أحدث المشاركات
صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 39

الموضوع: رواية سارة ونافذة الآخر ... كاملة

  1. #11
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي



    الفصل الثالث ..... دروب الشوق


    يوم الاثنين كان بداية الدوام في المدرسة, والجميع في شوق إلى المكان, فهي بداية بعد غياب. وكأي بداية جديدة نخصها ببعض الانفعال والتشوق, حتى ولو كانت نوعا من طقوس اعتدنا أن نمارسها في السابق, إلا أنها بعد غياب تحمل لوناً آخر, يختلف عما نحن عليه حتى ولو كان أفضل, فنحن لا نملك أن نغير من الأمور شيئاً.
    كان من المتشوقين إلى البداية الجديدة, فهو على الأقل يعرف ما يريد, ويحمل في داخله حلما كاد يتحقق, وخصوصاً بعد أن أصبح ينتظر أن يأتي ساعي البريد إلى المدرسة. كان يراه في الماضي, ولم يكن يهتم لأمره, أما الآن فهاهو في غاية اللهفة لأن يعود, فقد يحمل معه في الحقيبة شيئاً من سارة. لم يطل التفكير حتى سمع بأنه هناك فأسرع إليه, وما أن رآه فارس يبحث بين ما يخرجه الساعي من رسائل, حتى ضحك وقال:
    أتنتظر رسالة من أحد؟. لا أظن يا صديقي بأن هنالك شيئاً, فلم يمض وقت طويل على قدومنا حتى تنتظر.
    وما يدريك لعلها بعثت بشيء لي.
    سأل ساعي البريد إن كان هناك رسالة, لكنها لم تكن. فذهب ليكتب, وطلب من ساعي البريد أن ينتظر حتى يعطيه رسالته الأولى. بدأ يكتب لها عن شوقه وعن الأحداث هنا ويسألها عن حالها, وهل يتملكها الحنين كما هو يسري في عروقه, هي رعشة تلامس الأعماق حين يذكر أين كان ومتى يعود. أخبرها عن البيت فوق التلة وعن والدته وشوقها لأن تلقاها, ولم يبق إلا أن يلتصق على الأسطر كالكلمات ليغادر مع الشوق, تحمله كأهزوجة عشق تسافر مع الريح لترسو على شواطئ عيونها الجميلة. أكمل الرسالة وأعطاها لساعي البريد, وحمله التوصيات كي لا تضيع, فهو سيغادر وهو يحمل الشوق في حقيبته الصغيرة, تلك التي لا تتسع لأكثر من الأمنيات والحنين.
    ويعود إلى غرفة الصف, وكأنه يترك بعضاً منه يغادر, وبعضه الآخر يبقى أمام الوجوه الصغيرة وهي تنتظر منه أول درس في الفصل.
    في هذا اليوم بدأت المعاني تأخذ ألوانا أخرى كي تنسج القادم من الأمور, فلقد ودع صديقه حمدي حين غادر إلى العاصمة ليبدأ مشواره الجديد هناك, حيث سيحقق أمنية قديمة كان يحملها على أطراف حديثه حين يسأل عن حاله. ولم يبق له الآن سوى فارس وعزيز, ذلك الذي بدأ يستكشف الخطى خارج الساحة والمقهى ولو بخياله فقط.
    أحيانا يكون الإصغاء لما يقوله الآخرون من حولنا وقع على الروح كما التجربة وكما التعايش, فالإحساس مع الآخرين ومحاولة المشاركة حتى ولو بالإصغاء فقط , تعطي للفكر أبعاداً جديدة وتفتح الدروب أمام العقل والروح, لنتبين وبشكل أوضح ما كانت تخبئه الظلال عن البصيرة.
    تمر الأيام على القرية كعباءات زاهية الألوان, على الأقل هذا ما يشعر به أحمد, حين يتنقل بين المدرسة والبيت وبين الغابة والمقهى, وهو يرى الأشياء بعيونها وكأنها تسير معه ليحدثها عن كل ما ستسأل عنه, حين تأتي وتسير في الدروب لأول مره. وكأنها تستعيد ذاكرة الأحاديث عن المكان, حين كان الشاطئ أسير الإصغاء لما يقال, ولتلك النظرات العاشقة.
    بدأ البيت على التلة يتحول إلى أمنية في مخيلته, وتمنى أن يكون بيته. فهو لا يزال يرى سارة على النافذة المطلة على الغابة. هكذا كان الطيف يتراءى حين يعود من الكوخ وينظر إلى البيت من بعيد ويقترب حتى يتوارى الطيف خلف الأمنيات.
    لم يختف التساؤل خلف النسيان, ففي هذه الليلة يجلس أحمد في المقهى, ويأتي إليه عزيز ليقول له, بأنه قد سأل صاحب المقهى عن البيت, فقد كان لرجل يسكن القرية مع زوجته وابنتيه, وقد تركت تلك العائلة القرية بعد وفاة الزوج, والذي كان مسؤولا عن العمل في المناجم القديمة. وأخبره أيضاً بأن البيت والأرض التي حوله للبيع, وهناك محام يقيم في العاصمة هو المسؤول عن أمور البيع والتنازل, فليس من تلك العائلة من يرغب بالعودة إلى هنا, خصوصاً وأنهم بالأصل كانوا قد أقاموا في المنطقة لقربها من مكان العمل في المناجم, والتي أصبحت شبه مهجورة بعد توقف العمل منذ سنين. وأعاد عزيز استفساره عن سبب اهتمامه بذاك البيت, فأجابه بأنه يتمنى أن يشتريه ليكون بيته وسارة في المستقبل, وقال له بأنه الآن لا يفكر بأن يتزوج بعيداً عن والدته, فهو لن يتركها وحيدة أبدا, فها هي أمنيتها تقارب على أن تتحقق عما قريب.
    في تلك الليلة طلب عزيز من أحمد أن يأخذه إلى الغابة مع أنه يعرفها جيدا,ً لكنه الكوخ ما يثير الفضول. ويحصل على وعد بأن يرافق أحمد ولو لمرة واحدة نحو أي مكان, وكأنها الألفة تأخذ شكل الصداقة بعد أن بدأت المخيلة تسافر نحو البحر, ونحو أحاديث تمتزج مع الصدى لتأخذ صوت الرنين على شغاف القلب والأعماق.
    يخرج في الصباح ويتجه كعادته إلى المدرسة, فهو يسبق الخطى نحو موعد قديم بين المدرسة وساعي البريد, ولا يريد أن يفوته ما في الحقيبة الصغيرة من رسائل, لعلها سارة من يرسل الشوق عبر كلمات تسافر. يصل إلى المدرسة, ويبدأ في التراجع نحو أساطير من كانوا على الأرض, ومن رسموا البطولات وكأنها التهافت نحو الارتقاء والفضيلة, عبر كلمات سطرتها أيادي القدماء ممن شهدوا تلك العصور, فرسموا على الورق الأصفر ما كان أو ما تدارت به الخطيئة خلف إبداعات أولئك المؤرخين. هو ينقل ما في الكتب إلى عيون الصغار على شكل أطياف هلامية, ولا يملك حق العبث في ما يكون.
    تنتهي الدروس إلى استراحة قصيرة, ويأتيه فارس مسرعاً ليقول له, بأن الساعي في غرفة الإدارة. يسرع أحمد ودون أن يسأل يعطيه الساعي مغلفا كبيراً, فيقرأ اسم المرسلة سارة.
    لم يكن يعلم كيف يستفيق به الوقت, نحو حقيقة توارت خلف مسافات, وخلف ظنون الريبة في أن يكون ما حصل معه لا يتعدى الحلم. إذاً فسارة حقيقة كتلك المنارة, والنظرة لم تكن على أطراف الستائر في غرفته, كي ترتسم على وجه طيف.
    أخذ المغلف, وشكر ساعي البريد وهو يسأله إن كان سيعود إليه في الغد كي يعطيه رسالة لم تكتب, بل تنتظر حتى تأتي السحب بشوق البحر لأغنية ترتسم على تلال القرية وبواقي الصيف. نظر إلى فارس وهو يبتسم, وخرج نحو غرفة الصف ليكمل النهار, وكأنه يغلق الباب على أسرار الحكاية حتى يأتي المساء, ليداعب النسيم ستائر الكلمات عبر نافذة تطل على الساحة الحجرية, فهناك يحلو له أن يقرأ ما كتبته سارة.
    يغادر نحو أمسية يخبئها في تلك الغرفة, حيث لا يكون هناك على شواطئ الأفق البعيد أية مراكب, ولا موج يعكر صفو السكينة. يكون وحيداً وبدون ظلال تلقي بها الأضواء الخافتة على جنبات الطرقات الليلية, إلا بما يحوم في تلك الليلة من بقايا خفافيش الزمن المتهالك, فهي صومعة التواجد قبل أن يتملكه الإحساس بالمكان. سيرسم وبكل صمت أهزوجة عشق لا تحكمها المساحات, ولا تختبئ من عيون فضولية, وأفواه تتحدث بكلمات تخرج إلى فضاء ولا تطير. هي أهزوجة عشق تولد تحت عتمة ليل ساكن, وتومض من الأعماق دون انعكاسات الضوء المنبعثة من قمر الليل, فقمر الليل لا يدري أين يضيء لأنه مضاء ببعض نور شمس غائبة حتى يأتي فجر جديد.
    يجلس إلى مكتبه في الغرفة الباقية من تراجم الرؤى الأزلية, لتفاسير لا تمتلك على صفحة الزمن الباقي سوى أن تلتجئ للصمت, حيث يكون للحديث ممارسات لا يفقه معناها أولئك الغائبون عن مسرحية الإلقاء, لقصيدة يتملكها البدء قبل أن تتجسد في الكلمات العالقة على جدار اليأس القابع في النفوس المتعبة من مسيرة الزمن.
    * لست من يفلسف العشق أغنية حياة. بل أحاول أن أحاكي تلك التراتيل المنزوية خلف ظلال القادم, حين لا يملك الزمن أية جدارية توحي ببعض ما ستكون عليه أمور المستقبل, وما سترسمه العيون حين لا يكون هناك جذور تنغرس في أرض الزمن الماضي. كم أكره النباتات المزروعة في أوعية زجاجية, لأنها لا تملك أي رونق ولا عبق, وترتكز على قدرية السقوط في أية لحظة. هناك شفافية للزمن تحكم معنى التمركز فوق الانعتاق من الأصول, وهناك حلم يتماثل خارج جاذبية المكان والزمان*.
    كم هو جميل أن نتغاضى عن المتماثل للعين من انعكاسات وهمية, ونعود إلى حيث نخبئ الحقيقة خلف بحر بلا موج يعكر صفو السكينة. أشعل سيجارته وكم تمناها لو تكون لفافة تبغ وقبعة, لأنه يشتاق إلى الرجل وحديث لا ينتهي, عن معنى التواجد بين ألسنة اللهب في تلك النار المشتعلة أمام الكوخ الصغير.
    فتح المغلف ووجد أوراقاً كثيرة, أرسلتها سارة لتسبقها إلى مكان يلتجئ إليه الصدق قبل الجسد ومنطق العقل. وها هي رسالة سارة, أيقرؤها ليسمع الصوت لمن حوله؟. أم يبقيها بين عيونه حتى لا تبرد الكلمات الدافئة في زمن الغربة والقهر. كان يفضل أن يحتفظ بها في الأعماق, لكنه الضوء المنبعث من القناديل على الطرقات ينعكس على الأحرف التي تخرج من رسالتها إلى مسامع التلال, وتعالى صوت النسيم وكأنه الحفيف لأوراق أشجار الرصيف الناعسة, حين قالت سارة:
    حبيبي أحمد اشتقت إليك كثيراً.
    كيف حالك, ألا زلت على العهد ؟
    فأنا لا أملك سوى الانتظار
    وصلتني منك الكلمات عن الشوق وعن أمك والمكان
    لم أصدق نفسي حين قرأت طيفك بين السطور.
    كم أحن إليك .
    وكم أغمض عيوني لأرى الدنيا بعينيك.
    حين تتراءى على خاطري
    و تخرج من الأعماق تؤنس ما أنا به من شوق وحنين.
    أحبك ولا أملك سوى الصبر.
    لم أعد أنظر للبحر, ولم أجلس على الشاطئ منذ غادرت
    فأنا لا أملك أمر نفسي حين أتذكر حديثك
    أحفظه جيداً, لأني لا زلت أحتفظ بالأصداء في حقيبتي
    ولا زالت ابتسامتك معلقة على ذاكرة الأمس
    حبيبي
    متى تعود, ومتى يكون للمساء دفء لقاء؟.
    سلامي إلى أمي هناك, وإلى الدروب وعيونك
    لن أكتب أكثر
    بل سأكمل الفرح كقلادة أعلقها على العنق فوق ردائي الأزرق حين تعود
    ومتى تعود؟. أشتاق إليك حبيبي
    وأنتظر منك أن تأتي
    إليك مني الحب والوفاء
    وإليك الرجاء
    أعلم كم يتملكك الحنين, فأنا مثلك
    حبيبتك سارة
    وإلى لقاء.
    ترك الأوراق على المكتب, وانساب ضوء القمر على الكلمات, واستلقى على سريره ليستعيد رجع ما كان يقرأ. وفجأة تداعت الظلال, وأخذت الأضواء تتراقص على جدران غرفته, كأنه رقص اللهب حين يداعبه الريح, واشتم رائحة التبغ وكأنه من تلك اللفافة حين كان في الغابة, يوم أن تحدث إلى الرجل عن المصير وعن القلق, أخذ الشوق إلى كلمات الرجل يخرج من أعماقه على شكل اغتراب.
    رفع رأسه عن السرير, فرأى الأشجار تحيط بكل ما حوله, واختفت الجدران كما الملامح في مكان آخر, خلف ظلام وخلف تراقص لهب يخرج من النار المشتعلة أمام الكوخ. خرج من وعي التساؤل نحو وجه الرجل وهو يجلس أمامه على الأرجوحة الخشبية, ولا تزال قبعته تداري تقاطيع ذاك الوجه. أفاق من غفوته وجلس على الدرجات الحجرية, ولم يستطع أن يقول أية كلمة. فلقد توارى الحديث خلف أمنية الإصغاء, لحديث يخرج من خلف ابتسامة الرجل حين قال:
    كيف حالك يا بني, هل غبت عنك طويلاً ؟.
    نعم لقد غبت عني, وعما كنت أريد أن أقوله لك مما حصل هناك, فلقد كان الحلم حقيقة تتوارى خلف رؤى وظلال.
    أعلم ذلك, ألم أقل لك يا بني بأن تغمض عينيك حتى تأتيك الرؤى. أرأيت كم هي جميلة تلك الفتاة؟.
    وكيف عرفت؟.
    أنا لم أعرف, ولكني أقرأ ما بين عيونك من شوق. ألم أقل لك يومها بأنها ستأخذك للبحر.
    ولكن كيف عرفت؟, ومتى أتيت إلى هنا ؟, وأين أنا الآن؟...
    أنت هناك في غرفتك, حيث ينتظرك النعاس على وقع الشوق, حين قرأت ما كتبت إليك سارة.
    أكاد أجن. فأنا لولا رائحة التبغ لقلت بأني في حلم.
    يجب أن تعلم بأن الحلم والحقيقة مجرد أوهام تتراءى أمام العقل والحواس, وأنت الآن في حالة تلامس الروح وتشعر بها كوهج الاحمرار على الأخشاب المشتعلة. ما أردته منك هو أن تعلم بأنك عالق على ذاكرة الزمن, وأعرف إلى أين تسير. لكني عدت لأخبرك بأني لازلت معك, ولن أغيب عنك. ويجب أن تعلم بأن المنارة وحتى البحر, هما بعض من خاطر أو حلم, يسافر فينا حتى نعود يوماً, إلى حقيقة لا تملك أن تجردها الظلال من ملامح لا تختفي حين تخبو نار الأخشاب, ولا حين يغيب القمر إلى ليل معتم.
    إذاً لست في حلم, أو ربما بعض مني يتوه في غفلة كأنها اليقظة, وبعضي الآخر يسافر إليك حيث تكون.
    يمكنك يا بني أن تقول ما تشاء, ولكن ما أتمناه هو أن أخطئ هذه المرة في ما أحس به من ريبة.
    ماذا تقصد؟
    لا اقصد شيئا, لكني سأغيب عنك حتى تخرج من متاهة القادم إلى سكينة وحياة, حيث تنتهي عندها الدروب التي ترتسم من ظلال لا تمارس الشمس على أرضها أية طقوس تتراءى كانعكاسات ضوئية, تحمل ألوان الطيف دون أي حقيقة ثابتة.
    لا أستطيع أن أؤكد بأني لم أستوعب ما تقول, ولكني سعيد جداً لأنك عدت.
    أنا يا بني لم أعد, ولازلت هناك حيث أحفادي والحقول, ولكني أحمل القلق في أعماق لا تهدأ, لذلك جئت لأراك ولأكون معك مرة أخرى.
    فجأة يستفيق أحمد على أصوات المارين على الطرقات, وها هي الشمس ترسم شروقها على الجدران, فلقد انتهى الليل يحمل على أطراف عباءته السوداء حلماً وغابة وناراً, وحديث رجل غادر المكان من زمن. فهل سيعود؟, أم هو الوداع. ولا يملك مما قاله الرجل, سوى أنه الآن وحده يمارس العيش في متاهة ما يحمله القادم, على شكل تساؤلات وانتظار.
    يعود به النهار إلى أحجار ترصف متلاصقة كما السكون فوق الساحة الحجرية, ويتابع الخطى نحو المدرسة. وهكذا تتلاحق اللمحات لصور تتكرر على مرأى الجدران المنتصبة على جوانب الطرقات. ويسيركما الآخرين نحو أحداث صغيره ترسمها الحركة والبقاء, وتختزن في حجرات العقل كبقايا تتراكم دون أن ندري, حتى يصيبنا التثاقل وتتملكنا السلبية, حين تهدر طاقات الروح في أمور لا تتناسب وحدود ما نصبو إليه من معنى تواجدنا على هذه الأرض, فأحياناً نقف عند أول منعطف, لنتبين معالم الطريق وإلى أين تؤدي. ويخيب الأمل حين نراها تعود بنا إلى حيث بدأنا, وكأنه دوران الطاحونة الأزلي.
    كثيراً ما تسير بنا الأحلام الصغيرة والرغبات نحو دوران بلا معنى, حين تزول في آخر اليوم كل المعاني نحو انتهاء, أو إلى أمور أخرى هي أيضا صغيرة تتشكل دون أن ندري, وتفرضها حاجات الجسد وتحكمها معاني الطموح والأمل. قزمية تلك القدرية مع كل ما تحمله من وهم, حين نضرب بأقدامنا على الأرض ونتحدى الصعاب من أجل تلك الأهداف, وما أصعب التكرار حين يوصلنا إلى أن نضع الكرات الحديدة في سلاسل من فرضيات, نثقل بها الخطوات حتى يصبح الوهم بحجم الأرض. ونصارع كي نبقى, لنعود في آخر المطاف إلى بقايا من ذكريات مؤلمة, وأحياناً تكون بلا حدود أو قيود, حيث تجعلنا نعيد النظر في معنى التواجد, لعل رؤيا جديدة ترتسم على الأفق. هكذا تسير الأيام نحو دروب تسافر بنا إلى ما لانهاية, وننتهي حين يأتي الآخرون أيضاً يحملون بين عيونهم أحلاماً صغيرة ورغبات لا تقف عند حدود, وكأنه الوهم يتملك الأمر ليتجسد كما الظلال, أمام ما تراه الروح من معنى مغاير للبقاء, وتصبح الحقيقة خلف جدار.
    تمر الأيام وتسافر الكلمات عبر رسائل شوق وحنين من التلال ومن البحر, ويأتي الخريف يحمل معه الريح كعزف ناي حزين, لتبدأ الحياة بالتراجع نحو أن تصبح ذكرى, حين يصفر لون أوراق الشجر و تتساقط مع كل هبة ريح, ويختفي لون السماء خلف سحب رمادية, ولا يبقى سوى الشوق وبقايا الصيف, فتغفو الطبيعة تحت شحوب الصمت والسكينة. هو الخريف يأتي كما المساء رمادي الحضور, ولكن ليحمل سحراً آخر حين تخرج الحكايا كدفء الحنين, وحين نلتزم الصمت أمام مدفأة وليل يطول فيه السهر, فتصير الحكايا وكأنها ما يختزن في الذاكرة من حصاد صيف, ومن الأمل فيما سيكون عليه الربيع القادم. هكذا تتشكل الأحلام الصغيرة كما الرغبات, ونبقى ننتظر الصيف. فهل سيأتي؟, ولمن ستعزف الأمنيات كألحان راقصة تداعب السبات ببعض الحب؟.


    الفصل الرابع .... بيت التلة


    يخرج من البيت في صباح تشرق على شرفاته شمس خجولة, وتكاد السحب الصغيرة تغطي وجه نهار مشرق وجميل. يعبر الساحة نحو المقهى, فهو يوم عطلة أسبوعية يغادر فيه التكرار نحو غفوة قصيرة, حتى وكأن أحجار الساحة المتلاصقة تتباعد وترتفع, لتحلق في فضاء لمحات تأخذ شكلاً آخر.
    يدخل المقهى وهو يحمل ابتسامة الوعد حين رأى عزيزاً فقال:
    صباح الخير. ما رأيك اليوم أن ترافقني إلى الغابة؟.
    نظر إليه بعيون يملؤها التمني وقال:
    صباح الخير. طبعا أرافقك, ولكن يجب أن استأذن من صاحب المقهى فلقد فاجأتني بذلك.
    لا عليك أنت. أين هو؟, سأذهب إليه وأستأذنه ولا أظنه سيعترض.
    دخل أحمد إلى المقهى, واستأذن الرجل في أن يصحب معه عزيزاً في هذا اليوم. وكانت فرحة عزيز لا توصف حين سمع بذلك, والتزم الصمت حتى لا يكون هناك اعتراض.
    عاد ليجلس في مكانه المعتاد, وطلب من عزيز أن يأتيه بفنجان قهوة, هو ينتظر أن يأتي فارس لكي يمضي اليوم مع أصدقائه في ذلك المكان وبمنتهى الحرية, وكأنه يحمل أحاديثاً تجمدت بين ثنايا الرتابة والوقت طوال هذه المدة. هو لم يعد كالسابق يستسلم لذاك الخيط الرفيع وهو ينسحب من الكرة الصوفية بمنتهى التكاسل, حتى تنتهي العجوز المقعدة من نسج وشاحها الطويل, هكذا كان يتراءى له التكرار, وهكذا يرتسم الوقت على مرأى الصمت وصدى الحركات المتماثلة, حين ترتسم على الملامح بعض شروق شمس يوم يكون كأيام البقاء.
    بعد كل ما حصل معه هناك, وبعد غياب رجل الغابة عنه, ومع كل الشوق إلى سارة وإلى رجل المنارة, وحديث البحر عن الحب والحياة, لم يعد بمقدوره أن يتواصل أكثر مع رتابة كانت كالإدمان, أو كأنها أغلفة على العقل تنسج من وهم أحداثاً صغيرة. ولم يطل الانتظار حتى أطل فارس يحمل معه حقيبة فيها ما يحتاجه ذاك اليوم من طعام وشراب, لرحلة قد تطول حتى المساء. دخل إلى المقهى وتحية صباح تسبق الاندفاع نحو يوم يغيب فيه هو الآخر عن الملل, إلى انطلاقة يسافر منها نحو انسجام الطبيعة وحديث ترك بقاياه في الشرفة المطلة على البحر في تلك المدينة. هو يريد أن يعرف أكثر عما تحمله الأيام خلف ملامحها الباهتة, لكي يغادر نحو بحر وأغنية عشق, وعبق الطبيعة حين يكون أمام الكوخ الصغير.
    يأخذ عزيز الحقيبة ويتبع الاثنين عبر الدرب المؤدي إلى التلال, وكأنه يستكشف الأمر بعيون ترى الأماكن ترتسم على مخيلته وبرؤية مختلفة تماماً عما كانت عليه, فهو يرتكز على وعي أحاديث كان قد استمع إليها من أحمد وأصدقائه عن البحر والمنارة, وهاهو يسير نحو الغابة وكأنها مكان آخر, لم يكن بهذا الشكل في السابق حين كان يعبر الطرقات وهو يلهو مع أصدقاءه, عابراً الغابة ومنطلقاً نحو السكك الحديدية ليراقب القطار حين يمر من المكان, وكأنه مخلوق يندفع فوق تلك السكك, ويخرج منها نحو زمن آخر.
    هو الآن يغادر زمن الطفولة نحو رؤى تكاد تأخذ شكلا آخر, فهو لم يعد ينظر إلى أطراف الدرب كي يبحث عن نبتة غريبة أو مخلوق صغير, ليركض خلفه محاولاً الإمساك به لبعض العبث. هكذا كانت ملامح الأماكن تأتي دون أن ينتبه, فهو يسير بعيون لا تسافر أبعد مما تتعثر به الخطى من الحصى الصغيرة, أما الآن فقد أصبح يسبق الدرب نحو الأماكن ولا يهتم أبداً لما يدور حوله على أطراف الدروب. أصبح ينتظر حتى يصل إلى هناك, كي يمزج الإصغاء لما يسمع ومع كل ما يشاهد حوله, فلعلها تكون نقطة البداية نحو وعي جديد قد يتشكل مما يدور حوله, ومما ستحمله الأعماق منه, حين يخرج من الطفولة إلى متاهة لم تكن في السابق سوى كأنها دمية كبيرة ملونة تحيط بذاك الوعي الصغير.
    يتنقل الحديث عبر الدروب, لكنها الكلمات كالخطى هي أيضا تتعثر بالظلال, حين تحملها الريح إلى مسامع الأشجار البعيدة المترقبة لما يأتي. ينظر أحمد إلى البيت على التلة أمامهم ويقول لفارس:
    ذلك هو البيت الذي حدثتك عنه. هو أمنية تسكن أعماقي منذ أن لمحت طيف سارة على النافذة تلك.
    فعلاً هو بيت جميل. وغريب أن يكون بلا ساكنيه, فلا أجمل من هذا الموقع, كي تكون بين سحر الطبيعة وبين الحركة وأهل القرية.
    أتعلم بأني لم أكن أنتبه لوجوده في السابق عندما كنت آتي إلى هنا, فأنا أراه يتجسد بعضا من بواقي الحلم على أرض الواقع.
    خيال ما تقوله يا صديقي, وأنا أيضا لم أنتبه له من قبل, وأذكر حين تركتك مع الرجل في الغابة, فقد عدت إلى القرية من هذا الدرب ولم ألاحظ أي شيء. ربما لم يكن هناك ما يلفت الانتباه, سوى الدرب وكيفية الرجوع. فأنا غريب لا يعنيه بيت يطل على الغابة, لأنه كباقي المعالم الجديدة, وكأن الوقت لم يأذن كي تكون المعالم على أطراف الحديث أو الذكرى, فالمشاهدات تعبر نحو تراكم عفوي حين لا تعني لنا أية حاجة, أو حين لا تلبي لنا أية رغبة أو فضول.
    كم هو صحيح ما تقول, وكأن كثيراً من الأمور تختفي بين ثنايا الغفلة, حين لا تملك أن ترتسم على واقع الحكايا كمشاهد وأحداث, وقد تغفو زمناً حتى يزول عنها النسيان فتعود إلى حياة من نوع آخر.
    أتعلم كم تنتابني الريبة مما سيكون عليه القادم, وأتذكر كلمات الرجل حين قال ذلك أيضاً, هو القلق يأتي على شكل كلمات تكاد تخرج من أعماقي, وكم أردت أن أخاطب بها البيت وجدرانه, ولكني خفت أن يكون الجنون. أما الآن فأنا بحاجة لكي أقولها, ولتكن كما تمنيتها على مسامع الجدران, فهي تنتظر مني أن أقول أي شيء عن الريبة وحتى عن الأمنية, هكذا أشعر. ولست أدري سوى أني كلما نظرت إلى هذه الجدران يختل ميزان التواجد عندي, وأغيب مع الطيف في حلم يقظة حين تكون الدروب:
    فهي دروب ترتسم على اليقظة
    وهي الحياة.
    فنحن لا نملك أن نتوه عن الدروب
    أولا نتوه
    للحلم مسافات تحملنا نحو أمنيات لن تكون
    فاليقظة تسكن في الحلم
    ونحن على الدروب نسير
    لا نملك الخطوات ولا المصير
    بعض منا تحمله الانحناءات نحو سفر
    والبعض الآخر يرسم على الأفق قمر
    وتمتد الأيادي إلى الأمنيات
    فأين تكون الحياة؟
    أهي الوداعة والبقاء؟
    أم يتكئ الحلم على التيه؟
    فتنحرف الحكاية نحو انتهاء
    لست أسأل
    بل أجيب على تساؤلات تصنعها الظنون
    هي كالجنون
    فمن أنا ومن هناك
    ولماذا يسكن الحزن عيوني
    حين لا تكون
    أأقول وداعاً
    أحياناً وبكل الصمت أناقش البقاء
    كعاشق يتمنى التراجع للوراء
    كان فارس ينصت لكل كلمة يقولها أحمد, حتى كأنه يبحث عن صدى الإصغاء على الجدران هناك. فالتفت إليه حين أنهى وقال له:
    كم أستغرب منك, ومن كلماتك تلك من أين تأتي؟. نكون نتحادث في أمور تحت غطاء العقل والنفس, وفجأة أراك تتحول إلى إنسان غريب, يأتي بكلمات لا تحمل أي حديث بشر, وكأنها لغة تحادث بها الأشياء من حولنا, أو كأنها الروح تحادث عوالم أخرى لا نملك منها سوى الحس والبصيرة, حين يغيب وعي اللحظة خلف إصغاء من نوع آخر.
    أبدا يا صديقي, هي كلمات تخرج تتحدث عما يخالج الروح. فهي كالصمت لغة لا تحتاج إلى كلمات, لكنها تثور في الأعماق لتخرج كما الصوت ولا معنى لخروجها إلى مسامع البقاء أبداً.
    صرت أفهم ما تقول وأحس به, ولكن بالله عليك أخبرني ما تقصده بعاشق يتمنى التراجع للوراء. فهل هناك ندم على أنك التقيت بسارة, أم أن هناك ما يصارع في أعماقك كي تبقى بلا قيود تفرضها الوقائع من حولك؟. لا أظنه الوقت كي تخرج من عالمك وتعلق على الأطراف, ولترسم ظلالك على مكان آخر, كما حارس الغابة والرجل هناك, ذلك العالق بين البحر واليابسة.
    ابتسم أحمد والتفت إلى الوراء, لكي يرى أين يكون عزيز من هذا الحديث, فرآه ينظر للبيت وللجدران ثم يعود للسير, وكأنه يحمل مع الحقيبة أسئلة لا تصاغ على شكل كلمات صغيرة.
    عاد ينظر إلى فارس ويقول:
    صدقني, ليس المعنى بحسب النطق, أو كما تكون عليه النبرة حين يخرج الحديث لمسامع الجدران. ولكني كما قلت في السابق, أحيانا تنتابني الريبة من أمور أجهلها تماما, وأخاف من قلق الرجل حين تحدث لي عن متاهة القادم. أمنيتي يا صديقي هي أن أتراجع للوراء, كي التقي بها من جديد عند المنارة, أو حيث كانت على أطراف الحلم, وترتسم على الستائر كطيف. أتمنى العودة نحو ابتداء جديد, فالشوق يسري في عروقي وأخاف عليه من الأيام, فأنا عاشق يتمنى التراجع نحو أول الحب لكي يبقى على شاطئ وبحر. ولست أريده حلماً, بل واقعاً لا تمسه يد الغفلة حين يصبح حدثاً وكلمات فرح.
    وكم صرت أخاف مما سيأتي دون أن أدري, وكأنها انتهاءات الرؤى نحو غفلة لست أدري كيف سترتسم على الثنايا وعلى بقايا الدروب, فالحلم يتكئ على التيه. لهذا تكون أمنية العاشق في التراجع نحو دفء صيف, تتضح فيه الرؤية دون ضباب فصول قادمة. أشعر بأني بمنتهى السعادة والسكينة, ويملؤني الفرح, وتتراقص في داخلي الأمنيات, وكأنها طيور بيضاء تحلق فوق صفحة بحر هادئ, يتماوج كنعاس الصمت بين أكف الريح القادم عبر الأفق.
    يصل السائرون نحو الساحة الصغيرة أمام الكوخ, وتعود الحياة إلى المكان. على الأقل هكذا كان إحساس القادمين, أما الحقيقة فلن تكتمل دون أن يكون هناك إحساس آخر يأتي من جهة المكان إن أمكن ذلك. وكيف سيتشكل التماثل في الإحساس حقيقة, إن لم تكن هناك لغة مشتركة بين عالم الأشياء ودفء الدم الذي يجري في عروق أجساد تختلف في التكوين عما حولها من ملامح ووعي.
    هي الروح من تملك الحق في فهم ما يدور حولها وعلى وجه أكمل. لكنها لا تقدر على نقل الوعي الكامل للعقول, مادام الإحساس ينبع من الحواس ومنطق الفكر. فالتأمل والإصغاء لحديث الطبيعة عن معنى التواجد, يخلق للعقل رؤيا تفوق ما تأتي به الدلائل المستدلة بالحواس.
    جمل تعترض الأحداث بشكل عفوي, لا يقصد منها سوى الإشارة إلى النقص في التواصل بين الإنسان و الطبيعة, وملامح الأشياء من حوله. وما أجمل التواصل مع البقاء, حين نكون على انسجام وتفهم لكل ما يكون من أمور, وبدون أن نكون عائمين على فكرة التواجد الإنساني, حيث نكون بمعزل تام عما يدور حولنا من أمور. وكأنها ملامح صامتة لعالم نحلم به أن يكون وبكل طفولة وسذاجة, مخلوق فقط لخدمة تواجد الإنسان وتكاثره الأرض.
    تماما كما كان يعتقد في السابق بأن الأرض هي مركز الكون. ومع كل التطور وانتقال المعرفة بين الحضارات, فلا يزال فكر الإنسان قاصراً عن تفهم تواجده كجزء من فكرة تتمركز خارج نطاق الفكر البشري, وهي تخلق هالات وهمية أمام التصور الإنساني القاصر, بحيث تجعله لا يقدر أن يتطور نحو التمازج مع الكون,كأن يكون جزءا ضئيلا من منظومة عملاقة. فهو لا يستطيع النظر إلى الكون إلا بمقدار ما تراه النملة من جسد الفيل, لذلك يجب على الإنسان أن يكون جزءاً ملتصقا بالتراب وبالملامح والروح, كي يعي ما يجب عليه وما يطلب منه. لا أن يكون عائماً وحوله تلك الهالات الوهمية وينظر للكون من منظور العقل والحواس فقط.
    لم يكن المكان بمعزل عما يحصل, لأن روح الغابة أو المدينة هي جزء من الذاكرة الأزلية. تماماً كما تعود أجسادنا للتراب, تعود أيضا تلك الأرواح الساكنة في أعماقنا إلى ذاكرة الكون ولا تفنى أو تضيع. فبالإصغاء والتأمل نصل إلى التمازج مع ما يحيط بنا من مكان أو زمان.
    كما قلت هي جمل تعترض الأحداث, نتناقلها بالصوت لتصل إلى الأعماق علها تصيب أغلفة الروح. وكم تعجز الكلمات عن نقل ما نحس به أحياناً من تفهم ووعي, وليس هناك كالإصغاء لما يحيط بنا, فهو كهمس الصمت يعبر الأعماق, كي يجعلنا نمارس اليقظة بوعي يتفوق على الحواس ومنطق العقل.
    يسارع عزيز ليجلس على الأرجوحة ويبتسم حين يرى المكان لأول مرة. فهو لم يكن في السابق يجرؤ على الاقتراب. كان يعبر الغابة مع أصدقائه نحو تلك السكك ويتجاهل المكان, خصوصاً حين كان يتذكر تقاطيع الوجه تحت القبعة. فهو يذكره حين كان يجلس في المقهى وبكل صمت. لذلك لم يكن يمتلك الجرأة ولا حتى الفضول, ليعرف ما يكون عليه المكان هنا.
    يدخل أحمد إلى الكوخ, ثم يتجه نحو النافذة ويفتحها, لكي يعود الهواء النقي إلى المكان من جديد. يتبعه فارس ليبدأ الدوران بعينيه حول المكان من الداخل, يتنقل في أرجاء الكوخ وينظر إلى الأشياء المعلقة هنا وهناك, وللصدفة يجد على الرف الخشبي فوق السرير علبة تبغ قديمة ولفافات ورقية. فيبدأ في صنع لفافة من التبغ, وما أن يشعلها حتى يعود عبق الذكريات من خلال الدخان.
    يلتفت إليه أحمد ويقترب كي يأخذ العلبة من بين يديه, تلك التي أعادت إليه الحنين إلى الرجل, لكنه يستدير مكتفياً برائحة التبغ ورجع الذكرى فقط , فيخرج من الكوخ لينادي عزيز كي يحضر بعض الحطب من أجل المدفأة, يأتيه عزيز مسرعا وهو يحمل بعضا منه ثم يشعل النار, فيضع أحمد إبريق الشاي على الدائرة الحديدة فوق المدفأة, ثم يطلب من فارس أن يعد له لفافة تبغ.
    يجول عزيز بعيون تتمنى المكان, ثم يسير نحو النافذة وينظر إلى الشجرة الكبيرة, فتعلق نظراته على الأرجوحة الخشبية. حتى بعد خروجهم إلى الساحة لشرب الشاي يبقى عزيز وتلك النظرة, ثم يبدأ الحديث عن رجل كان هنا وعن الأشجار, وقصص كان يحملها عزيز في ذاكرته عن الغابة والليل, فقد كانت بعضاً مما رواه له الصيادون حين كانوا يأتون إلى المقهى, ومعهم بقايا مغامراتهم في ذلك المكان.
    يجلس عزيز أمام الدرجات الحجرية, ويطلب من أحمد أن يسمح له بان يشعل النار في تلك الدائرة من الأحجار الرمادية, والتي يتراكم بها رماد أيام مضت, وأحاديث لم تعد سوى بعض من سكون خلف برودة طقس وأحجار. يبدأ بإحضار حزمة من الحطب يضعها بجانبه, ويشعل بعضها فيرتفع اللهب وهو يتراقص كي يمتد الدفء إلى أجساد وذكريات, فتعود الأطياف للتراقص كالظلال, أمام عيون تستمتع بمنظر اللهب. ويبدأ عزيز بمداعبة النار بعود من حطب الغابة, كي تخرج البرودة وتغادر ومعها السكون إلى زمن آخر.
    يراقب أحمد ما يفعله عزيز, ويبتسم حين تعود إلى الخاطر تساؤلاته القديمة, وحيرة ملؤها القلق, يوم أن كان يتحدث للرجل عما يدور في أعماق لم تكن تهدأ. أشعل لفافة التبغ وترك عزيزاً مع تلك المتعة الصغيرة, وغادر بعينيه كمن يحوم فوق الأشجار ليرتسم على السماء كطيف. ليحلق مع سحب تسافر نحو أماكن أخرى, ونحو أزمنة تتراكم فوقها الفصول كما الحكايات.
    يغادر فارس وأحمد للسير في طرقات الغابة, ويبقى عزيز وحده سيد المكان. يقترب من دائرة النار أكثر, كي يتوه مع السنة اللهب حين تقترب من التلاشي نحو لاشيء. ينظر حوله ويتساءل عن سحر المكان, ويشعر بدفء يأتي من إحتواءات الملامح المحيطة, ولأول مرة يشعر وكأنه يعود إلى طفولة لم تكن من قبل, أهو الحنان ما يحس به؟, هو لم يعرفه منذ أن كان صغيراً, فلقد نشأ يتيماً بلا أبوين ولا يعرف معنى الدفء بلا ألسنة اللهب. أصبح يقترب الآن من أن يفهم معنى الانسجام مع الطبيعة, فقد كان يسمع ما يقوله أحمد, لكنه كان يفضل أن يتغاضى عن الانتباه حتى لا يكون عائقاً أمام حرية الحديث الدائر على ألسنة الأصدقاء. ويستمر في تحريك النار حتى تتأجج, وترتفع ألسنة اللهب نحو امتدادات تعطي صورة أوضح, لكل ما يتراءى أمامه من جوانب, لم يكن يعي منها في السابق أي شيء.
    يخرج عزيز من بين اللحظات الدافئة, إلى التفاتة نحو الحقيبة الملقاة على جانب الدرجات, فيبدأ بإعداد الطعام حين بدأ يشعر بالجوع بعد أن أحس بالأمان والدفء, فهو سيد المكان وحده. ولم ينته من عمله حتى عاد الاثنان وكأنها الرائحة من تملك الأمر, حين تكون حاجات الجسد من تعزف على الأوتار تراتيل البقاء.

  2. #12
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي



    الفصل الخامس .... نافذة الآخر


    يستمر اليوم إلى انتهاء, ويصبح للمساء حضوره على الأشياء, وينتهي الحديث إلى مراسيم رحيل. عندها يغفو عزيز على الأرجوحة الخشبية, ويلملم فارس ما تناثر من بقايا الرحلة الجميلة, فيعيد ترتيب الكوخ وإغلاق نافذة المكان على صور تصبح ظلالا وكلمات تتردد أصداء, وتخبو ألسنة اللهب حتى تختفي تحت رماد يحمل لون المساء. ويبقى أحمد قرب الشجرة الأم, وبكل الصمت يتخلص من الأغصان الجافة التي تعلق فوق الأشجار المحيطة بالمكان, وينتهي به الأمر ليجلس تحت الشجرة, فيلتفت نحو البيت على التلة, ويبتسم حين يشاهد الطيف على النافذة من بعيد. ينادي على فارس ويقول له:
    انظر هناك أترى تلك النافذة؟.
    أجل أراها وأعرف ما ستقوله عن الطيف.
    كنت أريدك أن تراه, لكنك تسبق النظر بحديث وفكرة. فلو نظرت بكل عفوية, لرأيت سارة على النافذة.
    تعال يا صديقي سنغادر الآن, كم كان صادقاً ذاك الرجل حين قال بأن عيونها تأخذك للبحر.
    وضع أحمد يده على عينيه, واعتصر جبينه بأصابعه, ثم أمسك بيد فارس وكأنه يستعين به على الوقوف.
    قال فارس:
    ماذا بك؟, هل أنت متعب؟.
    أجل أشعر بالتعب وببعض الدوار.
    اجلس قليلا, سآتيك ببعض الماء.
    لا شكراً, أفضل أن نعود إلى القرية, فمنذ وصولنا إلى هنا وأنا أشعر بالصداع, وكأني لم أنم ليلة أمس.
    خرج ثلاثتهم من المكان متجهين نحو القرية. كان عزيز يلتفت للخلف كلما ابتعد عن المكان, وكأنه وجد هناك شيئا لم يكن يمتلكه, أو يحس به من قبل. وبقي فارس ينظر إلى أحمد ويسأله عن حاله.
    وانتهى الجميع إلى الساحة الحجرية, كان المساء يحمل برودة الخريف, والصمت يلف الطرقات. دخل ثلاثتهم إلى المقهى لشرب القهوة قبل أن يغادروا نحو بيوتهم, لعل بعض القهوة يخفف الصداع كما يقول فارس. ورغم ذلك كان أحمد يتناسى الألم بكتابة بعض الكلمات على أوراق طلبها من عزيز, كانت سجائره لا تنطفئ حتى تعود للاشتعال من جديد. تركه فارس بين أوراقه وأخذ ينظر إلى الجالسين في المقهى.
    وفجأة يلتفت لأحمد ويقول له:
    كيف أنت الآن, هل تحسنت؟.
    نظر إليه أحمد وابتسم يقول:
    لا تقلق, هو مجرد صداع سيزول قريباً.
    مع كل السجائر وهذا التوتر صرت أخاف أن يزداد أكثر.
    لا تقلق, هي أمور عابرة وسرعان ما تنتهي.
    أخبرني, ما معنى لو أني نظرت بعفوية لكنت رأيت طيف سارة؟. لازالت الكلمات تعلق في ذهني, وكأنها تخرج تحمل منطقية الواثق مما يرى.
    هي كذلك بالفعل. فأحياناً أحس بأن هناك أموراً نجعلها تتلاشى, حين نستبق الحدث بمنطق العقل ومسلمات الأمور.
    ولكنها يا صديقي هناك في مدينتها تنتظر, وليست على تلك النافذة.
    أعلم ذلك, ولكن اعذرني واستمع لما كتبت الآن. فأنا أيضاً عالق منذ أن رجعنا في ما يرتسم منها على الأماكن أينما أسير.
    فهي حقيقة ترافقني, كصغيرة أمسك يدها وأسير بها على الطريق.
    تنظر إلي وتبتسم , وكل الرضا على عينيها الصغيرتين.
    وكم أشعر بالسعادة. فمع كل شوقي وتوحدي, خصوصاً في المساء
    إلا أنني أنتصر قليلاً على امتداد الوقت ودرب الانتظار.
    لأنها حقيقة ترافقني.
    لا أحتاج كي أقول لأحد عن دفء الليالي مع كل برد الفراق وغربتي
    لأنك تسكنين قلبي, وعقلي سافر إليك فبقيت وحدي
    أحادث الآخرين دون الحاجة لكي أكون
    يكفيهم بقايا من تقاطيع وجهي. أما عيوني فإن غابت تبحث عن طيفك بين الروابي
    فلن يلاحظ أحد. لأنهم يا حبيبتي لا يقلقهم أين أكون.
    هم يمرون على أحاديث تسافر بعد سماعها تبتعد خلف أصواتهم ويبتعدون.
    لا مجال لنقاش حول عينيك ولا حول الحنين.
    يرافقني الشجن. وحقيقتي لي وحدي فلا يعنيني سفر الأحداث حولي
    إليك ترنو عيوني ومنك أستسقي البقاء.
    وأسير على الدرب ويدها الصغيرة في يدي
    نتحدث نرسم على الأرصفة صدى الكلمات, ونكمل المشوار حتى المساء
    في المساء أغيب بين ثنايا الذكريات وأنثني, حسرة الشوق تضعفني أحياناً
    أخبئ وجهي وعيوني خوف أن يراني طيفك, لأني أحب أن أكون كما كنت حين التقيتك
    هناك في المساء. ابتسامتي, وبريق فرح ولقاء.
    يأتي الليل فأجلس أستمع إلى ما نحب من موسيقا
    وكلمات تداعب قصتنا الجميلة
    أحياناً أحس بأنهم يكتبون لنا ويغنون أيضا
    حقيقتنا يا حبيبتي أننا خرجنا من الكلمات كشدو النغم
    عاشقين نغفو في حكايا قديمة
    تائه عنك وتاهت الدروب وأغفلت مراكبي.
    وأنت أيضاً. وسط الموج
    مركبك الجميل يبحث عن شراع
    في البحر يا حبيبتي يأتي النورس بالإنسان.
    في البحر يا حبيبتي بقينا تائهين
    حتى ذلك المساء
    أرأيت كيف كنت أنظر إليك وكنت أنت وذاك الحياء
    ولا زلت وخفق قلبي
    كم فرحت بك وكم أنت حبيبتي
    فهي حقيقة وترافقني. حتى تعودين وذلك المساء
    أنهى أحمد الكلمات, وما أن نظر إلى عيون فارس حتى شاهد الغرابة في النظرة, وارتسام الصمت على الأمنيات يتناثر في أرجاء المكان حين قال فارس:
    ما أروع ما أسمع, وكم بدأت أشعر بهذا الحب وكأنه قدري, ويستحق أن ننظر نحوه بكل عفوية واهتمام.
    ألم أقل لك, هي بالفعل حقيقة ترافقني أينما كنت.
    ويغادر الاثنان المقهى, نحو الطرقات المرصوفة بصمت أحداث تختبئ خلف ظلال الأشجار الداكنة, وتبقى ابتسامة عزيز تتبع الاثنين وبكل سعادة, بعد ذلك اليوم الحافل. يستدير نحو الطاولة ويعود ليحمل الفناجين إلى داخل المقهى, وكأنه يحمل أيضا كل ما كان يستمع له من كلمات, حين كان يتغاضى عن الإصغاء خلف الانشغال.
    يعود إلى البيت ويتوه المساء خلف عتمة ليل خريف بارد, تراه والدته يجلس دون كلام, مجرد ابتسامة وكأنها تحية المساء, صامتة تخفي خلفها الإرهاق والصداع الذي لا يغادر.
    تأتي إليه والدته وتسأله:
    ما بك, أراك على غير عادتك؟.
    لا شيء يا أمي, مجرد تعب بسيط وبعض الصداع, لا تقلقي سيزول قريباً.
    سأحضر لك العشاء, وبعد ذلك تأخذ قرصين من الدواء وتنام, وسيزول التعب. لقد طال غيابك اليوم, وأظنه البرد وعدم الراحة.
    حسناً يا أمي, ولكني سأدخل غرفتي لكي أرتاح قليلاً.
    اذهب يا بني, و سآتيك بالعشاء هناك.
    ذهب إلى غرفته وجلس إلى مكتبه, ووضع الأوراق أمامه يعيد قراءة ما كتب, ثم تابع تحضير دروس الغد في المدرسة. لكنه لم يستطع أن يكمل, بل سارع نحو السرير واستلقى يتأمل سقف الغرفة, ويتابع التعاريج المرتسمة على جدران البيت العتيق.
    دخلت والدته ومعها الطعام, فوجدته يغيب في نوم عميق. تركته على حاله وغادرت الغرفة, فهي تعرف بأن النوم أفضل علاج. وانساب التثاقل على الأشياء وعلى الوقت, ليكون الليل صاحب الأمر في انتهاء الحركة إلى سكون.
    تسير الأيام يثقلها العمل, وتلك الريح التي بدأت تهب على القرية من خلف التلال, وتتراكم الغيوم على سماء الشوق, ولم يبق من لون الغروب حين كان الصيف سوى صبغة من اللون تغطي أوراق الشجر, ويتحول كل ما هناك من ملامح إلى خريف. وكأن الرسائل أيضاً تأتي مسرعة حين تهب الريح, ويخرج كل دفء الصيف من ذاكرة الوقت كي يتجسد مع الكلمات ومع الشوق.
    هو يعلم الآن بأن سارة تتلهف لذاك الموعد, حين تأتي عطلة نصف السنة ويعود إليها, كي تكف والدتها عن السعي وراء الآخرين علها تجد لسارة شخصاً آخر يكون كما تريد, فهي دائماً تقول لسارة, بأن الشاب لن يعود, كانت رحلة صيف وانتهت, والأفضل ألا تعلقي بالآمال أكثر. لكن سارة كانت تحمل رسائل أحمد في حقيبتها الصغيرة, لتؤكد بأن حبيبها سيعود إليها كما الوعد, وتخبره في رسائلها بأنها لم تعد تزور المنارة كالسابق, لأن الانتظار أصبح على مدرج الأيام, كموعد ينتظر التحليق نحو البحر من جديد.
    كانت تصف له الأحداث وما يجري هناك, وكأنه لم يغادر المدينة, بل بقي يرتسم على عينيها وقلبها. تلك الرسائل كانت تؤنس وحشة الصمت في القرية. وكان أحمد أيضاً يهمس بين السطور عن كل ما يمر به من وقت وأمنيات, ويرسل بكل الهمس على شكل حروف, تنقل البهجة إلى عيون سارة. وتجعلها تنتظر وبكل سعادة, أن يقترب اللقاء إلى رمل الشاطئ, حين تجلس أمام البحر وتقرأ ما يكتبه لها.
    ويعود إلى الوجوه الصغيرة في كل صباح, ويغادر إلى البيت أو الكوخ في الغابة. لكن الصداع كان يستمر من وقت لآخر. وفي يوم وهو في المدرسة وفي غرفة الصف, بدأ الظلام يغطي الأشياء من حوله, وابتعدت أصوات الصغار وكأنها تأتي من مكان بعيد, وتلاشت الحياة خلف الغثيان, ثم ابتدأت المقاعد والوجوه الصغيرة بالدوران في أرجاء الغرفة حين شعر بصداع شديد. تراجع للخلف نحو مقعده, واختفت الحياة في شبه غيبوبة. أسرع إليه التلاميذ لا يعرفون ما حصل, وهرع بعضهم إلى غرفة الإدارة يطلبون أن يأتي أحد ليرى احمد. عندها جاء فارس مسرعاً وتبعه الآخرون, وبعد تلك الجلبة من حوله وببعض الماء على وجهه, استفاق من جديد وهو لا يدري ما حصل, ولماذا العيون تحدق به وهي تتساءل.
    بعد قليل عاد إلى طبيعته, وأخبر فارساً بأنه متعب جداً ويشعر بألم في الرأس وببعض الدوار, ويفضل أن يعود إلى البيت. ولكن فارساً قال:
    سأعود معك إلى البيت, فأنا لن أتركك تغادر وحدك.
    لا تخف أستطيع أن أعود, فأنا الآن أشعر بأني أفضل.
    لا لن أدعك تعود وحدك, ويجب أن تذهب إلى الطبيب في المركز الصحي, لأن هذا الوضع بدأ يقلق ويجب أن يؤخذ بجدية أكثر.
    ابتسم أحمد وقال:
    ليس الوضع بهذه الدرجة من الخطورة, فهو مجرد تعب.
    حتى ولو كان كذلك,فيجب أن تزور الطبيب حتى نطمئن عليك, ويعطيك العلاج المناسب.
    حسناً ولكن في الغد. لأنني الآن أشعر بحالة أفضل من السابق.
    إذاً هيا بنا.
    سار الاثنان نحو القرية والإعياء يظهر على وجهه, ولون بشرته أصبح يميل إلى الاصفرار. كان فارس ينظر إليه بمنتهى القلق, فهو لا يدري من أين أتت تلك الغيبوبة.
    عاد أحمد إلى البيت برفقته, وما أن رأته والدته بهذه الحالة حتى أصابها الحزن والقلق, فهي لم تكن تتوقع يوماً أن يكون أحمد بهذه الحالة. وضعته في السرير وذهبت لتحضر له بعض الأقراص و كوباً من الليمون. بينما جلس فارس بجانبه كي يطلب منه بأن يذهب في الغد إلى الطبيب.
    وانتهى الليل الطويل بكل ما كان فيه من قلق و ألم, لم يتركه فارس في تلك الليلة, بل بقي معه حتى عاد إلى طبيعته. وأيضاً والدته لم يغف لها جفن طوال الليل, بل بقيت بجانبه حتى الصباح.
    في ذلك اليوم عاد إليه فارس في الصباح, وغادر الاثنان لرؤية طبيب المركز. قام الطبيب بكل ما يلزم من فحوصات, فقد كان يتوقع بانه يعاني من ضعف في الدم. ولكن عندما ظهرت نتيجة الفحص, لم يجد هناك ما يدل على أية حالة مرضية, أعطاه بعض الأدوية والمقويات, وطلب منه أن يرتاح ويبتعد عن الإجهاد.
    عاد إلى البيت لكي يطمئن والدته, ثم خرج المقهى ليمضي بعض الوقت بعد كل ما حصل, لعله يشعر بالارتياح وببعض التغيير.
    سارت الأيام وكأن شيئا لم يكن, وعاد إلى طبيعته السابقة. يغادر في الصباح إلى المدرسة, ويمضي المساء في المقهى وأحاديث عن الحياة, وعما يدور في هذا الزمن بكل ما يحمله من تناقضات ومن تشكيلات جديدة, لا تحمل أي اتصال مع أية حضارة أو تراث, كانت تمثل في السابق هوية مستقلة لهذا الجزء من العالم.
    ويدور نقاش حول الثقافات المستوردة, وعن اختلاف شكل الإنسان حين يبدأ بالانسلاخ عما يحمله في أعماقه من قيم ومعان, كانت تنبع من ميراث زمن, ليصبح كما النبتة المزروعة في وعاء زجاجي هش, لا يملك أي اتصال مع ماضٍ ولا حاضر ينبع من الأرض والمكان. وكم هي خطيئة كبرى حين نصبح كما الفقاعات, عندها نبدأ بعزل أجيالنا القادمة عن كل ما كانت عليه حضارات الأقدمين, وعن تراث أزمان كاملة, دون أن نملك الوعي لنتدارك الأمور. نحن نأتي إلى الأرض, ونملك بداخلنا روح تحمل معنى التواجد, وإلى أين تسير. ولكن الأغلبية أصبحت تفقد تلك الروح في منتصف الطريق, وتبقى الأجساد لتكمل المشوار, بنبض القلب وبانعكاسات تأتي إلى العقل عن طريق الحواس. فتتشكل في أعماقنا أموراً وهمية, نسميها في أغلب الأحيان, الأنا البشرية, تلك التي سرعان ما تزول مع زوال الجسد.
    كان يتحدث بكل انفعال حين يكون الحديث عن قلق الروح على ما يجري من حولنا, ودون أن ندري ينساب الضوء الأسود إلى الأعماق, فنصاب بالتشوه في الفكر وفي وضوح الرؤيا, حين نتحول إلى مستهلكين لثقافات لا تخص مجتمعاتنا, وخصوصاً تلك التي تخدم الجسد فقط, والتي تبعدنا عما يجب أن نكون عليه.
    في تلك الليلة كان فارس يستمع لأحمد بكل اهتمام, ويراقب النظرات المتعبة والوجه الذي بدأ يحمل علامات الضعف والشحوب. وازداد انتباهه عندما بدأ يسمع اللهاث يتسارع مع الحديث, فقد كان أحمد يشعر بالتعب بعد أي كلام أو مجهود عادي, كالسير من المدرسة إلى البيت. ولم يكن فارس مقتنعاً بما كان هناك حين زار الاثنان طبيب المركز. وينتهي الليل إلى صمت من نوع آخر فقد كان القلق هو ما يرتسم على الخاطر.
    وبالفعل هو ما حصل. ففي اليوم التالي يغادر أحمد متجهاً نحو المدرسة, لكنها الخطوات من كانت تنبئ بأكثر مما يتراءى أمام الإحساس. في ذلك اليوم استلم أحمد رسالة من سارة, كانت تحمل أطياف السعادة والحب, والشوق يعبق من خلال الكلمات الساحرة, حين أخبرته بأنها وبكل الحنين, تعود كل مساء من الشاطئ لتكمل الليل في حديث عن صيف صار وكأنه من حكاية زمنية تغيب خلف زهور برية, تميل بطبعها إلى انزواء تحت شتاء قادم, وتتوارى خلف سبات لا تملك منه إلا السكينة حتى يأتي الربيع, يحمل معه الدفء ويرسم على مخيلة الانتظار ابتسامة الإشراق.
    تجلس في غرفتها وهي تنظر من النافذة إلى ريح يحجزها الصمت خلف زجاج, وأغصان لأشجار لم تعد تملك أوراقاً, كانت قد سافرت على أجنحة الصيف الماضي. تحتضن الدمية بين ذراعيها وتمارس الهمس في أذن الأمل, عن شوق وانتظار لحبيب يتراءى لها وكأنه الصدى لعزف ناي حزين. أيكون الشتاء مدفأة وحلماً؟, أم هو رحم يحتضن الأمنيات.
    هي تكتب على أوراقها ما كانت ترسمه عيناها من تراتيل مسائية, وأحاديث يمزجها البحر مع الريح لتصبح أهزوجة عشق:
    أين أنت وأين أنا؟, ومن نكون؟.
    ولماذا الحلم يحبو كطفل صغير؟.
    امتداد الوعد يطول
    ويعود الليل إلى عيوني فأغفو وكأني أقفز من حلم إلى يوم جديد.
    وأعود إلى الشاطئ والمساء وانتظر.
    إليك الشوق وعهد بالوفاء واليك الحب ,
    فإلى متى يبقى الانتظار على نافذة تبقي الريح خلف زجاج صامت وبلا معنى؟.
    يكمل الرسالة وكأنها تأتي من عالم سحري, فيبتسم للوعد والحب, ثم يعود إلى وعي الوجوه الصغيرة, ويغادر في ذلك مع فارس عبر طرقات تؤدي إلى الساحة الحجرية, وكأنها الابتداء نحو نهايات بلا زخارف, هي بعض من نداءات البقاء, وإلى متى سيبقى الشتاء يرتسم على السجاجيد العتيقة كزخارف بلا رونق؟.

  3. #13
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي



    الجزء الرابع

    الفصل الأول...... خريف على الأوراق



    تمر الأيام, وتبدأ الظلال العائمة على الريبة تتشكل كقلق رجل الغابة حين عاد لأحمد في الحلم, وكذلك الضيق الذي شعر به رجل المنارة حين كان ينظر للبحر, ففي ذلك الفجر القديم جلس يرقب المركب الوحيد الراسي على هدأة البحر, هو يعلم بأن المراكب ترحل أحياناً ولا تعود. وما الذي كانت تشير له تلك الطيور القادمة وهي تسقط في البحر, كما رأتها سارة حين كانت تلتفت نحو الأفق. ظلال الريبة بدأت تحوم فوق تلال القرية, والخطوات تتثاقل وهي تسير نحو المدرسة في الصباح, ويصبح الدرب مسافات لا تنتهي, وأنفاساً تتسارع تلهث, وعيوناً تذوب أمامها كل ملامح الأشياء. يصل أحمد إلى المدرسة ويسارع نحو غرفة المعلمين, ليجلس على المقعد وهو بمنتهى التعب. فيأتي إليه فارس ويراه على هذه الحالة, فيسارع لإرسال من يحضر الطبيب.
    وينتهي الأمر إلى بعض أدوية مسكنة للألم, وورقة تحويل إلى مستشفى العاصمة, فالحالة تحتاج إلى فحوصات من نوع أدق وأشمل. ويعود الاثنان إلى البيت, ويشتد الألم ويزداد القلق والخوف في عيون فارس ووالدة أحمد, فالحالة تزداد سوءاً يوم بعد يوم دون أي تحسن, علامات الشحوب وقلة الأكل و الصداع المستمر هي أمور تدعو للخوف, حين يرافقها نوبات عصبية غريبة أو غيبوبة مؤقتة.
    يذهب الجميع إلى العاصمة, وتبدأ طقوس المرض تأخذ بالسعادة نحو التساقط على أرض باردة في تلك الحجرة من المستشفى. وتطل على الذاكرة وجوه غريبة ورائحة معقمات, وممرات طويلة لا تنتهي, إلا لتبدأ من جديد في الغرف السفلية, حيث تنتظر الأجهزة الطبية ذاك القادم الجديد. ويطول الجلوس على المقاعد المعتادة على القلق والانتظار, فيمر الوقت وكأنه الجفاف على وجوه المنتظرين لمعرفة ما ستكون عليه حالة أحمد.
    وأخيراً ينتهي الأمر إلى السرير ذي الأغطية البيضاء , تجلس والدته بجانبه وهي تنظر إلى الوجه الذي يرسم البسمة وكأنه يستعيرها من بقايا الأمل. ويذهب فارس ليقابل الطبيب المختص فيخبره بأن النتيجة هي ورم في الدماغ, وأن الأمر بحاجة إلى عملية حساسة ودقيقة واحتمالات نجاحها ضئيلة.
    يعود فارس إلى الغرفة, وكيف سيتمالك أمر الكتمان لكل حزن الأرض المتراكم في أعماقه. لقد عرف بأن الأمور تسير نحو نهاية قدرية, ولا يوجد سوى الأدوية المسكنة والصبر, وانتظار الوقت المتبقي على صمت الحكاية واندثار الحلم.
    تسأله والدة أحمد عما أخبره الطبيب, فيبتسم لها ويخبرها بأنه لا يوجد هناك ما يدعو إلى القلق. هو مجرد صداع وتعب سرعان ما يزول. تستمع لما يقول وكأنها لا تصدق الكلمات الساذجة, فهي ترى في عيونه أكثر مما تظهره الابتسامة, فنبرة الحزن تخنق الكلمات وتضعف الاقتناع بما يقال.
    ينظر أحمد إلى عيون فارس وهو يشعر بتلك الدموع المختنقة خلف أجفانه المرتعشة. يقوم عن سريره ويخرج متوجهاً إلى غرفة الطبيب. وللصدفة يكون قادماً من آخر الممر باتجاه الأدراج ليغادر, فيستوقفه ويقول:
    مرحبا دكتور. آسف على الإزعاج, ولكني أردت أن أسألك عن حالتي, وهل يمكنني الخروج من هنا؟.
    كيف تشعر الآن, ولم تركت السرير؟, فأنت يجب أن ترتاح.
    أشعر بأني بحالة أفضل, ولكني أردت أن أعرف ما قلته لفارس عن حالتي.
    أبداً, كان يستفسر عن حالتك الصحية. ولا تقلق فعليك الاستراحة الآن, وسنكمل المعالجة حتى تشفى.
    دكتور. أنا أعلم بأن عندي ورم في الرأس, وأعلم بأن لا علاج لحالتي أيضاً, وكل ما ينتظرني هو الوقت حتى تأتي النهاية الحتمية لمن هم في مثل حالتي.
    نظر إليه الطبيب ثم التفت حوله لعله يجد بعض المعونة على الحديث من الملامح حوله, ثم عاد يتابع وهو يضع يده على كتف أحمد حين قال:
    أرى بأنك تتحلى بالشجاعة والإيمان, وما قلته هو الحقيقة بعينها. ولكن كل شيء بيد الله وحده, فمنه يأتي الشفاء ونحن لا نملك إلا أن نقوم بأفضل ما نقدر عليه. وللأسف قد جاء الكشف على الحالة متأخر جداً.
    لا تقلق يا دكتور, فأنا مثلك أيضاً أشعر بالأسف, ولكني أتقبل الأمر وأعلم إلى أين تسير الحتمية حين تلامسها القدرية. وأحمل في أعماقي الوعي والبصيرة.
    أقدر فيك هذا الإيمان, وأمنيتي لك بالشفاء, فهو بيد الله.
    إذاً يمكنني الخروج من هنا؟.
    كما تريد, ولكن عليك أن تراجع من وقت لآخر, حتى نطمئن على حالتك ونعطيك الدواء اللازم.
    أشكرك على كل ما قمت به.
    ينظر للطبيب ويبتسم حين يحتبس الدمع في عيونه, فقد تراءى له وجه والدته وطيف سارة, تلك المنتظرة خلف البعد.
    يعود إلى القرية وهو لا يملك سوى الامتثال لمشيئة الأقدار, لم يعد ينتظر الفرح, بل أصبح على أطراف عالمين ولا يجرؤ على التفكير بأي شيء. كل ما يتمناه هو أن يدخل إلى غرفته, كي ينام نوما عميقاً دون أي فكرة أو تأمل. يفضل أن يلتزم الصمت ويداري عيونه عمن حوله, خوفاً من أن تضعفه الحياة وتسلبه العزة فيما يملكه في أعماقه, عن سفر الإنسان إلى عالم آخر, حين تنتهي تجربة البقاء على الأرض, فهو يؤمن بما يصغي له في أعماق روحه كأصوات تأتي من خلف الجدار, والذي أصبح أقرب إليه من موعد صيف قادم.
    في الصباح, كانت الأمور تختلف عن كل ما أشرقت عليه الشمس في السابق, يخرج من غرفته ليواجه أول يوم من أيام الرحيل, وهو ينظر إلى كل ما حوله, وكأنه يجلس خلف نافذة القطار, حين كان يسافر إلى البحر, فقد كانت الملامح تغيب مسرعة وكأنها تندفع عبر أبواب الزمن. لكنه الآن يحاول أن يستبقي الملامح أمام عيونه, وكأنه يغلق الأبواب على الإدراك حتى لا يشعر بذاك الاندفاع نحو الوراء, كم أصبحت تؤنسه الدقات الرتيبة المتثاقلة لعقارب الزمن.
    هو الآن لا يشعر بالألم, بل يمتلك الطاقة كي يبتسم في وجه والدته وتحية صباح ترتسم على شفتيه, كانت تنظر إليه بعيون حزينة وحائرة, وتسأله عن حاله فيخبرها أنه بخير, يلتفت نحو باب الحديقة ويذهب إلى هناك حيث يجلس ليشرب قهوته المعتادة.
    تذهب والدته نحو الباب حين تسمع الطرق. كان فارس من يطرق فلقد جاء ليطمئن عن صحته قبل ذهابه إلى المدرسة, يتقدم ويجلس بجانبه ولم يدر كيف ابتسم, فهو يراه بحالة جيدة. شرب القهوة واستأذن بالانصراف حتى لا يتأخر. وسار في الطريق يعبر الساحة, لكنه توقف حين اختار أن يذهب للطبيب في المركز كي يخبره ما جرى في المستشفى.
    أخبره الطبيب بأنه كان يتوقع شيئا كهذا, لكنه لا يقدر أن يتأكد قبل الفحوصات الطبية. وعد فارساً بأن يتابع زياراته لأحمد والإشراف عليه, وتعهد أيضاً بأن يوصله إلى المستشفى كلما احتاج الأمر بسيارته الخاصة, وقال بأن المرض كما في التقارير هو في مراحله المتقدمة, ولا يدري إلى متى سيطول, فالصراع مع الألم يصبح أشد في هذه الحالات إن طال الأمر. ثم طلب من فارس أن ينقل أمنياته له بالشفاء, ويخبره بأنه سيزوره في المساء ليتابع أمور علاجه.
    لم يكمل الطريق نحو المدرسة بل عاد إلى المقهى, هو أيضاً في أول يوم من مرحلة الرحيل, وفي قرارة نفسه أصبح يفضل أن يعيد النظر في أمور كثيرة, بعد أن بدأ يفقد الأمان ويشعر بالخيبة مما تحمله الأيام. يضع أمام عينيه أن يقف بجانب أحمد لآخر لحظة, فالأمر لا يحتمل الضعف. وسيخبئ الحزن خلف الغضب, لقد أصبح يحقد على الظلال ويتأرجح على الدروب, وكأنه سيجنح يوماً إلى الأطراف, ليبقى عالقا بين الحب و الحقد, وبين الشك واليقين, حتى يتراءى له بعض من منطق فيما يحصل ولماذا.
    في تلك الليلة بعد أن غادر الجميع عاد إلى غرفته, وجلس أمام النافذة ينظر إلى الأضواء الباهتة, ويراقب الأشجار وهي تتراقص على هبوب ريح باردة. تدور الأفكار برأسه, فهو لا يعلم كيف سيبدأ الرحيل وإلى أين؟, كم كان هذا السؤال بلا إجابة. لكنه الآن يشعر باقتراب المسافة نحو الحقيقة المخبأة خلف الموت, يتراءى له الجدار الفاصل بين الحياة والموت, وكأنه على أطراف الوقت المتبقي من هذه الرحلة القصيرة. يتساءل عما سيحمله معه من حصاد تجربته القصيرة في هذه الحياة.
    وبدأت الذكريات تمر كقافلة من العربات أمام مخيلة تبحث عن ملامح. يقترب وجه سارة وهي تبتسم, فيسارع بالانشغال بالأوراق على الطاولة, ثم يبحث عن علبة التبغ, فهو لم يعد يقدر على الحلم ولا على الأمنيات, يشعل سيجارة وبكل عصبية ينفث دخانها في وجه الذكريات, حتى تتلاشى الملامح خلف دخان. لم يعد يقدر على التفكير بأي شيء, وكم هو بحاجة الآن لأولئك العالقين على الأطراف, عل أحدهم يحمل له أي تفسير لما يجري حوله. فذاك الدخان لن يحجب مرارة الواقع أكثر من لحظات, هو بحاجة إلى من يزرع في روحه الأمل, ويتمنى لو أنه قادر على تسلق الجدار لينظر إلى الجانب الآخر, عل الأمور تتكشف عن حقيقة تنير درب الرحيل . يمسك بالقلم ويبدأ بالكتابة, وكأنه يفرغ الضوضاء في ساقية السكينة حين يقول:
    ينبئني العالق على الأطراف
    بأن الأقمار لم تعد لوعيها القديم
    نظرت إلى الأفق, هو الآخر مثلي
    لا يفقه معنى التورد في السماء
    دون شمس تغيب, أو شمس تشرق.
    تاه الكل في الصمت
    وتاه الصمت في الذكرى
    وأحاديث توارت خلف التيه ولن تعود
    وحفيف أشجار
    أين النسيم؟
    لا أفهم معنى الموت للحظة
    ولا معنى السكون
    عيوني ترقب وقلبي يخفق
    وشعاع ضئيل
    أين ذاك الليل ؟ كان ساحراً
    والنهار
    أيفتقد النهار؟
    في العادة يأتي كل صباح.
    على نساء وطيور وأطفال
    ونداءات باعة
    كونت من المشهد أهزوجة غربة
    ومن المساء الساكن زمناً
    ترنيمة دهشة
    وإلى أين الأمل؟
    والغروب عالق في السماء
    ورياح لا تنام
    وبحر يغرق في جمود
    سطح الأرض غشاء كقناع
    أين الموجة تلك؟
    أين البسمة ؟
    وأين أنا وأنت ؟
    يخرج من الأوراق على ألم شديد, وكأن عذاب الأرض يسكن رأسه. يتناول الأدوية المسكنة ويلقي بجسده على السرير. يشغله الألم عن الذكرى ويبدأ تأثير المخدر, فتغفو التساؤلات تحت ظلال النوم.
    تمر الأيام ويزداد الألم, وتخرج طقوس البقاء إلى انتهاء, ويصبح المدرس زائراً ينتظر الرحيل. فتعود إليه من جديد نظرة الطفولة إلى الملامح والأشياء, فيصبح كمن يرى الحياة لأول مرة. هو عرف الآن إلى أين يسير, فلم يعد هناك من يرسم له الدروب, وكأنه يجلس على حافة المسار.
    أحياناً يذهب للمدرسة كزائر يشتاق إلى الوجوه الصغيرة والأصدقاء, فهو يفتقد التركيبة الصباحية ويبحث عن تلك الحلقة التائهة, فيجد بأن هناك دائماً من يكمل المشوار. معلم جديد حضر إلى المكان, ولازالت القصص تحكى للصغار عن بطولات يرسمها الكبار.
    يعود إلى المقهى ويجلس في الركن, وينتقي اللحظات دون قسرية الملل والانتظار. هو الآن يحوم فوق ملامح الحياة كفكرة تومض في عقل يتوه عن التأمل في متاهات الرؤى, كم يسعده الاهتمام من الجميع حين السؤال عن صحته وكيف أصبح, لكنه يشعر بالضيق حين يلاحظ نظرات الإشفاق ترتسم على عيون الآخرين. لم يدري كيف انتشر الخبر بين أهل القرية عن مرضه. ومع ذلك يبتسم لعزيز, ويطلب منه أن يرافقه في الغد إلى الغابة, لكي يتفقد الكوخ وليشعل النار في تلك المدفأة من جديد. هو بحاجة إلى أن يعرف ما كانت تقوله الأشجار لرجل الغابة, فالمكان هناك أقرب ما يكون عليه الجدار, فهو على الأطراف. والشجرة الأم تملك معنى التواصل بين دفء الأرض التي تحتضن الجذور, وبين حكايا الريح للأغصان الممتدة وكأنها تنتظر المطر حين يبلل الأوراق, فهي تصبغ أحاديث السماء على شكل بريق وانتعاش.



    الفصل الثاني ..... رسالة اعتذار




    وتأتيه من جديد رسالة تلك المنتظرة خلف الريح. تبتسم الكلمات لفرح عيونها لذاك الوعد والانتظار, فترتعش الرسالة بين يديه وكأنها محرجة أمام عيونه الحزينة, وملامح وجهه الذي أصابه الشحوب. يكمل قراءة ما كتبت, وتبدأ لأول مرة تلك الدموع تنزل على وجنة الرحيل. يسارع إلى طي الرسالة والعودة نحو البيت و لا يدري بما سيجيب.
    يرتسم الطيف على ستائر النافذة, كم هي نقية وطاهرة تلك الابتسامة وكأنها الحلم. ولماذا خرج الحلم من بين ظلال الوعي؟, لماذا لا يعود أدراجه من جديد ويختفي وكأنه لم يكن؟. هي أمنية التراجع للوراء حين بدأ يخاف على الابتسامة أن تذوب, بعد كل هذا الحب الذي يختنق أمام خيبة أمل. فهو لا يريد لسارة بعد اليوم أكثر من حلم جميل يبقى في الذكريات. ذهب إلى قرب النافذة وبدأ يكتب لها حديث اعتذار.
    حبيبتي سارة.
    لا أدري كيف أخبرك عن وجع الحلم.
    يحتار الشوق في داخلي
    حين يراني أغض الطرف عن طيفك المرسوم على صفحة الأمنيات
    لا يعلم كم يتربص بي الضعف
    فهو يأخذني نحو شاطئ لا يهدأ على بحره موج ولا حنين
    أشعر بذاك التفسخ بين ألواح المركب
    وكأنه التهالك قبل الاندثار
    فالمساء يدعوه إلى رحيل نحو أعماق بحر
    لا يفقه قنديل البحر معنى الريح.
    ولا يملك المرجان سوى التراكم.
    جمالي ذاك التناغم حتى لو كان فراراً أو قهراً
    أحبك
    وكم تمنيت أن أعود إلى شاطئ يحمل همسك
    ولكني ارتسم على الوعد اعتذار
    فلست أقدر على العهد
    وكأني أتراجع نحو واقع كنت أغفلته حين رأيتك
    اعذريني
    كم أنت فتاة حلم
    ولكني احترت بين عقلي والجنون
    أقسم أنك أجمل ما في العمر
    وأقسم أنك لون العيون
    ولكني مجبر على التراجع في القرار
    كم كانت تصدق والدتك حين قالت ما لم تقله
    فأنا لا أقدر على تلك البيئة ولا عن التخلي عن حقيقتي
    واقعي لا يفهم معنى الحب
    وأقولها اعذريني
    أنا لن أعود
    حلم الصيف تساقط في الخريف
    والبحر أبعد مما أقدر
    عالمك لا يحمل منطق التلال البسيطة الخضراء
    وأنا أكتفي ببعض ذكرى تؤنس من حولي المساء
    خذي قرارك وارجعي عن فكرة الانتظار
    فأنا لا أملك إلا التراجع
    رغم أنك الشوق
    ومنك استبقي الرؤى
    سأقول وداعاً ولا تسأليني
    فأنا لا أملك الإجابة
    فأنا عاشق يخرج من الحكايات دون عيونك
    فاعذريني
    أنا لن أعود
    كان هذا قراره بأن يجعل سارة تبتعد و تنسى, فهولا يحتمل أن تأتيه والحزن في عيونها الجميلة. أحياناً يحمل الأمل في الشفاء, ولكنه لا يقوى على أن يرى الحب يأخذ معنى الشفقة والعطف, ولا يريد لها أن تعود يوماً إلى مدينتها وهي تحمل حزنها والخيبة. سيعطي الرسالة لفارس كي يرسلها مع ساعي البريد. يعلم بأنها ستفقد الثقة في الحب وفي القادم من بعيد, ولكن ذلك أفضل من أن تفقد الثقة بأمور أكثر قدسية. يتمنى لها السعادة بعد أن تغفو الذكريات البائسة خلف النسيان.
    لم يكن القرار ينبع من عقل يحمل منطقاً, حين يكون الحديث عن ألم الروح وعن الظلال التي تغطي المتاهة بالخضوع, ولكنها التضحية القسرية حين يكون القدر من يحكم المصير.
    في اليوم التالي يخرج من البيت, ويعبر الساحة الحجرية دون أن يلتفت إلى مناداة عزيز, ويسرع يتبع الدرب حتى التلال, ثم ينحدر مع السفوح ليصل عبر الوادي إلى الغابة دون أن يمر من أمام البيت على التلة, وكأنه على موعد مع أمور لا تنتمي إلى عالم كان يؤنس في روحه إحساس البقاء. يصل إلى الساحة الصغيرة ويمر من أمام الأرجوحة الخشبية, ثم يصعد الدرجات وكأنه يلتجئ لذاك الكوخ, من تشكيلات لم تعد وهمية حين تتبع خطواته, فهي كما الوقت تلتهم اللحظات الباقية من عمر الحلم.
    تعود إليه السكينة حين يغلق الباب على الغربة المنزوية بين نظرات ترقب القدرية حين تقسو على الحلم, تدور عيونه في أرجاء المكان يبحث عن بعض ما يتوارى من أشياء الرجل, لعل هناك بقايا لحديث أو فكرة عما سيكون عليه الرحيل وإلى أين, ترتسم الغربة على الجدران الخشبية فيلتجئ لتلك المدفأة يصنع من الحطب الصامت لهيباً ثائراً, كأنه التمازج بين صمته والظنون, فيعود الدفء للمكان. ينظر من نافذة الكوخ إلى الشجرة العالقة بين الزمن والمصير, وينتابه الحنين إلى حديث دافئ وتبغ. يصاب بالغثيان من تراكم الأحداث, فيبدأ بالتراجع نحو اللهب المتصاعد داخل المدفأة, يجلس طويلاً وهو يحدق في الشرر المتطاير, ثم يعود إلى وعي يتجسد على جدران العقل, وكأنه رداء من الصوف الطويل يغطي ملامح المنطق.
    كانت الريح في الخارج تعبر من بين الأشجار نحو عالم مجهول, وكأنها تهرب من نبوءة شؤم. حتى المكان يملؤه الرعب حين يكون للريح عويل. تتجرد الأشجار من ورق الصيف ويتناثر على تراب الكون اصفرار, ولا يبقى سوى الشجرة الأم, فهي دائمة الخضرة وتتخللها الريح من بين الأغصان, وكأنها تستأذن الزمن كي تسافر في كل ما تبقى من كلمات وأحاديث, وتنثرها على الآفاق لتلتصق في ذاكرة أزلية.
    ينتابه الصداع من جديد, ويمزق الألم كل العشق لسارة وللمكان. ويغيب الحزن كما اندثر الشوق بين ثنايا التأرجح فوق جماليات البقاء. يخرج من الكوخ ويسارع نحو الشجرة الأم, وكأنه يحتمي بأغصانها من ظلال الريبة والضياع. يتذكر كلمات الرجل حين قال, أن الإصغاء يخرج من الأعماق كنداءات تهمس للصمت, حين يلتصق المرء بتراب الأرض. حينها يسمع حديث الأشجار وحديث الريح. يزداد الألم ويمارس الانحناء نحو الأرض, حينها يشعر بالبرد فيلتصق بالتراب أكثر, يفترش الأوراق الصفراء فتخرج من أعماقه زفرة كأنها الارتياح. هي الأرض تحنو على الجسد المتهالك فتلامس الريح ذلك الملقى على بقايا الصيف, وكأنها السكينة حين يعود إليه الوعي, ويصير الألم كما الأوراق الصفراء, فتحمله الريح إلى ضياع مؤقت. ينظر إلى الشجرة, يملؤه شعور بالأمان فيقف على قدميه ليقترب منها, يعانق الجذع العتيق وكأنه ينتظر, فهو يصغي ومن الأعماق يأتي الهمس, وكأنها تقول:
    لماذا تبحث عن إجابة بين الأسئلة هناك؟.
    ألا تعلم يا صغيري
    بأن النهايات لا تبدأ من صفر
    هي مكنونة هناك
    و تنتظر
    ولن تكون على شفاه المنطق
    فالمنطق يحلم بأن يكون أكبر من الشواطئ والعيون
    لكنه لن يكون
    أهديك بعض معرفتي
    وهل تريد شيئا أفضل من الأوراق العالقة على الأغصان؟
    أجل أراك تريد
    كم يسعدني ويزيد اخضرار الأوراق حين تطلب أكثر
    سأخبرك عن معنى التواصل
    وسأخبرك عما يعني أن تحترف السير في المتاهة أكثر
    سأحدثك عن صمت كان يوماً, حديث سحابات تمر على الدنيا
    فالدنيا شيء مضحك
    هناك من يمارسون اللهو حين الصمت
    وهناك من يصبرون على البكاء دون دموع
    سأحدثك عنك وعنهم, ومن أنتم
    وإلى أين؟
    كانت الأجساد هنا
    وجاء الآخر من مكان ما
    وجدهم لا يحملون وعي النبات
    كانوا أرقى في التشكيل من باقي السلالات
    تاه بينهم
    فهو يرتدي نفس الغلاف
    لم يستقبل كزائر ممن كانوا
    ولم يلاحظ أحد منهم بأنه يحمل أي اختلاف
    كان يتحدث لغتهم
    ولكن لم يكن أحد منهم يفقه ما يقول
    نفس اللغة ولكن بأفكار تحمل وعياً آخر
    الطبيعة أحست به
    واستأنست به الجبال والأشجار
    حتى البحر كان ينصت لتلك الأقوال
    فهي نثر كلمات
    تحملها الريح وتدور بها على أطراف الدنيا
    عندها أحس لماذا
    مع كل جمال الأرض هناك غربة
    وعرف معنى السجن بلا قضبان
    عاد للارتحال من جديد لكي يبحث عنها
    فهي حقيقة
    متى؟ وأين؟ هو لا يدري
    ولكنه يحمل إحساس وجودها في مكان ما
    أين كان اللقاء
    هي ترتدي نفس الغلاف
    وكيف سيعرفها وسط الجموع
    وهل تملك الروح على الأرض قوتها في الكشف
    وإلى متى سيبقى صراع القادمين مع من لا يحملون وعي النبات
    ما سر التجربة
    وإلى أين بعد فناء الأغلفة؟
    سيعود من حيث أتى
    وتلك الحقيقة ستعود
    فهي تجربة لا يفقه معناها النبات
    يجب أن تعرف يا صغيري معنى الصبر
    فالقوة يحملها الضعف والتشكل وهم
    ما يرصف على الدروب ليس سوى أحجار تتلاصق بكل صمت.
    تابع الخطى وانتبه لأطراف الدروب
    فهناك تعلق الحكايا
    وانتهاء الدروب بداية لكل الغايات المزروعة في الأعماق
    إياك أن تفقد الأمل
    لأن الوهم يعود إلى تراب الأرض
    ولن يبقى سوى الروح تسافر نحو حقيقة
    قسري ذاك القدر حين يعجز العقل عن الفهم
    وقدري أن نجتاز بحور اليأس نحو انطلاقة يكون العمر بدايتها.
    أرجوك صغيري اذهب هناك بين جدران الغربة الخشبية
    واغف قليلاً
    فقد تتراءى لك بعض من حكايا السحب القديمة.
    يخرج من صمته ويتوارى الحديث في أعماق بدأت تهدأ ثورتها, ثم يتراجع نحو الكوخ وهو يشعر بالتعب وبحاجة إلى أن يغفو قرب المدفأة, لم يعد الجسد المتهالك بقادر على برودة المكان. وقبل أن يرتقي الدرجات المؤدية إلى الكوخ الصغير سمع صوت فارس, جاء يبحث عنه حين أخبره عزيز بأنه رآه يسارع نحو التلال. يلتفت إليه ويبتسم , ثم يدعوه إلى الداخل ويجلس الاثنان أمام المدفأة, كم هو ممتع ذاك الدفء حين يكون البرد خلف الأبواب وفي أعماق الروح التائهة.
    سأله فارس عن سبب جلوسه في ذلك الجو البارد خارج الكوخ, لكنه لم يجب على السؤال بل أخذ يتحدث عما كان عليه التواصل مع الطبيعة, وعن حديث كان ينبع من الأعماق, وأخبره بكل ما يسكن في الروح مما قالته الشجرة الأم. لم يكن فارس بموقف يدعوه لأن يقف عند الكلمات وتلك التصورات, فلقد بدأ يلتفت هو الآخر إلى أية إجابة لكل تساؤلاته والتي تتراكم فوق عقله وفي أعماقه, كان أحمد لا يزال مسترسلاً بالحديث حين وقف فارس واتجه نحو النافذة, يتأمل الشجرة ثم ينظر إلى الأرجوحة التي تحركها الريح , اقترب أكثر من النافذة حتى لامس الزجاج البارد بأصابعه فأخذته الرعشة, فهو يصغي لكلمات غريبة تعبر حدود الإصغاء, لترتكز على ثنايا الروح, وهو الآن يشعر بنوع آخر من الفهم لم يكن يقدر عليه في السابق قط , لقد لامست أصابعه الزجاج البارد حين التأمل, تماما كما الإصغاء يلامس حدود الفهم.
    عاد من جديد قرب المدفأة. حين قال له أحمد وهو يناوله المغلف:
    خذ هذه الرسالة وأعطها لساعي البريد, فهي رسالتي الأخيرة لسارة.
    لم أفهم ما تقصد؟
    أجل , كتبت لها اعتذاراً عن كل شيء, وأخبرتها بأن تنسى. ورسمت أعذاراً غير حقيقية كي أجعلها تعود عن فكرة الانتظار, فأنت تعلم بأني لن أعود إلى هناك مرة أخرى, أو بالأحرى لم يعد هناك وقت أمامي كي أكمل المشوار نحو البحر.
    ولكن ألا تظن بأنك تقسو كثيراً؟. أليس من الأفضل لو تخبرها بحقيقة الأمر, وأن تدع لها الخيار في قرار تتخذه وحدها دون تضليل.
    ليست القسوة, فأنا أعلم أنها ستأتي إلى هنا إن عرفت, لأني أعرف من هي سارة ومدى قوة الروح المنتظرة فيها, ولكني لا أريد لها العذاب, ولا أن تعود يوماً إلى مدينتها حزينة خائبة, لا أحتمل أن يتحول الحب إلى عطف وشفقة, وأنت تعلم بأني لا أملك لها الآن أي وعد سوى الرحيل. فلماذا لا أكون قصة صيف عابرة انتهت حين اختلفت المعايير والفرضيات. ستنسى وستعود إلى حياتها الطبيعية مع مرور الوقت.
    لا أدري ما أقول ولكني أستصعب الأمر, لعل فيما تقوله صواب أكثر مما أستطيعه أنا.
    ابعث الرسالة مع ساعي البريد, فالبعد مع فقدان الرجاء يؤدي مع الوقت إلى نسيان
    إذاً كما تريد, هيا بنا الآن لنعود إلى القرية فلقد حل المساء.
    اذهب أنت واخبر والدتي بأني سأبقى هنا الليلة, فأنا بحاجة لأن أكون وحدي, وسأعود في الصباح.
    إذاً سآتي إليك في الصباح لكي أرافقك نحو البيت.
    لا تقلق, هيا اذهب قبل أن يحل الظلام.
    خرج فارس من الكوخ واتجه نحو السفوح, ليعود إلى القرية وهو يحمل الحزن والقلق وتلك الرسالة البائسة. عيونه تلتفت للخلف, هو قلق على أحمد ومشفق على سارة, كم تمنى لو ينتهي الطريق إلى أي مكان آخر, غير ما يتراءى له من بعيد من أمور قادمة لا تحمل سوى الحزن والحيرة.
    أغلق الباب خلف رحيل صديقه وعاد يجلس قرب النار, أخذ أوراقه وبدأ يكتب كل ما كان في ذلك اليوم, ثم بدأ ينظر إلى الجدران حوله, وتتراقص الظلال على الغربة حين يزداد صوت الريح في الخارج, ويفارق الوحدة إلى النوم على السرير الخشبي ويبقى, حتى يتلاشى نور اللهب ويبقى بعض من ضوء خافت لقمر يتوارى خلف سحب تسافر, يأتي من خلف زجاج النافذة, ويعود إليه صوت الشجرة حين قالت: "اذهب هناك بين جدران الغربة الخشبية واغف قليلاً, فقد يتراءى لك بعض من حكايا السحب القديمة".
    يغفو وتبقى الريح تمارس السهر حين تهمس عبر شقوق الباب الخشبي العتيق, كانت الأصوات في الخارج تأتي من أشياء لا تأبه للريح وكأنها تعاند الرحيل, هو الخريف يأتي وكأنه يأخذ الحياة نحو عالم رمادي كئيب, ليغيب خلف شتاء طويل, وكأنه يسرق ألوان الصيف الزاهية ويخبئها تحت ركام الذكريات. يستمر الليل حتى يرتسم الفجر على المكان.
    كان الليل السابق متاهة كئيبة, ومن خلال النافذة وتحت الشجرة التي تغرق في الزمن, يرى أحمد فتاة تقف أمام قبر عتيق, لم يستطع أن يتبين من تكون, فالضباب غطى المعالم. يسافر بعينيه مع الطيف العالق على السماء الداكنة, كان يتلاشى ويأخذ معه أسراباً من أفكار تخرج من نعاس الليل. يخرج ويدوس بقدميه على العشب الرطب, والبرد يدخل إلى أعماق جسده, حتى طيور الصباح المعتادة لم تقابله في ذاك الفجر, أخذ يقترب من الفتاة التي كان رداؤها وكأنه قطعة من ليل طويل, ويبقى لون الرداء حين يختفي ذاك الليل. هو يسمع ترانيم تأتي من بين الأشجار, ويتعالى الصوت كلما اقترب لكن الفتاة لم تشعر باقترابه, فهي بعض من طقوس الصباح الحزين والذي لا يعنيه أنك إنسان. يقترب أكثر, كان القبر فارغ ومكتوب على الحجر المنتصب فوقه, هنا ترقد أجساد متعبة, والقادم يخرج نحو أفق الآخر, لن يكتمل الحزن ليصبح ضعفاً وخيبة فقريباً تأتي تلك المنتظرة. أشرقت الشمس ولم يعد هناك سوى عصفور فوق غصن, وفجأة يعانق الريح يطير, يعود إلى الداخل وكأنه الحلم يتجسد خارج الغربة.
    يفيق من نومه وينظر من النافذة نحو الضباب, كانت الأعشاب مبتلة وبلا خطوات, وكأن الترانيم كانت بعضا من سهر الريح. يخرج من الكوخ ويسير في دروب الغابة يحاول أن يستعيد بعضا من وعي النهار, ومن رجع الترانيم. لكنه يعود من جديد لينظر نحو المكان, فيعرف بأنه لن يغيب طويلاً. سرعان ما يعود إليه حين تقف الدقات المنتظمة الرتيبة وتتحول إلى صمت طويل.
    يعود أحمد إلى القرية عبر التلال, وأيضا يعود الشتاء بكل ما يملكه من طقوس, فتغتسل الدروب بماء المطر ويطول الليل, وتصير الريح وكأنها طيور من عوالم أخرى تضرب بأجنحتها على الأبواب والنوافذ المغلقة.
    تستسلم الحقول لذلك الارتواء, وكأنها تختزن الحب في أعماقها كما البذور, فهو الشتاء حيث تستكين الحياة داخل أغلفة الضباب, وتختبئ الفكرة خلف انتظار, ليكون الصبر أطول من الليالي الباردة. فيصبح الدفء كما الحكايات بعضا مما يؤنس المساء. ويبقى الألم ذاك الذي يصبح أثقل من الوقت البارد حين يسكن في العقل والأعصاب, كم هي داكنة تلك الليالي الطويلة خصوصاً بعد أن علمت والدة أحمد بحقيقة مرض ابنها الوحيد. هو لم يكن يريدها أن تعرف ولكنه الطبيب من أخبرها دون أن يدري بأنها لا تعلم شيئا.
    كم كان قاسياً ذاك الخبر على قلب المرأة الطيبة, نظرت إلى ابنها وكأنها تبقيه في الأحداق, لذلك لم تذرف الدموع ولم تتحدث بأي شيء, بل استدارت وبكل عصبية وقهر, وأخذت تنظف البيت وتحرك الأشياء من أماكنها, وتعيد ترتيبها من جديد. فهي تهرب من النظر إليه ومن الحديث ومن البقاء, معتادة على الرحيل, ولازالت تنتظر ذاك الزوج الذي غادر من سنين طويلة ولم يعد, كم تكره صوت الريح, لأنها من أخذت أولئك الرجال نحو الهجرة إلى أماكن بعيدة طلباً للرزق في الأيام القديمة. وكأنها الريح تأتي لتأخذ معها المزيد.
    لم يبق سوى أيام قليلة حتى تبدأ عطلة نصف السنة, كان هو الموعد حيث يعود أحمد إلى سارة برفقة والدته, ولكنه الله من يملك رأياً آخر. هو يشعر باقتراب الموعد ويتغاضى عن الشوق بتلك الأدوية المسكنة, والتي لم تعد كافية لإسكات الألم. أحياناً يخرج إلى المقهى, فالكبرياء ترسم على الدرب بقاء وابتسامة وحديثاً لا ينتهي, مع أولئك الأصدقاء هناك. يقترب من فارس ويقول له:
    متى ستذهب إلى البحر؟.
    لست بحاجة لأن أذهب هذه المرة, فأنا أفضل البقاء هنا, أنت تعلم بأنها عطلة قصيرة.
    أعلم بأنك مشتاق إلى أهلك, ولكنك تعتذر عن الذهاب من أجلي أنا.
    وهل تظنني سأتركك وحدك؟.
    لا عليك ولا تخف, سأنتظرك ولن أرحل قبل أن أراك, فأنا لازلت قادراً على بعض الوعود الصغيرة, لكني أطلب منك أن تذهب هذه المرة من أجلي أنا, ومن أجل من ينتظرونك أيضاً.
    اعذرني فأنا لا أستطيع.
    بل يجب أن تذهب, لأني أريد منك أن تزور الرجل في المنارة وتخبره بحقيقة ما أنا به, أريد منه أن يعرف بأني لم أكن لأخون الثقة أبداً, وأبلغه بأن لا يخبر سارة بشيء مع رجائي إليه أن يحاول التخفيف من حزنها, وأعرف بأنه يقدر.
    غريب أمر الحياة وما أقسى تلك الأمور المخبأة خلف اللحظة.
    لاشيء غريب, هي أمور قدرية ونحن لازلنا في أول الطريق, وكما قلت لك في السابق نحن نعيش على الأرض أول مرحلة من دربنا نحو السماء. رجائي أن تلبي طلبي هذا وأعلم بأنك لن ترفض.
    حسناً, سأغادر إلى البحر, ولكن لو تعلم كم صرت أكره أن أعود إلى هناك. فأنا لن أحتمل أن أكون أمام البحر من جديد.
    لا تظلم البحر ولا المنارة, ولا تحكم على الأشياء بقسوة, دع الأيام تنتقي الألوان لأطياف القادم من الأمور.

  4. #14
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي


    الفصل الثالث ..... غربة الشوق
    ينساب الماء على الطرقات, وينعكس الضوء منبعثا من نوافذ البيوت على عتمة الليل, وكذلك كانت الريح أيضاً تراقص أشرعة المراكب فوق البحر, وتضرب بحبات المطر زجاج النافذة, وكأنها تهمس في أذن الجالسة على السرير. كانت تحتضن الدمية وتنظر إلى أشياء وهمية ترتسم على جدران غرفتها الصامتة. لم يمض وقت طويل على وصول الرسالة الملقاة على طرف السرير, وكأنها لم تفارق تلك اللحظة منذ أن فتحت المغلف وبكل لهفة وشوق, كانت تنتظر أن تقرأ شيئاً آخر لا أن يكون اعتذار, وهل يعتذر عن الحب أم عن الحلم , وكيف يتسع المغلف لاعتذار سيصغي له البحر بكل الصمت.
    بقيت أمام الأشياء الوهمية المرتسمة على الجدران وعلى الصدق. هي تحتاج لأن تمسح عن الذاكرة تلك النظرات الحالمة, حين كان يقرأ لها عن سفر الحلم نحو البحر, ولكنها تعود لتبتسم. فهي تتذكر المساء على الشاطئ, وأحاديث لم تكن تنتهي إلا لتبدأ في صباح اليوم التالي أمام المنارة والبحر. ثم يعود إليها وجه الرجل, قد كان صادقاً حين فرح للقاء تأتي به الأحلام من مكان آخر. ولازالت مطمئنة لذلك الوجه فتحاول أن تبتسم, ليعود إليها حديث والدها في تلك الليلة مع أمها. وأيضاً هي لا تشعر بالخيبة, فلازال رجع الصيف يحمل معه عبق الزهور البنفسجية والبيضاء, هي الجدران فقط من تسمح لأشياء وهمية أن تغطي وجه الأمل بوشاح من خيبة صماء لا معنى لها أبداً. تعود لتنظر إلى الرسالة, ثم تغمض عينيها لترى الحزن يقبع في الأعماق فينساب الضعف ليديها وهي تقرب تلك الدمية من غربتها الباردة. تبحث عن الدفء خلف كلمات الاعتذار, لكنها لا تجد سوى ضربات المطر على زجاج النافذة, حزينة ولكن ليس من الاعتذار, فهناك شيء آخر لا تعرف ما يعني, هي لازالت تلتمس الدفء من بقايا الصيف, وتقف أمام هاوية سحيقة تملؤها أشباح سوداء بلا أصوات أو ملامح. مخاوف وريبة قبل الخيبة والحزن, وكأنها لا تستشف من كلمات الرسالة سوى القوة قبل الضعف, والصدق المخبأ بين ثنايا التراجع للوراء.
    يخرجها من صومعة الكشف والبحث عن الدفء تلك الدقات الخفيفة على باب غرفتها, تتحرك لتفتح فتسمع صوت والدها يستأذن أن يدخل, تعود إلى مكانها وتنظر إلى عيون تحمل التساؤل عما يجري, ولم العزلة والصمت؟, وأين سارة وذاك الفرح والانتظار؟.
    تعانق والدها وبدون أية كلمة تلقي برأسها على كتفه تحملها الغربة والريبة نحو ضعف, فتجهش بالبكاء. يبتعد والدها ليسألها عما حصل, فتشير إلى الرسالة الملقاة على طرف السرير.
    يأخذ الرسالة ويقرأ, وكأنه الاختناق حين بدأت يداه ترتعش, ثم تتسارع الأنفاس وكأن العقل يرفض ما تحمله الحياة من أمور بائسة, حين يتطاول الحزن والألم على دروب الأبرياء. يرفع عينيه عن ما كان يقرأ من أمور هي آخر ما يتوقع, نظر إلى ابنته وقال:
    نعم, قرأت ما في الرسالة, ولكني مثلك يا ابنتي مصاب بالصدمة, فلست أفهم ما تعنيه تلك الجملة حين يقول أحمد, " فأنا لا أقدر على تلك البيئة ولا على التخلي عن حقيقتي " هي كلمات تحمل القسوة, ولا تملك أي منطق لعقل, وخصوصاً وأن الكلام يتوجه لفتاة كانت يوم ما حلماً. ومنتهى التناقض حين قال, " فأنا لا أملك إلا التراجع رغم أنك الشوق ومنك استبقي الرؤى ", لا أظن بأن هذه الرسالة اعتذار أبداً, فليس أحمد ذاك الذي قابلته في الصيف هو من يملك القسوة والمحدودية في التفكير وفي القرار. ولكني أبحث عن سبب لما يحصل, ولا أجد أي منطق يحمله على أن يقول ما جاء في الرسالة. على كل حال صدقيني يا ابنتي أرى بأن أموراً أقوى منه هي ما جعلته يكتب ذلك و يتراجع عن العودة إلى هنا, ولا أعلم ما هي. لا نملك سوى التريث حتى يأتي موعد حضوره, فالعطلة أصبحت قريبة ولا بد أن هناك تفسير لما يحدث, ربما تعود به الأيام القادمة, فأنا لازلت أثق بكلام الرجل في المنارة, و أعلم بأن هناك أموراً تأتي على الإنسان تجعله عديم القدرة على تحقيق ما يريد, أحياناً يكون الضعف وكثيراً ما يكون القهر.
    كانت سارة تستمع لما يقوله والدها وكأنها هي الأخرى تحمل في أعماقها أعذاراً لأحمد رغم الألم والخيبة, فهي تتمنى لو يكون حديث والدها صحيحاً, فيعود أحمد بأي تبرير لرسالة متسرعة تحكمها ظروف لا تفهمها. التفتت إلى والدها وقالت:
    لا بأس يا أبي ولا تقلق علي, فأنا لازلت أحتمل وسأكون قوية. ولكني مثلك أشعر بالحيرة مما يحصل ويملكني الحزن, تعلم بأني أحببته ووجدت فيه ما كنت أنتظره من هذه الحياة.
    لا أعلم من منا يجب أن يواسي الآخر, لأني بدأت أشعر بالهزيمة, طول عمري وأنا خاضع لوالدتك ولا أملك أي دافع حقيقي يجعلني قادراً على أن أقف في وجهها, كنت قابعاً خلف الندم وصبرت من أجلك ومن أجل أن أراك يوماً ما سعيدة, وعندما جاءت الفرصة كي أحقق لك شيئاً من السعادة, وقفت في وجهها لأول مرة وأحسست بالانتصار, لأني استطعت أن أتخذ القرار المناسب من أجلك أنت. ولكن لسوء الحظ , وحتى عندما فعلت ما يتوجب علي, تنقلب الأمور لصالح تلك المرأة, وكأن الظلال تقف معها فتعجبها ابتسامتها الصفراء حين تسير الأمور كما تريدها. على كل حال لن تقف الحياة عند هذا, أعلم كم أنت حزينة وبائسة ولكن عليك أن تستمري وتكوني قوية, ولا أملك إلا أن أكون إلى جانبك ولآخر لحظة. أرجوك أن تحاولي نسيان تلك التجربة, فلعل الأيام تحمل لك تبرير لما حصل, أو أن يكون هناك شيء أفضل مما كان.
    نظرت إلى والدها وابتسمت ثم قالت:
    لا تخف علي يا أبي, يكفيني كل هذا الحنان منك, ولن أكون إلا كما تحب.
    اقترب منها وقبلها على جبينها وربت على كتفها, ثم سارع يغادر الغرفة. وما أن خرج من الباب حتى لمح زوجته تتوارى هناك في عتمة الممر وهي تسترق السمع لتلك الأحاديث, لم يعرها أي انتباه وبدون أن يلتفت, أسرع نحو غرفته وأغلق الباب.
    بقيت سارة في مكانها تفكر فيما حصل, وكأنها بدأت تشعر ببعض المواساة من نظرات والدها ونبرة الغضب تمتزج مع تقاطيع كان يرسمها القهر على وجهه وهو يتحدث معها.
    أخذت الرسالة ووضعتها في الدرج الصغير قرب سريرها, ثم سارت نحو النافذة ووقفت تتأمل حبات المطر وهي ترتطم بالزجاج, لتنساب على تلك الليلة وكأنها تمسح الألم عن قلب الفتاة الحزينة. عادت من جديد إلى سريرها, وما أن أطفأت ضوء الغرفة حتى شعرت بأنه يجب عليها أن تخرج في الصباح إلى الفندق لتبدأ السير من جديد دون أي تفكير أو إحساس. وكأنها ترسم التجرد على ملامح الأيام, حتى تستطيع أن تجد السكينة.
    يأتي الصباح, وتعود سارة لتعبر الطريق المعتاد نحو الفندق, دون أن تلتفت إلى أي مكان أو ملامح كانت تؤنسها قبل أيام. بل أصبحت تتغاضى حتى عن النظر إلى البحر. دخلت من الباب الزجاجي الكبير وعادت إلى عملها, وكأنها تريد أن تجعل من التعب والإرهاق ومن الوجوه الغريبة أغلفة تتراكم على الحزن, لعل الاختناق البارد الممل يطفئ التأجج في الأعماق. فاللحظة تتطلب غفلة روح, والقادم يتوارى خلف الصمت, لم تعد تنتظر أن يعود أحد, ولم تعد تفكر سوى بأن هناك من يحتاج لأن يراها بوضع أفضل, ألا هو والدها الذي يتابعها بصمت, ويملك لها الحنان والحب, لأنها آخر ما يملك. تبتسم له كلما رأته وكأنها تدخل إلى قلبه الطمأنينة والسلام.
    وهكذا تنقلب الفرحة إلى سلبية حين لا نبالي من كل ما تأتي به الأيام, وما أتعسها من لحظات حين تمتنع النباتات عن الإزهار أو عندما تشرق شمس الصباح مرغمة, فاليأس كما الرفض لكنه دون اعتراض عندما تكون القدرة يحكمها القدر, ولا نملك لطريقنا سوى أن نغمض العيون, حتى نقدر على السير بأمان. فالغفلة تختبئ خلف انعطافات الرؤى, حين نكون أفراداً من تكوين أرضي لا نملك أمر القرار, في أمور تفوق طاقاتنا وقدراتنا. أحيانا تأتي القسرية من أناس آخرين يمتلكون أمر المبادرة, حين يصنعون قوانين لا تخدم إلا الأقوياء, وغالبا ما تكون أموراً نسميها بالقدرية لأنها تأتي من قوة أعلى نشعر بها ونؤمن بوجودها, ولكننا لا نراها, فنستسلم للواقع المرير بسعة صدر, ونتكئ على مسميات الصبر والإيمان.
    غالبا ما نسدل الستار على الأمل, ونتغاضى عن الفرح برجع أغنية تواسي الألم, ونتابع الخطى حين يحكمنا البقاء دون جدوى.
    وتبدأ العطلة دون أن يحصل شيء, وكأن الوعد سراب يتراءى على مد البصر, وما أن نسارع نحوه حتى يتلاشى الأمل خلف حقيقة بلهاء. ونعود من جديد, ليصبح الحلم ذكرى ونفيق على نهار لا يتعدى أن يكون سوى تكرار أيام خلت, وكأنها الأصداء لترانيم قديمة باهتة لا تحمل أي جديد.
    في نفس الوقت, بينما كانت سارة تعود مرغمة إلى واقعها القديم. كان القطار أيضاً يعود ببعض من رجع الصيف, فها هو فارس يأتي إلى المدينة ليمضي الإجازة بين أهله. لم تكن تملؤه اللهفة ولا الشوق, فلقد أصبح لا يطيق البقاء في مكان كان يحمل دعوة أخيرة لتجسيد حلم قصير. ولماذا يكبر الأمل حتى يصبح نداء حقيقياً, إن لم تكن هناك بقية من العمر؟. وهل من الممكن أن يكون الصراع أزلياً بين الحزن والفرح, كما هو الحال بين الخير والشر؟, ولماذا يبقى الجانب المظلم من الحياة هو الأقوى؟. ما أقصر عمر السعادة إذا ما قيس بامتدادات الحزن على مر العصور.
    يمضي فارس بضعة أيام لا يتحدث خلالها مع أحد سوى عن أحمد وما يعانيه. وعن رؤياه الجديدة للحياة وإحداثياتها, والتي تبدو أحيانا وكأنها مليئة بالغموض. أصبح ينظر للأشياء من حوله بمنظور مغاير, فهو يمر بتجربة قاسية تجعله يخرج عن حدود البساطة إلى البحث والقلق, لمعرفة معنى التواجد. لم يعد وتلك العفوية حين ترتسم أمامه الدروب, بل أصبح يستكشف النهايات وإلى أين تؤدي, هو الآن يهاب الانغماس داخل إيقاعات الحياة اليومية دون الوقوف عند سببية الصراعات من أجل البقاء. يقف على مفترق طرق , ويحتاج إلى وقفة تأمل طويلة, حتى يقدر أن يحدد من أين والى أين يجب عليه أن يتابع, أو على ماذا سيرتكز حين يحتار بين العقل والشعور. أول ما بدأ يؤمن به, هو أنه كلما ازداد الوعي تزداد الحيرة, وتصعب أمور الحياة أكثر . فالتجربة القاسية لا تسمح بأية عفوية, وخصوصاً حين يكون الإنسان على مفترق بين الشك واليقين .
    مع أن زيارته للمدينة قصيرة إلا أنه يشعر بالملل , ويفضل أن يكون هناك قرب صديقه, فهو لا يدري متى سيكون رحيل الصداقة إلى عالم آخر. أصبح يشعر بالغثيان حين يرى البحر, وتنتابه الكآبة وهو يرقب النوافذ المضاءة والمطلة على ظلام الليل. وكأنه يصغي لكل عذابات أولئك النائمين داخل المكعبات الإسمنتية المتراكمة على امتداد الطرقات الليلية, حين يبقى البرد وصوت والريح, أسياداً لذلك الليل الطويل.
    يخرج من بيته في الصباح التالي, ويسير في طريقه نحو البحر. يريد أن ينهي المهمة التي جاء من أجلها, حتى يتمكن من العودة إلى القرية في أسرع وقت. وصل إلى التلة وبدأ يصعد نحو المنارة, ينظر حوله إلى جوانب الطريق الصاعد نحو أطراف الوعي, وإلى المقاعد المهجورة في الجو العاصف, يريد أن يتأكد من حقيقة الملامح حوله, هل هي موجودة حقا؟, أم كانت من وعي الصيف؟, وهل سيصيبها التلف حين تنتهي حكاية الحلم؟, فتحملها الريح كزوبعة من غبار يتناثر في فضاء وهمي.
    اقترب من المنارة ثم أخذ يطرق الباب الخشبي الكبير, كانت الريح قوية, وصوت البحر يزيد من وحشة المكان. لم يطل الانتظار حتى تحرك الباب نحو الداخل, وأطل الرجل ليعرف من يأتي في هذا الوقت, فالشتاء هنا لا يستقبل الغرباء أبداً.فليس هناك من يسعى كي تحمله الرياح وتلقي به بين الصخور. هكذا هي المنارة في الشتاء, تقف في وجه الظلال لتبقى أقوى من الزمن, تحمل شعلة بيضاء تنير للتائهين طريق اليابسة نحو شاطئ الأمان.
    نظر فارس إلى وجه الرجل وقال:
    صباح الخير أتسمح لي بالدخول فأنا....
    قاطعه الرجل وقال:
    صباح الخير, أسرع إلى الداخل وبعدها تكمل حديثك.
    دخل فارس إلى المنارة, وأخذ ينظر حوله ليستكشف المكان لأول مرة, فهو لم يكن يحلم يوما بأن يدخل إلى هنا. سار خلف الرجل حتى وصل إلى إحدى الغرف, كانت غرفة واسعة, وتتصدر الجدار المقابل فيها مدفأة قديمة, وعلى الجانب الآخر مكتب كبير من الخشب وبعض مقاعد الجلد. طلب منه الرجل أن يجلس قرب المدفأة حيث كان هناك مقعد ضخم وطاوله قديمة عليها بعض الأدوات الغريبة, وكأنها تخص شيئا كهذا المكان فقط , فهو لم ير مثلها من قبل. جلس في مكانه, وجاء الرجل ومعه كوب من شراب ساخن, قدمه لفارس ثم ابتسم وقال:
    الآن تستطيع أن تكمل حديثك, أليس كذلك ؟.
    أشكرك يا سيدي, هو بالفعل كما تقول, ولكني أردت أن أعرفك بنفسي.
    تفضل.
    اسمي فارس وأنا من سكان هذه المدينة, ولكني أعمل مدرساً في مكان بعيد, جئت إلى هنا في زيارة قصيرة, فهي عطلة نصف السنة الدراسية وما حملني على أن آتي إلى هنا فهي رسالة من صديق لك, كان قد زار المكان في الصيف الماضي واسمه أحمد, مدرس يعمل معي في نفس المدرسة ومن سكان تلك القرية البعيدة. هل تذكرته يا سيدي؟
    طبعا تذكرته, كيف حاله ولماذا لم يأت معك؟. فأنا بـانتظار أن يأتي في هذا الوقت من السنة إلى المدينة.
    إذاً عرفته. وتذكر قصة الحلم وتلك الفتاة سارة؟.
    وكيف سأنسى أموراً كهذه. كانت قصة غريبة بالفعل, ولكن أخبرني لماذا لم يأت معك؟.
    بدأ يتحدث للرجل عن كل ما حصل منذ أن غادر أحمد المدينة ولغاية اللحظة, وأخبره عن رسالة أحمد إلى سارة وحدثه عن المهمة التي وكل بها. وهي بأن يبلغ الرجل بكل ما حصل, وبما يطلبه منه أي أن يكتم الأمر عن سارة ويساعدها على النسيان .
    أسقط الرجل رأسه بين كفيه, وغرق في سبات وكأنه يستعيد ذاكرة الصيف من بين أصوات البحر الهادرة, ثم رفع رأسه وهو ينظر بعيون مضطربة نحو فارس ثم قال:
    لا أكاد أصدق ما أسمع, كيف يحصل كل هذا في فترة قصيرة. يا لتعاسة الفتاة المسكينة, وكم يؤسف ما يحصل لذلك الشاب الرائع. أذكره جيداً, فقد كان مفعما بالحيوية والشباب.
    للأسف هذا ما حصل, ولا نملك أن نغير من الأمر شيئاً, فهي أمور قدرية على ما أظن.
    وقف الرجل في مكانه وأخذ يسير في الغرفة دون أن يتحدث بأي شيء, ثم أخذ يضع الحطب في المدفأة. بعد ذلك جلس على الأرض يحدق في اللهب المتصاعد, واستمر على الحال حتى ظننته قد نسي بأن فارس يجلس خلفه, أو كأنه كان يتمنى لو انه لم يأت إليه بهذا الخبر الحزين. بعدها أطلق زفرة عميقة, وكأنها تخرج من قهر قديم يقبع في أعماق لا تهدأ فيها الروح, ثم بدأ يتمتم بأمور مبهمة لم يفهم منها شيء. بعد ذلك استدار وهو يحمل في يده قضيب النار, ثم قام بغرزه في قطعة من الحطب قرب المدفأة وقال:
    منذ أن بدأ الخريف لم تعد سارة إلى هنا, ولم أسأل عنها منذ ذلك اليوم. كنت مطمئناً على الفتاة حين رأيت السعادة ترتسم على عينيها. أتمنى لو كنت استطيع أن اذهب معك إلى القرية كي أزور الشاب, ولكني وللأسف الشديد عالق داخل هذا المكان, ولا أستطيع أن أغادره في هذا الوقت. في الماضي كنت من اختار البقاء في هذه المنارة حين قررت أن أكون قرب البحر, ولكن لم أكن أعلم بأني سأصبح أسيراً مثقلا بالحديد حين أحتاج لأن أغادر إلى مكان آخر. كم يجب أن أكون قربه, ففي هذا الوقت هو على أبواب سفر نحو حقيقة تنعتق فيها الروح من ثقل الجسد وأعبائه, هو يعرف عن أي شيء أتحدث, فلقد كان من نوع آخر يختلف عن جميع من صادفتهم خلال هذا العمر الذي أمضيته بين البحر واليابسة. لذلك يحزنني بأنه لن يأخذ معه بعضاً مما كان يتمناه من سكينة لتلك الروح القلقة. الحب النقي هو جزء من الفضيلة التي تبحث عنها الروح على الأرض, وهي القوة المرجوة حين يحين موعد الرحيل إلى عالم لا تحكمه الغريزة ولا الرغبة .
    توقف عن المتابعة ثم عاد يقول:
    اسمع يا بني أريدك أن تبلغه أمنياتي بالشفاء, وأخبره بأن يطمئن فلن يكون الأمر إلا كما يريد, مع أني أفضل أن أخبر سارة بالأمر فهو قرارها هي, ولكن لا بأس.
    أشكرك يا سيدي, واسمح لي أن أغادر الآن, فأمامي طريق طويل نحو البيت, وأريد أن أتجهز للسفر في صباح الغد.
    كما تريد يا بني, ولكن أرجوك أن تقول لأحمد بأني أشعر به. واعلم كم يعاني من ألم وحزن, فهي الولادة الصعبة حين نخرج إلى عالم آخر قبل الأوان. لكنها الطريق نحو أطراف الأرض اليابسة, حين نقترب من الشاطئ وندوس بأقدامنا على الرمال الناعمة. وأخبره بأننا لن نقدر أن نعوم في البحر الواسع ونحن نرتدي تلك الثياب البالية, فهي تثقل الروح نحو قاع معتم. ما أجمل أن نخلع الرداء, لأنه مثقل بغبار وأشياء تعلق في الثنايا, أحياناً نبحث عن القدرة لان نعوم, ولكنه بحر واسع بلا ماء ولا موج, فهو على أطراف كل الأرض, وهناك تكمن القدرة على الصمت وفي الإصغاء, وعلينا أن نتقن ذلك, حين نغفل عن الحواس ونفارق الرغبة. فما للأرض يبقى وما للسماء يسكن في أعماق الروح. أخبره بأني أشعر به, وأعلم كم يتقن الإصغاء, فحديثه القديم هنا كان يخرج من صمت الرغبة, وذاك القلق كان بمثابة الولادة لتلك الروح النقية. وأخبره بأني سألتقي به هناك, ففي البحر أعماق معتمة وظلال, ومثلي معتاد على إضاءة الدرب بضوء أبيض. ففي العالم الآخر منارات ورجال يقفون على الأطراف. أخبره بأني أشعر به, وأعلم كم هو صعب أن لا يكتمل الحلم, ولكننا يا بني نملك أرواحاً تبقى ولا تغادر حتى تلملم الفضيلة, فلذاك البحر جزر انتظار, وهمس يحمله الصمت إلى أي مكان. فما للأرض يبقى وما في السماء تنتظره الروح النقية.
    كأني أفهم ما تقول. فأنا أقف على مفترق بين المعرفة والجهل, ولكن من الأفضل لو تكتب له ما قلت, فأنا لا أقدر أن أكون مثلك. وكما قلت لك لازلت على مفترق.
    ابتسم الرجل وعاد ليكتب ما قاله في رسالة, أخذها فارس وودع الرجل. ثم عاد إلى بيته في ذلك اليوم, وبدأ يحضر أشياءه ليعود في الصباح إلى القرية, كان وكأنه يودع كل ما حوله, فهو يحمل في داخله قراراً لم يكتمل, فهو يخرج من عالم مفروض إلى اختيار جديد ومن نوع آخر. أمضى الليل وهو يعيد قراءة كلمات الرجل, يحاول أن يبحث عن علامات تدله على الطريق, فالضباب يغطي الملامح حول المفترق.
    غادر نحو القرية في الصباح, وكأنه يخرج من كابوس ليلي طويل. أصبح لا يعرف معنى التواصل مع الأشياء الموروثة, وكأنها كانت تخص شخصا آخر. هل هي تخص الجسد؟, وهل هي بعض من الذكريات الباقية قبل أن يأتي هذا الحائر إلى السكن في بقايا فارس القديم؟. هو لا يعرف, ولا يستطيع التأكد من شيء, ولكنها ملامح الرحيل عن واقع أصبح يثقل الروح.
    * لست أدري أتكون خطيئة حين نمارس التمرد على الموروثات, ونبدأ في صنع تشكيلة جديدة . أظنه النضوج والمعرفة حين نجرؤ على الانعتاق من التمسك بجدران الطفولة, ونسير في دروب ترسمها الفكرة, حين نصبح أرواحا قلقه. فلا مجال للتراجع أبداً حين يختار الوعي ملامح الطرقات الجديدة, والتي تسير بنا هي الأخرى نحو زمن مجهول, ولكن بكل التحفز واليقظة.*
    كان هذا بعضا من حديث الليل للعربات السائرة, وهي تعبر الأماكن والأزمنة نحو أرض جديدة, وتحملنا في داخل جسد من حديد صلب, لنصل إلى معرفة جديدة. وكأن القرية صارت من ملامح الزمن القادم, أو كأنها تقف هي الأخرى على أطراف الوعي.
    الفصل الرابع ..... رقصات وهمية
    يصل فارس إلى القرية في مساء يوم غائم وكئيب, لكنه يشعر بالسرور لتلك العودة, فهو لم يعد يحتمل البقاء في المدينة أكثر, وخصوصاً حين يكون البحر سيد الأفق. وأصبح لا يطيق الاندماج مع الأمور المعتادة, وكأنها صور تعلق في الذاكرة عن أمور لا تعني أبدا سوى أنها تأثيرات أماكن فرضتها الطفولة والانتماء الاجتماعي, دون أن تلامس الانعتاق نحو رؤية أشمل لمعنى التواجد. فالحياة لها آفاق أوسع وأشمل من البقاء داخل الرحم المفترض. نزل من الحافلة يتجه نحو المقهى, فهو أول مكان يصادفك في درب العودة إلى القرية, وهناك تأخذ في التأقلم مع التغيرات, خصوصاً إذا كنت بلا انتماءات للمكان, سوى ما تمارسه التجربة القاسية, والتي تسارع نحو الأعماق منك, وكأنها تلتصق على جدار الذاكرة لكي تصنع صيغة جديدة لتلك التصورات, وللإحساس بالأعماق أكثر من السابق. كان فارس في السابق مجرد تكرار لأشخاص يعبرون العمر نحو فناء, مجرد تكاثر لا أكثر, لكنه الآن لا يريد إلا أن يراقب الأحداث من خلف زجاج, حتى يكتشف من يكون, وإلى أين تؤدي به الدروب.
    قبل أن يدخل للمقهى سارع إليه عزيز مرحباً وقال له:
    أهلا أستاذ فارس.
    أهلا يا عزيز. ما بك, أراك مضطرباً, هل هناك أمر ما؟.
    أجل, لقد أحضرت الطبيب لأحمد اليوم عدة مرات, هو في حالة صعبة من الألم. لم أستطع أن أدخل لأراه, ولكني علمت بذلك من الطبيب.
    متى حصل ذلك؟
    منذ يومين, بدأت حالته تزداد سوءا,ً وقد زاره العديد من أهل القرية, والطبيب لم يفارقه بالأمس.
    حسنا سأذهب إليه الآن, واتبعني إن شئت أن تراه.
    سآتي بعد أن ابلغ صاحب المقهى.
    دخل فارس إلى بيت أحمد. كانت والدته قلقة جدا وحزينة, وعندما رأت فارساً أخذت تبكي وقالت:
    تفضل إنه في غرفته وقد سأل عنك كثيراً هذا اليوم .
    دخل فارس إلى غرفته فوجده على السرير, كانت عيونه تنظر إلى الدنيا من عالم آخر. وجهه أصفر ونحيل, ويده باردة ترتعش حين أمسك بيد فارس. وخرجت دمعة على الوجه المتعب حين رأى صديقه. لكنه ابتسم وكأنها الشمس قبل أن تغرب خلف أفق المساء وسأل فارساً:
    أهلا بك يا صديقي, أنا سعيد لأنك عدت. خفت أن أغادر قبل أن أراك.
    لا عليك, لم أستطع أن أبقى هناك وأتركك وحدك. كيف حالك ؟.
    بخير, ولكن قل لي, هل رأيت سارة؟.
    لم أر سارة, ولكني قابلت الرجل وأخبرته بكل ما طلبته مني, وأنا أحمل لك رسالة منه .
    صحيح, أين هي؟, ولكن قل لي هل غضب حين علم برسالتي إلى سارة؟.
    لا أبدا, لقد تفهم الوضع وهو حزين من أجلك جداً, وتمنى لو يستطيع أن يأتي معي ليزورك, لكنه لا يقدر أن يغادر المنارة وخصوصا في هذا الوقت من السنة.
    جلس في سريره, وكأن الألم لم يكن حين رأى صديقه وحين رأى الرسالة. أخذها وبدأ يقرأ ما كتبه الرجل, كانت الدمعة تخرج من عيونه ولكنه يتبعها بابتسامة صغيرة.
    أنهى الرسالة ونظر إلى صديقه فارس وقال له:
    كم أنا سعيد بكم, وكم يحزنني فراقكم, ولكنه أمر الله. كنت بحاجة إلى كلمات الرجل حتى أستريح, و أشعر بالقلق والخوف لأني أجلس وحدي دون أن أقدر على فعل شيء سوى الصبر على الألم . وها أنا الآن أعود إلى الراحة والسكينة.
    ما أن أكمل كلامه حتى دخل عزيز إلى الغرفة. كان خجولاً وحائراً لا يدري ما يفعل. اقترب من أحمد وامسك يده ثم اخذ يبكي ويقول:
    سلامتك, كيف حالك اليوم.
    بخير.
    أرجو لك الشفاء, وأتمنى أن تعود إلينا من جديد وينتهي هذا المرض. قال لي الطبيب بأن الشفاء ممكن.
    أهلا بك يا عزيز, تعال قربي واجلس على السرير. لو تعلم كم أحبك وكم أشتاق لجلساتك, ولكني كما ترى لا أستطيع أن آتي إلى المقهى كالسابق.
    نظر احمد إلى فارس وقال:
    اسمع يا صديقي, أريدك أن تحافظ على صداقتك مع عزيز. فهو شاب جيد وأحبه جداً, لن أبقى بينكم أكثر, لذلك أوصيك أن تعطي مفتاح الكوخ إلى عزيز فهو قد أحب المكان هناك, وأطلب منك أن تدفنني تحت الشجرة الأم. أخبرت والدتي أيضا لأني عندما كنت في الكوخ آخر مرة حلمت بذلك, ولا يوجد مكان أفضل من أن أكون قرب الغابة وتحت تلك الشجرة. كم تمنيت في السابق أن أكون على أطراف الأرض مثل أولئك الرجال الذين عرفتهم ولكن لا فرق. فأحيانا يكون الاختيار مسبق بقرار من إرادة أقوى .
    ما هذا الكلام, تمهل يا صديقي لا أحد يعرف متى يموت. ربما يكون الشفاء من هذا المرض اللعين, وتعود إلى حياتك العادية بأفضل من السابق. ولا أريد أن أقول لك بأن تضع الإيمان بين عيونك, فأنا أعرف أنك إنسان مؤمن وتعرف بأن الحياة بيد الخالق .
    أعرف يا صديقي, لكني أحببت أن أوصيك بذلك قبل أن أموت. وكما قلت لك نحن نأتي إلى الأرض, ونملك بداخلنا روحاً تحمل معنى التواجد, والى أين تسير.ولكن الأغلبية تفقد هذه الروح في منتصف الطريق. وتبقى الأجساد لتكمل المشوار بنبض القلب, وبانعكاسات تأتي إلى العقل عن طريق الحواس.وتتشكل في أعماقنا أمور وهمية نسميها في أغلب الأحيان الأنا البشرية, تلك التي سرعان ما تزول مع زوال الجسد.ولكن صدقني, فأنا لازلت أملك تلك الروح, ولست بخائف من الرحيل. ولكن ما يحزنني هو أني سأفتقد أناساً أعزاء على قلبي وروحي.
    خيم الصمت على الوجوه, ولم يعد هناك ما يقال. فابتسم أحمد ونظر إلى فارس وقال له:
    اسمع, أتريد أن اقرأ لك آخر ما كتبت. هي كلمات ما قبل الرحيل؟
    كم أتمنى أن أسمع منك شيئاً جديداً, فأنا بحاجة إلى أن أعرف أكثر .
    إذا أرجوك أن تصغي دون ملل فهي طويلة جداً.
    بدأ يقرأ, وكانت كلمات تخرج من وعي لا يحكمه الجسد أبداً حين قال:
    صغير لا أطير
    الغيوم دخلت عقلي
    وزمن الثلج مدينة ملأى بأعشاش طيور
    تتراكم كصراخ وكلام
    وكريح تهدل بصوت حمام واستغاثة
    وسماء تمطر أطفالاً بلا عيون صغيرة
    وأجساد تركع للموج
    وتبيع الظلم على الطرقات
    وينامون على الطرقات ليبدأوا من جديد صنع الأقنعة
    وآخرون قادمون بلا وجوه
    وكلهم يفهمون معنى الصراخ
    وتغيب وجوههم خلف قناع
    كنت صغيراً ومن وعي آخر
    فوجهي لا يحتمل الاختباء .
    حلقت فوق الخوف
    حجم الأشياء توارى عني
    زيف أن تنظر من أعلى
    فالألوان بعيدة والضوء بلا مساقط
    حكمت على أجنحتي معانقة الريح
    وضربت منطق السقوط بإرادتي الصغيرة
    ابتعدت, ورأيت الجبل في المرآة
    ظننته أنا, لولا اختلاف لون العيون.
    أكنت هناك؟
    أم خرجت من زمن آخر.
    نسيت معنى الأشياء ومعنى المكان .
    غادرت وبصوت أجنحتي تضرب أشباح الشكل الساقط
    وتركت عيوني تسدل الستار على فصول المسرحية
    بدأت من عقلي صنع وجودي .
    لم أعد صغيراً
    حلقت بعيدا حتى بلغت شيخوخة الزمن.
    ونهايات الأماكن صارت وطن .
    أصبحت الأمور أوضح
    رأيت رؤوس القمم تنمو من قاع الوديان
    المنظر رائع .
    أرى العالم ينمو بشكل آخر أكثر تكاملاً
    صرت كمن يتمدد على بساط الكون
    تساوت الصور وتوحدت الألوان
    شعرت بالبرد دفئاً
    وبالكره حباً وبالموت حياة
    والنور كما الظلام يداعب منطق الملامح
    لن أدخل منطقا لا يحمل وشماً
    فلا ذراعي موشوم ولا جبيني ذاكرة
    فعلى جبيني لا ينبت قانون الأقنعة
    الآن أيقنت بأني يجب أن أكون
    وأكون إذا نقشت على روحي ملامحي
    عندها لن أضيع وأصبح مفقوداً
    فدفاتر الكون ستحمل اسمي الجديد
    ولن يحملني التيه وأغفو عندما تتلاشى العيون ويصبح اللون فكرة
    يجب أن أعرف من جديد
    ففي زمن قادم لن نملك الملامح القديمة
    سأنقش على الروح تساؤلي وصمتي الطويل وحلم
    الآن أغادر, أعود إلى وعي وأقدام
    وساعتي وأقلام ودفتر
    عدت لأقول الكثير
    زرعت حدائقي ولففت سياجاً
    لا أحب أرجل الغرباء بأرضي
    لكن السياج لف حولي وابتعد الوعي وورد الحديقة
    أصبحت مطوقاً بسياج وسنين وعيون
    ملل وأفواه بشر
    وحدائقي مرسومة على كفي
    وحيد مع كل ذاك الحشد مطوق وشريد
    وحلمت كثيراً
    أمام المرآة أحلم
    عالم المرآة مغاير .
    أعشق أن أشم الريح
    فلقد ضربت بأجنحتي منطق السقوط .
    الجليد عانق المرآة
    وعيوني مرآه وحديثي قديم
    وقصائدي ليست فساتين صبية
    قصائدي إن غضبت تهترئ الأحرف القديمة فيها وتصبح شاحبة.
    فقصائدي لا تحب النرجسية
    الطيور خرجت تلتهم المكان
    والتفت من جديد لأي جديد
    تعودت إحساس السياج قليلا
    وكرهت العشب
    العشب أيضا ينمو سياج
    تعبت, فكم مررت عني وكم تحركت وسط جمود الكون
    وتعودين إلى الحديث الآخر صامتة
    حياتي مد وجزر وكأني أصبحت بحراً
    ولا أزال ومرآتي وعيوني
    وحديثا قديما كان قهراً
    فظلام شموعي لا يشعلها شرر
    كرهت الشتاء برد انتظار
    وصبري صار أوراقا مشرعة بمطر
    أيعود وعي الآخرين؟
    فأنا أخبئ الفرسان خلف ستار
    وأخبئ القمر
    والعيد في مملكتي معلق على جدار
    والكل في مملكتي ينتظر القرار
    وأنا محكوم بضجر
    كم لمت المنبت والمصير ولا أدري من ألوم
    انتم ... أنا ... أم القدر
    أيعود وعي الآخرين؟
    فأنا أخبئ الكثير عن الزمن المغدور
    وعن معنى الصور
    أم زماننا القادم أيضا مرجوم بحجر.
    * أنهى قراءته لتلك الكلمات السحرية وكأنها تأتي من إيقاعات زمن آخر, وبقيت أستمع حتى انتهى. أحسست بأنه يشعر بالتعب وببعض القهر النائم خلف الحكمة والصبر*. غادر فارس في تلك الليلة مع عزيز, كان يملك إحساساً لا يعرف كنهه, وهو بأن الكلمات هي آخر ما تبقى, ولن يكون هناك سوى الراحة الأبدية من الألم ومن الثقل الأرضي, حين تعود الروح إلى البحر الواسع كما قال رجل المنارة .
    تغيب القرية تحت ظلال الضباب المحيط وبكل ما يغفو تحت عتمة الليل الحزين, وتعود الريح إلى سفر نحو بحر وأشرعة, تتضارب تحتها الأمواج في جو عاصف, حين بدأ النهار في تلك المدينة على البحر. تخرج سارة من البيت وهي ترتدي الصمت, وتغادر نحو الفندق لتبدأ نهاراً آخر من متتاليات الزمن المتشكل كعناقيد خرزية, تلك التي فقدت ألوانها الزاهية, لتصبغ الأشياء بلون السحب الرمادية المتراكمة فوق الأفق. تدخل الفندق ولكنها تواجه بابتسامة عريضة, وملونة بألوان تفرضها الفكرة والرغبة, حين تتقدم نحوها والدتها لتخبرها عن الشاب الذي لازال مصراً على الزواج منها, أخذت تصف لها المستقبل المفروش بالورود الاصطناعية الباردة. كانت سارة تستمع للحديث, وكأنه قادم من أسفل الدرجات المؤدية إلى قبو الفندق المعتم العفن, لكنها استمرت بالإصغاء حتى قالت لوالدتها :
    يكفي عرفت ما تريدين, ولكن أي منهم هو الذي تقدم لطلبي؟.
    تعرفينه, هو ذاك الشاب اللطيف, وتعرفين عائلته أيضا, فهو ابن التاجر الغني ووالدته من أرقى العائلات في المدينة.
    حسنا سمعت كل شيء, ولكن دعيني أفكر بالأمر ثم أرد عليك.
    لم تكمل ما كانت تريد أن تقوله لوالدتها, بل خرجت بخيالها نحو المنارة والصيف, ثم عادت وهي تقول في نفسها "سامحك الله يا أحمد". واستدارت نحو والدتها وقالت:
    انتهى, لقد فكرت وقررت .
    وماذا قررت؟.
    دعيه يأتي لأتحدث معه, وأظنه أفضل من الآخرين, سأتزوج وأريحك من القلق الدائر في عقلك.
    آه كم أنا سعيدة بما أسمع, الآن أنت ابنتي حقا. كنت أعلم بأنك ستعيدين التفكير بالأمر جيداً, وتتخذين القرار المناسب لك ولمستقبلك .
    حسنا, ولكن دعيني أعود إلى عملي الآن.
    عادت سارة إلى عملها, واستمرت بها الأيام إلى قدر لا تطيقه. ولكنها لا تناقش أي شيء ولا تعترض, يؤلمها جداً أن تبقى مع الخيبة والضعف, ولكنها تحاول أن تصنع من الأحداث أغلفة على الماضي وبأي ثمن كان, وكأنه الانتحار. كان والدها يعلم بأنها تمارس ذاك الجلد لنفسها ولمصيرها, ولكنه يعلم أيضا بأنها كبرت وقاربت الثلاثين من العمر, ولا مجال إلى انتظار آخر. ولعل الأيام القادمة تحمل لها بعضا من السعادة والرضا, فهو لا يملك أي حل آخر.
    أخذت تسير بها الأيام نحو حياة جديدة ورجل من نوع آخر, لا يفقه معنى الحب ولا يملك من الإنسانية سوى الجسد. يتباهى بالمال ويعلن دون أي حرج بأنه قد حصل على أجمل فتاة في المدينة, فهي حسب معطياته ستكون نوعاً من تكميل الرونق, لبيت ثري ورصيد وافر, فهي امرأة جميلة تليق بتلك البوابة الفخمة لبيته الأنيق .
    تتسارع الأيام نحو التحضير للزواج, وتوافق سارة على أي شيء وكل شيء. لكنها ترفض أن ترافقه للبحر, ولا عبر الطرقات نحو البيت, أو نحو الفندق. هناك يقف العقل بلا عيون ولا إصغاء, فهي تخضع للحياة ولكنها لا تملك أن تخدش الرؤيا ولا الذكريات.
    ويحين الموعد ولم تعد تهدأ الحركة في البيت أبداً, فالجميع منشغلون بالتحضيرات, مع أن الحفلة ستكون في الفندق, لكنها مراسيم فستان العرس وصديقات والدتها اللواتي بدأن يتوافدن حتى يظهرن الفرح المصطنع, وبعض صديقات سارة, جئن لكي يساعدنها في أمور التحضير. كانت والدة سارة أكثر الجميع اهتماماً بشكليات المناسبة, وخصوصاً ذاك الاهتمام بأن تكون الدعوات قد وصلت إلى جميع معارفها من العائلات الراقية في مجتمع المدينة. أما سارة فقد كانت تسير بين الفوضى, وكأنها طفل صغير ينظر بعيون فزعة لتلك الوجوه التي كانت تنظر إلى عروس الغد, بقيت على وتيرة السير أثناء النوم وكأنها كذلك حتى اقترب المساء. حينها أحست برعشة من البرد, فنظرت من إحدى نوافذ البيت نحو الطرقات, كانت الأشجار تعارك ارتحال الريح نحو لاشيء, ولكنها تصمد قابعة بجذورها على أرصفة الطرقات المبتلة. أخذت تنظر إلى ما حولها وفجأة اقتربت من الباب, وبدون أن يشعر أحد ممن يملؤون البيت حركة وضجيجا غادرت نحو الطرقات, واتجهت إلى مكان لم تصله منذ زمن الصيف, أخذت تسرع الخطى حتى وجدت سيارة أقلتها إلى المنارة.
    كانت تنظر حولها إلى النباتات القابعة على جوانب الدرب المؤدي نحو عالم صار في وجع الذكريات الماضية, لم تكن الأزهار أو عبق الصيف بانتظارها هناك ولا همس حديث دافئ, ولا فرح أو انتظار, بل كانت الريح تسافر نحو عالم مجهول وهي تتسارع كالجنون. اقتربت من باب المنارة وأخذت تطرق الباب الكبير, حتى خرج الرجل, فرآها على هذه الحالة من الفرار والالتجاء نحو أي شيء.
    دخلت المبنى واستقرت على المقعد قرب المدفأة, ونظرت إلى عيون الرجل وقالت:
    غبت عنك طويلاً, أليس كذلك؟.
    نعم, ولكن كيف أنت؟, بخير؟.
    أنا بخير ولكن .... لست أدري .
    لماذا اتيت في هذا الجو العاصف؟, وكأنك تهربين نحو البرد من الدفء هناك.
    أجل هو كما تقول, أنا أهرب من الدفء إلى كل البرد والغربة والقهر. جئت لكي أقول لك عما حصل معي, والى أين وصلت بي الأمور, فهو شبه انتحار ما أنا عليه الآن.
    أخبريني ماذا حصل؟
    قبل فترة جاءت رسالة من أحمد يعتذر فيها عن العودة إلى هنا, وكأنه لم يكن يحمل في أعماقه ذاكرة الصيف. وفهمت بأنه لن يعود, وكأن هناك أموراً حصلت جعلته يغير رأيه عن الحب و الحلم, هل هو الضعف أم الخيبة حين لم يقدر على أن يكون بحجم الوعد, لست أدري. تحدث في رسالته عن الحب وعن الشوق, ولكنه لا يملك الأمر بأن يكون, وكأنها الحياة تجبره على أن يتنازل عن الأمنيات. لماذا لست أدري. على كل حال يجعلني الوقت أتغاضى عن الانتظار, فأنا لا أملك أن أستمر, شعرت بالحزن وخيبة الأمل, وسارعت إلى الحياة بكل ما فيها لأحاول أن أنسى, ولكني للصدق لم أنس أحمد, ولن أقسو عليه كما فعل.
    استمرت في حديثها وهي تشرح للرجل عن ما حصل معها ولغاية هذه اللحظة, وأخبرته بأنها الآن تشعر وكأن البرد والغربة في كل الأماكن, حتى قرب تلك المدفأة. هوا لدفء يغادر العالم, ولا يبقى سوى الريح وحزن يسكن في الأعماق. مع أن يوم الزفاف قد اقترب, وجميعهم هناك ينتظرون سارة ويملؤهم الفرح حين تصبح عروس الشتاء. فلقد هيأت والدتها الأمور بسرعة حتى لا تتراجع سارة أو تغير رأيها.
    أحصل كل ذلك خلال تلك الفترة القصيرة؟, ما أغرب الحياة, أحيانا تمر السنون ولا يتجدد شيء أبداً, وتبقى الأمور كما التراكم أمام محطة الانتظار. وأحيانا تأتي الشمس في الصباح بكل ما اختبأ خلف الصمت, وكأن الأرض تفرغ ما تحمله بين ثناياها من أحداث, وكأنها ستغادر إلى فلك آخر. كم يؤسفني ما أسمع يا ابنتي. ولكننا لا نملك أمر الاختيار, فلعل هناك عذر لذلك الشاب فيما يقول. على كل حال أهنئك على الزواج وأتمنى لك السعادة .
    للأسف ليس من أجل ذلك جئت إليك, ولكني أحببت أن أخبرك بما حصل, فلعلك تعرف أموراً لا أعرفها أنا. لازلت أشعر بالريبة منذ أن رأيت النوارس تسقط في البحر.
    أية نوارس؟.
    في ذلك الصيف حين كنت مع أحمد على الشاطئ, نظرت إلى البحر, فرأيت أسراباً من الطيور المهاجرة تقترب, وفجأة تسقط في البحر ويبتلعها الموج.
    وأنا يا ابنتي أيضا كنت في يوم من الأيام أشعر بالخوف وبالريبة, فجلست أمام البحر ورأيت أحد المراكب الباقية هناك, وكأنه سيغادر ولن يعود. لم أدري لم راودني الإحساس وقتها, وقد أخبرت أحمد بذلك وأوصيته أن لا يكون كتلك المراكب التي تغادر ولا تعود.
    جئت إليك لتخبرني ماذا أفعل؟. بعد أيام سيكون زفافي, وهو يوم ستنتهي به سارة إلى الأبد. يريد أن يسافر بي من هذه المدينة نحو البحر إلى مكان آخر, ولا أدري متى أعود. كنت قد استسلمت للأمر, ولكني فزعت حين شاهدت أغصان الأشجار على الرصيف وهي تصمد في وجه الريح, فلم أتمالك نفسي وجئت إليك لعلي أجد عندك النصح, أو الراحة مما أنا فيه الآن.
    هل قلت بأن الطيور كانت تسقط في البحر؟.
    أجل.
    وأيضا أحمد, هو الآخر سيسقط في بحر واسع.
    ما تعني بذلك؟.
    لم يكن أحمد ليعتذر لسارة أبدا, ولا من ذاك النوع الذي يخدش الرؤيا. جاءني صديقه منذ مدة وأخبرني بأمور عن أحمد وسبب اعتذاره.
    نظرت إليه سارة بعيون فزعة, وكأنها تنتظر من يخرجها من دوامة التيه ثم قالت:
    معنى ذلك بأنك تعرف عنه. هل هناك أمر غير ما كان في رسالة الاعتذار؟.
    نعم هناك أمور أخرى, وتلك الرسالة كانت تضحية من شاب لم يحب لك أن تتعذبي معه, فهو لن يقدر أن يعود ولا أن يفي بوعده أبداً.
    كيف بالله عليك؟.
    أحمد يا ابنتي , بعد أن غادر في ذاك الصيف, أصيب بمرض خطير, وهو يعاني من ورم في الرأس, وقد ظهر معه المرض في آخر مراحله. أي في مرحلة متأخرة, وهو الآن يصارع المرض حتى يكتب الله أمراً آخر.
    وقفت سارة في مكانها ثم شهقت, وكأن عذابات الأرض تخرج من عيونها, ومن صوت يكاد يختنق حين نظرت إلى الرجل وقالت له:
    سامحك الله, لماذا لم تخبرني بذلك حين عرفت؟. ألست ابنتك كما تقول؟. من هو أحق مني كي يكون معه في ظروفه الصعبة؟, ومن له الحق بأن يحزن؟, وأنا هنا أهيئ نفسي لزفاف بائس وأتركه يصارع المرض هناك؟.
    كنت أريد أن أخبرك, وأن لا أخبئ عنك شيئا, لكنها وصيته. هو من أرسل صديقه لكي يطلب مني أن لا أخبرك بشيء, كان يريد لك أن تقسي عليه وأن تنسيه مع الوقت, حتى يتسنى لك أن تعيشي حياة هادئة وسعيدة بعد ذلك.
    وهل سأكون سعيدة حين أفقد الأمل والثقة في الحب وفي الخير؟. بل هي منتهى التعاسة حين نخرج من الفرح إلى خيبة وضعف, عندها نفقد الأمل بمن هم حولنا ونتوه بين ظلال الآخرين, ونسير وراء منطق آخر لا يعني لنا أي شيء .
    اعذريني يا ابنتي, ولكني مثلك سقطت من هول الخبر, ومسني الحزن حتى أنني لم أعد أملك القرار في اختيار ما يجب علي أن افعل, لكنها رغبته. أحببت أن أكون كما يريد, وخصوصاً حين أعلم بأنه سيفارق هذه الحياة في أية لحظة.
    تركته سارة يتحدث ولم تعد تستمع لشيء ثم قالت:
    وماذا أفعل الآن؟.
    ألم تقولي بأنك رأيت النوارس تسقط في البحر؟.
    أجل.
    إذا عودي إلى أحمد في تلك القرية هناك وابق إلى جانبه, وعسى أن يشفيه الله من المرض.
    قامت سارة من مكانها واستأذنت وهي تأخذ في أعماقها قراراً لا رجعة عنه أبداً.
    عادت إلى البيت وهي حزينة, ولا تملك من بقاؤها مع ما حولها سوى ردائها المبلل بالمطر, لم يكن هناك سوى البعض ممن كانوا, وكأن غيابها لم يشعر به أحد. فقد كان الجميع منهمكين في التحضير لتلك الأمسية التي تتخلل الشتاء, وكأنها إشراقة شمس وبعض اللهو على شاطئ الأقدار.
    دخلت إلى غرفتها لتغير ثيابها, وبعد قليل جاء والدها وقال لها:
    أين كنت؟, بحثت عنك في كل مكان ولم أجدك.
    كنت هنا في غرفتي.
    لا يا ابنتي, أظنك خرجت من البيت, وأرى بأنك لست على ما يرام, أو ربما يكون إحساس فقط ولا أعرف لماذا؟.
    هو كذلك يا أبي. أرجوك يا أبي أغلق الباب وتعال فأنا أريد أن أتحدث معك عن سبب غيابي عن البيت.
    أخذت تخبر والدها بكل ما حصل, وأخبرته أيضا بأنها قررت أن تذهب إلى أحمد, فهي بحاجة إلى أن تكون قربه وتقف معه في مرضه, كما تمنت أن تكون معه في أوقات الصحة. لم يعترض والد سارة على القرار لكنه أراد أن يطمئن على ابنته هناك, هو يعلم بأنها قاربت الثلاثين من العمر ويحق لها أن تختار حياتها كما تشاء, لكنه يخاف عليها إن حصل شيء لأحمد, فكيف ستعود وهي تحمل الحزن والألم. لكنه تراجع عن الفكرة حين أحس بأنه لا يملك أن يحكم على الأمور قبل حدوثها, وأين المنطق مما يحصل الآن, ومما يحصل في هذا العالم المجنون من حولنا. ذهب إلى غرفته ثم عاد إليها من جديد وهو يحمل حقيبة جلدية أعطاها لسارة وقال لها:
    خذي يا ابنتي هذه الحقيبة, كنت أوفر لك بعض المال منذ ولادتك ولغاية اللحظة, واذهبي إلى أحمد وأبلغيه أمنياتي بالشفاء.
    أشكرك يا أبي, ولكني لا أحتاج إلى المال.
    لا عليك, أعلم بأنك ستحتاجينه, هو أقل مما كنت أتمنى أن افعله من أجلك. وأعلم بأنه لن يأتي لك بالسعادة بدون الصحة والحب.
    أشكرك يا أبي, كم يؤلمني أن أتركك هنا وحدك, ولكن يجب أن اذهب, أليس كذلك؟.
    أجل يا ابنتي, يجب أن تذهبي إلى هناك. أما أنا فلم يبق لي شيء, وأظنني سأرحل إلى أي مكان آخر, ولعلي سأختار البحر كي أبتعد عنها مسافة تجعلني أشعر بالارتياح ولو قليلا, بعد هذا العمر الطويل.
    انتهى الحديث على قرار, وهو أن تغادر سارة إلى القرية خلال الأيام القادمة, أي قبل الزفاف بقليل. وتبقى سارة في غرفتها بعد ما حصل, هي سعيدة بأن أحمد لا يزال يحبها, وتعيسة لذلك المرض. لكنها ستكون قربه هناك, حتى لو استمر بها الحال إلى الأبد, فذلك أفضل من أن تكون وحيدة, بين كل هذا الحشد المحتفل بيوم زفافها القادم .
    غادر الجميع إلى بيوتهم, وبقيت سارة تعد حقيبتها للسفر. ولكن دون أن يلاحظ أحد ما يحدث, فهي ستخرج تبحث عن سارة وأين تكون من هذا العالم, وما يجب عليها أن تفعله. لم تعد جزءاً من تركيبة المنزل, ولا من رغبات والدتها التي لا تقف عند حدود الأمومة, بل تتعدى نحو أنانية التملك والسيطرة, حتى ولو كان ذلك على حساب سعادة من حولها
    .

  5. #15
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي



    الفصل الخامس .... غروب داكن



    خرجت مع الريح مواقيت لا تملك أي منطق, وكأن الخيبة تكمن خلف النوايا الطيبة. ففي تلك الليلة غابت القرية تحت ظلال الضباب المحيط بكل ما يغفو داخل عتمة الليل الحزين. أتي الصباح لا طيور تغرد فيه ولا ابتسامة للزهور. فلقد خرجت الروح القلقة إلى آفاق أوسع, كي تحلق في ارتدادات الأزمنة الماضية, وكأنها تتراقص على أوتار قيثارة أزلية فوق عذابات وهمية, هي حقيقية حين تأتي من منظور جسدي. رحلت الحياة من الغرفة المطلة على الساحة الحجرية, وبقي الصمت على الجدران الباقية, كما تتراءى النظرة حين تصبح ذكرى. يأتي الصوت كرجع الألم البعيد, ويتعالى ليخترق جدران الحياة المتبقية حول النفوس المتعبة من توالي الأيام بلا انتهاء. في ذلك الصباح استفاقت تلك المرأة على رعشة البرد تنسل إلى ثنايا الروح منها , لم تكن تدري من أين تتسلل النسائم الصامتة, أصبحت تشعر بالوحدة في أرجاء البيت وكأنه القفر المحيط , وحيدة خائفة ترتاب من تسلل الضوء إلى الجدران, تسرع إلى غرفة ابنها, فيقابلها الصمت. يستمع الكون لصرخة ألم ونداء, ولوم وحزن يقطع أوتار العزف, حين يغني الصبح وبكل غباء أغنية البقاء.
    يسرع عزيز نحو بيت أحمد ويسأل:
    ماذا هناك؟.
    فتجيبه الدمعة في عيون والدة أحمد:
    رحل ولم يبق سوى البكاء.
    تتراكم الدنيا أمام البيت, ويرتسم على الوجوه الحزن. وتبدأ مراسيم الانتهاء حين يسافر الجسد نحو الغابة, تحمله عربة قش تجرها الخيول نحو المساء. يسير الآخرون خلف الراحل نحو الماضي, حيث تتراكم ملامح الأجساد على الذاكرة الأزلية, ويبقى الرجع الحزين. هو الدرب إلى الغابة وكأنه العبور نحو حقيقة لا نستطيع الاحتفاظ بأصدائها بين أحلامنا لمدة طويلة, فنحن لا نحتمل في العادة أن نكون على أطراف تنبئ بالنهايات.
    ضباب وبعض البرد وسكون, ودرب تغوص به الأقدام , وعيون ترسم على الأفق حزناً وضعفاً. كان فارس يجلس بجانب الجسد المسجى على العربة, ولا يملك أن يكون سوى صوت مكتوم تحت أنقاض الحزن, وكأنها السكينة بعد عاصفة مدمرة. أو كزلزال يغطي ملامح ما كان قبل التراكم, لا يرى ولا يسمع سوى أصوات بعيدة تحبسها الغفلة خلف الدهشة, حين يرتسم الرحيل على الوعي.
    وينتهي اليوم إلى قبر تحت الشجرة الأم. وتعود الخطوات مثقلة بالصمت, أمام الرحيل الأبدي. هو الحزن في هذه اللحظة يتشكل على الأفق رداء, وكذلك السكينة, حين يخرج الصبر إلى الطرقات ليسدل على الفراق عيوناً تنظر للسماء, لتعود إلى الأحداق حيث التأمل والصبر.
    يخرج فارس وعزيز من بيت أحمد في المساء, بعد أن غادر معظم القادمين لمواساة والدة أحمد, ولا يبقى هناك إلا النساء. وقف الاثنان أمام المقهى, ولم يكن أحد منهما يعرف ما يقول ولا إلى أين يتجه, ينظر عزيز إلى فارس ويقول:
    لازلت لا أصدق حتى الآن بأنه قد رحل, ولا أدري ما سأفعل بدونه. كنت في السابق شيئا من أشياء المقهى, كتلك المقاعد أو كمنظر من المناظر المعلقة على الجدران, لم يكن أحد ينظر إلي على أنني إنسان له إحساس أو وجود, كنت أتحرك بين الجميع وكأني شيء تافه لا يقدر إلا على أن يحضر الشاي وأوراق اللعب. كنت على هامش الحياة لا أكاد أثير غباراً كما تفعل أقل نسمة هواء, ولا أملك إلا أن أبقى وحيداً بعد أن يغلق المقهى دون أن أعلق بذاكرة أحد. هو فقط من كان يعاملني على أني إنسان له شعور وعقل. كان يحادثني بأمور لم يكن ينتظر مني أن أستوعبها بالكامل, لكنه كان كمن يزرع بذوراً في أرض لم تزرع من قبل, ويغمرني بعطف وحنان لم أكن أنتظره من أحد غيره, كم أفتقده وكم هوا لحظ العاثر حين أبقى وحيداً من جديد, لذلك لن يخرج الحزن من قلبي أبداً.
    أعرف ما تشعر به, ولكنك لم تعد ذاك الشخص القديم. فلقد أصبحت تفكر بطريقة أكثر نضجاً وستبقى ذكراه تسكن في أعماقك وكلماته أيضا, هي مشيئة الله ولا نعترض عليها أبداً.
    التفت عزيز إلى فارس وقال:
    تعال لندخل المقهى, أراك بحاجة إلى فنجان من القهوة بعد كل هذا التعب والإرهاق.
    شكراً. أفضل أن أعود إلى البيت, فأنا بحاجة إلى أن أكون وحدي. أريد أن أفكر فيما يجب علي فعله, فلقد قررت الرحيل عن القرية إلى مكان آخر.
    ما هذا الكلام؟. والمدرسة وعملك , هل تريد العودة إلى مدينتك وأهلك؟.
    لا, بل أريد أن أرحل إلى أي مكان آخر حتى أبدأ من جديد, ولكي أقرر ما أريده من الحياة وما تريده مني. للأسف يا عزيز, فبعد ما حصل لأحمد أصبحت غير قادر على المتابعة أبداً, وأحتاج إلى وقت طويل كي أختار ما يجب علي, هذا إن استطعت أن أملك الاختيار. صرت لا أحتمل البقاء هنا ولن أقدر أن أعيش في المدينة من جديد, وخصوصا حين تنتصب المنارة أمام عيوني. وقد صرت أكره البحر.
    إلى أين سترحل إذاً؟.
    لست أدري, ولكني سأختار مكاناً آخر, وأفكر أن اذهب إلى العاصمة فهناك مع الضجيج, يمكن أن أصبح مفقوداً وبدون ملامح أو معنى. حتى أجد نفسي من جديد.
    بدأ البرد يدخل إلى الأجساد الواقفة أمام الحزن, وفي الأعماق منها رعشة اغتراب أمام ما سيكون عليه القادم من الأمور. يفترق الاثنان نحو الرضوخ لخطوات تأخذهم نحو غد من نوع آخر.
    هي فترة تأتي بعد الفراق حين يشعر الإنسان بالضعف, حيث لا معنى للمكابرة. فالشعور بالوحدة والغربة هو أمر يخص الروح, حين تقف البصيرة عاجزة أمام الهياكل الغامضة. فالموت كما الولادة, والسعادة كما الحزن أشياء لا نملك الأمر فيها. كثيرة تلك المتاهات التي تبدأ حين تنتهي, وما أصعب أن يحتجز الإنسان داخل متاهة يلفها الضباب من كل جانب, حينها لا يملك سوى الوقوف أمام أي مفترق وينتظر حتى يتلاشى الضباب, أو أن يسارع الخطى نحو أول درب, وغالباً ما يكون بداية لمتاهة أخرى. وليس هناك أفضل من عيون تنام وهي تحدق في اللاشيء وتصبر, حتى تسمو الروح فوق الجسد وتحلق فوق جدران التشكل, من هناك فقط نستطيع أن نتبين بأن المتاهة نوع من وهم, والهياكل الغامضة لا تتعدى أن تكون سوى منعطفات حادة يتشكل منها درب طويل, يؤدي إلى حقيقة لا تزال مجهولة. لان النهايات على أرض التجربة غالبا ما تعود بنا إلى نقطة البداية لمتاهة من نوع آخر.
    لم يكن اليوم الثالث من الحزن قد انتهى, فقد كان المساء يأتي مع تلك الحافلة, حين وقفت أمام الساحة الحجرية لينزل منها القادمون من العاصمة, نزل الجميع ولم يبق سوى أن تكون آخر من نزل. رداء أزرق ومعطف رمادي ووشاح, وضعت الحقيبة الكبيرة على الرصيف وبدأت تلتفت إلى ما حولها, وكأنها تتحقق من دقة الوصف حين كان يحدثها عن القرية والساحة, وعن الأشجار المصطفة على جوانب الدرب. تلتفت نحو البناء القديم, وكأنه المقهى يعود من ذاكرة الصيف لينتظرها حين تأتي.
    اقتربت من المبنى لكي تنظر من خلال الباب الزجاجي, كان المكان يعبق بالدخان, وبوجوه لا تلتفت إلى أي قادم نحو المقهى, فالشتاء لا يخبئ خارج الأبواب سوى البرد. فتحت الباب ونظرت إلى الجالسين, ولم ينتبه إليها أحد. هو عزيز من التفت نحوها وهو يستغرب ذلك الحضور, لامرأة تقف على باب المقهى. فاقترب وقال:
    مساء الخير, هل أستطيع أن أساعدك في شيء؟.
    مساء الخير, أجل... أريد أن اسأل عن بيت الأستاذ أحمد.
    الآن عرفت, جئت للتعزية أليس كذلك يا سيدتي؟
    أية تعزيه؟.
    للأسف أقول, لقد توفي الأستاذ أحمد منذ يومين.
    ماذا؟.
    أجل هو كما سمعت, وذلك هو بيته, اذهبي من أمام تلك الحديقة الصغيرة وستجدين الباب أمامك.
    سمعت ما قاله عزيز وكأنها لم تسمع. نظرت إلى الحديقة الصغيرة ورأت النافذة المغلقة, ثم استدارت تنظر إلى المكان وكأنها لم تكن هناك ولم تسأل. لم تقل شكراً, ولم تعيد النظر إلى الواقف وهو حائر من تلك المتسائلة ومن تكون. نزلت الدرجات وهي تجر الخطى, كان الباب مفتوحاً على مصراعيه, دخلت إلى البيت ووجدت النسوة يجلسن حول مدفأة قديمة وبدون حديث, نظرت إليها والدة احمد وقامت لتسلم عليها, ولكن الفتاة لم تلتفت. بل جلست على أطراف المكان وبقيت تنظر إلى وجوه الأخريات, ثم أسدلت الجفون على عيون لا تكاد تفقه معنى المشاهدة, ولا واقع ما يكون عليه الحدث. بقيت صامتة كئيبة تجول بنظراتها حول المكان, وأحيانا تغيب خلف غربة من نوع جديد لم تكن تعهدها في السابق قط. ويمر الوقت وكأنه الانتظار أمام أقدار تجبرها على أن تكون, وتغادر النساء مودعات ومواسيات لتلك المرأة الحزينة. وبقيت سارة في مكانها, فهي تعرف الآن من تكون والدة أحمد. ويغادر الجميع, وتبدأ تلاحظ في عيون من بقي من النساء, نظرات التساؤل والحيرة فيمن تكون الفتاة الجالسة على أطراف المجلس, دون أي حديث أو مواساة.
    لم يطل الوقت حتى اقتربت منها والدة أحمد, تريد أن تسألها عمن تكون. وما أن نظرت سارة إلى عيونها حتى انسابت الدموع غزيرة على الوجه الحزين واقتربت لتعانق المرأة وكأنها تعانق الصبر بكل الضعف وقالت:
    حزينة مثلك, و لك طول العمر.
    و لك أيضا يا ابنتي, ولكن من أنت؟.
    كم كنت أتمنى أن نتقابل في وقت أفضل, وبشكل تتمناه كل فتاة حين تلتقي بأمها.
    نظرت إليها والدة أحمد من جديد وقالت:
    من أنت يا ابنتي؟ شيء في داخلي يقول بأنك....
    نعم يا أمي أنا سارة, جئت حين علمت بأن أحمد مريض, رسالته لم تكن سوى اعتذار الألم. جئت حين علمت بذلك, ولكن بعد فوات الأوان, رحل أليس كذلك؟, ولماذا يرحل ويتركني وحدي, ألا يعلم بأني لازلت أنتظر؟.
    هوني عليك يا ابنتي, هو أمر الله ولا نملك من الأمر شيئا. تعذب كثيراً من المرض, ورغم ذلك لم يكن يكف عن ذكرك قط. هوني عليك يا ابنتي فنحن لا نملك إلا أن نصبر على ما أراده الله.
    عادت سارة إلى مكانها ثم جلست والدة أحمد بجانبها, وابتدأت بقية النساء بالمغادرة إلى انتهاء طقوس الحزن كواجب للمواساة. كانت سارة تشعر بالتعب الشديد ظاهرا على وجهها الأصفر الشاحب, أخذتها المرأة إلى غرفة أخرى لكي تنام هناك في تلك الليلة. ولم يعد على سمع الصمت سوى الصراخ المكتوم بين ثنايا الروح البائسة, بقيت تتذكر كل ما كان يحدثها عنه, كتلك اللوحة والأوراق, ونافذة تطل على الساحة والمقهى, وسماء كانت تؤنس فيه التواصل مع الكون الهادئ, وكأنه الغموض يلتجئ للإصغاء فقط .
    استلقت على السرير وهي تفرغ ما تحمله الذاكرة في حوصلة الطيور المهاجرة إلى ربيع آخر أو صيف. ولكن أين ومتى؟, هي لا تدري, فهي لا تملك سوى أن تغمض العيون المتعبة الحزينة, حتى يتناهي الإرهاق إلى أعماق الأرض, فيعود إليها الوعي الآخر في الصباح. أيكون الفجر بلا شمس أو ضياء؟, أم يكون الفجر آخر ما يرتقي إلى أصداء الأحداث القاسية؟. هي لا تعلم ولا تفكر في شيء سوى الضعف يخرج من لوم وخيبة, فسرعان ما ستكره تلك العيون أن يأتي المساء, ولكن هناك دائما من يمد اليد إلى من تغوص أحلامهم في الرمال المتحركة, وكأنها المتاهة حين تفقد المعرفة وسيلتها للارتقاء نحو القوة والعزيمة. ويكون الليل آخر من يرسم الظلال على الخطوات, وكأنه يحفظ المعاني في كتاب قديم, أقدم من كل التكهنات عن السعادة والشقاء, وعن الحياة والى أين تسير بنا دون أن ندري وكأننا ندري. أهو الحلم أم تأثير الرغبة والنشوة؟ أم هو الأمل حين تنزلق بنا الدروب نحو هاوية الضعف؟.
    يأتي الصباح, وتستفيق سارة وحولها جدران غريبة, فهي لم تتحقق من زمن الأحداث التي انهارت من أعلى القمم البيضاء. فهناك كان يقيم الحلم بين الثلوج المتراكمة على مرتفعات الأمل والانتظار. منتهى الهزيمة حين نستفيق على بقايا الذكريات في عالم تملؤه الجدران الغريبة, وملامح لوجوه وأماكن تنتمي إلى زمن صار قديماً, منذ أن رحل القادم خلف غياب شموس الأزمنة العتيقة.
    تخرج من غرفتها لتجد والدة أحمد مشغولة بتنظيف البيت, وإعادة الأشياء إلى أماكنها السابقة, تقترب منها وتقول:
    صباح الخير, هل أساعدك في شيء؟.
    صباح الخير يا ابنتي, لا عليك فلم يبق الكثير, لحظات وأكمل ما بيدي. اجلسي هناك, فلقد أعددت لك القهوة حين شعرت بأنك قد أفقت من النوم.
    أخذت فنجان القهوة وبدأت تتجول في البيت وكأنها تبحث عنه بين الزوايا, نظرت من نافذة الصالة نحو الحديقة الخلفية, ولاحظت المقاعد والطاولة الصغيرة. لقد حدثها عن جلوسه هناك في الصباح لشرب القهوة, قبل أن يغادر البيت نحو المدرسة. أخذها الحزن نحو الشرود, وبقيت تسترجع أصداء الأحاديث القديمة من بين الرؤى, حتى التفتت إلى والدة أحمد وهي تناديها لكي تأتي لتجلس قربها أمام المدفأة. تقترب منها وتنظر إليها بعيون لا تجرؤ على البكاء, أمام صبر المرأة وقوة احتمالها مع كل ما هي به من ألم وحزن.



    الجزء الرابع
    الفصل الأول .... دفء الذكريات



    استكان الحديث قرب المدفأة إلى استحضار لتلك الروح المغادرة نحو البحر الواسع, وتكاد الكلمات تخرج من عيون ترنو إلى المواساة, حين يتراءى طيفه أمام المخيلة التي ترفض أن تصدق ما حصل. لم تكن المخيلة من تتغاضى عن منطق الرحيل, بل هي الروح التي لا تعي معنى الفناء, أحياناً يلتجئ العقل إلى النسيان أو التغاضي حين يختفي الآخرون عن منطق الحواس والتواجد, فتعود الحياة بنا نحو استمرار من نوع آخر, وبمعطيات جديدة وكأنه التأقلم من أجل البقاء. إلا إذا تعدى الأمر حدود الجسد نحو وعي يخرج من أعماق لا تعرف معنى التواصل مقترنا بالجسد فقط. ولا تفقه معنى الانتهاء إلا كانتقال من حالة إلى أخرى.
    تأخذ سارة بالتحدث مع والدة أحمد عن حياتها السابقة, وعن لقاءها بأحمد في ذلك الصيف. هي لم تكن كبقية الفتيات في المدينة, ولم يكن يعنيها أن تمارس الحياة من منظور الرغبة الفطرية, ولا من أجل أمومة تتشكل من تغييرات جسدية, فهي لم تكن تعنى بأي تأثير مادي لكي تتواصل من خلاله مع المجتمع ومع التكوين الأسري التقليدي. كانت سارة تبحث عن إرضاء لرغبة داخلية في أعماقها, ألا وهي البحث عن حقيقة الغربة التي تشعر بها من كل ما يحيط بها, لم تكن تقتنع بكل ما تفرضه الموروثات عليها. فقد كانت دائمة البحث عمن يملك نفس المعاناة.
    كانت تجد في والدها نوعا ممن تخصهم تلك الحقيقة حين كان يرفض ويملك الاختيار, وكانت تجد في حارس المنارة مثالاً للإنسان الواعي لكل ما يحيط به, فهو يعلم كيف يصل إلى الرضا والاختيار ويملك أسلوب الإقناع بالحكمة والصبر, مع أن الكلمات لم تكن تساعده كثيراً لأنها لم تكن في يوم من الأيام سوى لغة جسد لا أكثر, فهو يعلم بأن لغة الروح تكمن في الصمت وفي الإصغاء. طبعا لم تكن سارة قد تحدثت بكل ذلك لوالدة أحمد, ولكنها كانت تنقل ما حصل معها عبر مفهوم آخر لمعنى الحياة, لذلك أحبت أحمد دون أن تناقش الأمر بمنطق العقل ولا العاطفة قط, بل هو إحساس صامت كان يحملها على أن ترى به الإنسان الذي يملك أن يفهمها ويعرف كيف يسير معها عبر الدروب المؤدية نحو السكينة والانسجام. وأخبرتها أيضا عن والدتها وطريقتها في الحياة, وكيف أنها تركتها هناك, هي وذلك الشاب يحضرون لحفل الزفاف في اليوم التالي, وخرجت من كل ذلك في الصباح دون أن يشعر بها أحد سوى والدها, الذي وقف خلف نافذة غرفته ينظر إليها مودعاً حين استقلت السيارة نحو محطة القطار. كانت تتمنى أن تأتي إلى هنا وتجد احمد كي تبقى معه في هذه اللحظات, ولكن وكأنها الحياة تأخذها نحو حقيقة لا تسكن أرض المنطق أبداً.
    فجأة يتوقف الحديث على صوت الباب, فتخرج والدة أحمد لتفتح.كان المساء يحمل أولئك الباقين من زمن الحديث عن القرية, حين يدخل فارس وعزيز. هي زيارة كالرجع لأصوات غابت هناك, في عالم لا يعود منه الطيف ولا حتى الأحاديث القديمة. فيكون اللقاء بسارة بعضا من تلك الدهشة, حين تعبر مجرى الأحداث, ألوان تأتي من خلف شتاء ربيعي باهت. فهي كقوس قزح حين يرتسم على السماء, هكذا كان تأثير الخبر حين أخبرتهم والدة أحمد بأن الضيفة الغريبة لم تكن سوى تلك الحزينة القادمة من جهة البحر, ليكون لقاؤها بأحمد في وقت يخرج من زمن اللحظة, لكي يكون كسحابات تسافر بها الريح مسرعة نحو الأفق البعيد. تخرج سارة لتتعرف على فارس وعزيز, فهم الصديقان حين كان الحديث عنهم يرتسم على ذاكرة الصيف, لقد حدثها عنهم كثيراً حتى باتت تعرفهما, وكأنهما بعضا من أهزوجة الفرح القديمة, تلك التي غابت وهي تتلاشى خلف شتاء ورحيل.
    كان عزيز ينظر إلى سارة وكأنها جاءت مع الحكايا من عالم آخر, فهي كالكلمات الرقيقة حين كانت تخرج من بين أحاديث أحمد. ينظر إليها وكأنه يرى صديقه الراحل يعود إليه عبر نظرات عيون أخرى. لم يكن يعرف كيف يبدأ الحديث, فهو يراها وكأنها الرمز لبقايا كانت ستنهار في أعماق روحه. فيخرج من وعيه وكأنه التلعثم حين قال:
    كم أنا حزين من أجلك سيدتي, ولو تعلمين ما أشعر به, فقدت كل أمل لي في الحياة بعد أن غاب عنا. أشعر بالحرج أن أقول, باني سعيد لرؤيتك تأتين إلى هنا وكأن أحمد لم يغادر, بل هو يعود إلينا من خلال وجودك بيننا. أشعر به الآن حين تحلق روحه فوق الساحة والبيت.
    أشكرك على مواساتك, وأشعر بحزنك ولكننا لا نملك سوى الصبر.
    كان فارس يستمع دون أن يقول شيئا, فهو يقف أمام سارة وحزنها ووفائها, ويشعر بالسخط على الوقائع, وكأنه يبتدئ في رسم التمرد على البقاء. فهو لم يعد يحتمل أكثر بعد أن رآها تعود, ولمن تعود؟.
    التفتت سارة نحو والدة أحمد وقالت:
    إن سمحت لي, أريد أن أذهب لزيارة قبر أحمد, فهل تذهبين معي؟.
    أجل يا ابنتي سأذهب.
    نظر عزيز إلى فارس وقال:
    ونحن أيضا يجب أن نذهب إلى هناك.
    أجل, إن لم يكن هناك مانع أو حرج من ذهابنا.
    قالت لهم وكأنها تخرج من إيمان قديم:
    إن الروح تفرح لزيارة الأصدقاء والأهل.
    كان هذا هو إيمان المرأة, أيكون هذا الكلام حقيقة؟, أم هو بعض من التغاضي عن الرحيل؟. لا أحد يدري, ولكنها الكلمات تخرج من الأزمان مع عفوية الأمنيات لترتسم على مسامع الزمن. وبدون أن تخشى أن يخرج من ثنايا العقل منطق مجرد من أي عاطفة أو حس, ليقول عكس ذلك. فالإنسان قد امتلك الوعي قبل أن يمتلك العقل, ومن الوعي يتولد الإحساس بالضعف تجاه تلك القوة المسيطرة الغامضة. وكم يحتاج الإنسان إلى الالتجاء لتلك القوة حين تغلبه الطبيعة وحين يأتيه الألم من بين ظلال الأيام.
    يسير الجميع على نفس الدرب المؤدي نحو الغابة, وتسير سارة مع أحاديث تخرج من ذاكرة الصيف عن الغابة والكوخ وعن الرجل هناك. تقترب بها الدروب نحو البيت على التلة, فتنظر نحوه وكأنها تشعر به, وتتساءل إن كان هو البيت المقصود, حين اخبرها أحمد عن أمنيته بأن يكون لهما حين تأتي هنا.
    نظر إليها عزيز وعرف بأنها تتحقق من أن يكون هو البيت المقصود, فاقترب منها وقال لها:
    كان حلماً لأحمد, فقد تمنى لو يشتريه في يوم ما.
    وصل الجميع إلى الكوخ, والتفتت سارة نحو الأرجوحة, وكـأن الحلم يخرج من عقلها ليتجسد كما الأمنيات القديمة, على شكل ملامح لنظرات كانت في شوق إلى المكان, حين كان يتحدث عنه أحمد.
    لم تطل النظر, بل التفتت إلى روحها التي غادرتها, والتصقت قرب القبر تحت الشجرة الكبيرة الصامتة, حتى الريح في ذلك اليوم لم تكن تجرؤ أن تحرك أغصانها الحانية على القبر. سارت الخطى وهي تحمل بقايا الجسد المنساب خارج أغلفة الوعي, لتقترب وتجلس أمام القبر. وترنو بنظرتها نحو التراب الرطب, فتنساب الدموع غزيرة على وجنة يهرب بها الشحوب نحو عوالم بائسة وحزينة. تمد يدها لتلامس تراب القبر, فتخرج الصرخة من حزن تستفيق لرجعه الأرجاء من حول المكان, هي السماء تصمت, والريح تغادر نحو سكينة, ويعود الصوت ليختنق داخل تنهدات محرقة. تقترب منها والدة أحمد وتعانقها وتبكي, فيعود الصمت إلى المكان, وتنساب من بين أغصان الشجرة كل قطرات المطر, كأنها اهتزت حين اقترب من المكان نسيم بارد. يبدأ الضباب بالتسلل من بين أشجار الغابة نحو الساحة ,وتبقى سارة جالسة وكأنها بعض من طقوس المكان. تلتصق بتراب الأرض, ويحملها الصمت إلى حالة تكاد تجعلها تهمس للتراب ببعض اللوم.
    لم يعد فارس بقادر على أن يبقى, فسرعان ما اختفى بين الضباب ليعود إلى القرية دون أن يقلق الصمت العالق هناك. يعود كي يغادر القرية وإلى الأبد نحو مكان آخر, فهو يتمنى بأن يصبح مفقوداً وبلا ملامح.
    قامت والدة أحمد من مكانها, واقتربت من سارة حيث أخذت بيدها لتخرجها من هناك وتعود بها إلى البيت. فلقد اقترب المساء, ولم يبقى هناك وقت حتى يحل الظلام ليغطي الملامح العالقة على جدران الزمن الآخر. في تلك اللحظة تلتفت سارة نحو عزيز, ذاك الجالس أمام القبر وهو مطرق الرأس, ويكاد الارتعاش من البرد يظهر على حركات جسده الصغير, وما أن تحركت سارة ووالدة أحمد نحو الرحيل, حتى خرج هو الآخر من صمته وحزنه ليعود برفقتهن نحو القرية.
    قبل أن تبتعد سارة عن المكان عادت لتلتفت إلى حيث يرقد أحمد, ونظرت إلى أغصان الشجرة, هي لا تعلم كيف اهتزت الأغصان حتى تساقطت كل قطرات المطر عنها ومع كل الصمت المحيط بالمكان. ثم نظرت إلى الأرجوحة وكأنها تهتز قليلا, أتكون الريح؟, أم أن هناك شيئا يستفيق على رجع الحزن؟. هي لا تدري, لكنها تشعر ببعض السكينة حين كانت تغادر المكان. استمرت بالسير حتى وصلت إلى البيت على التلة المقابلة, ثم نظرت إلى النافذة المطلة على الغابة, بدأت تشعر وكأنها تعرف النافذة من قبل,أرأتها في حلم؟, أم هناك ما يقترب من أن يكون رجع ذكريا ت سابقة, لنافذة مشابهة في مدينتها؟. تعود للسير وبداخلها شعور غريب.
    يصل الجميع إلى الساحة الحجرية, ويعود عزيز إلى المقهى, بعد أن طلب من سارة أن تعتبره أخاها الصغير, فهو على استعداد لأي شيء تطلب. تشكره سارة على لطفه ووفائه, وتعود مع والدة أحمد نحو البيت.
    في تلك الليلة تستأذن سارة من والدة أحمد بأن تسمح لها بأن ترى غرفته, ولم تمانع أبداً. دخلت سارة الغرفة وأخذت تنظر إلى ما حولها, تحاول أن تحتضن بعضاً من بقايا الشوق الهارب مع ريح الشتاء. نظرت إلى اللوحة على الجدار, وشاهدت البحر والمركب الراسي, كم كانت كئيبة وهادئة تلك اللوحة, وكأن البحر يسكن في كهف من كهوف الزمن القديمة. أخذتها الذكريات إلى هناك في المدينة, وإلى حديث الرجل عن آخر المراكب الراحلة نحو أفق آخر. وكأن الريبة قد رسمت منذ الأزل على ذاكرة الكون, لتكون على هذه اللوحة, ولتكون هناك أيضا حين كان الصباح يحمل معه الرؤية, لعيون ذلك الرجل يوم أن نظر للبحر. هي الأحداث تسبقها الإيحاءات لما سيكون, ولكننا لا نملك أن نستوعب الأمور الغامضة ونحن وسط ضجيج الحياة. فالغفلة تجعلنا نسافر في اليقظة الحسية, دون أن نتدارك ما تحمله لنا الأعماق من إشارات وإيحاءات, تكمن حولنا وفي داخلنا ولا تحتاج منا سوى بعض التأمل والصمت. فكلما ازداد الضجيج في الأعماق, ابتعدت الإيقاعات الهامسة نحو التلاشي خلف معرفتنا القاصرة لما يدور حولنا.
    رأت الأوراق المبعثرة هنا وهناك, ثم أخذت تلملم الكلمات المفقودة, بعد أن تركها الراحل إلى زمن آخر. أعادت ترتيب الغرفة من جديد, وفتحت النافذة كي تنظر نحو السماء, كانت الغيوم تحجب الأمنيات خلف شتاء وبرد. تشعر سارة بذاك البرد يتسلل إلى جسدها المرهق من صمت المساء, فتغلق النافذة وتجلس إلى مكتبه الصغير. تبدأ تقرأ بعضاً مما بقي من أحاديثه الصامتة, فقرأت آخر الأوراق التي قال بها:
    جلست لأقرأ
    فكنت فصلاً من كتاب
    تراءى طيفك
    فغادرت التواجد في السطور
    وتركتها الأوراق بلا كلمات
    عيناي تبحث عنك وعني
    فارقت حولي
    ستائر نافذتي يراقصها الريح
    خرجت منها ويحملني الشوق
    صرت كأفكار تحوم
    وكأنوار طريق
    خرجت وشوقي أبحث عنك, أين أنا؟.
    مررت بعيني طيفاً
    تمرحين تبتسمين
    فارقت ثقل الأرض لفضاء
    وتحليق أجنحتي كسحاب يداعبه الريح
    مررت بعيني طيفاً
    دمع وحزن وشكوى
    مسحت الدمع عن وجنتيك
    كأني مسحت الدمع
    أين يداي؟, عالقة هناك
    لن تعودا إلي
    هي هناك تمسح الدمع
    قاطفة الشوق بوركت حباً ساحراً
    لست أقوى على مسافات الرؤى
    ولست أحكمه اللقاء
    فترانيم البعد حنين وطقوس دعاء
    حبيبتي, بعض انتظار
    فأنا إليك شوقي, وأنت اختيار
    وعينيك يسافر لها عمري, وهذا قرار
    سأبقى أحبك نجمة الصبح أنت
    وأنا هناك على مدار.
    كانت آخر رسالة لسارة, ولكنها لم تسافر إليها بل بقيت وغادر أحمد, هل كان يعلم بأنها ستحضر لتقرأها؟, هي لا تدري. ألقت الأوراق على المكتب الصغير, واستلقت على السرير تبكي, لم تعد تريد البقاء في هذه الحياة, وأية حياة هنا أوهناك؟. فهي غريبة عن كل الوجوه في القرية, ومن كان لها قد رحل ولم يبق منه سوى الكلمات. أتعود لوالدتها عند البحر بعد ما حصل؟. هي لم تعد تطيق ذلك المكان, وخصوصاً وهي تعلم بأن والدها سيرحل, أو يكون قد رحل فعلا مع المراكب نحو أرض بعيدة. استفاقت على صوت والدة أحمد وهي تقف بجانب السرير وتطلب منها أن تأتي إلى حيث المدفأة, فهنا في هذه الغرفة لم يعد سوى البرد وغربة الفراق. مسحت الدموع عن وجنتيها ولملمت الأوراق واحتضنتها بين ذراعيها وقالت:
    أتمنى أن أحتفظ بهذه الأوراق وأخذها معي إن سمحت لي بذلك, فهي بعض مما تبقى.
    نظرت إليها والدة أحمد وقالت متسائلة:
    إلى أين ستذهبين يا ابنتي؟.
    أريد أن أعود إلى هناك, لم يبق أي سبب لبقائي. كنت أتمنى أن أبقى إلى الأبد ولكن ...
    لا بأس يا ابنتي كما تشائين, كم أتمنى لو كنت ابنتي, فلم يعد هناك اختيار آخر بعد أن كتبت علينا الأقدار أن نبقى غرباء يملؤنا الحزن, وتسري في عروقنا الوحدة كما البرد القارص.
    أجل, هذا ما كتب علينا. ولكنك ستبقي أمي التي اخترتها, ولعل الأيام تحمل لنا لقاء آخر.
    بقي الحديث في تلك الليلة ممزوجاً ببعض الدفء والسكينة, حتى انتهت الأخشاب المشتعلة في المدفأة وتحولت إلى رماد باهت وبارد, ليعود إلى العيون نعاس لا يحمل معه سوى بعض الراحة لتلك الأجساد المتعبة, ولكن بدون أية وعود أو أحلام.



    الفصل الثاني ..... الصوت


    في صباح اليوم التالي, تودع سارة تلك الأم الحزينة الصابرة على كل ما تأتي به الأيام, فهي كمنارة تقف في وجه الريح العاتية والقادمة من جهة الزمن.تخرج نحو الساحة, وتلتفت لآخر مرة نحو معنى انتظارها أمام البحر في مدينتها. تحمل حقيبتها وتلف الوشاح, ثم تسير باتجاه الطريق المؤدي إلى موقف الحافلة المغادرة نحو عالم لم تعد تريد العودة إليه. كان الضباب يلف المكان, والريح تعصف بالأشجار المصطفة على جوانب الطريق. بدأت تقترب من رؤية الحافلة الواقفة على آخر الطريق لتنتظر المغادرين نحو العاصمة, التفتت من جديد إلى الساحة ولكن الملامح الحزينة كانت تختبئ خلف ضباب, فهي خجولة مما حصل لسارة حين أصبحت تغادر وهي تجر الخيبة والحزن, أسرعت سارة بالخطى نحو انتهاء ما لا تحتمل. وفجأة, توقفت في مكانها وكأنها تتحول إلى تمثال امرأة, حين بدأت بالإصغاء لصوت يأتي من بين الأشجار العالية, وكأنه نداء عالم آخر. تلتفت للخلف ثم تنظر حولها, لم يكن هناك أحد سوى الأشجار المودعة. تواصل السير, ومرة أخرى تقف مذهولة لا تتحرك فهناك من ينادي, هو صوت أحمد يأتي من بعيد, تحتار مما يحدث لذاك العقل, أتكون الريح من تنادي؟, أم هو صوت يأتي من الأعماق, حين نعود إلى الوراء نحو أمنيات أصبحت باهتة. لكنه الصوت من جديد ينادي سارة, هو صوت أحمد تحمله الريح, وكأن الروح لم تغادر نحو أفق آخر. أحست بالرعشة حين عاد الصوت من جديد ليقول سارة ....
    كان الصوت هذه المرة أقرب من السابق, وكأنه يأتي من خلف الأشجار. بدأت عيناها تحدق في ما حولها, وفجأة أغمضت عيناها وبقيت صامتة بلا حراك, حين عاد الصوت من جديد ليقول سارة لا ترحلي. نظرت نحو الحافلة الواقفة على آخر الدرب, ثم عادت تنظر للخلف من جديد. كان الضباب يخرج من بين ثنايا الملامح فتتراءى الساحة أمامها. هي تشعر وكأن أحمد لم يغادر, فالروح لا تزال تحلق فوق الساحة والبيت كما قال عزيز بالأمس وبكل عفوية. حملت الحقيبة من جديد, وعادت بخطى مسرعة نحو البيت, فهي لن تغادر وستبقى, وتشعر بتلك الروح تقترب منها أكثر فأكثر. أخذت تدق الباب بشدة, فخرجت والدة أحمد وهي تسألها:
    أراك عدت؟, هل غادرت الحافلة بدونك؟. ليس من عادتها أن تغادر مبكرة هكذا.
    لا يا أمي الحافلة لم تغادر, لكني قررت أن أبقى. فهل تقبلين أن أكون ابنتك؟.
    طبعاً أقبل, وأتمنى ذلك. ولكن كيف غيرت رأيك؟.
    لا أعلم ما أقول, ولكني أحسست بأن روحه لا تزال في القرية لم تغادر, سمعت صوته يناديني, ويريدني أن أبقى.
    غريب ما أسمع يا ابنتي, لكن ادخلي الآن حتى أفهم منك أكثر.
    عادت سارة من جديد إلى البقاء في القرية, وأخبرت والدة أحمد بما سمعته هناك على الطريق, وقالت بأنها قررت البقاء, فليس لها مكان آخر تعود إليه سوى هنا حيث ستكون قريبة من كل ما يذكرها به, ولعله بالفعل كان ينادي, فهو لا يريدها أن تغادر.
    كانت المرأة تستمع لسارة, وتنظر إلى عيونها كي تتأكد من سلامة عقلها, فكلامها غريب لا يصدق, لكنها سعيدة بأن تبقى الفتاة معها. وقررت في أعماقها أن تجعلها تقيم لفترة حتى تعود إلى رشدها, فكأنها لم تحتمل الصدمة, هكذا كان رأي والدة أحمد, أما سارة فكانت تحمل في أعماقها رؤيا مختلفة وإحساس لا تستطيع إلا أن تثق به. فهي تؤكد بأنها سمعت صوته وهو يطلب منها البقاء.
    تمر الأيام وتعتاد سارة على حياة القرية, حتى أصبحت تذهب إلى الغابة وحدها. أحياناً تجلس بجانب القبر, وأحياناً يكون البرد شديدا فتلتجئ إلى الكوخ وتشعل النار في المدفأة, ثم تجلس أمام النافذة تراقب الأشجار وتصغي, لعل الصوت يعود من جديد.
    في المساء كانت تعود إلى البيت, وتجلس وحدها تنتظر أن تأتي والدة أحمد من عملها في الأرض. فلقد بدأ موسم الزرع وغرس البذور لكي تعود الحياة من جديد إلى الأرض.
    في إحدى الليالي جلست سارة مع والدة أحمد وقالت:
    تعلمين بأن والدي أعطاني تلك الحقيبة, لكني لم أكن أعرف ما أفعله بالنقود. أما الآن فأنا أفكر في شراء البيت على التلة, وقد علمت من عزيز بأنه للبيع.
    ولكن يا ابنتي ولم تشترين البيت؟, أليس هذا بيتك؟.
    أجل يا أمي هو بيتي, ولكني أرغب في أن أكون قرب الغابة, ولن أكون بعيدة عنك, لكنها رغبتي في أن أحقق لأحمد ما كان يريد. فقد كان يتمنى أن يشتريه أيضاً لأنه يقع بين القرية و الغابة.
    لم أكن أعلم بأنه كان يفكر في شراء ذلك البيت, هو لم يخبرني.
    كتب لي عن ذلك, ولم يخبرك لأنه كان خائفاً بان تظني بأنه سيبتعد عنك ليسكن هناك, هو في الحقيقة لم يكن يفكر بذلك أبداً.
    كما تريدين يا ابنتي, سأذهب في الغد واسأل عن البيت ومن هو المسئول عن بيعه.
    لم تكن تحب أن تغادرها سارة إلى مكان آخر, فقد اعتادت عليها وأحبتها, ومع ذلك هي لا تقدر أن تمنع عنها تلك الرغبة, وخصوصاً بعد أن أصبحت بعيدة عن أهلها ووحيدة في هذا العالم وخصوصاً بعد رحيل أحمد. هي تعلم بان للفتاة الحق في أن يكون لها عالمها الخاص, عل الأيام تحمل لها السعادة والسكينة.
    لم يمض على الأمر أسبوع واحد حتى أصبح البيت لسارة, حين عادت في ذلك اليوم من العاصمة هي ووالدة أحمد ومعهن أوراق البيت, كانت سعادة ينقصها الأمل, لأنها سعادة لحظية تنبع من رغبة مكتومة داخل أمنيات, لا يتحقق منها سوى عبثية المصير حين لا يكون هناك أي معنى للحياة, سوى التغاضي عن الألم والضعف.
    في اليوم التالي كانت سارة والمرأة وعزيز في طريقهم نحو التلة. وابتدأ العمل في تنظيف البيت المهجور منذ أن غادره ساكنوه إلى العاصمة. الأثاث لا زال هناك على حاله, وكل ما في البيت كان مغطى بالأقمشة البيضاء, والذي غطاها هي الأخرى غبار السنين. كانت تلك العائلة ميسورة الحال. فالبيت يختلف تماماً عن البيوت المتراصة على الطرقات حول الساحة, ولا زال كل شيء كما هو عليه لم يصبه التلف, سوى الحديقة المهجورة, تلك التي كانت في تلك الأيام من أجمل حدائق القرية, حين كانت تملؤها الزهور من كل نوع.
    وما أن انتهى النهار حتى عاد البيت إلى الحياة من جديد. غادر الجميع إلى القرية, تسير سارة نحو الساحة وهي تنظر إلى بيتها الذي كان أمنية قديمة لم تكتمل, لأنها لم تتحقق حين كانت حلم الآخر. أصبحت سارة تدعوه "الآخر", فهو في أعماقها وروحه تحلق فوق الساحة والبيت, هكذا قال عزيز وبكل عفوية. ولا تزال تتذكر الصوت حين كان ينادي سارة لا ترحلي ....
    إذا هو لم يرحل, ولم يبق أيضا, لكنها تشعر بوجوده حولها وفي كل مكان. لم يعد أحمد ذاك المدرس في القرية الجبلية, ولم يعد أيضا ذاك الراحل خلف الأفق بعد أن سمعته يناديها, وكأنه خلف الأشجار المصطفة على جوانب الدرب.
    مرت الأيام وانتهى العمل في البيت وحديقته, وعاد كل شيء كما كان عليه. وانتقلت سارة للسكن على الأطراف, هي الآن بين عالم لم تعد تريد العيش فيه, ونافذة تطل على الآخر, ذلك المنتظر خلف الريح. أيكون هناك تحت الشجرة الأم؟, أم هي الروح تحلق فوق الألم الباقي وتراكم الصبر؟. لا تدري سوى بأنها الآن ستبقى تجلس خلف النافذة, وعلى مقعد الجلد الكبير وأمامها تلك القطعة الخشبية القديمة المليئة بالأدراج, حيث وضعت كل ما كانت تحمله من أوراق, وبقايا لكلمات صامتة ومفقودة في ذاكرة البيت.
    هي ترقب بصمت السكينة. فقد كانت على المقعد الخشبي أمام البحر تنتظر من الأفق حديثاً حتى ولو كان همساً. وكانت في بيتها تلتجئ إلى الدمية في آخر النهار تحدثها عما يختلج في الأعماق. وهاهي الآن تغادر بيت أحمد, لأنها لا تقدر أن تكون في مكان لا تملك فيه أن تكون, سوى بعض من بقايا الزمن المفقود. أما الآن وفي بيت سارة, تستطيع أن تصغي إلى الجدران الصامتة وكأنها تنظر إلى مرآتها. فهي الآن تعلم أن القرار يكمن بين ثنايا السكينة, ولها الحق في أن تكون كما تريد.
    تمر الأيام على سارة وهي في البيت. تخرج في الصباح إلى القرية لإحضار ما يلزمها, وتمر على بيت أحمد لتساعد والدته في أمورها, أحيانا كانت ترى عزيز لتطمئن عليه, أو لتطلب منه شيئاً ما. مع أن عزيز لم يكن يغفل عن سارة ولا الكوخ في الغابة قط , فهو يبقى على وفائه لأحمد.
    كانت العيون الفضولية في القرية تتبع سارة أينما ذهبت. بعضهم يراها أقرب إلى الجنون من أن تكون إنسانة سوية, والآخرون يلتزمون بالنظر دون كلمات. كان أهل القرية يحبون أحمد ويكنون الاحترام لوالدته, مع أن البعض كانوا مجرد عيون فضولية ترقب الآخرين بلا معنى.
    تستمر الحياة بسارة وكأنها من عالم آخر. لم يكن يعنيها أي شيء, سوى أنها الآن تملك أن تكون, وما تريده هو أن تبقى خلف النافذة تنتظر حتى يعود الصوت من جديد, هي تشعر بالطمأنينة حين تعلم بأن الآخر لازال على الأفق. نوع من الكآبة حين ندخل في دروب الأمنيات فقط , وكأننا نغفل عن أمور تكون أحيانا بمنتهى القدسية. طبعا بمقياس من ينظرون إلينا بعيون فضولية. لم تكن تدري ما يعنيهم إن بقيت أو ذهبت إلى أي مكان , ولماذا تبقى عيون تنظر دون تغاضي. كانت سارة تراها متعة عند أولئك الفضوليين الجالسين على الطرقات لكنها في الحقيقة لعنة قاسية, حين لا يملكون بين ثنايا الوعي إلا ما يرتسم على حواسهم فقط , وما أتعسها من متعة حين يكون ألم الآخرين تسلية اللحظة, ومع ذلك فهي تحبهم وتنظر لهم بعيون الدفء.
    تعود سارة إلى البيت في ذلك المساء, وتجلس أمام النافذة تنظر إلى الغابة, لكنها تتوه حين ترى الطيور تتجمع من كل صوب لتغفو على الشجرة الأم. وهي أيضا لم تكن تعلم لماذا كلما وقفت أمام النافذة يحتار المساء ويرتعش الصمت دون ريح تعصف , وكأن المكان هو بعض من أطراف الأرض, فعلى أطراف الأماكن تتراءى الازدواجية كانعكاس ضوء, وتمتزج الحقيقة بالواقع على شكل سراب هزلي. جلست أمام المنضدة المليئة بالأدراج الصغيرة لتكتب وتقول:
    لقاء أرض بسماء
    وضياع حين ابتداء
    يتوه الحلم في ضباب غطى الرؤى
    ونتساقط على الأرض كأوراق
    لسنا بخريف
    ولا للأوراق على الأرض حفيف
    نتناثر ننسى
    ونسير بدروب نرصفها نتكاثر
    ونمارس إغفاءة عمر
    نكبر ثم نكبر
    حتى نتساءل
    من أين؟ إلى أين؟
    بعض منا ينظر لظلال على الجدار
    والبعض الآخر يسرقه النهار
    ويتوه الحلم
    في ضباب غطى الرؤى .
    وتبقى في مكانها حتى ينتهي الليل, تقرأ في الأوراق الغريبة كل ما كان يكتبه أحمد. ثم غلبها النعاس حتى غفت على المنضدة, وبقيت حتى اقترب الفجر, أفاقت من نومها حين بدأت تشعر بالبرد وهي مثقلة بنعاس غريب, فقد كانت تغرق في حلم وكأنه الحقيقة. شاهدته في الحلم ينتظر على جزيرة صغيرة وسط بحر واسع. سمعته يناديها, أسرعت نحو الموج وأخذت تسبح بملابسها, تحاول أن تصل إليه, وبقيت تصارع الموج كي تقترب, لكنها تعود لتبتعد من جديد, وانهارت قواها ولم تعد تقدر على التقدم أكثر, وتثاقل الجسد المنهك نحو أعماق تلك المياه, وغاب الصوت ولم يعد. وما أن تداركت الأمر مسرعة نحو الشاطئ حتى غابت الجزيرة أيضا خلف ضباب الفجر. ولم يعد من الصوت سوى رجع ذكرى. استلقت على الرمال ولم تعد سارة هناك, ولم يبق من الموج إلا بقايا حلم يتراءى أمام المخيلة, حين استفاقت وهي تشعر برعشة البرد. سارعت نحو غرفتها كي تغفو, فالأيام كما الأحلام, غالباً ما تكون رمادية لا تحمل من الألوان إلا ما يتدرج نحو الظلال.
    في الصباح تصحو سارة من النوم وهي تشعر بالحزن والكآبة, وهاهي تراه هناك على الجزيرة الصغيرة, وتتساءل لماذا لم تستطع أن تصل إليه, فقد كان يناديها, ولماذا كانت تبتعد كلما اقتربت؟, هي تحتار في ما يعنيه الحلم, ولازالت تؤكد بأنها سمعت صوته يناديها من خلف الأشجار, يوم أن كانت تغادر القرية في ذلك الصباح. ومع التساؤل تأتي الحيرة, فلماذا تبقى خلف النافذة ولا يعود لها رجع النداء من جديد؟.
    تخرج متجهة نحو الغابة, لكي تكون على أطراف المكان علها تجد جواباً, فكم يخيفها أن يكون الوهم هو من صنع للريح صوت نداء يخرج من ثنايا الحزن. تكمل السير حتى تصل, تلتفت نحو القبر الصامت كما الأشياء حولها, ويبدأ هطول المطر من سماء كانت صافية قبل قليل, فقد كانت هناك شمس خجولة تشرق على التلال. تلتجئ سارة إلى الكوخ وتبقى حتى يتوقف المطر, وتعود الشمس لترسم البريق على أوراق الأشجار, تجلس بجانب القبر وهي تتكئ على الشجرة الأم, تبحث عن حقيقة خلف القلق, وتذكر حين قال لها أحمد عن حديث الشجرة مع رجل الغابة. نظرت إلى الأغصان المبتلة وهي تتساءل, ثم أخذت تتحدث مع الآخر, لم يكن الحديث نوعاً من جنون, بل كانت ترانيم تخرج من حزن وتساؤل. فأحياناً تكون للروح طقوس يفرضها القلق فتخرج على شكل ترانيم تقول:
    يخرجني من صمتي عجز الضباب
    ولماذا يتوارى البعيد ويغيب الصوت بلا مجيب
    أحاول أن أخطو قدماً تتهالك الخطوات مني
    وتخور الأرض ضعفاً
    بلا مسالك أو دروب
    متى سيأتي القادم دون نداء؟
    وإلى متى سأبقى أحادث الصمت أو الجدار
    لا معنى...
    كم أحب أن أخرج من غلافي كي أتناثر على الروابي
    وكم أحب أن تحملني الريح عبقاً... رذاذاً أو غبار
    وأحب أن أفارق السواقي و زخات المطر والبحار
    أحب أن أصرخ فتسمع صرختي على المدار
    املك في داخلي وهج شمس وأقمار
    ولكني محاصرة بأقدار
    عيوني خلف نافذة أطل منها على شتاء
    وعلى تقاطيع صور وبقاء
    أخاف أن أخرج من غلاف
    وأمارس العيش ارتجاف
    وكيف وحدي أقرر لون المساء
    ترانيم الأرض لست أفهمها
    أقدرها احتراماً و بها أسافر
    وأتمنى الخروج ولكن
    بعض عقلي يبقى والبعض يغادر.
    بعد ذلك جلست صامتة لا تدري ما تفعل, ولا تعرف إلى أين تسير بها الأيام, أيكون كل ما فعلته هو نوع من التغاضي؟, وكأنه الهوس حين لا نملك من الأمر سوى اللجوء إلى أوهام تجعلنا نقف على حافة العقل, ننظر لتلك الهاوية السحيقة ونحلق بأجنحة وهمية, سرعان ما تخذلنا الحقيقة فنسقط في أعماق الظلال. لم تتمالك نفسها فالتجأت للبكاء, ووضعت رأسها بين كفيها. وبقيت وكأنها تصبح من جديد تمثال امرأة. في تلك اللحظة بدأ الإصغاء إلى صوت يأتي من الأعماق ليقول:
    وكأنك تدخلين في ذاك المعبر المؤدي إلى دروب مضاءة بنور
    بدأت ترتدين حلة جديدة منسوجة من خيوط ترافق قوس قزح
    أظنك تشعرين بذاك السحر بعد شتاء ربيعي
    كم هو عبق تراب الأرض
    وكم هي صافية تلك السماء الزرقاء
    ما تقولينه يقال على السنة العارفين
    وقد قال مثله في يوم ما, ذلك الواقف بين اليابسة والبحر.
    لم تتمالك نفسها حين سمعت حديث الشجرة الأم, قامت من مكانها ونظرت حولها, لكنه الصمت يعود من جديد, فتعود إلى وعيها تنظر إلى الأغصان العالية وهي تتمايل مع نسيم بارد. تتراجع نحو الساحة الصغيرة, وتتملكها الدهشة والخوف, لكنها تنظر نحو الأفق, فترى قوس قزح يرتسم على السماء. عندها تبتسم سارة, فهي قد سمعت حديث الشجرة.
    تخرج من المكان وهي تشعر بالإثارة والاكتفاء, فتعود إلى البيت. كانت تشعر بالقوة وهي تسرع الخطى حتى تصل إلى هناك. تقترب من النافذة وتجلس على المقعد تنظر نحو ذلك المكان, وتتمنى بداخلها لو يعود لها نداء الآخر, فهي لم تعد تطيق الانتظار.
    تنظر سارة إلى المنضدة أمامها, فترى الأوراق المنسية هناك من الليلة الماضية. فهي أوراق تصبح مفقودة إن غابت عنها عيون سارة. تبدأ بالبحث بين الأوراق عن إجابة لتساؤلات تكمن في أعماق الروح. فتجد بين الكتابات ورقة تحمل كلمات كتبت بخط شخص آخر, هي ليست من كتابات أحمد. تبدأ بالقراءة فتكتشف بان الورقة هي رسالة رجل المنارة لأحمد, كان يتحدث بها مع فارس لكنه يتوجه بالكلمات لأحمد. تذكرت الآن حين أخبرها رجل المنارة عن مرض أحمد, وبأنه قد علم بذلك من فارس حين أتى إليه. تحمل الرسالة وتبدأ بقراءة ما قاله الرجل:
    "ولكن أرجوك أن تقول لأحمد بأني أشعر به, وأعلم كم يعاني من ألم وحزن فهي كالولادة الصعبة حين نخرج إلى عالم آخر قبل الأوان. ولكنها الطريق نحو أطراف الأرض اليابسة, حين نقترب من ذلك الشاطئ وندوس بأقدامنا على الرمال الناعمة."
    "وأخبره بأننا لن نقدر أن نعوم في البحر الواسع ونحن نرتدي تلك الثياب البالية, فهي تثقل الروح نحو قاع معتم. ما أجمل أن نخلع الرداء, لأنه مثقل بغبار وأشياء تعلق في الثنايا. أحيانا نبحث عن القدرة لأن نعوم, ولكنه بحر واسع بلا ماء ولا موج, فهو على أطراف كل الأرض, وهناك تكمن القدرة في الصمت وفي الإصغاء وعلينا أن نتقن ذلك, حين نغفل عن الحواس ونفارق الرغبة. فما للأرض يبقى, وما للسماء يسكن في أعماق الروح."
    "اخبره بأني أشعر به وأعلم كم يتقن الإصغاء, فحديثه القديم هنا كان يخرج من صمت الرغبة, وذاك القلق كان بمثابة الولادة لتلك الروح النقية."
    "وأخبره بأني سألتقي به هناك, ففي ذاك البحر أعماق معتمة وظلال, ومثلي معتاد على إضاءة الدرب بضوء أبيض. ففي العالم الآخر منارات ورجال يقفون على الأطراف."
    "أخبره بأني أشعر به, وأعلم كم هو صعب أن لا يكتمل الحلم. لكننا يا بني نملك أرواحاً تبقى ولا تغادر, حتى تلملم الفضيلة. فلذاك البحر جزر انتظار, وهمس يحمله الصمت إلى أي مكان. فما للأرض يبقى, وما للسماء تنتظره الروح النقية".
    تنهي سارة قراءة الرسالة الغريبة, وتبدأ بالخروج من الحيرة إلى معرفة لم تكن تأتي بها الريح, ولا لتحمل مثلها تساؤلات الروح. بدأت الآن واثقة أكثر من الحلم, وبأنه يلامس الحقيقة أكثر من أي واقع, وكأنه الإشارات التي تحتاج إلى وعي من نوع آخر. هي الآن تلوم عقلها حين كانت تنشغل بشراء البيت وتجهيزه, لأنها في ذاك الوقت كانت تبتعد عن الشاطئ, لتعود إلى اليابسة وبكل وعي الجسد, وكأنه التغاضي عن ما تطلبه الروح. هكذا كان الصوت يتوارى خلف الانشغال, وكأن الحلم ينبئها بحقيقة العوم في البحر الواسع, فلا حاجة لما نرتدي من أمور هذا العالم كي نثقل الرغبة. ما تحتاجه سارة كان أبسط بكثير, كانت بحاجة إلى البقاء في أي مكان ولكن وبكل بساطة كان ينقصها الصمت, فحديث الآخر لا تسمعه اليقظة حين يكمن الإصغاء في الحس و البصيرة. وكم هي الآن وبكل الثقة أصبحت تؤكد بأن الصوت سيعود إليها, فلقد توارت الأشياء خلف صمت الرغبة وخلف إيقاعات تخرج من الأعماق, وكأنها تنتظر على الصخور فوق هاوية تطل على البحر الواسع. أيعود الرجع بذاك الشوق ويعود الصوت أيضاً؟. هي لا تحتاج لان تتساءل, حين تجد الحقيقة تتراءى من خلال كلمات الرجل. فهي لم تكن رسالة لأحمد فقط , بل تحمل بين طياتها آخر ما تنقله الوعود إلى تلك المنتظرة, من كلمات تحمل معها إجابات باتت تنتظر حتى يعود الوعي لتلك الروح. وها هي سارة تقرأ ما كان يقوله لها رجل المنارة.
    تلملم سارة الأوراق وتضعها في أدراج المنضدة الخشبية, وكأنها تحتفظ بها لتبقى عالقة في ذاكرة القرية, حتى يأتي من يملك الإصغاء, ليعود بها إلى أن تصبح كلمات تحلق في آفاق الدنيا, عن قصة سارة ونافذة الآخر.

  6. #16
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    الفصل الثالث .... نداء
    تفتح نافذة الآخر لتبقي للريح مساحات كي تعبر بين الجدران الصامتة. فهي تريد أن تلامس الطبيعة بإحساس الجدران من حولها, كي تكون أقرب من كل ما تأتي به الريح على شكل ترانيم مسائية. تعود سارة إلى بعض أشغالها في البيت, ويعود الليل من جديد ليرتسم على أفق الليلة الباردة والصامتة. كان القمر في تلك الليلة يطل على الأفق ليمتد نوره الحزين إلى الجدران, فيرسم أجمل ما يؤنس المساء من إيقاعات ضوئية تحمل معها السحر. يزداد هبوب النسائم الباردة, ويعبق المكان برائحة الغابة وبسحر الليل.
    تعود سارة نحو النافذة لتنظر للأفق. كان ضوء القمر يداعب الظلال, فتظهر ملامح الأشياء المختبئة خلف عتمة الليل. تلتفت نحو الغابة هناك فترى الشجرة الأم تتمايل الأغصان منها مع هبات الريح الباردة. وفجأة تصبح من جديد تمثال امرأة, حين تشاهد ضوءاً أزرق باهتاً يخرج من بين أغصان الشجرة. وكأنه يخرج أيضا من تراب القبر. تعيد النظر وبكل اليقظة, حين تصبح الحقيقة أمنية تتأرجح بين المنطق والإحساس الساكن في الأعماق. لكنها ترى الضوء وكأنه يخرج من القبر, هو أزرق باهت وسرعان ما ينير كل ما حول الشجرة, هو نور أزرق يلامس ملامح المكان, وكأنه يمسح الغربة و الصمت عن بقايا الحزن القابع هناك. يتصاعد الضوء نحو السماء ويحلق ككرة ضوئية زرقاء, يملأ بريقها الأفق. ويقترب من نافذة سارة ليعود من جديد نحو الغابة, ويدخل كي يذوي بين أغصان الشجرة من جديد.
    لا تملك سارة سوى النظر, فعيونها تبقى ويغادرها الوعي نحو زمن آخر. يزداد صوت الريح, فتشعر سارة بالرعشة تنسل إلى أعماق الروح. لم تعد تتمالك أمر الوقوف أكثر, تنساب بجسدها على المقعد, وتعيد النظر من جديد نحو السماء, لكنها لا ترى على مد الأفق سوى العتمة والصمت, هي لا تريد أن تغلق النافذة أبداً, وكأن الآخر هناك ينتظر على الأفق. تغمض عينيها لتصغي إلى صوت الريح ولكي تشعر بالبرد أكثر, وكأنها هناك قرب الشجرة. وفجأة يعود لها الصوت تحمله الريح ليقول:
    سارة... تعالي هناك فأنا لازلت انتظر...
    تعيد الريح رجع الصوت من جديد, وتبقى سارة مع الصوت ومع الإصغاء مغمضة العينين, فيعود لها صوت الآخر ليقول:
    عندما يداعب الحب المعتق أوتار الروح
    تخرج النغمات إلى أفق الشوق
    وينساب الحنين كنهر خالد دافق
    يعبر كل ثنايا الفراق إلى زمن آخر
    ويتوه في بحر التأمل والصبر
    كم اشتاق إلى عينيك وكم يصيبني الذهول
    حين أتذكر بأنك مررت عني
    لم أملك أن أحتفظ بكل العشق في صندوق من عاج
    أذكرها الموسيقا, هادئة كانت
    وتنساب إلى الإصغاء
    كعاشقة تهمس في شق مرجاني
    وتعيد صدى الهمسات على شكل رجع
    لنسائم بحر أزلية
    أحبك
    وأطرب حين أهذي
    وحين تكونين هناك تنتظرين
    فتعالي سارة
    فأنا لازلت هناك.....
    تسمع سارة الكلمات تخرج مع صوت الريح. تبتسم وتنساب من عيونها دموع, هي الفرح أم الحزن أم هو الجنون, هي لا تدري. لكنها تقف أمام النافذة وتنظر نحو الغابة وتقول:
    وأنا أيضا كنت أنتظر.
    تذهب سارة إلى غرفتها, وتقف أمام المرآة الكبيرة العتيقة, والمنتصبة أمام السرير الضخم. تتأمل وجهها الحزين وتبتسم من جديد, تعود إلى خزانتها وتخرج رداءها الأزرق. تريد أن تكون كما رآها أول مرة, حين كانت تجلس على المقعد الخشبي أمام البحر. ترتدي الرداء, وتبدأ بالتزين لتعيد بعض النضارة إلى الوجه الجميل الشاحب. وبدون أي منطق لعقل, تغادر البيت في تلك الساعة المتأخرة من الليل, ومع الريح الباردة, وبدون أن تشعر بأي خوف . فهي تستأنس بالصوت وبالضوء الأزرق هناك. تخرج من البيت وتتجه نحو الغابة, تسير في الدرب وكأنها في الحلم, ومن الحلم تخرج, وتسير حتى تصل إلى الغابة, تقترب من الشجرة الأم, فتسمع صحوة الحمائم بين الأغصان. تشعر بالأنس وبالطمأنينة, وبفرح يسكن في الأعماق منها. تجلس أمام القبر ومع الصمت تعود سارة من جديد لتكون تمثال امرأة.
    ولكن لكي تقف على الشاطئ. هي الآن تراه هناك يقف منتظراً على الجزيرة الصغيرة, وسط البحر الواسع. تدوس بقدميها على الرمال الناعمة ثم تسير نحو الموج. وتخرج سارة من كل ما عليها من ثقل الأيام لتعوم وبكل هدوء, وترافقها النوارس البيضاء حتى تصل إلى الجزيرة الصغيرة. فتخرج من البحر لتسير نحو المنتظر, فهي قادمة.
    يبتسم حين يراها ويقول:
    أتبحثين عني ؟
    أكنت تسألين وحشة الليل؟
    ألم تسمعي همس الروابي؟
    كنت أشعل منارة بحر
    ببعض الشوق
    وأرسم على الأفق جروحاً خلفتها الشمس حين غابت
    تلك السحب الوردية لونها حنيني
    لم أكن يوماً بعيداً عنك
    ولن أكون
    إن لم استطع جسداً
    فتناثر الروح على الضياء بذاك الفجر
    كان بعض أصداء الرؤى
    يتعبني التناثر
    لا أستطيع البوح أكثر
    فتعالي حبيبتي وهاتي يدك الصغيرة
    ويسير الاثنان نحو التلاشي خلف ضباب أبيض, ولم يبق هناك جزيرة ولا بحر ولا انتظار.
    ويأتي الفجر على التلال. كان الضباب يغطي ملامح المكان, ولم يعد هناك سوى تغاريد طيور الصباح. يأتي من بعيد صوت الحطابين وهم في طريقهم نحو الغابة. وما أن يقترب أحدهم من المكان حتى يقف مشدوهاً, فلقد شاهد على القبر من بعيد رداء أزرق, ألقته الريح هناك. فيصيح برفاقه ويقول:
    انظروا هناك لن تصدقوا. حتى رداء تلك الفتاة حملته الريح لتلقيه فوق القبر.
    يأتي الجميع للتأكد مما يقول. ولكن الدهشة تغادر عيونهم نحو الصمت, حين يكون جسد سارة من ألقته الريح في المكان. لم تكن هناك أية إشارة لحياة, وكأنها أمضت الليلة مع البرد والريح, فلقد كانت تجلس طوال الليل أمام القبر حتى ارتحلت.
    كان حزن القرية في ذلك اليوم يدور في الساحة وبين الدروب, ولم يبق أحد من أهل القرية إلا وحضر ليكون وبكل الحزن, شاهداً على رحيلها نحو عالم آخر. وسارت العربة وهي تعبر التلال نحو الغابة ليكتمل الدفن, والمنتظرة ترحل نحو طمأنينة أبديه.
    تعود والدة أحمد برفقة عزيز نحو البيت. لم تكن تتوقع أن يكون حزنها على سارة بهذا الحجم. فهو أمر مختلف تماماً حين يكون الوفاء من يرقد تحت تراب الأرض, وكأن سارة تلملم الحب من بين دروب الأماكن, لتسافر به نحو عالم آخر. أيكون آخر عهود الوفاء, حين تغادر الروح النقية نحو البحر الواسع. ومن يبقى؟...
    تبقى القراءات على جدران الهياكل صامتة, وتسافر الأحلام خلف ضباب أبيض, لتعود الحمائم إلى الغابة, وكأنها تأتي من كل الآفاق, بهديل يمزق صمت المساء. ولم يبق على الأفق سوى سحابات رمادية تسافر نحو الأزمان العتيقة, ليعود الربيع إلى الأرض. فالزهور فوق تراب القبر تزهر,وكأنها الفرح يرتسم على اللقاء. فهناك وخلف الضباب الأبيض, تختبئ الفرحة من عيون الغفلة. ولا يعود لتلك الأقدار سوى البقاء خلف صمت الحكاية.
    تمر الأيام وتزهر الأرض, وتعود الشمس لتشرق على الزمن, فيرتسم الهدوء على تلك البقعة من الغابة حيث بقايا الحب وتلك الشجرة.
    يمر الصيادون, ويدور حديث عن صمت المكان. فيقول أحدهم "بأنه لم يعد يجرؤ على الاقتراب من هناك فهو يشاهد أحياناً رجل الغابة يجلس على الدرجات الحجرية ينظر نحو الشجرة, وأحياناً كان يراه على النافذة يلف لفافة تبغ." ويقول آخر, "كنت في الصباح اقترب من المكان فشاهدت دخان المدفأة يتصاعد نحو السماء, اقتربت أكثر فرأيت الطيور تخرج من نافذة الكوخ لتسافر في الأفق, وأيضا رأيت الأرجوحة تتحرك كلما اقتربت".
    هكذا كان الحديث. وتمر الأيام ولم يعد الدرب يمر من هناك, وبقي المكان خارج وعي الآخرين. وتختفي الحكاية في الأدراج, ولم يعد لذاكرة القرية سوى الترانيم القديمة عن حكاية نافذة بلا ستائر.
    *كنت قد بدأت أكتب ما تقوله سارة, ولكني لم أكن لأكمل. فلقد غفوت طويلاً وبدون أن ادري, وأفقت على المفترق الترابي. كان العشب رطباً ندياً, عندها نظرت حولي ولم أكن أدرك أين أنا. أذكر أني سرت في الدرب التي تصطف أشجاره العالية على جانبيه, و أتبين من بعيد تلك الأضواء الخافتة وكأنها تأتي من زمن آخر. سرت حتى وصلت إلى الساحة الحجرية, ورأيته هناك يجلس خلف النافذة المطلة على الساحة, كانت بعض الأصوات الخافتة تأتي من ذاك المقهى*.
    "أذكر ذاك النباح, حين شعر بي أحد الكلاب على باب أحد البيوت النائمة تحت السكون المقيم. تراجعت للوراء كي لا يلاحظ وجودي أحد, فأنا لم أكن أريد أن أتدخل في سير الأحداث هناك. وأذكر بأني تراجعت للوراء فتعثرت قدمي بحجر على الطريق فوقعت على الأرض, لامست العشب الرطب الندي, غفوت من جديد, أو كأني أفقت على الأريكة في غرفتي, وأوراقي أمامي تملؤها الكلمات.
    لست أدري ما حصل, ولكني الآن أهرب من تساؤلي نحو ذاكرة تعيدني إلى هناك. فلقد خرجت من عقلي أصوات كلاب القرية وهي تتبعني وكأنها تلامس خوفي, أذكر بأني أسرعت أكثر حتى خرجت من ذكرياتي السابقة لأصبح مفقوداً وعلى طريق يصعد بي نحو حقول داكنة. ويتباعد النباح ثم يعود, ليلامس خوفي من جديد. وبقيت أهرب من بقايا الصور نحو آخر الدرب, نظرت أمامي فوجدت باباً قديماً لحديقة مهجورة وبيت, دخلت وأغلقت الباب خلفي, وكأني أغمض عيوناً كانت تطارد أشباحاً تخرج من ذاكرتي. كان باب البيت شبه مغلق, نظرت من الشق إلى الداخل, وكأني بدأت التجئ إلى بقايا المكان*.
    *دخلت إلى الصالة المهجورة, كان يلفها الليل من كل جانب لولا بعض عيون الملامح يكشف عنها ضوء قمر خافت, يأتي من النافذة المشرعة نحو فضاء. نظرت حولي, فرأيت أشباحاً بيضاء تجلس صامتة بانتظار موعد العشاء. كان هناك أثاث مغطى بملاءات قديمة, حتى الستائر على النوافذ توحي بالرهبة أيضا, فهي كرهبان معبد يرتسمون على الجدران, كم هو غريب أن تكون النافذة المشرعة فقط بلا ستائر. فاقتربت منها لأطل على الجانب الآخر, لم يكن هناك سوى نسيم البارد وضوء القمر الخافت, و انتهاء الأفق نحو غابة كثيفة تتراكم على التلال المقابلة*.
    *عاد النباح من جديد, فخرجت من المنظر نحو خوفي, أسرعت وأغلقت الباب وعدت لأجلس على المقعد أمام النافذة. بقيت وبكل الصمت أبحث عن علبة التبغ لكنها لم تكن معي, نظرت إلى المنضدة الخشبية أمامي, كان الغبار يغطي وجهها, ليخفي نقوشها الجميلة, والتي تدل على ذوق من كان يسكن هنا في زمن ما . لم أدر من أين جاءني الفضول, حين مددت يدي لأفتح الأدراج, وكم هو غريب ما وجدته هناك, كانت حزمة من الأوراق الصفراء القديمة, وملفوفة بوشاح أزرق. وعلى ضوء القمر بدأت أقرأ, وبقيت كذلك حتى بدأ الفجر يخرج من بين التلال أمامي, نظرت نحو الغابة من جديد, وصرت أبحث عن الشجرة الأم بين الأشجار. أذكر أني قد لمحت أطراف المدخنة لذاك الكوخ هناك*.
    *ضممت الأوراق إلى صدري, وبدأ النعاس يرسم التثاقل على جفوني, حينها شعرت بالبرد كما الحزن كما الغربة.غفوت طويلا ولم أدر متى أفقت, وجدت نفسي على الأريكة في غرفتي. نظرت إلى يدي كانتا فارغتين لا تحمل شيئا, أين الأوراق وأين أنا؟, كان كل ما قرأته هناك أمامي يرتسم كنقوش أزلية على أوراقي المبعثرة في أرض الغرفة, وعدت من جديد, لدخان تبغ يحوم كهالات رمادية فوق سهري".



    قصة سارة ونافذة الآخر
    أحمد النوباني




    المملكة الأردنية الهاشمية
    رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية
    2006/8/2428

  7. #17
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    اسكن في المكان وحدي ...!!!

    مع تحياتي

    احمد النوباني

  8. #18
    الصورة الرمزية د. مصطفى عراقي شاعر
    في ذمة الله

    تاريخ التسجيل : May 2006
    الدولة : محارة شوق
    العمر : 60
    المشاركات : 3,523
    المواضيع : 160
    الردود : 3523
    المعدل اليومي : 0.69

    افتراضي

    ====
    بداية رائعة واستهلال سردي غاية في البراعة والتشويق عبر تشكيلات مثيرة للفكر وباعثة على التأمل ، موفقة في أخذنا معك إلى أعتاب عالم روائي فريد

    وأرى أن كل هذا كان يغني عن هذه الجملة : " وحيث تبدأ القصة بسرد وقائعها المرسومة على جدران الذاكرة الأزلية".

    أديبنا الفاضل

    أتابع بشوق وإعجاب
    مصطفى
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي ولريشة الغالية أهداب الشكر الجميل

  9. #19
    الصورة الرمزية احمد النوباني قلم مشارك
    تاريخ التسجيل : Jan 2008
    الدولة : الاردن
    المشاركات : 154
    المواضيع : 22
    الردود : 154
    المعدل اليومي : 0.03

    افتراضي

    د. مصطفى عراقي

    تحية وتقدير ....

    منتهى الشكر على قراءتك واهتمامك ...

    اتمنى ان تكون روايتي قد نالت اعجابكم ويسعدني ذلك ...

    اما بالنسبة ل.... " وحيث تبدأ القصة بسرد وقائعها المرسومة على جدران الذاكرة الأزلية".

    فالذاكرة الازلية هي من جاءت بتلك المتحدثة عما حصل لها .. وجعلتني اكتب قصتها

    ولذاكرة الاماكن حضور على مسرح تواجدنا والى اين ومتى ....

    شكرا سيدي .. سأتابع معكم

    مع تحياتي
    احمد النوباني

  10. #20
    أديب
    تاريخ التسجيل : Apr 2006
    المشاركات : 9,079
    المواضيع : 101
    الردود : 9079
    المعدل اليومي : 1.78

    افتراضي

    النوباني الرائع.....
    في قرأة سريعة للرواية وجدتها تعني بالواقع المعيشي العياني ، وتغوص في ماهيات التحولات التي تخلفها الظروف بشتى اصنافها ، وكذلك تلم بالرؤية العميقة المدركة لماهيات التأثير على جميع المستويات في الانسان داخل اطار هذه الظروف بصورة عامة ، ولقد استطعت من خلال روايتك ان تلم بالكثير من ما يحدث جراء الحروب ومخلفات الحروب سواء على المستوى الفردي ام العام ، والرواية ذات بناء سردي مميز ومحكم ، وفيه ترابط بيدع بين الاحداث ، وهناك سيطرة واضحة على عنصري الزمان والمكان ، وتخلت الرواية مقاطع اقرب ما تكون الى قصائد نثرية ذات صور جميلة ولغة انسيابية واضحة.

    دمت بخير
    محبتي
    جوتيار

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. الآخر ينتصر
    بواسطة محمود مرعي في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 10-04-2010, 10:40 PM
  2. رواية سارة ... تحميل
    بواسطة احمد النوباني في المنتدى المَكْتَبَةُ الأَدَبِيَّةُ واللغَوِيَّةُ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 22-03-2008, 03:34 PM
  3. النصف الآخر
    بواسطة محمد المختار زادني في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 10-12-2005, 03:52 PM
  4. ذكريات من موطني الآخر"الجزائر"
    بواسطة عدنان أحمد البحيصي في المنتدى مُنتَدَى الشَّهِيدِ عَدْنَان البحَيصٍي
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 04-12-2005, 08:04 PM
  5. الرأي والرأي الآخر!
    بواسطة نبيل شبيب في المنتدى الحِوَارُ الإِسْلامِي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 08-08-2004, 11:45 PM