم تعد عيناه, بل غابت بين أثير يعبق بالأصداء لأحاديث تتراكم على مسامع الوقت والمصير. لم يكن يعي سوى أنه في بداية اليوم الثاني. أخذ من جديد ينساب مع الدرب المؤدي لمنارة الحلم, وأي جديد؟, بعد أن أصبح المكان ملكا له وحده. فهو يخرج كبقايا الصور, ليتجسد على التلة هناك في البعيد.
    صار المكان يتشكل من حالة تواجد يملكها عشق كامن في الأعماق. وصار القادم على أطراف الرؤى, كطفل تحنو عليه أزهار الدرب ونسائم البحر. يقترب من المنارة أكثر ولا يدري كيف سيكون لقاؤه مع الرجل, وهل سيكون البحر شاهداً على انتقاء الرؤيا, لمن لا يملك حق الصراخ في وجه الملامح القابعة على أهداب اليابسة؟. استفاق أحمد على تحية صباح من ذاك الرجل, فقد كان يجلس على مقعدها .
    قال الرجل :
    أراك عدت يا بني؟, مع أني لست أدري من أين تأتي! فمنذ زمن طويل, لم يعد لليابسة حديث كحديثك. تفضل واجلس, لو تعلم كم أقلقت منامي في الليلة الماضية, وكأنك قرعت أجراساً كانت تصمت في أرجاء المكان منذ سنين.
    صباح الخير, وأشكرك على لطفك معي وصبرك أيضا, فلم أكن في الأمس إلا قارع أجراس في لحظة صمت. واعذرني على أسلوبي في الكلام, لكني رأيتك وكأنك النداء, هكذا أخبرني الرجل في الغابة.
    أصدقني القول يا بني هل أنت ذو عقل؟, أم انك معتوه ألقته الريح على مرمى الصمت هنا؟. ومن هو ذاك الرجل في الغابة؟, لازلت لا أدرك كل هذا الفضول لزائر لا يغادر بابتسامة وداع كما الآخرين.
    نظر إليه أحمد وكأنه يستجدي البقاء في ثنايا الحلم أكثر مما يرضى به الرجل, فقال:
    أنا يا سيدي قادم من تلك القرية بين الجبال, بسيط كما التلال الخضراء هناك, أعمل مدرساً في مدرسة القرية وصديقي هو الرجل الأنقى, حارس الغابة على أطراف قريتنا. ذاك الرجل علمني كيف يكون للحياة طقوس عيش لا تعنيها الشموس المتتالية على البقاء, وبدون أي معنى سوى البقاء. ذاك الرجل ولفافة تبغه وحديث الروح للروح, لا يفارق الأعماق مني ولا منك. هو من يقلق الخطيئة حين تقرع أجراس صاخبة على نقاء الجسد, وهو من علمني أن أكون شاهداً على استراق السمع لغفلة الآخرين حولي. كم أحسست بالراحة حين عرفت أن الصمت أحيانا يوازي أحاديث الأزمان كلها, لأنه حديث الأعماق ويأتي من دروب لا نعي منها إلا القليل, هو الأنقى وقد أخبرني عنك, وقال اسمع لذاك الرجل العالق بين اليابسة والبحر.
    وهل أنت حقيقة أم أنك أصداء لكلمات ذاك الرجل؟
    أنا قادم وتحملني الرؤى إليكم, ولست أدري ما ينتظرني لكني أتيت, ولا أملك إجابة سؤال. فأنا فقط يا سيدي أملك الإصغاء, وأغمض عيوني لكي تأتي الرؤى بحديث آخر.
    أخبرني عن تلك الرؤية وكيف دعتك مدينتنا إليها؟.
    سرد للرجل كل ما جرى معه ولغاية هذا الحديث. وبعد أن أنهى كلامه نظر الرجل إلى البحر دون أن يعود, ثم بدأ يتكلم عن البحر وعن الريح وقال لأحمد:
    هل تعلم كم الريح قاسية؟, أجل فهي من أقلق المركب في البحر في تلك الليلة, حين كنت على ذلك المركب قبطانا لرحلة تبحر إلى بلاد أخرى. كثيرون ممن تهمهم الهجرة إلى الحياة كانوا على ظهر ذلك المركب, فلم تكن مدينتنا ولا المدن الأخرى في المنطقة بقادرة على إطعام أطفال صغار, وعيون كبيرة بائسة. في تلك الليلة هاجمت الريح الموج, فثار البحر وتأرجح المركب بين الغرق والبقاء, لكن الريح كانت أقسى على تلك البقايا المسافرة نحو مجهول وأمل. ولم أملك ولا البحارة معي من الأمر شيئا سوى العراك مع قدر لا نراه, حتى أتى الفجر فكنت معلقاً على أخشاب تطفو فوق بحر أنهكته الريح, فاستراح على حكايا صارت تعلق في ذاكرة الموت.لم أملك في تلك الليلة أن أنقذ الوجوه الصغيرة ولا العيون, بكل ما عندي من عزم وعناد. بقيت فقط روحاً لا تستسلم سوى للبقاء معلقا على أخشاب تطفو. وغابت الوجوه الصغيرة في قاع البحر. وبقيت وبعض الناجين حتى أقبل مركب من بعيد وأخرجنا إلى هذا الزمن. كم تمنيت لو أني كنت كما الآخرين حكاية سافرت عبر أفق. ومنذ ذاك الوقت كرهت الإبحار وبقيت على أطرافه, عملت هنا في هذه المنارة لعل بعض النور يرشد الآخرين. أحادث البحر أحياناً, وأحياناً أخرى أحادث الريح فهي لا تدري متى تثور ولا تقدر أن تمحو خطيئة تلك الحكايا. قدر يحكم المشيئة ويحكم الأحلام الصغيرة أيضا. عملي هنا في الليل هو أن أشعل ذاك الفنار وأبقى حتى الفجر, ويأتي آخرون للعمل في النهار فأنا حارس الضوء كما يقال عني أحيانا, لا أدري لماذا أخبرك بهذا, ولكني أراك مثلي فأنا على أطراف يابسة وبحر, وأنت يا بني معلق بين حقيقة وحلم.
    ابتسم أحمد, فلقد أعجبته كلمة بني تخرج من فم الرجل, وكأن حارس الغابة يخرج من أعماق الروح ليرافقه خلال دروب الحلم .
    نظر إلى الرجل وقال :
    كم هو صعب ما حصل معك. فنحن أحياناً لا ندري كيف ترسم الدنيا أمام عيوننا قسراً دون أن نملك أمر الفرشاة ولا اللون. أنا آسف لما حصل ولا أملك سوى الأسف, وأشكرك على حديثك هذا وأتمنى أن نصبح أصدقاء فهل تقبل؟.
    خرج الرجل من الذكرى والتفت إلى أحمد يقول:
    صداقتي! وما تهمك؟, أنا لست سوى عجوز لا يملك إلا حكايا حزينة بائسة. ومع ذلك يسعدني أن تكون, ولكن إلى متى؟, فأنت زائر وستعود.
    حسنا إلى أن أعود؟.
    كم هو غريب أن يأتي إلي شاب مثلك ويمتلك إحساس البحر. لكن أخبرني, من أين تأتيك الكلمات ؟
    لا أدري ولكني قلق دون قلق, وحائر بين الآخرين. وصديقي في الغابة يملك الحكمة ومنه تعلمت, وأحسست بمعنى البقاء وما يعني, ودائما أسجل ما أحس به على الأوراق, فأنا أكتب كل ما يلامس الروح. ومن الحروف تعلمت الكثير, فهي تخرج من وعي آخر في داخلي, وأحياناً لا أعرف من أين تأتي.
    كنت مولعاً بالقراءة. فقد كنت أحمل معي في رحلاتي كتباً كثيرة, لأخرج بها من ملل البحر والليل. فأنا لا أطيق الأفق حين يطبق على الرؤيا, وحين لا تنتهي الأبعاد إلى شيء. أحب أن أستمع لك ولما تكتب, كما أستمع لها أحياناً حين تجلس وتنظر للبحر وتكتب أيضا.
    سأقرأ لك, ولكن من هي التي تسمع لها؟.
    نظر الرجل إلى عيونه ولأول مرة تعلو وجهه ابتسامة وقال:
    اقرأ لذات الرداء الأزرق فهي من تجلس هنا على هذا المقعد. ألم ترها في حلمك كما أخبرتني؟
    أجل هي في الحلم. وهل هذه دعابة تبدأ بها صداقتنا ؟
    كلا ولكنها حقيقة, فأنا أكون هنا وأجلس وكأني حارس لتلك الروح النقية, حين تأتي هنا تنظر للبحر ساعات كاملة, وتغادر أحياناً دون أي حديث. لقد كانت تخبرني عن البحر أكثر مما أعرف وكنت أصغي, فهي تقرأ لي دائماً, وكنت من خلال كلماتها أسمع صوت الريح وهدير البحر أحياناً.
    ألا تخبرني من هي؟.
    هي كالحلم حائرة تأتي, وكثيرا ما ترحل دون أن تقول. دائما هناك قوقعة لكل الحائرين, وهكذا المكان لها. ما أكثر ما كانت تهرب من المدينة العبقة بالزيف وتأتي, لتخرج من الآخرين هنا وتجلس أمام البحر تبحث عن حلم, فبدون الحلم يموت الوقت في التكرار, وتنتهي الحياة عند غريزة البقاء كما الطيور. ما أعظم أن تكون للروح بقايا في أجساد يلتهمها الوقت والمصير دون أن تدري, أحيانا يتوارى الحلم خلف الصخور خوفاً من الريح العاتية, ولكن لابد من صمت يأتي, حيث تفارق فيه الريح ثورتها, ويخرج الفجر من بين الظلال يملؤه السكون بالسكينة. الأمل يا بني هو كالحلم, أمور قادمة لا نقرأها على صفحة السماء الصافية, فهي تأتي دون انتظار يملكه الوقت بالرجاء. أحيانا كثيرة كانت تعود لتقول أموراً تؤرقها, وأحيانا تكون سعيدة بتلك الطيور القادمة من جهة البحر, وكثيرا ما كانت تكتب حزنها وحتى ابتسامتها, فقد كانت تختبئ بين الكلمات لتخبئ الأحلام بين سطور.
    ومتى تأتي؟
    لا أعلم, ولكنها تكون هنا في أي صباح. فأنا لم أعتد الانتظار. عذرا يا بني ولكني أريد أن أذهب إلى المدينة لبعض الأعمال فهل ستبقى هنا؟.
    لا لن أبقى بل سـأذهب أيضا.
    سار الاثنان نزولاً نحو مكان آخر تملؤه الحركة والنسيان السريع للأشياء, وانتهى الحديث في دروب متفرقة, وعودة من جديد نحو البيت. كان فارس ينتظر حتى ينتهي من ذلك الفضول فهو يتوق إلى معرفة ما جرى, عندها دخل أحمد وهو يبتسم لفارس. أخبره عن الرجل وعن ما يجري هناك, من أمور تكاد تكون خارج نطاق روح المدينة. فهو عالم آخر يبدأ حين تنظر إلى المنارة من بعيد, تبدأ المعالم للاماكن والناس بالتراجع خلف الذاكرة وكأنك تدخل في حلم, أو كأنك تخرج من حلم نحو حقيقة, فحين الوصول إلى التلة والبحر, يختفي واقع المدينة وكأنها استفاقة العقل من غيبوبة الملل.
    بقي أحمد يتحدث مع فارس عما جرى في ذلك اليوم, وكأنه يستعين بالحديث كي يعيد ترتيب أفكاره من جديد, فهو يستعد ليوم آخر يكون فيه أكثر صفاءً ووضوحاً, فالكلمات وذاك الرجل, ومعالم الحلم الماثلة أمام العين أمور لها استعداد من نوع آخر حتى يكتمل التواجد حقيقة, ولا يبقى مجرد فكرة سرعان ما تزول حين يبدأ نداء الجسد وإيقاعات الحياة اليومية تلك التي تتكرر بلا انتهاء أو أمل.
    بعد أن انتهى الحديث بينهما دخل أحمد إلى غرفته, وجلس أمام نافذة البحر وبين أوراق كانت تنثر عليها الكلمات, وكأنها صدى لحياة خارج نمط الحياة, ولأفكار تبحث عن دليل لمعنى التواجد الفعلي للحركة والإنسان, ليس في هذا الزمن فقط , بل في كل الأزمان التي مرت على هذه الأرض القديمة قدم الكون وما يعنيه. كان جديد الأيام يبدأ عند المنارة والرجل, فلقد اكتفى أحمد من الملل المستمر لمجاراة الأحداث على أرصفة الواقع, فهناك مسارح تعرض حكايا أصابها التلف والهرم من كثرة التكرار والزيف, وأولئك الممثلون وأقنعة صارت تهترئ. ولم تعد تخفي ملامح الحقيقة الهشة خلفها, ليس هو فقط بل كثيرون آخرون شاهدوا تلك الهياكل وهي تسقط, لذلك صارت اللامبالاة وسيلة تنقلهم نحو زمن آخر. هو كالآخرين ينتظر حلماً, وها هو يخرج إلى حقيقة تبدأ هناك, فيغادر المدينة في الصباح ليبدأ الخطى نحو رؤيا جديدة مقنعة له أكثر من تلك الأقنعة.

  7. #7
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي



    الفصل الثالث ... سارة


    اقترب من ساحة المنارة, وهو ينظر إلى الباب الخشبي المغلق على أسرار كان يبحث عنها طويلاً, التفت حول المكان لكنه لم يجد الرجل هناك, فاقترب أكثر كي ينادي, ولكنه لا يعرف من ينادي, فهو لم يعتد سؤال الآخرين عن الأسماء, لأنها غالبا ما تكون بلا معنى, مجرد ملامح خارجية كالثياب أو كلفافة تبغ لذلك قرر الانتظار, فاستدار ليتجه نحو المقعد الخشبي. وفجأة صار وكأنه يسقط في البحر حين رآها تجلس على المقعد وشعرها والرداء. كم هو أزرق و بلون ذلك البحر. وقف في مكانه, وعند تلك اللحظة هدأ الموج وغاب الوقت بين خطوط الرؤيا, هو لم يدري متى التفتت إليه, فقد كان يقترب منها دون اقتراب, كانت تسير به الخطى نحو اشتياق لعيون تغادر بقايا الحلم في الذاكرة. كم هي تلك النظرة من عينيها وكأنها تعبر نحو أغلفة الروح. لم يستطع الصمت فابتسم وقال:
    أرجو المعذرة, كنت فقط أبحث عن الرجل المقيم هنا, لقد اعتدت أن ألقاه في الصباح هنا في هذه الساحة.
    وأنا أيضا اعتدت ذلك, ولكني لم أره اليوم فهو يذهب أحياناً إلى المدينة وأظنه سيعود قريباً.
    شكراً, آسف على المقاطعة.
    فابتسمت وعادت إلى البحر من جديد وكأنها تقرأ على الأفق انتظاراً أو حكايا.
    بدأ أحمد يستعيد ذاكرة الخطى فتراجع للوراء, وكأنه يبحث عن مكان يبقيه قرب عينيها دون حرج. لم يستطع سوى الالتفات نحو الدرب كي يخرجه من المكان إلى لقاء آخر.
    وفجأة سمع صوت الرجل يناديه من بين الأشجار ويقول :
    أين تذهب؟,ها قد أتيت. كنت في المدينة لبعض الأمور.
    التفت الى الرجل وابتسامة تعلو وجهه, شعر بالارتياح حين رآه يعود فهو يحمل سؤالاً لا ينتظر,فقال:
    صباح الخير, كأني جئت مبكراً اليوم, ولم أكن أعرف من أنادي حين لم أجدك هنا, لولا تلك الفتاة الجالسة هناك.
    التفت الرجل إلى حيث أشار, ثم خرجت من فم الرجل ضحكة تشق الصمت. أمسك بيد أحمد وسار باتجاه الفتاة واقترب منها مبتسماً ومرحباً وقال:
    أهلا سارة, أراك هنا اليوم, كم هو غريب أمر هذا المكان!
    نظرت إليه وقالت :
    صباح الخير أراك سعيداً هذا الصباح.
    أجل, أنا في منتهى السعادة وكأني بدأت أجد في هذه التلة روحاً جديدة تنبعث من الأفق البعيد, وتهبط هنا كما طيور الصباح. آه نسيت أن أعرفك على صديقي أحمد, هو زائر للمدينة أتى من مكان بعيد ليشاهد المنارة والحلم.
    قالت سارة :
    لقد تحدثت معه قبل قليل, فقد كان يبحث عنك. ولكن أي حلم تقصد؟
    قال الرجل :
    دعي هذا الآن وأخبريني, ماذا تكتبين ؟
    كعادتي آتي هنا كي اكتب للبحر, سأقرأ لك حين أنتهي. ثم التفتت إلى أحمد الذي كان لا يفارق النظر إلى عينيها, والى ابتسامة الكلمات على شفتيها. كان صمته كما الحكايا النائمة خلف فجر, فدائما تختبئ الحكايا حين الشروق.
    نظرت إليه وهي لا تعلم ما سرعينيه وتلك النظرة الحزينة, وما سر الزائر والحلم. ابتسمت ثم عادت إلى الأوراق .
    قال الرجل :
    هيا بنا يا بني أريد أن أطلعك على المكان وعلى المنارة من الداخل.
    سار الاثنان باتجاه الباب الخشبي. كان أحمد يرسم الاسم على الذاكرة, ولأول مرة يرى للأسماء معنى وسحر. دخل الاثنان إلى المنارة وبدأ يجول بنظره في أرجاء المكان وبكل فضول, فقد كانت هناك غرف متعددة تحمل طابعاً غريباً في طريقة البناء وفي نوعية الأشياء الموجودة في داخلها. ثم اتجها نحو الدرجات التي تصعد إلى أعلى المنارة حيث الفنار. وأيضا لأول مرة يشاهد أحمد شيئاً كهذا, كانت المسافة طويلة نحو الأعلى, فقد كانت الدرجات تتسلق أطراف الجدران الدائرية. واستمر الاثنان بالصعود حتى وصلا إلى أعلى البرج, وكم كان غريباً المكان في الأعلى, فهو يتكون من نصف دائرة من الزجاج تطل على البحر, وأشياء ميكانيكية لم يفهم منها شيئا سوى أنها روافع غريبة ومسننات لتحريك الضوء. لم يكن الفنار بأعجب من المنظر الذي يرتسم خارج تلك الدائرة من الزجاج, وكأنها عين مخلوق خرافي تطل على عالم ساحر, كان أمام نافذة لم ير أكبر منها ولا أروع من تلك الإطلالة نحو عالم يزداد اتساعاً ورهبة. التفت نحو الأسفل ليشاهد ملامح المكان, كان لوحة مرسومة بدقه لمعالم لا يمكن أن يحتويها العقل سوى من هنا في الأعلى. أخذ يبحث عن سارة فرآها تجلس في مكانها ولا تزال وكتاباتها, والتأمل في عالم تملكه الأعماق بنظرة تأتي من داخل الوعي. حيث لا حاجة إلى احتواء الكل بالنظر بل بالبصيرة والحس.
    أخذ يرسم تقاطيع المكان على لوحة من الزمن الحاضر, لكنه فشل في الربط بين عالم يخدم كل الأزمان وعالم مصطنع, فقد كانت تلك اللوحة أصغر من ملامح الرؤيا, لذلك بدأ ومن هذا المكان المرتفع فوق الحواس, أن يفهم أكثر ما تقصده الرؤيا حين دعته إلى هنا. فهي إشارات لمكان يقف فيه المرء بين عالمين لا يفصلهما سوى درب, وهو الآن يشاهد ذاك الفاصل بين الحلم والحقيقة, فهو لم يكن سوى درب يؤدي إلى مكان بلا زمن, يبدأ حين تخرج الخطى من الذاكرة ويصبح الجسد والعقل مجرد أدوات تخدم الأعماق,حتى تصل إلى شرفة الوعي والبصيرة. ثم أخذ يجسد في عقله معنى العزلة بين الزحام, فهناك أماكن لها دروب تأخذك إلى الأعماق نحو عوالم لا تقيدها الأبعاد ولا المساقط .
    التفت إلى الرجل وقال:
    كم يروق لي المكان. الآن عرفت معنى العزلة ومعنى التواصل, وفهمت ما كان يقصده الرجل في الغابة. فالاتساع كما الاحتواء, المهم فقط هو الانتماء للكون عن طريق الوعي والبصيرة. أنت لا تحتاج لأن تغرس إصبعك في تراب الأرض كي تملك إحساس الجذور, فقط عليك أن تبدأ الإحساس بتلك الروح التي تقف على أبواب الدروب المؤدية إلى الأعماق.
    كم أريدك أن تحدثني عن ذاك الرجل والغابة.
    لا أظنك بحاجه إلى أكثر مما تعرف. ولكني سأحدثك فيما بعد, عنه وعن القرية.
    حسنا هيا بنا لننزل, فسارة معتادة أن تحادثني بأمورها قبل أن تغادر, هي دائماً تحمل تساؤلات وتبحث عن أمل. ولها أيضا هموم تعيشها هناك في المدينة , تجعلها تخرج أحياناً عن عقلها وهدوءها.
    وما هي تلك الهموم؟
    أجاب الرجل وهو يغادر نحو الدرجات :
    لا أدري ما أقول, ولكن أليست هي فتاة الحلم؟ الإجابة يا بني تكمن في الحلم وأنت من سيبحث عنها. وأنت من يملك حق الإجابة.
    أخذت تلك الضحكة تنزل الدرجات نحو الأسفل, ولم يبق سوى بقايا الحديث تعلق في الأرجاء للحظات ثم تختفي. بعد ذلك خرج الاثنان إلى ساحة المنارة. والتفت الرجل نحوه وقال:
    سيكون لي حديث معك بين حين وآخر, لأني بدأت أفهم ما يكمن وراء رؤياك وما تحمله الأيام القادمة, والغريب أني لا أشعر بأنك زائر من مكان آخر جاء ليقضي الصيف على البحر ويغادر. بدأت أشعر بالحلم, فقد كان يتشكل في أعماقي وكأني كنت النداء, لذلك أنا على يقين من أنك جزء من هذا المكان ويعرفك البحر كما يعرفني. نحن لم نخرج من تلك الرؤيا إلى عالم مغاير, بل لازلنا هناك في داخل الغابة وأحاديث الرجل. كم كانت أمنياتي لتلك الفتاة حين تجلس وحيدة بين أفق وكلمات, أن تجد رفقة تأخذها نحو حياة تخرجها من انتظار لحلم لا ترى معالمه. فهي تحمل في داخلها أملاً يخرج مع ابتسامتها لتلك الطيور المحلقة. كنت دائما أتأمل وجهها حين تلقي إلي بالكلمات عن ما يختلج في أعماقها, وكم كنت أخاف على ذاك الوجه حين يمر عليها الزمن دون أن تدري. صدقني يا بني, سارة لم تعد فتاة صغيرة تحمل فرح الطفولة بكل أمل, بل هي شابة ناضجة يملؤها الخير والحب والأمل, وتملك وعياً لم أجده في غيرها من الناس حولي, نظرتها للبحر وإصغائها للريح أخرجتها من عوالق البيئة والزمن. وهي تعرف أكثر عما يجب عليها, وعما يبعث القلق فيها.
    لسارة حلم أيضا, وتبحث دائماً عمن يأتي ليغادر بها نحو رؤيا أجمل, وأمل يستحق المغامرة والتضحية. أرجوك يا بني, لن أدخل معك في ترتيب الدروب القادمة فهي رؤياك أنت, ويكفيني أن أراقب المراكب القادمة والضوء الأبيض في أعلى المنارة, ولا تنس ما قلته لك, سيكون لنا حديث من وقت لآخر.
    تركه الرجل وذهب إلى حيث تجلس سارة, وتراجع أحمد نحو الطريق, ليغادر نحو لقاء آخر. لم تغادر به الخطى, بل بقيت عيونه تلتفت نحوها. هو يتمنى لو يعرف ما تكتب, وليعرف أيضا عند أي حديث يختبئ قلبها. غادر المكان وكأن لدقات قلبه والرجوع إليها إيقاع أمنية أو مصير, هو لا يدري فبريق فرح يرتسم على عينيه, وابتسامة أمل وخطوات تتسارع نحو يوم جديد. لم يبق من الدرب سوى الزهور البنفسجية والبيضاء, كانت ترقب القادم وتخبئ أحاديثا لم تقلها. كم يعبق المكان برائحة الزهور حين يملؤك الأمل والحب.
    اقترب الرجل من سارة, كانت لا تزال تكمل ما بدأته, فهي تكتب. وكم كان يحب أن يعرف ما تكتب, فهو في هذه المرة يحمل لها أمنية, وحديثا من نوع جديد. لم تشعر بوجوده حين جلس على الأرض بجانب المقعد الخشبي. كان يتأمل البحر وما وراء الأمواج المتداعية على مد الأفق, يعلم ما يريد وإلى أين ينتهي به الدرب. لم يفارقه الإحساس بأن الرحلة تبدأ عند انتهاء الحلم الأرضي, وهو لا يزال وذلك الانتظار ولكنه انتظار بلا معاناة, فهو لا يستعجل اللحظة أبدا حين يأتيه الموعد لمغادرة المكان إلى عالم آخر. أخذ يداعب الحصى بيده, ولم تكن سارة بعيدة فهي تعلم أن الرجل بانتظار أن تنهي, كي تبدأ بالحديث. فلقد اعتاد على الإصغاء لها, ويشعر بأن من واجبه أن يكون كما الضوء الأبيض في أعلى المنارة, فهو يقدر أن يكون مرشداً لمن يصدق في السؤال, وفي الحيرة.
    نظرت إليه وقالت :
    كيف أنت اليوم؟, أراك بحال أفضل. ترى أهو صديقك الجديد من أعاد لك الرونق؟, أم أن شيئا آخر يختبئ بين ثنايا المعطف الطويل؟.
    ابتسم الرجل وقال:
    لا عليك فأنا من تعرفينه جيدا ولم يتغير شيء, ومتى كنت بحالة يرثى لها؟, ألست الرجل العالق بين اليابسة والبحر لأكون النداء لك وللتائهين؟, ألم تقولي أنت ذلك؟. لن أتغير أبداً, ولكني أشعر بأن بعض الأمور بدأت تأخذ مسارا كان بالنسبة لي أمنية, فلقد رأيت في الصديق الجديد, أشياء كنت أفتقدها في وجوه العابرين من هنا. حتى وكأني لم أعد أصدق أن الزمن الحاضر يحمل أية ذاكرة. تذهب الأيام إلى مكان وتندثر بعيدا عن سلة الذكريات, لقد أصبحت أرى العالم يسير نحو مجهول دون أن يترك وراءه ما يعيد للبقية منا ذاكرة الحقيقة مرة أخرى.
    أراك متأثراً بذلك الشاب, وهذا يثير الاهتمام فعلاً. أخبرني عنه أكثر, صرت اشعر بالفضول لمعرفة ما وراء ذلك القادم من مكان بعيد.
    لم يأت من مكان بعيد. هو ينتمي لهذا المكان أكثر, لقد جاء به المكان إلى هنا, وحتى أنا كنت نداء له في تلك الرؤيا. ولكني لست أدري, فلعل للبحر إصغاء لأحاديث تجري على هذه التلة لم نقلها, وأظنها هي من صنع لتلك الرؤى النداء.
    هل تعلم بأني لم أعد قادرة على فهمك كالسابق, صرت أبحث عن مغزى حديثك بين الكلمات وكأنه يمتلك الآن وجهاً لم يكن, فبالله عليك أخبرني ما هي تلك الرؤيا ومن هو ذاك الشاب؟
    تحرك الرجل من مكانه وكأنه قد اختار أن يقترب أكثر من تلك الزهور البنفسجية, فهو يريد أن يستعين بعبق الأزهار كي يكون للحديث وقع لا يتقنه, فهو حديث عن أمور تخترق غشاء الروح والقلب, وكأنها الحلم حين يتجسد دون أن ندري ولأي مدى. نظر إلى عيون سارة وقال:
    لست أدري, هل أنا من يجب أن يقول, أم هو؟, لست أدري, ولكني وعدتك يوما أن أحمل لك الإجابة عن كل تساؤلاتك. فهذا الشاب من قرية تقع في الشمال ويعمل مدرساً هناك. وقد كان دائماً ما ينظر للأمور بنظرة تختلف عما يجب أن تكون عليه, لذلك أراه قد تاه في حيرة ودهشة, لأمور يراها الآخرون أمورا مسلماً بها, هو لم يكن يرضى بأن يكون جزءا من تجربة لا يعرف إلى أين تسير به, أو إلى ما وراءها. فهو يحمل روحاً تقلق دون قلق, وحيرة دون تساؤل, لأنه يعرف الكثير. لكنه يبقى يمارس الحياة كمن يعيشها لأول مرة, وكم هو مثلي.
    أعلم أنك تحملين نفس النظرة للأمور, وأعلم كم تعانين من صمت الرؤى حولك, وتنتظرين الأمل كما الحلم المنتظر, وكأنه سراب وأمل. أريد أن أخبرك بأن هذا الشاب لم يأت إلى المدينة للمتعة أو الزيارة. فالمكان هنا هو من أحضره.
    أخبرها الرجل عن قصة الحلم بكل ما فيها, فهو يعرف أكثر مما قاله أحمد, لأنه النداء.
    خرجت سارة من الفضول, ولم تدر بأي نظرة ستعانق البحر بعد أن سمعت, نظرت إلى الأوراق بين يديها ثم قالت للرجل :
    كم هو غريب ما أسمع, وكأننا نخرج من الحكايا.
    ابتسم الرجل وقال:
    ألم تكوني برداء أزرق يوم أن رآك؟, فأنا لست أذكر بأنك ارتد يتيه من قبل.
    أجل هو جديد, لم أكن لأختار هذا اللون في السابق ولكني فعلت, فماذا تريد أن تقول؟ هي مجرد صدفة.
    ضحك الرجل وقال :
    أجل أظنها صدفة أن تكوني برداء أزرق وعلى مقعد خشبي وأمام منارة بيضاء, ورجل ذا معطف طويل, ودرب أزهار بنفسجية وبيضاء. لا يا ابنتي, هي رؤيا ولا أعلم ما وراءها, ولكني أقول بان الشاب يروق لي.
    نظرت إليه سارة وبكل خجل قالت:
    ألا تريد أن اقرأ لك ما كتبت؟.
    أرى أن هناك أحداثاً وكلمات لم تكتب, وأراها تخرج من خلف الأفق, ألست معي في هذا؟
    لست أدري, ولكني لا أستطيع الآن أن أفكر في أي شيء. واعذرني سأعود إلى البيت, أراك في وقت آخر.
    خرجت من المكان تحمل أوراقها في الحقيبة الصغيرة. وابتعدت نحو أسفل التلة. كانت عيون الرجل ترقب رحيلها, وحديثه لازال على شفتيه. فهو لم يكن يحمل أي شك بأن سارة هي الفتاة, وهي الحلم أيضا. ثم عاد يداعب الحصى بيديه, وكأنه يقول لها ما لم يقله لسارة.
    وانتهى الموج إلى الشاطئ حين كان يتبعه موج آخر, هو ترتيب الريح للإيقاع. ولا زالت الطيور تأتي, من أين؟, لست أدري؟ فهناك أسراب من جهة البحر, تعانق الريح لتسافر نحو مكان آخر, لعلها تسافر بالحكايات لعوالم بلا كلمات.
    * أذكر حين عدت إلى غرفتي بعد أن كنت قد غفوت على ذاك المفترق الترابي, وأذكر بأني لم أكن اتبعهم حين يعودون إلى بيوتهم, أو لأية أماكن أخرى تعود إليها خطاهم بعد أن يغادروا تلك التلة. وحتى الرجل, حين يغادر المكان ليدخل إلى داخل المنارة لم أكن أغادر معه. كنت أبقى هناك حيث الكلمات تبقى, ففي زمن آخر أكون أنا وتكون هي الكلمات. أعلم كيف تسير الأمور في تلك الأماكن, فحين نعود إليها نكون مجرد إعادة لحركات وكلمات وأنفاس, صارت أصداءً وبلا صوت, وأزهاراً بلا عبق. لم أكن مهتماً بأمور تتكرر أو مشاهد حياة تتراكم على الأيام, لذلك لن أخرج عن مسار الموج حين يداعب الرمال, ولا عن تلك الريح حين تمسح وجه التلال. كثيراً ما كنت أضع الواقعية في درج عتيق, فمنتهى الإثارة تكمن في الحلم, ومنتهى الواقعية في الجديد تحت شروق الشمس أو تأملات القمر, لعالم قد يصاب بالصدأ إن بقي على ترنيمة الوقت والجسد. وكأني كنت خلف الفجر ولم أدري كيف بقيت ولم أغادر المكان, لأخرج من بين الأزهار البنفسجية المرصوفة على طول ذاك الدرب. وسمعت وقع خطوات أحمد وهو يتقدم نحو المنارة, كانت إشراقة الشمس ولا أجمل, فهذا الصبح يحمل معه وجه الصيف المطل على العالم بكل اندفاع وحياة. اقترب أحمد يبحث عنها, لعلها هناك على المقعد المعتاد, لكنه لم ير سوى الأفق, أخذته الخطى إلى هناك ثم جلس مقعدها. أخرج أوراقه هو يحاول أن لا يترك الصباح دون أن يخبئ ولو جزء منه بين الأوراق, اخذ يكتب ثم يعود إلى الالتفات حوله من جديد وكأنه بالفعل يخبئ الصبح بين كلمات. لم يعد يشعر بمرور الوقت, ولم يعد ينتبه لما حوله حين الصوت الرقيق اتاه من الخلف, وكأنه ذكرى لخفقة قلب لم تكن بذاك السحر من قبل.*
    التفت إليها وابتسم حين قالت:
    صباح الخير, آسفة على الإزعاج, لم أكن أعلم بأنك هنا.
    صباح الخير, اعذريني فأنا لم أقصد, جلست مكانك. سأذهب لأبحث عن الرجل فأنا لم أره اليوم.
    رأيته وأنا قادمة إلى هنا , هو هناك فوق المنارة يرقب البحر. ثم تابعت, ما هذا أراك تكتب أيضا؟.
    أجل, جلست هنا وكم راق لي المكان, و الصباح الجميل. قد اعتدت أن احتفظ بذكريات الأماكن حين تلامس بجمالها الروح, لذلك أخبئها بين كلمات وأوراق.
    ابتسمت سارة وقالت :
    ما أجمل التعبير, هي بالفعل كما تقول, فنحن نخبئ ما يروق لنا في أوراق وكلمات, وكثيراً ما نشتكي لتلك الأوراق, عما يؤرقنا ويحمل لنا التعاسة.
    هو نوع من الرسم, ولكنه رسم بالحروف.
    عذراً ولكن, هل ممكن أن تقرأ لي ما كتبت؟, ينتابني الفضول لمعرفة القادم, كما يقول عنك الرجل.
    أحس ببعض الخجل وقال:
    يسعدني أن اقرأ لك ما كتبته الآن.
    جلست على العشب وابتدأت تصغي لكلمات قال فيها:
    تتفتح الأزهار اشتياق لشمس
    عبق هذا الفجر
    فبين النسائم وأشجار الدروب
    حكايا وهمس
    يغفو على الأسوار الياسمين
    أبيض وندي
    ويمر الشروق على الظلال
    بلمس عفوي
    تأتي الطيور بتغاريد
    شدو وغناء
    كم هو ساحر هذا الجمال
    ويعيد للنفس الصفاء
    حديثي كان للبحر عن سفري
    كما الذوبان
    ولكني بقيت على الضفاف
    وسافر الماء كالهذيان
    كالقمر كالشمس
    كما الجريان
    ذاك الطاحون يدور
    ولكني بقيت على الضفاف
    كالمساء بلا حضور
    كم على الأرض جمال لا نراه
    وابتسامات زهور
    وكم هناك حديث ساحر
    بلا شفاه.
    أنهى وهو ينظر إلى عينيها, وكأنه يستبق الكلمات لكي يعرف ما ستقول. كانت سارة تنظر إليه وبعينيها حوار يسبق أي بوح, فقالت:
    ما أجمل ما تكتب. أرى بان الرجل على حق في ما يرى, صدقني لم أسمع شيئا كهذا من قبل, وكم يعجبني الوصف لهذا الصباح, وكأنك تخرج مع فجره لتحمل إيقاع الشروق.
    قال وهو يبتسم:
    كثير ما تقولينه, أنا لم أكتب إلا ما أحس به فقد تأثرت بهذا الصباح, ولا أدري لعل الأشياء تصبح أجمل, وكأنها تحمل روح حياة لم أشعر بها من قبل.
    هو كما تقول, أنا أيضا أشعر بأن لهذا الصباح وقع آخر. ولست أدري لم يساورني نفس الشعور.
    نظر نحو الزهور وابتسم وهو يقول:
    اعذريني إن قلت, بأنك من يجعل للصبح كل هذه الرقة, فهي عيونك والنظرة من يبعث السحر في الأجواء. لست أقصد سوى البوح بما أحس به.
    خجلت عيونها وارتمت الأجفان على النظرة, وابتسمت سارة للعشب الأخضر وقالت:
    شكرا, لكنك تبالغ. فللصبح سحر لا يشاركه به أحد.
    أنا لم أبالغ فيما أقول, ولا أعرف المجاملة. فأنت فعلا أجمل ما في الحلم.
    أي حلم .....؟.
    بدأ يستثير الموج على صفحة البحر الهادئ, وكأنه يبحث عمن يخبرها من يكون, وما يحمله لها في أعماق تكاد تخرج كالكلمات. لكنه نظر إلى عينيها الجريئتين, فهو لم يعد قادراً سوى على الرحيل داخل كلمات الرؤيا, ليخرج مبحراً عكس ذاك الموج من الخجل ويقول :
    سأقول أشياء قد لا تصدقينها, ولكني رأيتك في الحلم. هناك في قريتي تكرر الحلم وكأنه يخرج من خلف النعاس في كل ليلة, رأيت هذه التلة والمنارة البيضاء والرجل ومعطفه الطويل, وأزهار البنفسج وأنت. اجل أنت, رأيتك ورداءك الأزرق, وشعرك ونظرتك للبحر. كنت أظنه حلماً غريباً عابراً,حتى أخبرني صديقي فارس بأن للرؤيا ملامح هذه المدينة.
    أكمل ما كان من أمر الرؤيا, وكيف أتى إلى هنا يتبع رؤياه والنداء, وانتهى الحديث عند تلك النظرة من عينيها حين كان الإصغاء لما يقول. كانت وكأنها ترقب عينيه وذاك البريق. فحركة يديه ترتعش حين البوح, كأنها تخرج من حكاية قديمة. هو الصمت بعد الكلام, وتلك النظرات المتسائلة بلا سؤال, على عيون الإصغاء للحديث.
    قالت :
    كم هو غريب ما أسمع ولطيف أيضاً , ولكن لم تظن بأنني أنا من رأيتها في حلمك؟. فكثيرات يأتين إلى هنا, ولم أكون أنا؟
    لا أدري, ولكني أشعر في أعماقي بأنها أنت. وأشعر بتلك الرؤيا تخرج من عينيك, وفارقتني الحيرة حين رأيتك.
    ابتسمت وقالت:
    أمر غريب! وأنت غريب أيضاً, وكأنك أتيت من هناك." أشارت للبحر" ثم تابعت تقول: كنت دائماً أجلس هنا وأكون كما الصمت, لولا كلمات الرجل وصوت الريح. ولكن أن يخرج من بين الموج حديث وحلم, فهذا شيء غريب! عذراً يجب أن اذهب, قد تأخرت عن العمل.
    هل ستأتين؟
    نظرت إليه وقالت:
    أراك غداً, فحديثك والكلمات لهما فضول وانتظار.


    الفصل الرابع .... تراب الحديقة



    أخذت تسير بين الزهور وهي مطرقة الرأس, وكأنها تبحث عن بقايا تساؤلات, بعض الفرح يرتسم على عينيها, هو أيضاً إحساس الزهور بها حين كانت تخرج من المكان, وكأن خطاها لا تلامس أحجار الدرب, ولا ترتعش لإصغاء أوراق الزهور الفرحة.
    لم تكن سارة تدري كيف تخبئ ما حصل معها اليوم خلف الذاكرة, فعيونها تحمل السعادة مما سمعته, ولما أحست به عندما نظرت إلى عيون أحمد وسمعت كلماته وكأنها في الحلم. أعجبها القادم من بعيد, فهي تشعر بالصدق في حديثه, وبالعفوية حين يبتسم لعينيها. أخذت سارة تكمل سيرها نحو الفندق حيث تعمل, هو لم يكن مكان عمل بقدر ما هو تاريخ حياة وطفولة. أجل فقد كان ذاك المكان بمثابة إيقاعات يومية لحياة وتأثيرات, أخذت مكانها في تكوين الشخصية وفي تشكيلة الرضوخ, لواقع لا مهرب منه سوى إلى البحر, أو لأمنية كانت تختبئ خلف نظرة لأفق, أو لكلمات تخرج من وعي رجل المنارة فتكون كما المخدر لليأس.
    وصلت إلى الفندق, لم تدخل من الباب الخلفي كعادتها, بل أخذت في التريث قليلاً, حتى تخفي الانفعال الذي يحمل بعض الفرح. دخلت من الباب ولم تنتبه لأحد, بل سارعت إلى مكان عملها في قسم الاستقبال, كانت والدتها تراقبها منذ دخولها, أحست سارة بتلك النظرات التي تحمل اللوم على التأخير. سارعت للتحدث مع والدتها, وابتدأت بالسؤال عن العمل وكيف تجري الأمور أثناء غيابها, لكنها لم تتلق أية إجابة منها. فلقد كانت منشغلة في الحديث مع أحد الزبائن, وتقطع حديثها بتلك الضحكات المبتذلة, والتي اعتادت سارة على سماعها حين يكون الحديث مع أحد أولئك القادمين من جهة البحر.
    بدأت سارة تعمل وبكل نشاط, فهي لم تعد تلك الفتاة الجالسة على أطراف اليابسة, فالمكان هنا له وقع آخر, وفيه استرسال مع آلية الحركة والأحداث. أخذت سارة تستعيد حوارها مع النفس عن المكان وما يعنيه لها, وكأن تلك الرؤيا وحديث أحمد قد أعادا الحياة لثورة في تلك النفس, كان يتراكم عليها غبار الأيام المتتالية. بدأت تنظر لوالدتها وكأنها تقرأها من جديد, فهي لم تكن في السابق تملك الوقت لتحادث الواقع المرفوض أصلاً وعلاقتها مع المكان, وفي طريقة التعامل والتي لم تكن تتقنها قط. فهي تملك أسلوباً آخر في التعامل والتعايش, ولكن مع وقف التنفيذ تحت إدارة والدتها للمكان. وحتى المكان أيضا لم يكن يملك أي موقع بين أحلام سارة وطريقة تفكيرها نحو أي مستقبل قادم.
    وهكذا تستمر سارة كل يوم ودون نقاش, حتى ينتهي المساء وتعود إلى البيت, لتخرج من جديد وبصورة أكثر وضوحاً لمعالم كانت تفضل أن تخفيها عن الآخرين في الفندق, وفي أي مكان آخر يفرض عليها كواقع يتكرر كل يوم, فهي تملك عالمها الخاص ولكن خارج المكان.
    كانت في البيت تملك مساحة أكبر لحريتها في الحركة والانفعال دون أي تأثيرات, هي تحتفظ بكتاباتها وبتلك الكتب التي تشتريها وهي في طريقها إلى الجامعة, أو حين كانت تسير في الطرقات نحو البيت, أو حين تبتعد أكثر باتجاه تلك المنارة. لم يكن لسارة صداقات كثيرة, فهي تقضي معظم الوقت في الفندق, لذلك كانت تسرق الوقت في الصباح لكي تخرج في نزهة نحو المنارة, تتحدث مع الرجل هناك عما يدور في أعماقها.
    كانت تختصر الصداقة في أمور يحكمها الوقت, فهي إما تكون عند المنارة وأمام البحر, أو في غرفتها. تخرج من عملها في الفندق محاولة الابتعاد قدر الإمكان عن الأحاديث والناس, كي تخرج من كلام ومجاملات ووجوه. وتبحث عن نفسها بين أمورها الخاصة, وكم هي قليلة ومقنعة لها تلك العزلة.
    هي دائما تبحث عن فتى الأحلام يأتي, ولو بدون حصان أبيض. تريد فقط من يقنعها بأمور لم تعد تقتنع بوجودها في هذه الحياة, كالحب والخير والصدق والحرية, ليغادر بها بعيداً عن كل الزيف الذي يتراكم حولها. هي الآن تنظر إلى أشيائها الخاصة في غرفتها وكأنها تملكها لأول مرة, فهي تعود بحكاية جديدة لتلك اللعبة الكبيرة على جانب السرير. تملك سارة في غرفتها وفي أعماقها كل مراحل عمرها. كانت طفلة مدللة ووحيدة, وأصبحت صبية تعرف أكثر من باقي الصبايا عن الحياة والناس, من خلال احتكاكها مع هذا العالم المزدحم .
    يمر العديد من الوجوه على الفندق ومطعمه المميز, لذلك لم تعش طفولة ولا صباً بقدر ما عاشت صغيرة بين الكبار, وصادقة بكل البراءة مع الزيف العالق في المكان. كانت تحمل شكواها معها وتذهب إلى الرجل والمنارة, لكي تعود بطمأنينة وأمل. أما الآن فلم يعد يتملكها الحزن العالق على عيونها الجميلة, ولا الخوف من الظلال, فهناك أمل يحمله لها المستقبل. أحست من كلام أحمد بنوع من السكينة لم تعهده من قبل. تتمنى أن ينتهي الليل, لتعود في الصباح إلى المكان هناك, فهي تبدو وكأنها تشتاق لعينيه ولكلمات تنتظر. علها تحمل معها صوت فرح أو خفقة حب .التفتت إلى الدمية وأخذتها في أحضانها تداعب شعرها, ثم نظرت إلى عينيها وقالت:
    أتعرفين أحمد؟.
    رأيته اليوم, وحدثني عن الحلم وعن الصباح.
    لو رأيت عيونه
    هي تحمل حزناً نائماً خلف الجفون
    وبريق يشعرك بالأمان والأمل
    تعالي نغفو على حكاية تخرج من تراب الحديقة
    كبرعم صغير, لا يدري كم يحتاج ليكبر
    كي يصبح غصن ياسمين.
    تعالي صغيرتي.
    أخذت الدمية بين ذراعيها واستلقت على السرير, تحتضن الحلم كدمية صغيرة تهمس لها بأغنية حب لتنام. أغمضت عينيها على صدى كلماته, فقد كان للصباح في ذلك اليوم رونق من نوع آخر. بعد حديثها مع الدمية والروح, تهادت الأضواء حولها, والصمت ارتخى على الثنايا, وانتهى الحديث خلف أعتاب الليل.
    في اليوم التالي وعند أطراف المكان حيث البحر. وقف الرجل يتأمل حركة الموج, لم يكن تأمل بل انتظار. فهو يريد ممن يأتي, أن يقف معه على الأطراف, هو يحمل بعض القلق لأنه لا يدري كيف سيصبح الحلم أغنية تنشدها الريح. وكم يتمنى أن يصير لذاك الانتظار شاطئ, كما لكل البحار شواطئ يستكين لها الموج بعد مشاكسة التيار على مد البحر والزمن. وكأن الموج جاء بأحمد, لكنه موج من نوع آخر. فلقد اقترب من الرجل دون أن يشعر به, على الأقل هكذا كان إحساسه حين رآه لا يخرج من الموج, ولا من المراكب العائمة, ودون أن يلتفت الرجل أشار بيده نحو المراكب وقال:
    أترى ذلك المركب الجميل؟, كم هو هادئ حين يرسو بلا إبحار. فأنا أراه يصبح جزءاً من لوحة الصبح على مد الأفق, انظر إليه جيداً. هو يأتي من زمن آخر ومن مكان لا نراه, إياك أن تغفل عن تلك الرؤيا, ويجب أن تحفظ إيقاعات الصبح في ذاكرة لا تذوب. هو يأتي مرة واحدة فقط , وإن ارتحل فلن يعود. هكذا هي المراكب القادمة من أماكن لا نراها. أطلب منك أن تكون بحجم حدود الرؤيا, حتى تصل إلى احتواء ما سيكون, عندها يكتمل سحر هذا الصباح الجميل.
    أحس بأن الرجل يوجه النصح دون أن يبوح بما يدور في أعماقه, وعرف كم يملك الرجل من محبة لسارة واهتمام بها وبما يتمناه لها, وأحس أيضا بأنه قد وصل إلى أن يكون عند شواطئ الثقة والقبول في عالم ذلك الرجل. أحب أن يتحدث بكلمات تظهر ما يكنه من احترام وتقدير, وذلك أقل ما يمكنه لكل ما يحمله الرجل من نوايا حسنة و خير في أعماقه النقية.
    التفت إليه أحمد وقال :
    أراك تحادث البحر, كم كنت أتمنى أن أسمع ما كنت تقوله في السابق, عندما أخبروني أنك تحادث البحر, ولكني ودون أن اقصد تراءى لي الحديث أكثر من كوني أصغي لكلمات هي إشارات, كما الضوء الأبيض حين ينبعث من المنارة, لينتشر عبر التيه العالق فوق عتمة البحر. يسعدني أنك قبلت صداقتي ولن أكون إلا كما تتمنى, قادماً يحمل الخير والنوايا الطيبة.
    ألا ترى كم أنا سعيد اليوم, أحببت أيضا أن أحدثك عن فتاة الحلم, هي لم تكن في يوم ما حقيقة أمام عيوني وقلبي, ولم أكن أعيش قبل الآن على حلم يداعب توالي الأيام كالمخدر حتى أهرب من واقع أو اختيار, ولكني الآن فقط بدأت أراها تتجسد أمام قراري لأكون على قدر النداء. كم أحببت هذا المكان, وكم أنت لي كذاك الرجل في الغابة, هو بمثابة والد لي وله كل احترامي وطاعتي, منتهى الحنان في حديثه لي وفي نظرته تلك, حين كان يجدني أتوه في أمر ما. وأنت يا سيدي لا تقل عنه بشيء, وكم أشكر لك سعة صدرك حين التقينا, فأنا لم أكن أعلم كيف أجعلك تراني على حقيقتي, وتصدق ما لا يصدق عن الحلم, وعن ما أتى بي إلى هنا.
    حديث الرجل هناك كان ينبع من معرفة وبصيرة, حين قال اذهب لذاك الرجل العالق بين اليابسة والبحر فهو النداء. لو تعلم يا سيدي كم أشتاق إليه, وكم أحن إلى أمي وأصدقائي. ولكني احتاجك أن تكون لي كما المنارة لتلك المراكب. كنت بمنتهى السعادة حين رأيتها بالأمس وتحدثت معها, هي أكثر من حلم, وأكثر من سعادة انتظرتها ولم أكن أصدق بأنها ستكون حقيقة.
    ابتسم الرجل وقال له :
    عمن تتحدث ؟
    أتحدث عمن جعلت في قلبي شوقا للقائها وانتظارها, وشوقا لحديثها أيضا ولعيونها الجميلة, "ثم نظر أحمد إلى عيون الرجل وشعر بالحرج, ففضل الصمت باحترام".
    قال الرجل:
    أراك تخرج من الزيارة للبقاء, وأرى أن عيونها تأخذك نحو مسافات لا نملك أن نتبادل فيها الحديث أكثر.
    سكت الاثنان حين كان صوت سارة يعبق كرائحة الصباح الندي وهي تحييهم بابتسامة وحياء. كانت كذاك الصبح حين التفت إليها أحمد, فهو لم يكن يملك أن يداري نظرة اللهفة والفرح حين رآها, وكأنه يراها لأول مرة.
    استدارت سارة وذهبت لتجلس في مكانها المعتاد.
    نظر الرجل إلى أحمد وقال:
    أترافقني إلى المدينة, أريد أن أحضر بعض الأغراض الضرورية من هناك. وسأعرفك على بعض أصدقائي, وعلى الأماكن التي أتجول فيها.
    لم يكمل حديثه, بل استدار وهو يضحك بصوت مرتفع وكأنه لم يقل شيئا.
    تابعه وهو يغادر ولم يجب على دعوة الرجل, بل اكتفى بالنظر إليه, ثم التفت إلى حيث تجلس. هو لم يعد يدري كيف ستأخذه الخطوات إليها, فلقد كانت تفتش في أوراقها عن حديث كانت تنتظره أيضا.
    اقترب يسألها :
    كيف أنت؟
    نظرت إليه وقالت:
    بخير.
    أراك تحملين الأوراق معك. هل ستكتبين شيئاً جديداً؟
    لست أدري .
    أتفضلين أن تبقي وحدك؟
    وهل تريد أن تتبع الرجل إلى المدينة؟
    ضحك وقال:
    بل كنت بانتظار أن تأتي. أخبريني ماذا تكتبين في هذه الأوراق؟
    ليس كما تكتب أنت, ولكني أحاول.
    ألن تقرئي لي بعض ما كتبت؟.
    اختارت إحدى كتاباتها وبدأت تقرأ:
    أرجوك حبيبي
    صرت تخاف أن تحلم
    ففي الحلم يمارس عليك الزمن أشياء لا تطيقها
    وصرت تخاف أن تضحك
    فتفاسير رؤياك تأتيك دون أن تدري
    حبيبي أخاف عليك
    من زمن يمارس عليك حسابات وبيانات وخرائط
    لا تعني أي ملامح لرؤياك ولا لحقيقتك
    أرجوك حبيبي
    لا تشرع السيوف في وجهي
    أنا فقط أريد منك ابتسامة
    فعمرنا وان طال مليء بما لا يقال
    أتذكر يوم التقينا
    أتذكر يوم تمشينا على أطراف الرؤى
    وتلك الأزاهير
    وطيورا كانت تغرد أجمل
    كأن صبحاً جديداً أتى
    أرجوك حبيبي
    أعلم كم أنت فارس وساحر
    ولكني أتوق لأقل من ذلك
    أريدك أن تمسح دمعي
    وان تحملني على أجفانك السمراء
    وتطير بي لعالم يتوق الناس إليه
    عالم يملؤه الحب
    عالم لا يغادر فيه الإنسان روحه للمصير
    أريدك حبيبي
    عاشقاً وأمير
    لست أسأل عن دموعي
    أيسأل الإنسان عن حلم
    حقيقتي أنت
    أرجوك حبيبي
    ابتسم لي أو للريح
    أنا لا أغير
    أعلم أنك غاضب من الأيام
    وأعلم أيضا أنك تملك الكثير
    حبيبي ابتسم لأي شيء
    فأنا أريدك إن كنت واقعاً أو أثير
    أنا لا أغير...
    أنهت ما تقول, وارتمت نظرة من عينيها إليه, وابتسمت وكأنها إليه تقول. واحمرت وجنتاها من الخجل فهي لم تكن يوما بعاشقة, ولكنها تكتب ما تحمله الأمنيات في أعماقها, فلعل العاشق يأتي .
    لم يكن يعلم إلى أي مدى يخرج من الحلم أمنيات لم يكن يحلم بها ابداً. نظر إليها وقال:
    كم كنت بعيداً حين لم تكوني, وكم أنا وذلك الموج نرسو في النهاية على شواطئ تنتظر لتجمل بسحرها الانتظار. وكم كنت بعيداً وبلا رؤى حين تركتك وحديثك للبحر, وحيدة كنت.... وأين مني أيام خلت دون عينيك وصمتي. كيف كنت بكل الانتظار ولم آت إليك عبر سحب الصيف, ولكني أقولها لك بأني لازلت وزمني, وعمري القادم وعداً إليك.
    أكمل وهو يقول :
    ألم يأت جواب البحر؟ وكيف للبحر أن لا يجيب, وتلك الكلمات وكأنها نثر لؤلؤ على صفحات رمل تدعو كل البحر إليها.
    كلماتي نثر لؤلؤ, أم حديثك ساحر كهذا الصباح وأكثر, وكيف لم يأت جواب البحر؟, ألست القادم من تلك الرؤى؟, تتجسد كاستجابة نداء وانتظار.
    سارة, ما أجمل اسمك يأتي من أزمان عتيقة وساحرة. وكم لعينيك جمال لا يرتقي إليه الوصف. ما رأيك أن نسير نحو الشاطئ هناك لنكون خارج المكان. فلقد صرت أخاف أن أكون في حلم كما المكان هنا, وكأنه من أحلام المدينة المخبأة عن الطرقات والضجيج. تعالي نسير باتجاه المدينة, فكم أحب أن أعرفك أكثر, وأريدك أن تتحدثي كما تريدين, فلست الآن على أفق بحر. أتيتك لتقولي كل ما كنت تدارينه في الأعماق, لكي أكون لك رفيق درب وقرار أيام تأتي, كهذا الصبح الجميل.
    ابتسمت, فقد كانت تشعر بالخجل و يظهر على وجنتيها احمرار, كلما أحست بحديثه يعبر إلى أعماقها المنتظرة, ولازالت وكأنها لا تصدق من يكون ومتى يكون. سارت معه وكأن تلك الزهور البنفسجية هي ابتسامات الدرب للقاء ولا أجمل.
    جلس الاثنان على الرمال الدافئة تحت شمس ذاك النهار, وتلاقت العيون في شوق. ومع كل القرب لم يكن لحديث الشفاه وقع كما النظرة للنظرة فرح واشتياق. توقف الوقت على شرفة الانتظار, فليس هناك مكان لدقات الزمن حين السماء تمطر كل ذاك الحب.
    لم يكن الحب يولد طفلاً, بل كان كما الزمن الكامل يصحو من غفوة وكأنها دامت ألاف السنين, هي اللحظة العالقة من عمر الأرض, توشك أن تبدأ أولى خطوات الزمن القادم. ابتسم أحمد وقال:
    سارة,هل أستطيع أن أقول بأني أحبك, لا أدري متى تملكني, ولا أملك أمر بقائي دون أن أبوح به, فأنا أحبك.
    تداعى الحياء على ابتسامة سارة وقالت:
    مهلا, ألا تريد أن تعرف سارة؟, وأين تكون هي من هذا العالم وممن فيه؟.
    وهل أحتاج لأن أعرف أكثر من أنك تسكنين الرؤى وتملكين البحر. وهل أحتاج أن أقرأ في عيونك أكثر مما قرأت, فهناك نظرة ما حلمت بها عمري, وابتسامة ولا أجمل. أعرفك جيدا, فأنت تسكنين الأعماق مني, وإحساس تهتف به الروح ولا أصدق. أما من تكوني ومن أكون, فهذا مرسوم على الدروب ولا نملك منه سوى الحديث, فتحدثي عن سارة وأنا إليك أصغي.
    لا أدري من أين أبدأ, ولكني منذ رأيتك في ذلك اليوم, أحسست بأنك الغريب. ولا أعلم كيف لامست نظرتك أموراً في داخلي لم تكن قد خرجت عن طوعي من قبل, أحسست وكأنك ترسم لي أفقاً آخر ولست أدري أين يكون, تملكني الفضول لأعرفك أكثر, ولأسمع حديثك. كم ارتحت لصوتك ولنبرة الصدق فكلماتك تخرج بكل عفوية لم أعهدها بمن حولي.
    هل يعني أنك تقولينها بلا كلمات؟
    أجل أقولها بلا كلمات. ولماذا سأخبرك عن نفسي إذا لم تكن أنت القادم إلي وتحمل الرؤى؟. كان وعد البحر إلي, وها أنت حققته.
    كم أنا سعيد بهذا ولست أصدق نفسي, هيا أخبريني عنك أكثر, قولي ما تشائين فأنا جئت أبحث عنك حبيبتي . أتسمحين بها؟
    سأخبرك عن سارة, ولكن من أين أبدأ؟. أأقول عن سعادتي الآن؟, أم عن وحدتي بين من حولي؟, أم طفولتي؟,لست أدري.
    ولكني تلك الصغيرة, قد كنت لا أجد رفقة غير الدمى وبعض أشيائي المبعثرة بين أيام عشتها وحدي, لي صديقات في المدرسة ولكنهن لا يرافقنني إلى البيت, فقد كنت أخرج من عالم الأطفال عند بوابة المدرسة لأعود إلى البيت. كانت هناك خادمة لطيفة, ولكنها لم تكن أمي.
    قلت لك لقد عشت بين أشيائي المبعثرة, أحياناً حين يأتي المساء فترافقني الخادمة في نزهة على الطريق لأشتري بعض الحلوى, ولكي تِأخذني إلى الفندق, كانت تبتسم لي أمي وكأني أحد الواجبات المناط بها, كان يزداد حنانها وابتسامتها تتسع حين يكون هناك أحد الزبائن أو الأصدقاء. لا أحب ما أقول, ولكنها حقيقة الطفولة. فهي تبقى عالقة كما الصور القديمة على مطالع الأدراج في البيوت العتيقة. أحاول أن أخرجها من أعماقي بعد أن كانت تغفو زمناً لا يطاق.
    كنت وحيدة بين وجوه الكبار وابتسامات وصراخ, أجل أحياناً يكون هناك صراخ. ففي الليل تعود وأبي إلى البيت ليبدأ حديث القوة واستسلام اليأس. وكأنها تمل من اللباقة طول النهار مع الزبائن والآخرين, لأنها مصطنعة هكذا صرت أفهم الأمور حين كبرت أكثر وصرت صبية. كنت أحتاج لها كي أقول ما وراء نظرتي الصامتة, فلم تكن الخادمات في البيت سوى أدوات يمارسن الأعمال بكل حساب للوقت والجهد, ولم أكن أنا من بين تلك الأمور. كنت أجلس في غرفتي معظم وقتي. دميتي هي من تصغي إلي ولكن بدون حديث يؤنس, أو يد تحنو على الصبية. خرجت من عالم المدرسة إلى الجامعة, كنت أخرج من الطوق والأسر حين أكون خارج إرادة أمي. تكونت لي صداقات كثيرة, وأحسست بأن الحياة تأخذ بالاتساع والرحابة. وكم صرت أندم على انتهاء فترة الجامعة, لأني عدت إلى البيت وأكثر من ذلك. قد كان القرار أن أعمل في الفندق مع والدتي, فهي بحاجة إلى من يساعدها, فأولئك المستخدمون وبحسب قولها لا يهتمون أبداً بمصلحة العمل. لم يكن والدي بقادر على اتخاذ أي قرار, ليس ضعفاً وإنما انسحاب من كل دوامة الصراع المزمن مع صاحبة القرار.
    أنا لم أكره والدتي قط , ولكني كنت أتمنى لو أنها تتخلص من سلبياتها, فأنا أحمل في داخلي كل الحب لها, لكنها لم تكن تملك التوازن بين ما تفعله مع الآخرين, وما كان يتوجب عليها تجاه من يحبونها. كانت تقسو على أحبتها, في الوقت الذي تكون فيه بمنتهى اللطافة والرقة مع الآخرين. مصلحة العمل تتطلب, ونظرة المجتمع لامرأة تملك ذلك الفندق العريق ومطعمه المفضل عند الطبقة الراقية في المجتمع والقادمين من جهة البحر. أحياناً كنت أقول بأن معها الحق, فامرأة مثلها لا تملك في قلبها أكثر من عشق المال والمظاهر والمجتمع. ولا تملك في أعماقها متسعاً لأي شيء آخر, ونحن وللأسف كنا ذاك الشيء الآخر.
    نظرت اليه وقالت:
    أنا آسفة, لم اقصد أن أقول كل ما قلته, ولكني ولأول مره أحس وكأني ألقي بكل ما في داخلي على هذه الرمال. فقد صرت أحاول أن أكون كسعادتي. وأن أكملها بالبحث عن القلق والحزن الساكن في أعماقي منذ الطفولة. أردت فقط أن أبوح بما في نفسي لكي لا يبقى ما يعكر لقائي بك. آه كم انتظرت لأقول وكأني ألقي برأسي على كتف الدنيا كي أشكو لها وأبكي, لعل ذلك يخرجني من الأسر.
    ابتسم لها وقال:
    حبيبتي لا تأسفي, بل تحدثي بكل ما عندك, ألست أنا من يصغي إليك. لم أكن أعلم كم عانيت, وكم تخفي ابتسامتك من حزن, فلا عليك حبيبتي يكفيك ما قلتيه ولا تكملي الآن, وتعالي لنسير نحو المدينة أحب أن أراها وأنا معك. فهو السير في الطرقات وعبث النظر في الوجوه العابرة يعيد بعض السكينة للأفكار المتعبة.
    أمسك بيدها وسار معها نحو بداية الحقيقة, بعد خروج الحب من شرنقة الحلم, وكأنه اكتمال أجنحة الفراشة لكي تخرج لتحلق فوق تلك الأزاهير. تراتيل الطبيعة حين تشدو بأغنية الجمال تتناقلها الريح كأصداء حلم, وكانتعاش اللحظة الساكنة خلف الأمل والانتظار. سار الاثنان, وحديثا ينتهي لحديث آخر وضحكات, وتلك الأيادي تتماسك وكأن الأنامل لا تصدق وعيها. أخذتهما الخطى نحو الفندق, فأشارت سارة بيدها إلى المكان وقالت:
    هذا هو الفندق وهنا مكان عملي, أظن بأني تأخرت قليلا وكم كنت أتمنى أن أبقى معك, نسير بكل طرقات المدينة. ولكن, ألاقيك غداً, كم أحبك أن تأتي لتتعرف على والدي و كم أتمنى لو أحدثه عنك.
    وأنا أتمنى أيضاً, ولكن اذهبي الآن وإلى لقاء في الصباح.
    ابتسمت مودعة, ثم أخذت تسير باتجاه الفندق, فاستدار يبحث عن طريق, وإلى أين؟ هو لا يدري لكنه يسير, لم يعد يتوقف عند أية حيرة أو قلق, مادام وعلى عينيه بريق الفرح. أخذ يجوب الطرقات كما اعتاد كل يوم أن يتجول قبل المساء, فلقد بدأ يعرف أين تنتهي به الخطى وكيف يعود. يحمل معه حديثاً يداعب به فضول فارس, فهو يسير في الطرقات وتسير معه الحكاية.

  8. #8
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي


    الفصل الخامس ..... وعي المدينة
    لم تكن سارة فتاة حلم, بل هي أكثر من ذلك. فهي سيدة صغيرة ولا يريد أن يظن بأنها كانت على انتظار لقادم قد لا يأتي, ولكنه أتى. أكانت الحكاية ترتسم على جدران الليل؟, أم مجرد عبثية ولها ملامح! هو يحتار من تلك العفوية وذاك الخلط بين الذكاء والعمق, وبين طفولة الحديث حين يكون عن أمها وعن المكان هناك. لا يعرف أحمد ما قد يختبئ له في ثنايا الأيام القادمة, كم يتمنى لو يذهب إلى هناك, ليشاهد والدة سارة ويتحدث مع والدها ويراها في عالمها عن قرب, هو يحب أن يملك أمر القادم من الأمور ليتبين المدى من خلف الضباب, أصبح يرى الأيام تأتي برفيقة درب وروح, وكما انزاحت تلك الستارة عن تفاسير حلم ولا أجمل, صار يتمنى أن يرصف الدرب بواقعية تماثل الأمنيات. هولا يحلم فقط , بل يملك إصرار الواثق مما يريد. هو الآن يجتاز الاختيار إلى عتبات حجرية ثابتة, تؤدي إلى نهايات كم تمنتها والدته وكم انتظرها هو دون أن يدري متى تكون ومتى يكون؟. امتدت به خطى الأماني حين رآها وانتظارها وفرحة تعبر بها النظرة إلى أعماق الروح. و تعود إليه كلمات الرجل في الغابة حين قال, اذهب يا بني وأغمض عينيك تأتيك الرؤى. يشتاق إلى لفافة التبغ وإلى تلك التقاطيع, وهاهو المساء يتراءى أمام عيونه وكأنه ابتداء, حتى مع غياب شمس النهار.
    عاد للبيت وبدأ يخبر فارساً بكل ما جرى. وبقي الآخر يصغي وعيونه تتابع الحديث.
    وما أن أنهى كلامه حتى قال فارس:
    كم هو غريب أن تجري الأمور بهذه السرعة, أنا سعيد جداً بما أسمع. هل تعلم بأني أعرف الفندق؟, وأعرف والد سارة, كنت أذكره حين كان يلتقي مع والدي, وكأن بقايا صداقة قديمة كانت أحياناً توقفهم على الطرقات.
    جلس الاثنان في الشرفة المطلة على البحر, وظلال الليل تمسح وجه الملامح على مد الأفق, لولا هبات النسيم التي كانت توقظ إحساس الموج من بين الظلال. جاء والد فارس, وانتهى الأمر إلى جلسة تداعب الذكريات القديمة الغافية خلف المخيلة. ابتدأ الحديث عن الفترة أيام الحرب القديمة, حين كان شاباً يملك صداقات عديدة وحياة ممتعة, وبدايات طريقه في العمل محاسبا لعدد من المحلات والمكاتب في هذه المنطقة قرب الميناء. كان من بين الأصدقاء والعملاء, ذاك الرجل صاحب أشهر مطعم في المدينة, كان رجلاً تملؤه الحياة والطموح, ذا شخصية جذابة وحديثاً لا يمل, وكما يقال صاحب عمل له مكانته في المجتمع.
    كان المطعم هو المكان الأفضل والأرقى في نظر الجميع, وحتى في نظر القادمين من البحر تجار وأصحاب مراكب. فقد كانوا يقصدون المكان لقضاء أمتع الأوقات. سارت الأمور بأفضل حال, حتى انتهت الحرب وعم الكساد بعد ذلك في كل المناطق, ولم تعد الأمور كسابق عهدها. حينها انتهى الأمر بذاك الرجل إلى الإفلاس تقريبا, كحال الكثيرين في تلك الفترة. ومع ذلك لم يكن يستطيع أن يتغير عما اعتاده من أسلوب حياة مترفة, لذلك تراكمت عليه الديون وأصبح مطالباً بالكثير, فالعمل لم يعد كالسابق, ولم يكن هناك مجال للاستمرار أكثر. وأذكر بأني كنت في تلك الأيام على اتصال دائم به, وكنت على يقين بما ستؤول إليه الأمور.
    في تلك الفترة وفي إحدى الأمسيات, جلست إحدى النساء في المطعم تنظر إليه بابتسامة وكأنها تخرج من خلف إعجاب, فهو كما قلت يملك شخصية جذابة وأسلوباً مترفا في التعامل مع الآخرين, وانتهى الأمر بينهما إلى التعارف وإلى جلسات طويلة, حتى صارت تلك المرأة لا تفارق المكان. هي لم تكن من أهل المدينة, فقد كانت إحدى القادمات إلى المنطقة من بلاد خلف هذا البحر. استطاعت أن تدخل قلب الرجل بأسلوبها المصطنع في الحديث وبتلك الضحكات التي كانت تملأ المكان.
    مرت الأيام, وسمعت من أصدقائي بأنها تزوجت من ذاك المدين. بعد ذلك سمعت بأن أحواله المادية قد تغيرت, فلقد سددت عنه كل تلك الديون حتى عادت الحياة إلى المكان من جديد. ذهبت إليه بعد فترة وأخبرني بأنهم سيقومون ببناء طابقين فوق المكان ليتحول إلى فندق, فلقد بدأ الكثيرون يتوافدون إلى المنطقة, وكلهم يأتون مع تلك المراكب. طبعاً كان هذا تفكيرها هي, فهي من تعرف عن تلك الأمور أكثر لصلتها بأولئك القادمون.
    مرت السنون, وأصبحت المرأة تملك المكان, فقد تنازل لها عن كل شيء, لأنه لا يملك السداد وليس له الحق في أن يدير المكان. فلقد اكتشف بأن التعامل بينهم لا يتعدى شكل الشراكة أكثر مما هو زواج وحب. كنت أراه عندما أذهب إلى هناك يجلس إلى إحدى الطاولات يشرب ويفكر دون أن يكون له أي اهتمام بما يجري في الفندق. كثيراً ما تحدث معي في أمور الماضي, فقد كان يحن إلى تلك الفترة, ويقول لي بأنه يحن لجماليات المكان ولتميزه عن كل ما حوله, وكيف تحول كل ما كان إلى بقايا داخل هذا البناء الغريب, هو لم يكن يشعر بأي انتماء للمكان, وكأنه بدأ هو الآخر بالتحول إلى بقايا, كتلك الأيام وذاك المطعم الجميل.
    في تلك الفترة ولدت سارة, كانت ثمرة ذلك اللقاء, فقد كانت فتاة جميلة جدا, لم تكن تشبه والدتها أبدا فكل ما فيها يحمل ملامح الرجل, فهو كما قلت يملك شخصية جذابة وعيوناً جميلة وابتسامة لا تزال عذبة مع كل الحزن واليأس والانسحاب من كل ما حوله. أجل هو الانسحاب وكأنه القرار المناسب, فهو لم يعد يرتبط بالمكان إلا من أجل ابنته الصغيرة, وكم كان يحبها لأنها كما كان يقول , أجمل ما بقي في هذه المدينة من زهور.
    كان قراره أن يحتمل الحياة من أجلها فقط , وأن يستمر بالعمل في المكان بعيداً عن أي قرار أو مواجهة. مرت الأيام وكبرت سارة, وانتهى عهد ذاك الرجل فهو لم يعد له أي شأن في إدارة المكان, فقد كان يعمل كبقية العمال وهكذا كان اختياره. فهو لم يكن يطيق ذلك الأسلوب المصطنع في كل شيء, تلك المرأة كانت تمارس الحياة في العمل وفي البيت بمنتهى المادية والتجرد من أية عاطفة أو حب. وهو يعرف الآن بأن اختيارها له كشريك حياة لم يكن بسبب الحب, بل كان أشبه بالصفقة, فهو يملك المكان المناسب ويملك أيضا أن يؤمن لها حق البقاء في هذه المنطقة كزوجة. ولغاية الآن, لازالت الأمور تسير كما أرادت لها أن تكون. وللعلم يا بني, منذ زمن بعيد لم أعد أزور ذلك المكان, لكني أقابل الرجل أحياناً في الطريق حيث نتحدث بأمور عابرة لا أكثر.
    لا أدري ما أقوله أكثر مما قلت, لكني يا بني أصدق أن تكون سارة هي فتاة الحلم لأنها كذلك, ووالدها من أفضل الذين قابلتهم في حياتي, ولن تجد أحسن من هذا الاختيار. ولكن هناك ما يجعلني أصاب بالقلق وأخاف مما سيحصل, فوالدة سارة لا تفهم معنى الحلم ولا الحب, فهي تنتظر لابنتها فرصة تأتي مع المراكب من خلف البحر, رجلاً غنيا يملك أن يؤمن لابنتها ما تؤمنه لها هي من حياة مترفة, ليس بقصد سعادة ابنتها, فهي تعلم بأن ابنتها لا تهتم بهذه الأمور, ولكن من أجل أمور هي تريدها وتخطط لها. كانت دائما ما تقول لسارة بأنها شبيهة والدها في كل شيء ولم تكن تحب هذا التشابه ابدآ, وكم تمنتها لو كانت مثلها. طبعاً هذه الأمور عرفتها من والد سارة حين قابلته قبل مدة من الزمن حين سألته عن أخبار سارة وهل تزوجت, فأخبرني بأنها لم تتزوج, وبأنها أكملت الدراسة الجامعية وتعمل مع والدتها في الفندق.
    كم أتمنى أن تسير الأمور كما تتمناها أنت, ومع أن والدة سارة عنيدة إلا أن الموضوع سيعتمد على سارة وقرارها هي, ولا أظن بأن والدها سيعارض. على كل حال دع الأمر لله ولا تخف, وأنا من جهتي سأكون معك في كل ما أقدر عليه.
    استأذن والد فارس, وعاد أحمد إلى غرفته. وبقي مع تساؤلات وريبة ونظرة من تلك النافذة لعالم بدأ يغفو تحت هدأة الليل, لا يملك إلا الدعاء يخرج من أعماقه كهمس الصمت, ليسافر على أجنحة السكون نحو السماء.
    لم تكن سارة من تلك التحليلات بمكان. فهي تملك وجهاً آخر لا يراه من ينظر إلى عيونها, أو إلى تقاطيع أيامها المتلاحقة. أحياناً كانت تمارس وعياً يتقادم مع الزمن, فكم هو مهلك ذاك الانغماس في الواقع لدرجة تجبر النفس على التقوقع بين ثنايا ردود الفعل, ولكنها تملك أن تخرج من كل ذلك.
    لم تكن سارة إنسانة تختلف عن الآخرين, حين تلامس الحدس والحقيقة في انفعالاتها وتكوينها النفسي. فهي تملك أيضاً أن تتحول إلى قطعة من الجبل حيث المنارة والأفق. يحتاج أحمد إلى أكثر من وعي عادي كي يقدر على الغوص في أعماق تلك المنتظرة. ويكون ذلك بالاستسلام لبعض الأمور, حتى تأتيه بأكثر مما يتصور, وبدقة متناهية ستعبر سارة وبخطوات واثقة نحو عالم لا يملكه التغيير, ولا يعنيه نداء من أي مكان, سوى الوصول إلى غاية حتمية ألا وهي القدرة على الانتظار. حتى لو كانت المحطة تعوم على أطراف الزمن.
    شيء في داخلها يرسم ما يكون من الأمور القادمة دون وعي البداهة, ودون الانتماء إلى جذور يفترض أن تعني الكثير لإنسانة تنتمي لمجتمع وذكريات, قدراتها الحسية لا تفوق الخيال أبداً. فهي لا تستطيع أن تقود المركب خارج أية عاصفة دون قرار من والدتها, هكذا تراكمت القدرات فوق المعطيات. لذلك يجب أن يكون الحب, فهو يملك المستحيل حتى لو لم تكن تعي ما يعنيه ذاك المستحيل. هو نوع من إرادة تفوق الرؤيا والانتماء.
    لم يكن الليل بانتظاره حتى ينتهي من ذاك التفكير, فقد أخذت الظلال بالإسراع نحو أفق آخر ومن يدري ما يحمله الغد, ولا حتى الفجر يدري. انتهى في تلك الليلة ذلك الحوار بين العقل والقلب, وبين الأمنية والواقع.
    لم يعد على صفحة الماء فوق البحر سوى السكينة مع بعض أشعة الشمس, فقد كانت ترسم إشراقة فجر, أمام عيون الرجل العالق بين اليابسة وبين البحر, وكأنه يستقبل الأحداث حين تأتي مع خيوط الشمس, يقف عند الصخرة الماثلة أمام الموج القادم, وكأنها تحرس المكان من أمور لا يفقه معناها ذاك الحلم المخيم فوق ملامح التلال المحيطة. لم يدر الرجل ما تحمله أحاديث المدينة, لكنه مع ذلك لم يستطع أن يغفو تلك الليلة من تململ الأرق على جوانب الليل. في ذلك الصباح كان يملك إحساساً بالفضول لما يمكن أن يختفي خلف الأرق. فلا أحد يستطيع أن يقف أمام البحر لعدة ساعات كما يفعل الرجل, فهو بعض من حديث الأفق للأعماق, أو نوع من التأمل لحقيقة ما يجري, فالأيام تتوالى والوجوه تغيب, لتعود إما مشرقة كهذا الفجر, أو ترحل وهي تحمل خيبة الأمنيات. لكنها تعود, فهي لا تقدر إلا أن تكمل الدرب نحو نهايات تقف أمام جدران لا نعلم ما وراءها, ولا أحد ممن خلفها يعود.
    لم يكن وحده من يرتسم على اللوحة الصباحية, بل كانت تظهر من بعيد فتاة الحلم وهي تسير نحو المكان. فارقته الوحدة إلى ابتسامة حين رآها, كم كان يتوق للحديث فهو يعلم بأنه لا جواب يأتي من البحر, إن لم يكن هناك انتظار. وها هي سارة تخرج من وعي المدينة قبل أن تصحو ويملؤها الضجيج, لتسارع إلى العابد في التلال الشرقية, فهو من يملك الضوء حين يكون صمت الملامح متاهة وظلال.
    اقتربت منه وقالت :
    أكون في غاية الطمأنينة عندما أراك تقف هنا, وكأنك تنتظر اللحظة قبل أن ترسو على شاطئ اليوم الجديد. ألا زلت تخاف علي من الأيام وما تحمل؟.
    لا لم أعد بخائف, بل هو القلق مما سيأتي, أنا يا ابنتي أملك الأمر في الحلم حتى يتجسد واقعاً ونعيشه, ولكني لا أملك الأمر في ما تحمله الأحداث التي قد تشارك في صنعها أنانية القرار وضعف البصيرة عند الآخرين, وأنا أيضا لا أشك في أن الحب سيكبر حتى يصبح أهزوجة عشق تسير كما الأصداء على مسامع الذاكرة, فهي أزلية حين تلامس الأحداث أغلفة الروح, سيخرج الحب من ذاكرة الحلم ليسافر فينا, وستحمله الأيام نحو مصير مجهول, لذلك أخاف عليه من أنانية القرار.
    ألم أقل لك بأني أشعر بالطمأنينة حين أراك تقف هنا. صدقني فأنا اشعر بمنتهى السعادة, ولم أكن يوماً كما الآن, أحس وكأني كنت انتظره, وأشعر به قريباً مني وكأني أعرفه منذ زمن, فهو ليس بقادم من مكان بعيد, بل يخرج من لقاء قديم. أنت تعلم بأني لم أرسم فتى الأحلام في مخيلتي كباقي الفتيات, لكني رأيته حقيقة وتحدثت إليه, فأصبح حلماً. أعذرني على كلماتي فلست أدري ما يحصل لي, فأنا لم أكن بهذه الجرأة في البوح, ولكني لا أملك إلا أن أتحدث إليك بما أشعر به, فأنت تعلم كم أنا وحيدة بين الوجوه.
    ضحك الرجل وقال لها :
    لا عليك سارة, تحدثي كما تشائين فأنا أصغي, وكم أحب صراحتك وسعادتك, وكم كنت أتمنى أن تخرجي من الوحدة والانتظار. أعلم بأنك لم تكوني بانتظار أحد, فهم يملأون الطرقات أليس كذلك؟.
    أجل لم أكن أنتظر, ولم أكن أهتم بمن يجلسون على أطراف نظراتهم, وبدايات أحاديثهم حين أكون بينهم. كنت أجلس هنا أحادث الأفق عما يتراكم في أعماقي من أمور يومية, لا تعني لي سوى أنني منسية بين وجوه وازدحام, ولا يرافقني في ما ينتابني من ملل ووحدة وتساؤل سوى الأفق, وكلمات أنثرها على الأوراق وأنت. لا أدري ما كنت سأفعل لو لم تكن هنا؟.
    منذ زمن لم تقرأي لي ما تكتبين, صرت أتمنى أن أعرف كيف تصبح سارة حين تفرح, وما هي الكلمات التي تأتي؟.
    لا أدري لم تسألني عما أكتب؟. أنا أحمل أوراقي, وأريدك أن تعرف ما تكتب سارة الآن.
    أخذت من حقيبتها الأوراق, ثم بدأت وكأنها تتحدث إليه بشيء لم يكن على الأوراق فقط , بل كان حديثاً وإجابة لتساؤلات الرجل, فقرأت تقول لكل المكان عما بها:
    لم أكن أدري, وكأني نزلت في تلك الليلة من شرفة المدار
    كنت أكتب على الأوراق ما دار بخيالي
    حين أصبح الحلم التائه زمناً
    بحراً تملؤه الحياة
    سرت بكل الطرقات الليلية
    وأبحرت بمتاهات الضجيج
    وبحثت عن موطئ قدم
    بين تراكمات الأيام والليالي
    نظرت لذاك الأفق البعيد مراراً
    علي استرجع بعضاً من ذاكرة القدوم الأولى
    لكن المعاني تغيب
    في أعماق الثنايا البعيدة
    لعلي أعرف من أنا
    فقد أصبح الحلم بحر تملؤه الحياة
    وجدت الأمر جلياً أكثر
    حين قرأت بعينيه ذلك الحب التائه
    وعلمت الشوق ومعنى الشوق
    لكن يمر الزمن مسرعاً
    فأحاول أن أتابع آخر طيف
    أن أتجمد داخل لحظة شوق
    أعلم كم يكون أزرق كل ما حولي
    حين أتجمد في دقات قلب
    حين أصبح تمثالاً
    عاصفة توقفت ثورتها
    على مفترق عينين
    أتساءل هل أبقى
    هل أرحل
    بل سأخرج من كل الدرب السائر
    سأسافر واللحظة تلك
    والنظرة تلك
    عتبات الوقت الساخر أفارقها
    بابتسامة المنتصرة على الذكريات
    لن يصبح عمري القادم ذكرى
    خرجت من الليل
    وأنظر للسماء
    لأبقى على أفق البحر عينين وعاشقة.
    ساد الصمت في المكان, وكأن الأفق يصغي لعاشقة على الأطراف تهوى الشوق كما الانتظار, وحتى انتهاء العمر لشرفة على مدار. فهي تعرف ما هناك, وتوافق على الجريان كما الماء في نهر يهوى الانحناء بين التلال, لكي يبحث عن انتهاء في بحيرة يسكنها الجمال. طمأنينة كسلى هناك وكأنها السكينة بعد ثورة قلق.
    يحتار الرجل فيما يسمع من كلمات, فيغمض عينيه كي تتراءى له الأمنيات القديمة. فقد كان يتوق إلى عاشقة بهذا الحجم, تملك أحاديث حواري البحر. أسطوري هذا العشق وأزلية تلك الرؤيا, حين تتجسد بريقاً يخرج من عيون الفتاة وعيون القادم أيضا, يتراءى الحب كالتساؤل, ويخرج النقاء وكأنه ماء عذري ينساب كسواق معلقة بين الحلم والحقيقة.
    مع كل الوعي العالق بين اليابسة والبحر لا يملك الرجل سوى أن يقول لها وبصوت كالاستغاثة:
    اذهبي إليه ولا تعودي, فلا تملك هذه الكلمات سوى البقاء كأغنية على دروب الصمت العابق في المدينة. اذهبي ولا تتوقفي عند أي انحناء, فالظلال كم أخافها, تتربص بالأمنيات وتخرج من العقل كعناكب متهالكة تبحث عن أي خراب, كم تشتاق العناكب إلى أرض الخراب. ومثلك لا تناقش الآتي من الأمور إن كانت حلماً. ولأنك حلم, لذلك أخاف عليك من الظلال, فهي تخدش الرؤيا إن استطاعت أن تضعف القرار. أرجوك سارة اذهبي إلى من جاء يبحث عنك.
    قالت:
    وإلى أين سأذهب؟, هو قادم من بعيد وأنا انتظار, ولن يخرج من حلم المكان. أم أراك اشتقت إلى العودة خلف الباب, كم تمنيت أن أعرف إلى أين تعود؟, حين يتوقف بك الزمن على أطراف البحر.
    ابتسم الرجل وقال :
    أشتاق إلى تلك العودة. فهناك خلف الباب يعود بي الزمن إلى حقيقة, حين أتذكر كم التجأ الكثيرون إلى الداخل, كانت الحرب السوداء تأكل النهار في المدينة, وأذكر الجوع على عيون أطفال بلا مصير, وأذكر العذاب والألم. هذه المنارة التي أمامك تختزن الذكرى القديمة, ولها أعماق كما الضمير. ففي كل ليلة تكون بلا قمر, يخرج الفرسان مع تراتيل الريح, وتعود الذاكرة للبحر عن الحرب الأزلية بين الضوء وبين ظلال تعوم على صفحة الماء, ويأتي الشروق لتتراجع الأحلام خلف الباب الخشبي, وكأن احمرار الأفق بقايا لأصداء التراتيل.
    لم يكترث إن سمعت ما قال, لكنه استدار ليختفي خلف الباب. واستمرت سارة تنظر إلى بقايا الحديث, لولا الإصغاء لخطى القادم, جعلها تلتفت نحو من يأتي مع الدرب إلى حيث هي والكلمات, كان أحمد يقترب, وهي بلا اقتراب تسبقها النظرة والفرح. لم تكن سارة تخبئ الخطيئة خلف الضعف كباقي العائمين على فكرة أو ظرف, كانت وبكل عفويتها وبتراكم الوحدة والقهر لا تزال تسبقها النظرة والفرح, لتسير بها نحو الدروب المطلة على عالم الوعد وبكل بساطة وحب.
    اقترب أحمد ليمسك يدها وليخرجها من لحظات تكبرها عمراً, كانت لحظات بحجم الزمن, حين يسكن بنا التساؤل عن المكان وما يخبئه الجدار المنتصب خلف الذاكرة, أحيانا نتلمس تقاطيع صور تذوب عند أول لحظة تأمل, لم يكن هناك أفضل من أن يعبر بها أحمد نحو أسفل الطريق, حيث تبدأ الأصوات المنبعثة من الحياة العابرة, بالمرور كباقي الطقوس بين طرقات المدينة.
    ابتسم وهو يقول:
    تعالي حبيبتي لن تبقي وحيدة, كم تأخرت عليك ولكن لا بأس, أمامنا الأيام والطرقات, والأضواء المنبعثة من الأحداث. تعالي نسير كما بالأمس فهناك الحديث يطول عن الوجوه وعن الأيام, كنت احن إليك حين لم أكن أدري من أنت, أشعر وكأني أخرج من غفوة عمر, فصوتك الساحر كالهمس يتملك الإصغاء عندي.
    تعانقت الأيدي وسار الاثنان نحو المدينة. وأصبح الحب أكبر من أشجار الدروب وأقدم, يسير الاثنان مع دقات الوقت, ومن حديث لصمت.
    أخذت الأيام تتوالى على الحب, وصار يكبر دون وعي الظلال, ولم تعد سارة تلتصق بالبحر, فلقد أصبح ذلك البحر رجلاً يخطو على الدرب وتحول موجه إلى حديث دافئ ينساب إلى ثنايا القلب. صارت تتأخر عن العمل, وأحيانا لا تذهب حتى لاحظ الجميع في الفندق بأن سارة تخبئ حكاية, فعيونها تحمل خبراً. وذاك التألق والفرح أين سيختبئ, فهو كما الأشجار على الجانبين وليس هناك ضباب يغطي الملامح في المدينة. هي تعلم من نظرة والدها وابتسامته بأنه ينتظر منها أن تقول شيئا, لكنه سينتظر ولن يسأل.
    حتى هو لم يعد يشعر بالوقت, ولا يملك أية لحظة صمت, فقد غاب الوقت خلف عيونها ونسي بأن الأيام تقارب على الانتهاء. ولم يعد سوى القليل من ذلك الصيف حتى يعود إلى القرية يحمل الشوق لمن هناك ولمن هنا. هو يملك حقائب ملأى بالفرح والأمل, وحكايا ينتظر أن يلقي بها على أطراف الليل في قريته, لم يعد أمامه سوى الخروج من حلم اللقاء نحو الفراق. وينتظر على نافذة الغرفة ما سيأتي به الغد حتى تخبر سارة والدها عنه. وهاهي اللحظة تقترب حيث سيتعرف على عائلة سارة, ويخبرهم عما يريد.
    في اليوم التالي التقى الاثنان على الشاطئ, كان ينتظر أن تقول له عما حصل بالأمس. كانت تلاحظ على عينيه الاضطراب والترقب, لكنها لم تستطع سوى أن تبتسم وتقول:
    أعلم بأنك تنتظر ما سأقول, تحدثت ليلة أمس, وقد وافق والدي على أن تقابله هذا المساء في البيت.
    نظر إليها وابتسم ثم انتهى الاضطراب إلى تساؤل, فهو لم يستطع أن يقول سوى:
    كيف ومتى تحدثت معه؟, وماذا قال؟
    ضحكت وقالت:
    تمهل سأخبرك بكل ما حصل, ولكن تعال لنجلس هناك فهو حديث طويل. كم كان صعباً أن أبدأ الحديث معه, لكنه ولحسن الحظ هو من بدأ, حين دخل إلى غرفتي ليسألني عن أموري في العمل وعن سبب تأخري هذه الأيام دون سبب. ابتسم وقال لي "هيا اخبريني, ما هناك يا سارة؟, أرى في عيونك حديثاً لا يملك أن يختبئ أكثر". ابتسمت وتملكني الخجل لم أدر ما أقول وكيف أبدأ. ولأول مرة شعرت بأني كبرت, وأن الحديث مع والدي صار يأخذ شكلاًً آخر, فهو لم يعد دلالاً وشكوى بل حباً وفرحاً, وكيف سأبوح به؟,
    كم كان الأفضل لهذا الحب أن تباركه والدتي, فمعها كان من الممكن أن امتلك الجرأة, ولكني تذكرت كم ستكون بلا شعور حين أخبرها وستغضب, فهي تملك تفكيرا آخر لما يجب أن يكون عليه القرار والاختيار وحسبما تريد هي. أعلم كم يحبني والدي, وأعلم أيضا أنه لا يملك أن يقرر شيئا دون الرجوع إليها, ولكني أردت أن ابدأ معه, لأنه يفهمني وتهمه سعادتي ويقدر اختياري. خرجت من التردد, وبدأت أحدثه عن ما حصل من يوم التقينا ولغاية اللحظة, كان يصغي لما أقول ويبتسم, وأحيانا تصيبه الدهشة والتساؤل. وبقي حتى أكملت حديثي, وسرعان ما قال: "تقولين رآك في حلم! ورأى المنارة والبحر! ومن هو؟, هل عرفت عنه شيء؟" أخذت تتراكم الأسئلة أمامي ولم استطع إلا أن اطلب منه أن يصدقني فيما أقول وبأنك الشخص المناسب, وأخبرته عن رغبتك في مقابلته. ضحك والدي عندما رآني بتلك اللهفة والرجاء وقال لي:" أراك كبرت, لم تعودي سارة الصغيرة, كنت أعلم ما تحمله عيناك من حديث ولكني كنت انتظر أن تبدئي أنت الكلام " وقال لي بأنه سيقابلك ويتحدث معك وأخبرني أيضا بأنه سيتحدث مع والدتي بعد أن يراك.
    وهاهو أحمد يستعيد كل أمنياته, وكأنها تأتيه في سلة قش مع كلمات سارة. أو هي أغنية عتيقة أعادت للإصغاء ذاك الفرح الساكن خلف الروح القلقة. هو يعرف الآن من أين سيبدأ في رصف الدروب الجديدة, بأنغام كان يعشقها حين كان صغيراً. أخذ يتذكر الأغنيات العالقة على ذاكرة المقهى, حين لم يكن يعي ما تحمله لأولئك الجالسين على المقاعد يداعبهم الشجن, فقد كان صغيراً ولم يكن يعلم ما تعنيه الأمنيات الكبيرة. أما الآن فهو على رجع الصدى, وكأنه مركب يرسو بعد إبحار على شاطئ جديد. ينظر إلى عيون سارة لكنها لم تكن تنظر للبحر, فقد كانت تبحث عن شيء في الأفق. وفجأة تلتفت نحوه بعيون يملؤها الخوف, ثم التفتت للبحر وعادت لتختبئ خلف عيونه المتسائلة. فسألها :
    ما بك ولم أنت هكذا؟
    لاشيء, ولكن لا أدري ما أقول, نظرت إلى البحر ورأيت النوارس تحلق قادمة نحو الشاطئ, وفجأة تتساقط. أجل تلك الطيور تسقط في البحر, أليس شيئا غريباً؟.
    أين رأيت ذلك, أظنها بعض مخاوف الفرح حين لا تعتاده عيوننا, حبيبتي ليس هناك ما يقلق, الله سيكون معنا لأننا نحمل الحب, ونرجو السعادة بمنتهى الصدق والعفوية.
    نظرت إلى البحر من جديد, ثم عادت بنظرتها إليه وكأنها تخرج من حلم ثم قالت:
    لازالت النوارس تسقط في البحر هناك, ألا ترى؟.
    لا يا حبيبتي لست أرى شيئاً!
    لا عليك أظنه الهذيان, فأنا لم أكن معتادة على مثل هذه السعادة. اعذرني فانا سأغادر الآن, لا أريد أن أكون بعيدة اليوم عن عيونها في الفندق , نظرت مرة أخرى نحو البحر ثم استدارت لتسرع الخطى, وكأنها تهرب من ظلال. ذهبت ولم تنتظر كي تقول شيئاً أو حتى وداع.
    ابتسم وأعاد النظر نحو الأفق, لم يكن هناك شيء سوى طيور تحلق وسماء صافية, بعد ذلك اخذ يسير نحو البيت, فهو يريد أن يستعد للقاء والد سارة. كم كان يتمنى لو أن والدته معه لتكون أول من يعرف بما يحصل. بدأ الشوق يسري بين الثنايا, وصور القرية تمر على أفق المخيلة. لم يبق سوى أيام قليلة حتى يعود إلى هناك. غريبة تلك الحالة حين تشعر بأنك تنتمي إلى عالمين, فهذا المكان من المدينة له جزء من المخيلة وله في الأعماق وقع كما للقرية أيضا, فقد أصبح الشوق يحتار بين الثنايا وإلى أين يصبو.
    لم يصبر المساء كثيرا, ولم تصبر الخطى حتى أسرعت تتقارب من لقاء طال انتظاره. وانتقل به الوعي إلى هناك, ولم يعد يدري كيف وقف أمام الباب ينتظر من سيخرج له. هي لن تكون سارة, لأنه يعرف بأنها تنتظر دون أن تكون هنا . خرج والد سارة وابتسم لأحمد, وكانت من القادم تحية مساء يحملها الخجل والاضطراب.
    قال والد سارة:
    مساء الخير, أظنك أحمد؟.
    أجل يا سيدي
    أهلا بك يا بني , تفضل.
    سار خلف مضيفه حتى وصل إلى الصالة, ثم جلس على الأريكة حيث أشار له. بعد ذلك استأذن والد سارة للحظات كانت تمر على أحمد وكأنها تتشكل في الزوايا كصمت الجدران. غريبة تلك اللوحات المعلقة, فهي لا تحمل من حضارة المكان سوى الإطارات الذهبية, فقد كان كل ما في الصالة انتقاء والدة سارة وذوقها. وما هي سوى لحظات حتى عاد الرجل وتلك الابتسامة الجذابة على محياه, كان بمنتهى الأناقة والهدوء. حينها أخذ أحمد يلملم نظراته من على المكان, عندما سمع الخطوات تقترب نحوه.
    قال الرجل:
    أهلا بك يا بني. كيف ترى مدينتنا؟, فكما علمت أنت قادم من مكان بعيد؟.
    مدينة جميلة وهذه أول مرة أزورها, أعجبتني أكثر بأهلها فهم بمنتهى اللطف وحسن الضيافة.
    في تلك اللحظة جاءت الخادمة تحمل القهوة. كان حينها يفكر هل يبدأ بالحديث, أم ينتظر حتى يتابع ما يأتي به الحوار.
    أخذ والد سارة فنجان القهوة وأشعل سيجارة ثم ساد بعض الصمت. بعد ذلك نفث الدخان في أرجاء المكان وقال وهو يبتسم:
    إذاً أنت أحمد, حدثتني عنك. هي ابنتي الوحيدة وأصغي لها بكل ما تقول, وكم استغربت من حكاية الحلم وكيف أتيت إلى هنا, هيا تحدث وأخبرني كيف عرفت سارة؟
    بدأ أحمد الحديث عن نفسه وعن دراسته وعمله, وأين هي قريته, واستمر حتى انتهى به السرد إلى حكاية الحلم. عندها لم يعد يخرج عن حدود الرؤيا, فلقد انسابت الكلمات بكل صدق وعفوية ودون أي انتظار لحديث أو عقل. ولم يكن الرجل يقاطع ابداً, بل بقي يصغي حتى صار الحديث عن رجل المنارة ووالد فارس, عند ذلك ابتسم وكأنه يستعيد بعض الذكريات القديمة. في حين أكمل احمد حديثه عن المدينة والبحر, وعن سارة وما رآه فيها من حسن خلق وعقل, ولم يكن يملك أن يبوح أكثر. لكنه تابع يقول:
    وها أنا أمامك الآن, وأتمنى أن أكون عند حسن ظنك و أن أنال رضاك ومباركتك لي على اختياري لسارة شريكة حياة, وكم هو شرف لي أن أكون. وبإمكانك أن تسأل والد فارس عني, وأنا على استعداد لكل ما تطلبه مني وسأكون بمثابة الابن البار لك ولوالدتها وسأحمل الحب والمسؤولية تجاه سارة حتى آخر العمر.
    ابتسم الرجل وهو يقول:
    كم هو غريب كلامك عن الحلم. اعذرني إن قلت بأني كنت خائفاً من أن تكون غريب الأطوار, تملك أحاديثاً لا منطق لها ولا عقل, ولكنني بدأت أشعر بالارتياح, فأنت شاب متزن وعلى قدر لا بأس به من اللباقة, حديثك يجعلني استشعر الصدق والجدية في كل كلمة تقولها. ولكن ومع ذلك, لازلت لا أعرف ما أقوله تجاه رؤيا تتحقق واقعاً وبكل تلك التفاصيل ولن أفاجأ, فالحياة علمتني أن لا أحكم على الأمور من أول مرة. أسعدني قدومك وارتحت لحديثك, وأرجوك أن تترك لي الأمر حتى أحادث والدة سارة, ولي أيضا حديث مع والد فارس ورجل المنارة, كم أثق بذلك الرجل هناك فهو يملك عقلاً وحكمة لا تقارن, ولأني أعرفه سمحت لابنتي أن تذهب إليه هناك, فلقد اعتدت في السابق أن أذهب بها إلى المنارة حين كانت صغيرة.
    ثم تابع يقول:
    إذاً رجل المنارة يعرفك؟, لكنه لم يأتي ليخبرني. أعلم أنه لا يقول أشياء تحدث على اليابسة هنا , فأحاديثه تأتي من داخل المنارة ومن خلف البحر.
    كم ارتاح أحمد عندما سمع الكلمات. وأحس بأن والد سارة أقرب إليه مما توقع, أصبح معجباً بالرجل وكم تمنى أن يكون للحديث معه دروب تأخذ بالأمل نحو زمن قادم. استأذن أحمد مضيفه وشكره على حسن الاستقبال وقال:
    سأكون بانتظار لقاء آخر إن شاء الله .
    ضحك الرجل وقال:
    أهلاً بك يا بني, هي فرصة سعيدة أني التقيتك.
    خرج من بيت الرجل وهو يحمل معه الأمل, وكأنه قريب ينتظر. واقتربت الأيام من أمور لا تنتظر, هو يريد أن يقابل والدة سارة, لكي يستعد لسفر قريب نحو حقيقة وواقع آخر, فهناك في قريته وبين أهله سيحمل معه بشرى ورجاء. خرج الليل من عيونه كما خرج المساء, ولملم الفجر تلك اللحظات المملوءة بالأمل خلف شمس يوم آخر. تسارع الزمن القادم حتى أصبح يطوى تحت جفون مرتقبة وبلا ارتقاب. وتهادت الروح القلقة مع الإشراق لصبح يأتي بعينيها, قبل أن يأتي الندى على نعس الياسمين, يترنم بأغنيات قديمة كانت تحمل فرحا ونقاء, ثم أخذ يتنقل في أرجاء البيت كمن يحاول أن يتغاضى عن الوقت, فلعله يستبق النداء
    .

  9. #9
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي



    الفصل السادس ..... حكايا الموج


    خرج من البيت وهو يبتسم للدرب المؤدي إلى الشاطئ, هو لم يكن يبتسم لكنه الحب يملك إيقاعات كونية لا يعنيها الصمت على الملامح, حين يكون الصبح متوجا بلقاء. كم هو الحب كأزهار الربيع حين تغتسل بحبات الندى, وكم تزهو الروح وتفرح حين يعانق الأمل ارتقاء, نحو عالم يغطي بألوانه الزاهية كل ظلال الأرض.
    بدأ النهار يسري في عروق الأرض, وتعالت الأصوات في الأرجاء حين تسارعت الخطوات نحو يوم جديد, فكل أولئك القادمين من زمن النوم, يسيرون على الطرقات نحو حياة تبدأ مع إشراقة شمس. وصل إلى الشاطئ, كان المكان كعالم بلا حكايا, أو كطفل يبتسم لأول مرة حين يلتفت إلى خيوط الشمس وهي تعبر الثنايا نحو ملامح كانت تغفو خلف ظلال وليل.
    وقف أمام الموج المتهافت نحو الرمل ليستنشق أنفاس البحر, ولينثر على الموج بعضا مما يحمله خلف عيونه من أمل. كم يحبها أن تأتي الآن, فهو يريد أن يعرف ما قال والدها عنه, وكيف ستكون عيونها حين يصبح الحب على أبواب الآخرين حكاية وانتقاء. تمنى أن يقول للبحر أشياء كانت تختبئ خلف صمته الطويل, لكنه يعلم بأن البحر أيضا يتمنى أن يقول, فحكايات الموج عن الريح لها أصداء تمر على أشرعة المراكب عبر الزمن. ويعلم أيضاً بأن الطيور تحلق فوق تراتيل تنسجها الشمس على ملامح الأماكن والطرقات, وعلى وجوه لا تملك إلا الابتسامة بعد الحزن. هكذا تراتيل الصبح تقول وهكذا البحر.
    وأخيراً انتهت إليه عيونها, فقد كانت تنظر إليه وهي لا تصدق نفسها, كيف أحبته؟, وكيف شعرت من أول لحظة حين رأته؟, بأنها لا تستطيع إلا أن تعيش معه حتى آخر العمر.
    اقتربت منه وقالت:
    أين عيونك حبيبي؟, وأين أنت؟, أقف خلفك منذ مدة ولم تشعر بي.
    التفت إليها وقال:
    الآن عرفت من أين يأتي السحر والجمال فيما أراه حولي.
    هيا تعال وأخبرني بما حصل بالأمس بينك وبين والدي, أريدك أن تعيد علي كل كلمة.
    أنا من ينتظر أن يعرف ما قاله والدك عني.
    صدقني هو لم يقل شيئا, لكني كنت أصغي لابتسامة عيونه حين دخلت البيت وقرأت في عينيه ما سيقول. لا أدري لعله ينتظر حديثاً آخر, فوالدتي الآن لا تعرف شيئاً, فقد لاحظت نظرات الريبة في عيونها كلما رأتني آتي متأخرة إلى العمل, لكنها مع ذلك لم تسألني عن شيء.
    أخذ يسير على الرمال, كمن يبحث بقدميه عن الأصداف المنسية بين خطوط الرمل. أخبرها بكل ما جرى وكان ينتقل من حديثه نحو تأمل لعينيها فهو يأتي بالكلمات من ذاك البريق ومن لون الفرح.
    قالت:
    الليلة سأخبر أمي بما في قلبي, ولن أنتظر أكثر مما انتظرت لا عرف ما سيكون عليه الأمر, الآن أشعر بجرأة على الصراحة معها, ولا أريد لوالدي أن يواجه الأمر وحده, فأنا لن أتنازل أمامها عما أريد.
    أتمنى لو أكون معك.
    ستكون معي وإلى الأبد, أليس كذلك؟. وهذه الليلة أيضا ستكون معي, ولكن بقلبي وإصراري على أن أجعلها توافق على اللقاء بك.
    أمسك يدها وسار الاثنان ببعض من حديث وبسعادة ترافقهم على الطرقات. فمنتهى المتعة حين تكون مع من تحب, وجوه المارة لا يعنيها من تكون, أو إلى أين يسير بك المصير. هي العزلة حين الاختفاء عن الأنظار بين أصوات عبثية, لا يعنيها الصمت لأي إصغاء مهما يكن.
    وتسير التساؤلات القديمة عبر طريق يؤدي إلى ماض لن يعود. كانت خطواته تسرع نحو سؤال لا ينتظر المساء, هو يعلم كيف يعود إليها ليحمل الأمر, وكم يطول الانتظار أحياناً لأمر أو قرار, قد تسري في العروق كل برودة الشتاء حين لا نريد أن نقول شيئا, ونحتمل حتى الانسحاب خلف زوايا الضوء , ولكن إلى متى؟. فالصغيرة تكبر, لتبدأ الحكايات الجميلة تقف حائرة أمام من سيقرر لون المساء.
    كان يقترب من مكان يسقط في هاوية النسيان زمناً كاملاً, وهاهو يعود الآن. فهو لم يفارق ذاكرة الروح وكأنه بالأمس كان هناك, يسير بين الزهور التي كانت تميل نحوه بكل العبق, فهي تعانق أحلاماً غفت خلف أشجار الطرقات. هو والد سارة من يصعد التلة يبحث عن الرجل. وما أن اقترب من المنارة حتى شاهد صديقه القديم يجلس على أطراف المكان. ابتسم وهو يسرع الخطى حتى وصل إليه, وعناق لقاء كان ينتظر طويلاً بين السنين. ثم بدأ حديث شوق وسؤال, وكأن السنين لم تمر على تلك الصداقة سوى كلمسة تكاد تكون أرق من اللحظة.
    نظر إليه الرجل وقال:
    أعلم لم أتيت, جئت تسأل عن القادم. فهل ستبقى سارة تنتظر أكثر؟, لست أدري, ولكني أعرف بأنك مثلي تكاد تقف على الأطراف, فحين تتزوج سارة لن يعود لك سوى التحرر من سيدة المكان هناك. عذراً يا صديقي القديم, فأنت لازلت كما عهدتك, تبتسم حين يكون الحديث عن الحرية وسارة.
    نعم جئت أسألك عن أحمد, أعلم أنك تعرفه وهذا وحده يغني عن السؤال, ولكني أريد أن أستوضح منك عما يكون عليه أمر الشاب وهل يناسب سارة؟, فأنت تعرفها من حديثها معك, أكثر مما أعرفه أنا عن نظرات الطفلة التي مهما كبرت ستبقى صغيرة.
    ألم أقل لك بأنك تكاد تقف على الأطراف, ولكن التحرر لا يحتاج منك سوى الابتعاد عن أرض التساؤل, فأنت مازلت تتلمس الحقيقة عن بعد. لا تسألني عما أعرفه عن القادم. هو لم يأت, ولم تكن سارة تنتظر, لكنه الدرب الجديد من سيعبر بنا نحو حقيقة لا نملك أن نتساءل عنها وكيف تكون. ذلك الشاب هو جزء من لمسة الريشة على اللوحة القديمة قدم الزمن, وسارة أيضاً. إياك أن تخرج من دائرة الظل حين يكون الحديث عن قدر. فهي رؤيا تتجسد, وأنا من ينظر للبحر حين تسافر الرؤى نحو البعيد, ولازلت كما تراني الآن عالقاً بين اليابسة والبحر. نحن لا نملك حق التساؤل حين يكون القادم حلماً وانتظاراً. كم قلتها لك في السابق ولا زلت أقول, أغمض عينيك تأتيك الرؤى وقد كنت كما عهدتك تبتسم حين يكون الحديث عن الحرية وسارة.
    لم يملك والد سارة إلا أن ينتهي إلى مواضيع أخرى, لا تحمل سوى الحنين إلى المكان, وإلى معرفة ما سيكون عليه الأمر حين لا نملك سوى أن نتلمس الجدران حولنا, فضبابية الآتي لا نملك لها سوى الرجاء. وكلمات الرجل كانت حديث تنقله الذاكرة الأزلية عبر أرواح تنتظر, كي ترشد التائهين إلى دروب تصل نحو حقيقة لا تعيها الأحداث ولا الطقوس, بقدر ما هي رسالة تومض كلماتها من خلف ظلال تغطي جدران الحقيقة, لا يراها سوى الواقفون على الأطراف في كل زمن ومكان.
    مضى الوقت وسافر الحديث نحو انتهاء, ولم يبق له سوى أن يعود إلى البيت, فقد قرر أن يكون في دائرة الظل من الحلم, وفي بقعة الضوء حين القرار. لن يستسلم لرغبات أصبحت تطول كما السنين, ولم يعد للصبر معنى حين يلامس الأمر عيون سارة, هو يحمل حديثاً قديماً لم يقله, والآن يشعر بأن الوقت قد حان ليخرج من تلك القوقعة المتراكمة حول ملامحه القديمة.
    لم تمضي فترة طويلة على مجيء سارة إلى الفندق, حتى دخل والدها من الباب, يسارع دون أن ينطق بأية كلمة. نظر إلى ابنته وابتسم وكأنها ابتسامة الرضا, ثم غاب في داخل المكان. كانت والدة سارة تراقب ما يحصل, ولم تكن تملك إلا الشك فيما تراه, شيء لم تكن تفهم معناه ولا أظنها ستنتظر طويلاً حتى تبادر في السؤال عما يجري. كانت تتمنى أن لا تبدأ والدتها بالسؤال هنا وفي هذا المكان, فقد قررت أن تبوح بكل ما عندها ولكن ليس هنا. توارت الأمور خلف حركة العمل, وتعالت الضحكات من جديد وانتهى اليوم دون أية مواجهة. ولم يبق أمام الوقت الباقي سوى انتهاء العمل والعودة للبيت. لم تكن تعلم ما جرى مع والدها في هذا اليوم, ولم تكن تعلم ما ستقوله لوالدتها, لكنها تملك الإصرار على البوح بكل ما تريد.
    غادرت في المساء قبل الجميع, ثم عادت إلى البيت وجلست على السرير تحادث الدمية بما حصل اليوم, وبما ستكون عليه الليلة, لكنها لم تكن تعلم ما سيكون. وفجأة سمعت صوت الباب, فلقد عاد الجميع إلى البيت. بقيت في غرفتها وبقيت تنتظر حتى يأتي إليها أحدهم, هي تملك إحساساً في أعماقها يحدثها عن انتهاء الأمر إلى مواجهة قادمة. لم يطل الانتظار حتى سمعت أصواتاً تأتي من جهة الصالة, اقتربت نحو الباب وأخذت تصغي لما سيكون عليه الحديث, وكان أول ما سمعته هو صوت والدتها وهي تقول:
    أين كنت في الصباح؟ وتغيبت بعد الظهر بغير عادتك, أحس بأن هناك أموراً تحدث ولا أعلم عنها في هذا البيت.
    ذهبت لزيارة أصدقاء قدامى لم أشاهدهم منذ فترة طويلة.
    ألم تستطع أن تخبرني قبل أن تذهب؟.
    ولماذا أخبرك؟. آه نسيت, فأنا أعمل عندك منذ أن تركتك تمارسين الإدارة هنا وهناك. ألا يكفيك أني انسحبت من كل ما تفعلين, وبقيت في عزلة عن كل ما نحاط به من أمور لم تكن تتوافق مع نوعية الحياة التي كنت أحب أن أعيشها أنا وابنتي.
    أنت وابنتك, هذا ما أسمعه دائما وكأني شيء آخر يختلف عنك وعنها, ألست أنا من هذا البيت أيضا.
    أبداً, لم نكن نعرف ذلك, كنا نظن بأننا لسنا سوى جزء مما تملكين. تعلمين كم أكره هذا الأسلوب, لقد مضى زمن طويل على ما نحن عليه وكل منا يعرف نفسه ويعرف ما يريد, ولا أجد ما يبرر أن نعود إلى نقاش لا نفع منه أبدا.
    إذاً كما تريد, أنا أيضاً لم أعد أحتمل التأثير على عقل الفتاة, ألم تقتنع للآن بأن أسلوبك في التفكير لا يأتي بأية فائدة لك ولها. أرجوك ابتعد عنها واتركها لتعرف ما تريده من هذه الحياة وحدها, كم أرثي لحالك ولطريقة تفكيرك التي لا تأخذك إلا إلى فشل وانسحاب من كل ما يدور حولك من أمور.
    أرجوك لا داعي لأن نقلب الأمور مرة أخرى, فكل ما أريده فقط هو أن أجد درب السعادة لابنتي.
    للأسف أنت لم تفهم للان, بأنك لا تملك سوى الفشل تهديه لها على طبق من أفكارك البالية. ولكن أخبرني, من كان عندك في البيت هنا قبل أيام؟, أتظن بأني لا أعرف ما يدور هنا.
    أعلم أنك تعرفين كل شيء, فنحن لسنا وحدنا في هذا البيت, فهناك من تستخدمينهم أيضا وهم على شاكلتك وهواك.
    يعني أنا لم أخطئ.
    ومتى كنت أنت على خطأ, ابداً فالخطأ لا يأتي إليك, هو يخرج منك ومن تصرفاتك.
    غريب أمرك هذه الليلة . وكأني أراك تخرج كل ما في أعماقك.
    لا ليس كل ما في أعماقي, ولكني منذ اللحظة لم أعد أحتمل تلك الأمور, وأظن الوقت قد حان لأخرج من الفشل كما تسمينه. هناك شاب جاء إلى هنا ليطلب الزواج من سارة, قابلته وأعجبني, وعليك أنت أيضاً أن تقابليه. أعلم بأنه ليس من النوع الذي توافقين عليه, ولكني قررت بأنه مناسب لابنتي, هي تريده وبينهما علاقة حب بريئة وصادقه.
    إذاً الآن فهمت ما يدور حولي. أين هي سارة؟, أريد أن أعرف منها كل شيء. وأريد أيضا أن أعرف لماذا لم تقل لي أي شيء عن هذا الموضوع.
    الأمر بسيط جداً, هي لم تقل لك لأنها على علم بأنك لن توافقي ولن تقدر على إقناعك بهذا الحب, فهي تعرف بأنك لا تفهمين ما يعني. وللعلم, أقولها لك الآن ولآخر مرة, يجب أن تقابلي الشاب وبكل ايجابية وترحيب, لأني لن أغير رأيي من ناحيته ابداً, حتى لو اضطررت إلى أمور لا ترضيك.
    ألم أقل لك بأنك تخرج ما في أعماقك. لا أدري ماذا حصل لك؟, ومن هو هذا الشاب حتى تحمل كل هذا الإصرار؟.
    الشاب قادم من مكان بعيد, يعمل مدرساً ووضعه المادي عادي جداً, لكنه يملك عقلاً متزناً وشخصية مقبولة, وقد سألت عنه ووجدته مناسباً لسارة.
    إذا كان هذا هو القرار بينك وبينها, فما لزوم أن أوافق.
    لأنك أمها , مع أني أعرف بأنك تريدين لها شيئاً آخر. تريدين زواجاً يليق بمستوى سيدة المكان ومجتمعها الزائف.
    وما الخطأ في أن أتمنى لها شخصاً مناسباً وذا مكانه اجتماعيه أفضل, ووضعاً مادياً يناسب مستوانا وطريقة معيشتنا.
    شخص مناسب كالآخرين الذين تقدموا لها في السابق؟, رجل مسن, أم طفل كبير يسير وراء والدته؟, أم ذلك المعاق الذي لا يفقه من الحياة شيئا سوى أنه ابن تاجر كبير. عذرا ولكني أريد لابنتي حياة أفضل مع شاب تحبه ويحبها ويعرف معنى الحياة ومسؤولياتها, ولم أجد في أحمد ما يعيب أو يتناقض مع ما أقول.
    لم تدر ما تقول أخذت تجول بعينيها في فراغ القناعة, وقامت من مكانها وهي تنادي على سارة كي تخرج من غرفتها, وتسألها عما يجري وعما يقوله والدها.
    خرجت سارة من الغرفة وهي تنظر إلى والدها, ثم استدارت وكأنها تريد أن تكون صاحبة الإصرار على الرغبة في أن يكون ما تريد, رغما عن أية ردة فعل من والدتها ومهما سيكون عليه الأمر, فقالت:
    أجل يا أمي هناك شاب تقدم لي وأنا أريده, هو قادم من مكان بعيد ويحمل معه حلماً. لقد رآني في تلك الرؤيا, كما رأى المنارة والبحر. ومنذ أن رأيته أحسست بمدى الصدق في كلامه وأحسست وكأني كنت أنتظره طول عمري. لذلك يجب أن تقابليه وستجديه كما أقول.
    إذاً هو شاب قروي, ومن مكان بعيد عن مدينتنا. وتقولين رآك في حلم ورأى المنارة والبحر. إذاً هو معتوه كما أنت ووالدك. الآن صرت لا أستغرب الإصرار منك ومنه على الشاب. فهو لا يختلف عنكما أبدا, ولاعن المجنون حارس المنارة. كم قلت لك ألا تذهبي إليه, فلن يأتيك من هناك ومن الرجل سوى البؤس والجنون. لكنك لم تطيعي لي أمراً أبداً, والسبب والدك هذا.
    أخذت تبكي بدموع غزيرة, وكأنها تستجدي العطف من ابنتها. ثم استدارت إلى والد سارة وقالت:
    يجب أن تعلم بأني لن أوافق على هذا ابداً. فلسنا بحاجة إلى فاشل جديد في هذا البيت, اذهب إليه في الصباح وأخبره بأننا لن نوافق على طلبه.
    قام والد سارة من مقعده واتجه نحوها, ثم نظر إليها بعيون يملؤها الغضب وقال:
    تعلمين بأنك خرجت من حياتي وعقلي منذ زمن طويل, ولم يبقني في المكان هنا سوى هذه البنت, كنت أصبر على تصرفاتك طوال تلك المدة, وكنت ألوذ إلى أي شيء سواك. كم كرهت نفسي لأني تزوجتك , لكني بقيت أتحمل من أجلها فقط. أما الآن فلن أصبر أكثر وسترين ما سيكون عليه الأمر إن بقيت على هذا العناد. غداً سيأتي الشاب وستقابلينه بكل هدوء وتوافقين عليه, ولو حصل غير ذلك الأمر فسيكون لي معك حديث آخر وتصرف لا تقبلينه أبداً, وخصوصاً أمام مجتمعك المزيف. كوني ولو مرة واحدة بدون أنانية أو تجبر, وحاولي أن تفكري ولو للحظة واحدة في ابنتك وما تريد. وحاولي أن تقدمي لها شيئا جميلا, تتذكرك به طوال حياتها غير تلك الأمور المادية والعطاء المبتذل.
    بقيت صامتة ولم تقل شيئا, ثم أخذت تواري وجهها بذلك المنديل, وكأنها تمسح دموعاً لم تذرف إلا لتحقق بها ما تريده كعادتها دائماً. عند ذلك اقتربت منها سارة وجلست على الأرض بجانب مقعدها وأمسكت بيد والدتها وقالت:
    تعلمين يا أمي كم أحبك, وكم أتمنى ألا أغضبك أبدا, كنت مطيعة لك في كل شيء حتى الآن. ولكن بالنسبة لهذا الموضوع فيجب أن تعذريني لأني لن أغير رأيي أبدا مهما حصل, فحياتي تتوقف على قرارك هذا.
    نظرت إليها والدتها وقالت لها:
    كما تريدين, ولكنني لن أكون راضية عنك أبداً. الآن عرفت كم أنت لأبيك فقط , وعندما ستعودين في يوماً ما خائبة بعد الندم, فلن أكون إلى جانبك ولن أصغي إليك.
    قامت من مكانها وغادرت نحو غرفتها. ولم تدر سارة هل تبتسم راضية, أم يأخذها الحزن على ما تراه من والدتها فاقتربت من والدها وقالت له:
    كم أشكرك يا أبي على كل هذا الحب والحنان, وكم أنا آسفة لما تلقاه بسببي.
    أبداً يا ابنتي, سعادتي هي أنك صغيرتي التي أحبها وأعيش من أجلها, اذهبي إلى غرفتك فالوقت تأخر. ألن تذهبي في الصباح لأحمد؟, كي تخبريه بأن يأتي لمقابلة والدتك. هيا تصبحين على خير.
    وأنت بخير يا أبي.
    استدارت وعادت إلى غرفتها تملؤها السعادة والأمل, وكأن القادم أيضاً سيحمل لها فرحاً منتظراً, نظرت إلى دميتها ولم تقل شيء. فحديث الليلة لم يكن على مقاس الدمى أبداً. كان حديث يحمل مرارة الواقع وهدأة الفرح بين الظلال. هي تفكر الآن في غد سيكون اللقاء فيه على حافة الفراق, فلم يبق سوى يوم واحد على سفر أحمد وعودته إلى قريته الجبلية حيث ولد الحلم.


    الفصل السابع ...... رحيل وسط لقاء


    وجاء الصبح يحمل بقايا الحكايات. والصيف يستعد لكي يغادر بأحاديث وضحكات ليخبئها خلف القمر, والرجل على الأطراف يصعد درجات المنارة, كي يجلس في أعلى مكان حيث تتملكه الرؤى, عله يتلمس بين إيقاعات الفجر وهي تراقص موج البحر الناعس أصداء لما سيكون. يترقب أن يأتي أحمد, وتداعب خياله أمنية بأن تأتي سارة أيضا, صار يتراءى له اللقاء وكأنه الشحوب قبل التلاشي, هو يريد أن يتحدث عن شيء في الأعماق يأتي من ريبة ووحشة. يعلم أن الرؤيا تتناهى إلى حكاية ترتسم على شفاه الموج, وتسير مع الريح كأصداء تهمس في أذن النورس الأبيض عن قصة حالم وعاشقة.
    ينظر للبحر ولأول مرة يرى الرمل يتهافت نحو الموج ليرتسم على أطراف البحر, ولأول مرة أيضا يرقب الطيور في السماء وكأنها لن تأتي, فلم يبق ما تحمله الطيور من نداء. وذلك المركب فوق الماء أصبح وكأنه يصحو من غفوة تأمل لم تكن طويلة. هل يستعد آخر المراكب للرحيل؟, متى سيعود ومتى يكون؟. لم يكن يعي مما يرى سوى أن الأشياء من حوله تتداعى نحو إغفاءة ستغطيها الريح بسحب ومطر, وسيختبئ الخبر خلف انتظار جديد.
    نظر إلى الأسفل فشاهد الاثنين على المقعد, وحديث ترويه الأيادي المتعانقة. فابتسم ثم استدار ينزل الدرجات نحو وداع, هو لن يرى أحمد بعد هذه المرة ويعلم بأنه قد جاء لوداعه. خرج من المنارة ثم أغلق الباب الخشبي وكأنه يحبس الظلال والريبة في أعماق المكان. كم تمنى لو أنه أشعل الضوء في الأعلى , مع أن أشعة الشمس تنساب على الملامح إلا أنه يرتاح كثيراً للضوء الأبيض, لعله يداري الظلال خلف أمل. اقترب منهما وهو يترنم بأنشودة قديمة خرجت من ذاكرة تحمل الكثير وتداري خلفها الكثير.
    التفت الاثنان إليه حين قال:
    صباح الخير, أراكما هنا ؟, أهو اشتياق لأول لقاء؟, أم تذكرتم أن هناك من ينتظر ليعرف ما حصل؟.
    قام أحمد من مكانه وجلس بجانبه على العشب وقال:
    وكيف أنسى من جعلني أخرج من الحلم إلى حقيقة ولا أجمل. جئتك اليوم مودعاً, فلقد انتهت الأيام الجميلة, ولا أملك سوى أن أحملها معي, فهي ذكريات ووعد. في صباح الغد سأعود إلى قريتي, وكم هو صعب علي الفراق ولا أدري كيف سأحتمل أن أكون بعيداً عنكم, وعن أجمل أيام عشتها حقيقة وبكل فرح وسرور.
    هكذا الدنيا يا بني لا تستمر على حال. ونحن أيضاً يملؤنا الحزن على فراقك, ونتمنى لو تبقى, لكننا نعلم من هم هناك وينتظرون بفارغ الصبر أن تعود لهم. ونرجو أن تعود لنا من جديد, فنحن سنبقى نرقب ويملؤنا الشوق. اذهب يا بني وسيكون لنا لقاء آخر تحمله الأيام القادمة.
    نظر إلى سارة ورآها كم هي حزينة. ابتسم رغماً عن الحزن في عيونه وقال لها:
    هيا تعالي هنا وأخبريني, ماذا حصل معكم؟
    اقتربت سارة وجلست على العشب, وأخذت تنظر إلى أحمد حين هرب بعيونه نحو البحر, وكأنه يبتعد بذاك الحزن عنها, فهو لا يحتمل أن يراها حزينة ولا يحتمل الفراق, لكنه الصمت ما يكون.
    استدارت سارة خلف حديثها للرجل, وأخبرته بكل ما جرى وبأن والدتها ستقابل أحمد مساء هذا اليوم. وقالت له بأنها لن تغيب عن المكان, بل ستأتي لتنتظر ولتصغي لصوت الأمل, لأنه يأتي مع كلمات العالق على الأطراف. فهو منارة للتائهين والمنتظرين على أبواب الصبر. ثم قالت:
    أليس الانتظار هو أفق آخر يحتاج إلى النور؟.
    لم يتمالك الرجل أن يبقى دون حديث فالكلمات تختنق, ولم يعد يملك نظرة تشرق, فالعيون أحيانا تختنق. استدار مودعاً بصمت وتراجع نحو المنارة.
    التفت إليها أحمد وقال:
    تعالي نسير نحو الشاطئ ولنخرج من الحلم. كم هو صعب أن لا نقدر إلا على الذكرى. صرت منذ الآن في شوق إلى ما سأتركه خلفي.
    أخذت بيده وتراجعت الخطوات نحو فراق أصبح يقترب. سار الاثنان في طرقات المدينة, بعض من رجع ذكرى وبعض من حديث لا ينتهي, وعيون تحمل شوقا وتحمل وعداً وأملاً نحو لقاء سيأتي كما تأتي الزهور كل ربيع, وتفرش التلال بأجمل ما يملكه اللون من زهو وعبق. تناثرت اللحظات بين بقايا الأحداث الصغيرة الباقية من ذاك الصيف. وانتهى اليوم إلى مساء يختنق.
    لم يكن يملك سوى الانشغال بتجهيز نفسه للسفر وكذلك فارس, وجلسا بعد ذلك على شرفة تطل على بحر صار جزءاً من حكايا القرية الجبلية. أخذ يخبر فارساً عن لقاءه في المساء مع والدة سارة. فلقد حصل اللقاء ولم يكن مرتاحاً لتلك الابتسامة المبتذلة, ولا اللباقة وكأنها قناع من الورق الزاهي الجميل. لكنه على كل حال خرج من هناك بوداع وكلمات تحمل الرقة والصدق من والد سارة, وسعادة تمتزج بحزن الفراق, تظهر على ملامح سارة رغم الابتسامة العذبة. ولم يبق سوى أن يعود مع والدته إلى هنا بعد فترة. على كل حال كان سعيداً بذاك اللقاء الأخير .
    بقيت الأحاديث تخرج أحياناً من ذاكرة القرية, وأحياناً من انفعالات اليوم. فكم هو صعب أن يفارق سارة حين لا يملك منها سوى الطيف وحكايا البحر ونظرتها العالقة في ثنايا الروح. بدأ الليل ينتهي إلى سفر وقطار, والغربة تلملم البرد عن الأطراف لتنسل به إلى دفء الروح, فنشعر بالرعشة وكأنها صحوة الشوق في العيون التائهة.
    الساعة هي الخامسة صباحاً, والفجر في ذلك اليوم كان مبللاً بالندى, حتى العربات الممتدة نحو السفر. وتأتي سارة من بعيد. هي لا تطيق أن النظر إلى أي شيء, كانت تنظر فقط لتلك القطرات على أزهار الطرقات فعيونها كذلك أيضا, كانت كما الزهور حين يتساقط عنها الندى. اقتربت من أحمد ولم تكن تملك البوح, سوى يديها تأخذ بيديه علها تسافر هي الأخرى إليه.
    أخذ يمسح دمعها ويقول لها:
    لا تبكي حبيبتي لن يطول غيابي. سأعود إليك عما قريب ولن يكون فراق.
    بقي الاثنان على أرصفة الصمت وغاب المكان خلف أغلفة ضبابية, لم يعد الوعي إلى الوقت في تلك اللحظات, فقد تلاشى الزمن ولم يبق سوى العربات الممتدة نحو الشوق والحنين. وابتدأ القطار يعلن انتهاء الفجر. واختلطت الأصوات بالوجوه المسافرة والعيون المودعة. ولم يعد الوعي إلى اليقظة بل استفاق الوقت نحو بدايات, وكأن البدايات تتوالى كما الشموس على النظرات العاشقة. وانسحبت الأيادي نحو فراق, حين كان الصيف يغادركما الحكايات إلى زمن لا نملك منه سوى البقاء وعيوننا ترنو إلى خفق أجنحة طيور, تعود يوماً ما وكأنها لم تغادر. وتداعى الصمت ليصبح تراتيل ننشدها مع كل هبة ريح تأتي من جهة البحر. أيحمل الأفق انتظاراً؟, وإلى متى سنبقى نعانق الأمل سكينة بلا قرار؟.
    يغادر القادم نحو طفولة الرؤيا القديمة, تحمله الريح إلى قرية جبلية لا يسكنها البحر, ولا يملك عند المساء هناك سوى طيف ونظرة.

  10. #10
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي



    الجزء الثالث

    الفصل الأول ...... إغفاءة انتظار


    تعود الحافلة من جديد, وكأنها تخرج من ذاكرة الطرقات الجبلية. هل كانت تغفو في زمن يتوارى خلف تساؤلات الملامح القابعة بين التلال؟, فهناك من يأتي ويحمل معه المسافات على شكل زهور برية, يتملكه الحنين إلى هنا وهناك.
    تقف الحافلة على أطراف الساحة الحجرية, ويعود منها غياب تاه عن المكان في زمن آخر, ينزل الاثنان ونظرة نحو ما يرتسم على العودة من شوق, وتنتهي المسافات عند التلال وكأنها ابتسامة المساء للهفة اللقاء, مع إغفاءة الانتظار بين ظلال الليل القادم.
    يخرج عزيز من المقهى ويشاهد أحمد وفارساً, فيأتي مسرعاً وكـأنه الفرح, وكم هي مفاجأة مثيرة تلك اللحظة. فهو لم يكن يتوقع أن يكون أول من يشاهدهما. أسرع نحوهما وعناق مع الشوق وقال:
    أهلاً بأصدقائي, لم أكن أتوقع مجيئكم اليوم. كيف أنتم وكيف كانت الرحلة؟, كم ستسر والدتك حين تعلم بعودتك, سأذهب لأخبرها فهي لن تصدق.
    قال أحمد:
    كيف حالك, لو تعلم كم اشتقت لك ولكل من في القرية هنا, أرجوك لا تذهب ودعني أكون من يفاجئها.
    التفت عزيز إلى فارس وقال:
    كيف حالك أستاذ فارس وكيف حال الأهل هناك, اشتقنا لكم يا رجل أنت واحداً منا وصرنا نفتقدك.
    أجاب وهو يبتسم:
    أشكرك يا صديقي الطيب, اشتقت لأحاديثك ولفنجان قهوة من يدك.
    إذاً هيا بنا إلى المقهى, سأعد لك أفضل فنجان قهوة ليكون استقبالكم عندي.
    قال أحمد:
    ليس الآن, فنحن نشعر بالتعب والإرهاق وأفضل أن أذهب إلى البيت لقد اشتقت لوالدتي, وسيكون لنا حديث وجلسات معك في وقت آخر.
    ترك الاثنان عزيزاً, وسار كل منهما نحو بيته, ليعود القادمون إلى انتهاء الرحلة بين لحظات اللقاء والحنين. أخذ يتقدم نحو البيت وهو يحاول أن يصل قبل الخطى إلى عتبة ذاك الباب المنتظر, والذي كان كما الملامح في تلك القرية, يبقى ومع كل الصمت أول من يبوح بفرحة اللقاء.
    دق الباب, وسمع صوت والدته تقول: من هناك؟,عندها استفاقت في داخله طفولته النائمة, كاد يبتسم لكل شيء حين قال:
    افتحي أنا أحمد.
    فتحت الباب وخرجت تعانق القادم, ودموع الشوق تسبقها الكلمات المختنقة وقالت:
    أهلا يا بني ما هذه المفاجأة, لماذا لم تخبرني بأنك ستأتي اليوم ؟ كنت انتظرتك على أول الدرب.
    كيف حالك يا أمي, اشتقت لك كثيراً.
    ادخل الآن, ما أجمل أن تعود إلى البيت فأنا لم أكن أطيق أي شيء بدونك. هل كنت سعيداً بتلك الرحلة؟.
    كانت رحلة جميلة يا أماه وسأحدثك عنها, وكم تمنيت لو كنت معي.
    نظرت إليه وهي لا تصدق نفسها بأنه يعود إليها من جديد, وقالت له:
    أراك متعبا من السفر يا بني, هل أعد لك العشاء؟, أظن بأنك جائع.
    أجاب:
    نعم جائع جداً, ومشتاق إلى طعامك اللذيذ.
    اذهب واستحم ريثما أعد لك الطعام, بعد ذلك تحدثني عن رحلتك وما جرى هناك, ولكن لماذا لم ترسل لي رسالة تخبرني عن موعد قدومك؟.
    كنت أتمنى أن ابعث لك . لكني لم أكن اعرف متى سيكون سفري, وتعلمين يا أمي بأن الرسالة قد تصل إليك بعد رجوعي فنحن في قرية بين التلال.
    على كل حال عدت سالماً وهذا أهم شيء عندي.
    جلس مع والدته بعد العشاء, ثم بدأ يخبرها بكل ما جرى معه منذ أن غادر القرية في ذلك اليوم. كانت والدته تصغي لحديثه وهي تنظر إليه بشوق, كانت بمنتهى السعادة فهاهو قد عاد إليها, وهاهي تتأمل وجهه وتتابع حديثه بكل ما يحمله من غرابة وإثارة.
    كان مسترسلاً بالحديث, ويعود بصدى الكلمات إلى هناك, يلملم المسافات كي يقترب بذاكرته أكثر من عيون سارة, وحديثها الساحر وكم يشعر بالشوق وبالحزن, ولا يملك إلا أن يكون هو الآخر منتظراً. ولكن متى سيكون اللقاء؟, هو لا يدري ما يعد له الآتي, ولا يملك سوى أن يستمر بحديثه لوالدته عن سارة والبحر وعن أرض الحلم هناك.
    يسري الحديث على أوتار الإصغاء, ويمتلئ المكان بعبق الشوق حين تغيب عيونه الحزينة وراء اللحظة, لكي ترنو إلى ذاك الطيف. هو الآن يشعر بنسائم البحر, وبصدى أحاديث الرجل هناك.
    لم تعد سارة فتاة حلم, بل أصبحت حورية بحر تغني وبصوت ملائكي, تتردد التراتيل على مسامع التلال. وحتى سكون الليل يصغي للحديث عن عيونها وعن الحب والذكريات وكأنه الأمل. هكذا تراه والدة أحمد كبريق يخرج من عيون الجالس معها, ومسافر بلا جسد نحو عالم آخر لا تراه, لكنها سعيدة بالفرح بالرؤية حين تتحقق, ويملؤها الرجاء في أن يكون القادم من الأيام أمنية تخرج من دعائها وانتظارها. كانت تتمنى أن يجد أحمد سعادته قبل أن تغيب هي, كما غابت كل الحكايات القديمة خلف السنين.
    استمر الحديث والسهر حتى بدأ النعاس يهيمن على المكان والعيون, وعاد أحمد إلى غرفته وكأنه يبحث عنها, فهناك أمام النافذة سيكون هو كما الانتظار. وأين منه الآن تلك الجالسة على أطراف البحر, وأين منه نعس الأفق حين يكون المساء.
    يعود إلى سريره ولأول مرة يغفو مطمئناً, ويعود إلى طفولة كانت تنام خلف الحيرة والقلق. هو الآن على الأطراف ولكن, أيكون للشاطئ أفق آخر يسكن في أعماق الروح؟, كم سيشعر بالسكينة حين يغمض عينيه على انتظار وأمل.
    * في تلك الليلة كنت خلف النافذة, ولا أملك أي بوح أو قرار, وأعلم بان أحمد لم يكن يوما من تلك القرية ولا بتابع لذاك البحر. هو زائر يتوه في معنى التواجد ولا يملك سوى أن يسير على خطى ترتسم أمام عيونه, وكأنه طفل صغير يتكئ على نبرة أصوات الكبار.
    كنت مثله لا أعلم إلى أين تؤدي دروب الرؤى, وبقيت كذلك حتى لفجر, أحاول أن أرسم على الصمت بعض ملامح ما سيكون. ولكني عدت إلى أوراقي وأنا لا أملك من الحروف سوى الشرود على عيوني, فلست أملك أمر القادم. وأشعر بالشوق إلى حديث أكون فيه سيد الكلمات والمصير, ولكني كما الغيب نحمل صمت الرؤى, وكذلك كان الغافي على أمل الانتظار.
    أيستفيق الفجر على أغنية ملؤها الحياة, أم يغيب الحلم بين ثنايا الخيبة, لم أكن أعلم. تركته يغفو حتى يعود له الفجر بحكايات مخبأة خلف خطوط الأفق وخلف ظلال الطمأنينة *.
    في اليوم التالي, كانت ضحكات الأصدقاء وكأنها الأصداء, تعبر الساحة لتختفي خلف الأشجار هناك. فلقد اجتمع الحديث القديم على الطاولة أمام المقهى, كانت الأحاديث تأتي من ذكريات لم تغادر الأفق, ومن أحداث غاب عنها الصيف حين سافر مع الحلم إلى المدينة وذاك الشاطئ. كان إصغاء حمدي وعزيز كصمت الصغار, حين تخرج الحكايات من خطوط الزمن, لترتسم على حديث الجدة وكأنها تراتيل تأتي من خلف ظلال المساء.
    كان عزيز يقف على جانب الحديث, و يستشعر بالدفء من تلك الكلمات عن الحب والذكريات, وكأنه يجلس على أطراف جدول صغير ينبع من بين التلال المطلة على القرية, ويسافر مع كل انحناءات الحديث, حتى يصل به الحلم إلى تلك المدينة والبحر. فهناك تحلق في سماء الشوق أمنيات أحمد, وهناك أيضاً يروق لعزيز أن يكون هو الآخر كما حكايا البحر, حكاية أخرى تعود مع النسائم نحو شاطئ يحمل بعضا من أحلامه النائمة, خلف بساطة أمنياته, وخلف مساحات الرؤى حول الساحة الحجرية. متى سيكون هو الآخر على موعد مع بعض ما يداعب حدود خاطره, حين يصغي لتلك الكلمات عن بقايا الموج على أهداب الانتظار.
    لم يكن الحديث قد وصل إلى أي انتهاء, فلا زال هناك شوق وكلمات, لولا أن استأذن حمدي بالانصراف لبعض أشغاله. فقد اقترب العام الدراسي, وأمنيته أن يأتيه النقل إلى العاصمة, ولا يدري هل ستكون الوعود حقيقية هذه السنة؟, فلم يبق سوى أيام قليلة وتعود الحياة إلى مدارها العتيق بين المدرسة والبيت, هكذا الأيام تتسارع نحو معاني البقاء وكأنها تنسج من التكرار أثواب الصبر, لنرتديها حين تأتي الحكايات ببقايا الأمنيات.
    نحن لا نملك إلا أن نسير على الدروب, فأحياناً نراقب الخطى, وأحياناً نتغاضى عن الصبر حين ننظر للبعيد, عل ملامح أخرى ترتسم على الأفق. نملك أن نفرح حين يملؤنا الأمل, ونملك أيضا أن نحزن حين لا نرى على المدى سوى انحناءات الدروب نحو أشياء كالسراب. لكننا لا نملك أن نفهمها أو أن نتبين متى تأتي, حتى ينتهي الصبر إلى حياة تصنع في أعماقنا بعض الرغبة والعزيمة.
    كان عزيز لا يزال يقف على جانب الحديث حين التفت إليه أحمد وسأله:
    مالي أراك هكذا؟, أرى الحديث قد أثار بك الفضول لتعرف المزيد عما حصل.
    أجاب:
    أعجبني جداً وتمنيت لو كنت معكما هناك, ولكن أخبرني ما هي المنارة؟, فأنا لم أسمع بها من قبل.
    ضحك أحمد وقال:
    المنارة هي بناء يرتفع على جانب البحر, ويوجد في أعلاه مصباح قوي يضاء في الليل, ليدل السفن والمراكب نحو الشاطئ. ولا تسألني ما هو البحر.
    ابتسم وقال:
    لا يا أستاذ أحمد فانا لست بجاهل لهذه الدرجة
    أريد أن أسألك عن الرجل في الغابة, وهل حضر إلى هنا أثناء غيابي؟, فأنا مشتاق له جداً.
    نعم لقد حضر إلى هنا قبل أن يغادر القرية, وترك لك عندي بعض الأغراض ومفتاحاً للكوخ, وقد سأل عنك وعن أخبارك, وقال لي بأنه سيغادر إلى بلده, فقد انتهى عمله هنا.
    تغيرت ملامح أحمد وأصابه الحزن على ذهاب صديقه. كان يعلم بأنه سيغادر من قبل, ولكنه لم يتوقع أن يكون الأمر بهذه السرعة, فقد كان يتمنى أن يذهب إليه ليحدثه عن كل ما جرى هناك, وليخبره عن حارس المنارة والمدينة وكيف التقى بسارة. كان يريد أن يستدل من حديث الرجل عن العبرة مما حصل. لكنه الآن بعد أن عرف بأن الرجل قد رحل عن القرية, بدأ يشعر بأنه سيواجه الأيام وحده, وسيكون أمام محاولته الأولى في التحليق من أعلى الجبل, ومعانقة الريح دون أن تتبعه النظرة الثاقبة وتلك الأجنحة القوية, والتي كانت دائمة التأهب للتحليق خلفه وإنقاذه في حال لم يقدر على الطيران, وهاهو الآن يفتقد الأب الروحي ويفتقد الدفء والسكينة أيضا.
    عاد عزيز من الداخل يحمل معه مغلفاً يحتوي على رسالة من الرجل, وبعض الأوراق التي كان يحتفظ بها من كتابات أحمد, ومفتاحا قديما لكوخ الغابة. ترى أتكون هذه بقايا الرجل والحكمة, أم هي بدايات الوعي القادم لأمور تنتظرها الروح المتجددة.
    غادر أحمد المقهى, وبقي فارس مع تساؤلات عزيز عن البحر والمنارة, وكلام عن المراكب والسفر. وكأن عزيزاً يخرج من الساحة الحجرية نحو الإصغاء لما سيقوله فارس عن تلك المدينة, وعن ملامح الأماكن التي لم تكن موجودة من قبل في مخيلته الصغيرة.
    حمل الأوراق وسار في طرقات القرية, يريد أن يستعيد بعضا من ذاكرة الربيع على التلال الخضراء, ولكنها الحقول الآن أصبحت تحمل لون الشمس, فالخريف يقترب من التلال كما يقترب أحمد من واقعه الجديد. كم يشعر بالوحدة وبرعشات الغربة, حتى وهو في أحضان الطفولة الأولى. قد صار يشتاق لسارة ويفتقد من كان في الغابة, ولم يفتح الرسالة ولا يريد. لأنه يفضل أن يذهب إلى الكوخ حتى يتحقق من ذلك الغياب, فهو يتأمل أن يكون للرجل هناك بعض الحضور, كما الرفقة التي لا تغيب لكل أحاديثه السابقة, والتي لا تزال تعلق على جدران الذاكرة. هي في الأعماق تنير ولو بالأصداء بعض ما سيكون في الأيام من تيه وبرودة بدأت تسري في أعماق الوعي, مع كل ما يرتسم على التلال من صيف وشمس وطرقات, تسكن هي الأخرى في أعماق الطفولة الغافية على حلم المكان هنا, وعلى الشوق إلى هناك.
    يكمل السير نحو الحقول, حيث والدته وأهل القرية يمارسون عشقهم الأزلي لتلك الأرض, فلقد غاب عنهم مدة طويلة, وكم يحب بأن يبدأ من جديد في صنع رؤياه القادمة, بعد أن أصبح يملك في الأفق حقيقة وفي الأعماق سعادة وأملاً.
    مع كل ما يرافق ذلك من حزن وإحساس بالوحدة والغربة, فالشوق أحياناً يتراكم كظلال المساء حين يكون الصمت هو الرفيق. ففي المساء ينتهي تعب النهار بين جدران البيوت المتلاصقة على جوانب الدروب, ولا يبقى من تتابع البقاء سوى السكينة تنشدها الأجساد المتعبة. وتتناثر الأحاديث والضحكات على مسامع السكون, وكأن ضوء القمر يغمر ملامح السهر وأصوات الصغار, حين لا تغادر الطرقات. هكذا الليل في مواسم الثمار, وهكذا القرية حين تسترجع الأرض كل تعب النهار عن الوجوه, هي الطبيعة من تقدر ذاك العشق الأزلي بعطاء لا ينتهي وبسحر لا يقاوم أبداً, فلا أجمل من التناغم بين العيون وضياء القمر على التلال الساهرة.
    يجلس إلى مكتبه أمام النافذة المفتوحة على سحر المكان, وينسل الشوق بكل هدوء الليل ليسرى الحنين كما الهمس ولترنو العيون إلى طيف يرتسم على الجانب الآخر للمساء. هو يصغي لأصداء الأحاديث عبر الساحة تأتي من سهر الجالسين في المقهى, لكنه يفضل أن يكون هنا ليستمع إلى الموسيقا, وليسدل الذكريات على اليقظة, وكأن الحلم يسافر إلى الأعماق حتى يلامس الرمال على ذلك الشاطئ البعيد. تناول القلم وبدأ يكتب بعضاً مما يسكن الروح من شجن, وارتسمت الكلمات على الأوراق دون أن يكون, فعيونه ترنو إلى طيف يرتسم, وتنساب الكلمات وكأنها تتحدث عن:
    ضحكات وثرثرة
    ونقاش هناك
    أصوات صغار
    موسيقا... أضواء وأشياء كثيرة
    وأنا...
    عيوني تلتفت إلى تمايل أشجار
    وخلف تلك النافذة ظلام
    وضوء قمر
    والأشجار كأشباح طربت على جنون الأحاديث
    وعلى موسيقا الصراخ
    سافرت بخيالي
    عبرت أجواء... وحلقت فوق مدن نائمة
    ومدن أخرى مليئة بأصداء
    وبقاع سوداء ومروج داكنة
    وهدأة بحر...
    وثورة موج في بحر آخر
    سافرت ثم ابتعدت
    حتى انتهيت إليك
    وسألت نفسي ترى من تكونين ومن أكون
    أنت خلف البعد ومني
    أسامرك وكأني عشتك عمري
    واستفاقة فجر تعيدني إلى وعي آخر
    وتغيب عني كي تعود
    وأنا هنا أغادر ميراث زمني
    عيوني تلتفت إلى تمايل أشجار
    سافرت حتى انتهيت إليك
    فلعينيك حديث آخر
    ولابتسامتك سكينة
    وأنا وعيوني
    وتحليق كأجنحة بلا طير
    أين أنت؟, فهل إليك أعود
    ويخرجه الليل من كل ما حوله, وتهدأ الحكايات خلف نعاس الطرقات, ليستلقي على السرير وهو ينظر نحو ستائر يداعبها النسيم, أو كأنها تداعب نظرته وهو يبحث عن الطيف بين مخيلة الحلم فالكل كان يغيب في السكون.

    الفصل الثاني ..... أصداء


    في الصباح يخرج من البيت وعيون والدته تتبع خطاه وبكل رفق, فهي تعلم إلى أين يغادر, وتعلم بأنه يفتقد الرجل في الغابة. لكنها لا تملك أن تكون أكثر من أم حانية حين تتحدث معه, وتعلم كم يشتاق لسارة. تلك التي أحبتها دون أن تراها, فسارة أصبحت بعضاً من عيونه لذلك هي تشتاق لها كاشتياقه, ولكنها لا تملك من الكلمات ما يجعلها تحاور ذاك العقل المتأمل, دون أن تخرج عن كونها الأم البسيطة, والتي لا تملك أن تكون كرجل الغابة, ولا كتلك الأفكار المرتسمة على الأوراق في الغرفة. فهي له كما الدعاء وترقب السائر نحو الساحة ولا تملك سوى الرفق.
    يسير باتجاه المقهى وهو يحمل الرسالة, وكأنه سيخرج بها من عالم القرية إلى يوم يبقيه وذاك الرجل, وحديث كم تمنى لو يتقنه يوماً, ألا وهو حديث الريح وتلك الشجرة الأم. يقترب من المقهى ليتحدث مع عزيز في أمر ما, لكنه يتراجع إلى الخلف ويسير نحو التلال. لم يذهب إلى الغابة كعادته عن طريق نبع الماء, بل أخذ يقترب من التلة حيث تنتهي القرية عند سفوح تفصلها عن الغابة.
    ولأول مرة يتأمل ذلك البيت القديم على التلة وكأنه يراه لأول مرة, يد خله إحساس بالألفة مع المكان. فهو يشعر بأنه يراه واقفا على أطراف الوعي وبيوت القرية, وعلى أطراف الحلم والأمنيات كذلك الكوخ الصغير, والذي يظهر من بعيد بين الأشجار الكثيفة. يقترب أكثر ويتقارب في عقله المفهوم بين البيت ومنارة البحر. يخطر بباله الآن أن يسأل عزيزاً عن البيت, ولماذا هو مهجور هكذا. وكأن الخطوات نحو المقهى, كانت لسؤال لم يكن قد ارتسم على الخاطر, فهل كان التراجع عبثياً, أم الوعي أحياناً يستبق الحدث.
    يخرج من التساؤل ويكمل السير نحو الغابة, وما أن يقترب من المكان حتى تبدأ الملامح بالخروج من أعماق ذاكرته, وكأنها الأيام الأولى تعود إلى زمن يفتقد الدفء, فأين الأحاديث ودخان المدفأة, كان صامتاً كل ما في الساحة الصغيرة, حتى الأرجوحة تكاد لا تحركها النسائم. يسمع صوت الأغصان وهي تتمايل وكأنها تستشعر بالقادم نحو مكان يكاد يصبح من بعض أطلال الحكايات, حين كان الربيع يرتسم على الأرجاء. يفتح باب الكوخ, ويدخل ليجد كل شيء كما كان, وكأن الرجل سيعود من جديد. يفتح النافذة المطلة على الشجرة الأم *كما كان يسميها الرجل*, ويبدأ في إزالة الغبار عن كل الغياب. فليس أفضل من أن تعود الحياة إلى المكان من جديد, يتذكر الآن كم تحدث لسارة عن الغابة وعن الرجل, وعن الكوخ الصغير. هو يعلم أنها ستأتي يوماً لتكون معه في كل مكان حدثها عنه, وستستمر الحياة نحو دفء من نوع آخر, فهو يتمنى أن يمتلئ المكان بالحب وبالأمل. يخرج إلى الساحة ويجلس على الدرجات الحجرية ليبدأ يتأمل ما حوله, ويتذكر حين قال له الرجل:" اذهب يا بني وأغمض عينيك فستأتيك الرؤى". ينظر إلى الشجرة ويحاول أن يمتزج مع الطبيعة حوله, عله يستشعر الألفة بين أعماقه و المكان.
    أخرج من جيبه الرسالة وبدأ يقرأ الكلمات, وكأنه يصغي لحديث الرجل حين غادر وهو يقول:
    ولدي الحبيب أحمد.
    أقولها لأني أحس بها. فلقد كنت بمثابة ابن لي, وأعلم كم ستكون غاضباً لأني غادرت قبل أن تعود. ولكن اعذرني فلم يبق لي من الوقت كي أنتظر, فنحن أحياناً لا نملك حق البقاء, حين يبدأ رحيل الأحداث إلى أماكن أخرى. أرجوك أن تعي ما أقول, وأعلمك ستعود بأحاديث وحكايات عن تلك الأماكن والبحر. كنت أتمنى أن أعرف ما حصل معك هناك. ترى هل كان كما الحلم؟, وهل وجدت الفتاة هناك؟ وإن كان فوصيتي لك أن تتمسك بها, فهي كما الرؤيا يجب أن لا تفارق الأعماق منك. وإن لم يكن ولم تكن, فلا تهمل التجربة وابحث عما أتيت به من المعرفة, فليست هناك أية عبثية فيما تحمله الأيام لنا أبدا, لأن تفاسيرها ستأتي في يوم ما.
    اعلم يا بني كم أفتقدك, ولكني أرجوك أن لا تبحث عني. قد أعود في يوم ما, لكني لا أعلم متى, فأنا متعلق بالمكان هنا, هكذا أشعر في أعماقي. تركت لك مفتاح الكوخ مع عزيز, وأرجوك أن تحافظ على المكان, وأن تبقى على اتصال مع كل من هناك. ومنذ الآن تستطيع أن تتقن الإصغاء للريح وللأشجار, وخصوصاً بعد الرحلة التي قمت بها, وسيحمل لك الصمت كل حديث الأعماق. أودعك الآن, وأمنياتي لك بالخير. بلغ تحياتي إلى صديقك فارس ولا تتخلى عنه أبدا, وأصغ إليه فهو يحمل الخير وكذلك عزيز مع كل بساطته وهزله إلا أنه يمتلك النقاء والطيبة, وهما أساس الارتقاء نحو الفضيلة دون معاناة الوعي وقلق الروح. وداعاً يا بني وإلى لقاء تحمله الأقدار في يوم ما.
    قرأ أحمد الرسالة عدة مرات, حتى بدأ يشعر بالرجل لم يغادر المكان أبدا. هو حاضر في الأرجاء, وكأنه يعلم ما عاد به أحمد من أخبار وتساؤلات, أحس بالطمأنينة بعد أن قرأ الرسالة ثم لاذ بالصمت. فهو يعلم الآن كم هو بحاجة إلى هذا المكان أكثر من السابق. نظر إلى الأرجوحة وتمنى لو سارة هنا الآن, لكي ينتهي إلى سكينة وسعادة, وكم انتابه الشوق حين جلس على الدرجات من جديد, ليبدأ بكتابة الشوق على أوراق تقول:
    بعيدة هناك
    ويخفي ملامح رؤاك عني ضباب
    أسمع همسك
    معلقاً على منارة بحر
    له رجع كبريق نجمة
    والنجمة تغطس في بحر
    تجلس في غابة مرجان
    أعيوني تخشع أتعقل رؤيا؟
    أم تشعر بالقهر؟
    حبيبتي
    أسامر الليل بسكون وظلام
    أم أحلق عائداً
    إلى وعي وإقدام
    أسافر نحوك
    أرسم دربي إليك بأجنحة طيور
    تهجر أرضها نحو مغيب شمس
    أو نحو منارة همس
    أتعلمين كم يملكني الحنين
    لأمواج تثور ولإعصار يدور
    وكم يملكني الشوق لأبحر
    حول أرض وسنين
    لأبحث عنك
    فابتسمي, تألقي عطراً
    وانسجي من عينيك سحراً
    انظري مرآتك أتسمع شجن
    أتعرف معنى شوق ووطن
    أمرآتك مثلي لها ألف رؤيا وألف زمن
    رؤاك كهمسك معلق على منارة بحر
    تتساءلين
    انظري مرآتك
    أترين
    ضوءا أزرق يملؤه شوق وحنين
    سآتي إليك روحاً
    فهمسك أسمعه الآن
    أناديك حبي
    أتسمعين ؟
    أغلق باب الكوخ على الأوراق وعلى حزن الأرض, وغادر نحو القرية وهو ينظر إلى البيت على التلة يتساءل, ترى لمن البيت ولم هو مهجور هكذا؟, ينظر إلى النافذة المطلة على الغابة, وكأنه يرى فتاة تقف تنظر إليه حيث يكون, فتنتابه الحيرة في أمر ما يرى, ويعيد النظر من جديد, فكأنه طيف سارة يتراءى له. فمع كل الشوق في الأعماق يمتزج الوعي مع حدود المعقول, وتتراقص الرؤى بين حقيقة واشتياق, فيقترب من البيت أكثر ليجد تلك النافذة مغلقة ولا شيء سوى الظنون, تتراءى كظلال الأمنيات على أفق الصمت, حين يكون العشق سيد اللحظة والشعور. يعود إلى القرية ويصل إلى بيته, ويبقى ينتظر أن يأتي المساء كي يسأل عزيزاً, فهو لا يعلم كل هذا الاهتمام في داخله, ولا يريد أن يسأل والدته حتى لا تظنه سيرحل عنها, بعد أن أخذ يفكر بالزواج.
    كان البيت مليئاً بأصوات الصغار, ها هي خالته تعود للزيارة من جديد, وتأتي معها إحدى بناتها وبعض الأطفال. يجد والدته في انشغال مع ما حولها, تتحدث عن الأرض وعن ذكريات قديمة, وكأنها تعلق صور الماضي على جدران البيت, لأناس لا يكاد يعرفهم. فهو يذكر الأسماء ويستعيد من مخيلته أشباح الملامح والأحداث حين كان صغيراً. يجلس وكأنه في زجاجة مليئة بالماء دون أن يشعر بالاختناق, لأنه غائب عن الوعي خلف صمت الكلمات على الشفاه, تتوالى الصور على المخيلة وكأنها تخرج من خلف ذكريات أحاديثهم, لولا صرخات الضحك ولهو الصغار في الحديقة الخلفية للبيت, هي من جعلته يقفز من آخر أنفاس الإصغاء, إلى التفاتة نحو تراقص الأحلام الصغيرة وانعكاس الضوء, قبيل غروب شمس اليوم عن كل ما يتماثل من ملامح الحياة ومن الصيف.
    يخرج في المساء إلى المقهى, ويجلس حيث ينتظر فارساً حتى يأتي, لعل حديثا عن هناك يرسم على فراغ الوقت بعضاً من نقوش لها رجع ذكرى, فليس هناك من يعيد للقرية نسيم البحر على شكل أغنية صيف, غير تهافت الذكريات عن الطرقات وذاك الشاطئ. يأتي عزيز وتلك الابتسامة تحمل التحية فيقول:
    مساء الخير, أرى بأنك عدت لنا من جديد؟.
    مساء الخير, ألست أول من استقبلنا حين عدنا أم نسيت ذلك؟.
    لم أنس ولكني اشتقت لكما حقاً.
    ونحن اشتقنا لك أيضاً, وفي المرة القادمة ستذهب معنا هناك.
    ضحك عزيز وقال:
    أتمنى ذلك, ولكن من سيبقى في المقهى, فأنا لا أقدر أن أغادر أبداً, سيطردني صاحب المقهى إن غبت لحظة واحدة.
    لا تخف, سأتحدث معه حين يحين ذلك, وسيسمح لك بالذهاب, ولكن أخبرني هل رأيت فارساً اليوم ؟
    لا لم يأت إلى هنا, ولا أدري لعله في الطريق الآن, فهو لن يغيب عن المقهى في هذا المساء, وخصوصا إذا كان يعلم بأنك تنتظره, وأنا أيضا أريده كي يحدثني عن مدينته وعن البحر.
    نظر إليه وهو يبتسم وقال:
    أرى بأن فارساً سيمل منك إن استمررت في سؤاله عن تلك الأمور.
    ضحك أحمد, وتبادر إلى ذهنه تساؤله, هو عن ذاك البيت فوق التلة فقال:
    أظن بأني أنا من سيبدأ بالأسئلة اليوم, وأنت من سيجيب عليها.
    اسألني ما شئت, فأنا الآن أعرف كل شيء عن تلك المدينة.
    ضحك وقال لعزيز:
    أية مدينه, فأنا أعرفها مثلك تماما, ولكني أريد أن أسألك عن شيء آخر.
    نظر بكل انتباه وقال:
    عن ماذا؟
    أريدك أن تخبرني عما تعرفه عن البيت القديم فوق التلة هناك, على طريق الغابة جهة الشمال.
    عرفته ولكني لا أعرف لمن هو. هل تريد أن تشتريه لتسكن به حين تتزوج؟.
    كنت أعرف بأنك ستقول ذلك, أنا لا أقصد أن أشتريه, لكني أستغرب, لم هو مهجور؟. ولم أكن اسأل نفسي عن ذلك في السابق, ولا أعرف لماذا يثير اهتمامي.
    أنا مثلك لا أعرف عنه شيئا, لكني سأسأل صاحب المقهى في الصباح حين يأتي إلى هنا.
    جاء فارس إلى المقهى, ومضى بهم الحديث عن المدرسة, فلم يبق سوى يومين على بداية العام الدراسي. وتحدث الاثنان عن زيارة أحمد للغابة وعن ذلك البيت, وزادت متعة الحديث حين بدأ عزيز يسافر بخياله نحو البحر في تلك المدينة.
    وانتهت الليلة بين مرح وأحاديث لا تنتمي إلى أحداث اليوم في القرية, ولا لما يحدث في هذا العالم المتناقض من حولهم, فلقد اعتاد الجميع على كل ما يجري, وعلى التغاضي عما يقال. لأن الحياة تستمر إلى حيث تنتهي كل الأمور إلى نسيان, خلف صراعات جديدة بين الظلم والإنسان, وبين الإنسان وقناعاته الزائفة لأمور تتكرر على مر السنين, دون أن يصيبه منها سوى الخيبة والإحباط في كل القادم من الأمور.
    هكذا هي حياة الفرد حين يكون معلقاً بخيوط من كلمات, تحمل نبرة الجدية خلف مهزلة الحرب الأبدية بين الخير والشر وبقاء الأقوى, حين يكون العدل كلمة لا تعني سوى الوعود, كسراب على مد البصر, حيث لا نملك سوى أن نتمنى أو نتغاضى, حتى تنتهي بنا الأيام دون أن ندري, ولا يعود هناك مكان للأمل في أرض الأقوياء, فهم يمارسون الظلم على الطرقات من خلف أقنعة تبتسم لوجه الفراغ فقط.

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. الآخر ينتصر
    بواسطة محمود مرعي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 10-04-2010, 10:40 PM
  2. رواية سارة ... تحميل
    بواسطة احمد النوباني في المنتدى المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 22-03-2008, 03:34 PM
  3. النصف الآخر
    بواسطة محمد المختار زادني في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 10-12-2005, 03:52 PM
  4. ذكريات من موطني الآخر"الجزائر"
    بواسطة عدنان أحمد البحيصي في المنتدى مُنتَدَى الشَّهِيدِ عَدْنَان البحَيصٍي
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 04-12-2005, 08:04 PM
  5. الرأي والرأي الآخر!
    بواسطة نبيل شبيب في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 08-08-2004, 11:45 PM