أحدث المشاركات
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 11

الموضوع: رقصٌ على حافة ما

  1. #1
    الصورة الرمزية حنان الاغا في ذمة الله
    أديبة وفنانة

    تاريخ التسجيل : Nov 2006
    الدولة : jordan
    المشاركات : 1,378
    المواضيع : 91
    الردود : 1378
    المعدل اليومي : 0.29
    من مواضيعي

      افتراضي رقصٌ على حافة ما

      رقص على حافة ما
      رأسي جسم كرويّ مجوف بما يسمح للدماغ بالتقافز هنا وهناك، يلتجىء إلى هذا الجدار أو ذاك ، كلما تحرك هذا الجسم الكرويّ ،فأحس بلا نسب الأشياء ، وبلا لونها ولا شكلها ، وصولا إلى لا طعمها ولا حتى ملمسها .
      هذا الحديد الصدىء أمامي حسبته مروحة قد تبرّد تلك الأبخرة الحرّى التي تنبعث من مسامّي. ها هو يمتد وقوفا لساعات ، ولمسافات ، إلا أنه يتوقف فجأة ، للحظات لا تكفيه لحفظ توازنه فيتهاوى جزء منه ، وتنفتح على وسعها أعمدته المروحية من أعلى ، فيما تبقى مضمومة ملتوية من الأسفل ، فتميل باتجاه الأرض المغطاة بالصقيع ، مكونة هضابا عجيبة من معدن صدىء.
      تعتريني رغبة بالضحك وأنا أحس بأشياء تدغدغ باطن قدميّ ، فأضحك ، هو ملمس الحديد البارد المغطى بحبيبات الصدأ . لكن ألواني وقعت مني وانفرطت أرضا ، فمن لي بمن يلمها قبل أن أفقد المشهد؟
      ـــ أرجوكم هي لي ، نعم وقعت مني . شكرا . وتلك الفرشاة هناك أيضا .
      ـــ هكذا تماما .
      وأمد ذراعي بالفرشاة المغموسة باللون البني المحمر الداكن ، أمدها على امتدادها لأرسم لوحتي الجديدة. جداريّتي التي ستؤرخ للأقدام الصغيرة والكبيرة الدائبة السير مندفعة باتجاهين متعاكسين ، براحة رغم الركض ، ونعومة رغم الألم .
      أسمع صوت ضحكات مكتومة ، فأضحك أنا الأخرى ويدي مستمرة بتلوين مساحة كبيرة من الجدارية . أريد الآن فرشاة أصغر ، أحتاج لرسم بعض التفاصيل ، فأمد يدي فجأة لتناولها ، فأحس بأشياء تقيد يدي ، تمسكها لكن بحنان.
      ـــ ماذا ؟ دعوا يدي .
      ـــ أمي لا تقلقي . هذه أنا ، أعطني الكوب فقد تناثر الماء . دعيني أجففه .
      أحس ببرودة المعدن تلسع أضلاعي ،فأصرخ :
      ـــ دثروني . البرد يقتلني ، يحرقني ، يجمدني . لا أدري.
      لكن أين أجد ما يكفي لتغطيتهم ؟ لقد عصفت بنا رياح سموم أخطأت وقتها ، فحولت شتاءنا سعيرا من بنادق وصقيع وجوع .
      ماذا تفعل دمعاتي هذه وسط يباب الأرواح !
      أفتح عينيّ لأرى العينين الباسمتين تتلألأ فيهما دمعتان بعد أن سقطت أخريان على خديّ.أكابد ابتسامة منع تكونها جفاف شفتيّ المحترقتين ، فأبكي .
      ـــ جرحي صغير لا تقلقي . هم من يقلقني أمرهم.
      ثم أغرق في بكاء منغّم محشو بالكلمات ، يقطعه الصوت القلق إلى جانبي :
      ــــ أنت هنا في سريرك ، لم يصبك رصاص ولا حديد ولا حجر.
      أصغي باهتمام وتركيز محاولة اللحاق بهم ، وسماع أصواتهم وأنادي :
      ـــ أين هم ؟ أين أنتم ؟ أين ذهبت الأصوات ، وهذا اللغط أين تبدد ؟
      يد تربت صدري بإيقاع منتظم رقيق ، فأنسحب ببطء وهدوء وأغلق كل الأبواب .
      أسمعني ، أسمع كلماتي تنطلق قذائف وحمما ملتهبة :
      ـــ بهدوء ، دون فوضى ، اخرجوا مسرعين ، واتركوا كل شيء . النار تقترب . خذوا الصغار والأوراق واقفزوا .كيف ؟ نعم كيف ؟ يا لفجيعتي . كيف نخرج وليس هناك غير باب واحد مغلق ؟ وأنا أحترق ولا أملك ملابس واقية . هو الجنون كيف لا؟
      ـــ افتحي فمك قليلا حبيبتي .
      لا مهرب إلا هذا الجبل سنتسلقه. لا تخشوْا ارتفاعه. لطالما تسلقته ، إن فيه بعض صخور رملية مبعثرة تساعد على تثبيت الأحذية فلا تنزلق .
      تسلقت الجبل كعادتي بسرعة أصواتهم تناديني . نظرت فإذا بهم ينتظرون حاولت النزول عندما اكتشفت أنني حافية القدمين. هكذا أنا مندفعة دائما ، وفكرت:
      ـــ الصعود سهل ولكن النزول من هذا الارتفاع أمر مرعب ، تماما كما أنا في أحلامي ، أصعد أعلى القمم بسهولة ومتعة ، وأصاب بخوف النزول . هي فوبيا أعاني منها دائما .سأحاول مضطرة.
      وضعت قدمي العارية على نتوء في الجرف الأملس فانزلقت ، ودوت صرختي ورجع صداها يجلجل في الكون .
      أسمع همهمات وأرى عيونا كثيرة وأشياء لامعة فأغمض عينيّ وأبكي بمرارة.
      ـــ أعرف ماذا حدث . مات الجنين . لا داعي للإخفاء .
      ــ أمي . هذا غير صحيح. افتحي عينيْك.
      ـــ إذا هي ذراعي . بترت أو شلت.
      وأنخرط في بكاء صوته يقطع قلبي .أفتح عينيّ بجهد ، أجد الوجوه الباسمة والعيون القلقة حولي ، ويدا ناعمة تمسح عرقي .
      ـــ أنت تغرقين في عرقك . دعيني أسحب ذراعك من تحتك .نعم هكذا.

      ______________
      حنان الأغا
      دمشق
      1/2/2008

    • #2
      الصورة الرمزية وفاء شوكت خضر أديبة وقاصة
      تاريخ التسجيل : May 2006
      الدولة : موطن الحزن والفقد
      المشاركات : 9,734
      المواضيع : 296
      الردود : 9734
      المعدل اليومي : 1.97

      افتراضي

      الحبيبة الحنونة الحميمة حناني ..

      حمدا لله على سلامتك..

      أكل هذا الإبداع من هذيان الحمى ..
      ليتني كنت قربك ، لكنت سرقت كل حرف نطقت به في هذيانك ..
      اعذريني إن ضحكتوأنا أقرأ هذه القصة التي هي لقطات من هذيانك الذي فاتني ..

      ما زالت الصور القديمة راسخة في عقلك الباطن ، فأتت بصور مختلفة ، لتمتد للحاضر بما فيه
      من امتداد للمأساة التي عشتها وعاصرتها ..

      ربما لأني أعرفك عن قرب أحس بكل حرف تخطه يمينك ، فأنا أعرف أنك لست عسراوية ..

      حناني الرائعة ..
      أحسست بقربك من خلال هذا النص ..
      اشتقت إليك فلا تطيلي الغياب ..

      كل الشوق والحب ..
      //عندما تشتد المواقف الأشداء هم المستمرون//

    • #3
      أديب
      تاريخ التسجيل : Apr 2006
      المشاركات : 9,079
      المواضيع : 101
      الردود : 9079
      المعدل اليومي : 1.83

      افتراضي

      العزيزة جدا حنان....
      الرقص على حافة ما ، وكأنك هنا تتعمدين ان تجعلي المتلقي على حافة هي في ذهنه حافة ما ، لكنها في الاصل حافة ان لم ينتبه اليها قد يقع في اغوار عميقة لانهاية لها من هواجس قد تطغي على فكره ، الرقص هنا ليس له دلالته الشائعة لحتى الرقص اصبح في فنون اللغة له مداليل لاتتوقف عند كلمة وحرف ، وكذا حال الحافة وما تلاها (ما ) حيث الاستفهامية الملزمة هنا تجعل المتلقي يبقى في دائرة النص ، والمضمون اتى ليؤكد بقاء المتلقي رهن الاشارة ولحظة الانفراج ، وهي نصوصك حنان من تتسم بهذه المرونة والعمق في ذات الوقت.

      محبتي لك
      جوتيار

    • #4
      الصورة الرمزية د. نجلاء طمان أديبة وناقدة
      تاريخ التسجيل : Mar 2007
      الدولة : في عالمٍ آخر... لا أستطيع التعبير عنه
      المشاركات : 4,218
      المواضيع : 71
      الردود : 4218
      المعدل اليومي : 0.91

      افتراضي

      الهذيان, ومرحلة أخرى في أغوار النفس تنطلق من العقل الباطن في انفعاليات عبر عنها القص بسرد واثق . حبل التعانق بين الحوار واسرد, وبين الوعي واللا وعي, كان مشدودًا في تمكن.

      دمت في القص واثقة

      د. نجلاء طمان
      الناس أمواتٌ نيامٌ.. إذا ماتوا انتبهوا !!!

    • #5
      الصورة الرمزية حنان الاغا في ذمة الله
      أديبة وفنانة

      تاريخ التسجيل : Nov 2006
      الدولة : jordan
      المشاركات : 1,378
      المواضيع : 91
      الردود : 1378
      المعدل اليومي : 0.29
      من مواضيعي

        افتراضي

        اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وفاء شوكت خضر مشاهدة المشاركة
        الحبيبة الحنونة الحميمة حناني ..
        حمدا لله على سلامتك..
        أكل هذا الإبداع من هذيان الحمى ..
        ليتني كنت قربك ، لكنت سرقت كل حرف نطقت به في هذيانك ..
        اعذريني إن ضحكتوأنا أقرأ هذه القصة التي هي لقطات من هذيانك الذي فاتني ..
        ما زالت الصور القديمة راسخة في عقلك الباطن ، فأتت بصور مختلفة ، لتمتد للحاضر بما فيه
        من امتداد للمأساة التي عشتها وعاصرتها ..
        ربما لأني أعرفك عن قرب أحس بكل حرف تخطه يمينك ، فأنا أعرف أنك لست عسراوية ..
        حناني الرائعة ..
        أحسست بقربك من خلال هذا النص ..
        اشتقت إليك فلا تطيلي الغياب ..
        كل الشوق والحب ..
        ___________________________

        الغياب أيتها العزيزة أمر محتوم الآن أو بعد حين
        تبا لها هذه الحمى تعري نفوسنا ، بل عقولنا ، وتجعلها تشف عما يدور داخلها .
        وتتجاوزنا لتخلطنا بكل شيء ، فنصبح كمية ما من خليط ما.

        وفاء اشتقت لك أيتها الحنون

      • #6

      • #7
        الصورة الرمزية حنان الاغا في ذمة الله
        أديبة وفنانة

        تاريخ التسجيل : Nov 2006
        الدولة : jordan
        المشاركات : 1,378
        المواضيع : 91
        الردود : 1378
        المعدل اليومي : 0.29
        من مواضيعي

          افتراضي

          اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جوتيار تمر مشاهدة المشاركة
          العزيزة جدا حنان....
          الرقص على حافة ما ، وكأنك هنا تتعمدين ان تجعلي المتلقي على حافة هي في ذهنه حافة ما ، لكنها في الاصل حافة ان لم ينتبه اليها قد يقع في اغوار عميقة لانهاية لها من هواجس قد تطغي على فكره ، الرقص هنا ليس له دلالته الشائعة لحتى الرقص اصبح في فنون اللغة له مداليل لاتتوقف عند كلمة وحرف ، وكذا حال الحافة وما تلاها (ما ) حيث الاستفهامية الملزمة هنا تجعل المتلقي يبقى في دائرة النص ، والمضمون اتى ليؤكد بقاء المتلقي رهن الاشارة ولحظة الانفراج ، وهي نصوصك حنان من تتسم بهذه المرونة والعمق في ذات الوقت.
          محبتي لك
          جوتيار
          ___________________________

          الصديق الطيب جوتيار

          سرت مرة فوق شاطيء ما في أرضنا العربية ، في الخليج تحديدا، وصلت في سيري إلى نقطة ما على خط الشاطيء فاهتز قلبي ، بل كياني ووقفت كمن يسقط من عل ويرتطم بصخر صلب. لقد أحسست أنني أقف على حافة الجرم الذي نعيش فوقه ، وكأنه تحول من كروي إلى مسطح . هذا هو شعوري فوق.

          ودي وتقديري دائما

        • #8
          الصورة الرمزية حنان الاغا في ذمة الله
          أديبة وفنانة

          تاريخ التسجيل : Nov 2006
          الدولة : jordan
          المشاركات : 1,378
          المواضيع : 91
          الردود : 1378
          المعدل اليومي : 0.29
          من مواضيعي

            افتراضي

            اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. نجلاء طمان مشاهدة المشاركة
            الهذيان, ومرحلة أخرى في أغوار النفس تنطلق من العقل الباطن في انفعاليات عبر عنها القص بسرد واثق . حبل التعانق بين الحوار واسرد, وبين الوعي واللا وعي, كان مشدودًا في تمكن.
            دمت في القص واثقة
            د. نجلاء طمان
            __________________________

            مرحبا بعودتك أيتها العزيزة.

            أحيانا يصعب علينا الانسلاخ عنا

            وفي هذه الحال لا بد من المشوار حتى نهايته .

            دمت بخير وعافية

          • #9
            الصورة الرمزية حنان الاغا في ذمة الله
            أديبة وفنانة

            تاريخ التسجيل : Nov 2006
            الدولة : jordan
            المشاركات : 1,378
            المواضيع : 91
            الردود : 1378
            المعدل اليومي : 0.29
            من مواضيعي

              افتراضي

              اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد محمد الجندوبي مشاهدة المشاركة
              العزيزة حنان
              سرد جميل لاهث، يقطع أنفاس القارئ ويحمله الى مجاهل نفسه العميقة الأغوار
              استمتعت بقرائتك
              مع محبتي
              سعيد محمد الجندوبي
              ____________________
              الصديق العزيز الجندوبي

              الوعورة تشتد داخلنا أحيانا بحيث نحسبها آثار زلزال فننتفض ونهرب في دائرة الهذيان ، ننتظر قطرة ماء تفتح لنا سبيل الخروج.

              جميلة قراءتك

            • #10
              الصورة الرمزية مجذوب العيد المشراوي شاعر
              تاريخ التسجيل : Oct 2004
              المشاركات : 4,730
              المواضيع : 234
              الردود : 4730
              المعدل اليومي : 0.86

              افتراضي

              الملحمة جد نفسية هنا عامرة وقاهرة .. هيَ خيالات تجذبها حمى وإبداع يتعاركان لخلق شيء ما هو حنان في مستوى ثالث أقوى من الإدراك الممل ... شكرا ألف مرة لأنك قدمت فحصا للجسد والروح في حالة قصوى ...

            صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

            المواضيع المتشابهه

            1. رقص على أشلاء قصيدة
              بواسطة عصام إبراهيم فقيري في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
              مشاركات: 25
              آخر مشاركة: 07-11-2016, 01:17 PM
            2. رقص على إيقاع المنافى
              بواسطة يحيى سليمان في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
              مشاركات: 9
              آخر مشاركة: 07-10-2016, 02:40 AM
            3. ساعةٌ مَا عَلى وشْكِ الصُرَاخِ.
              بواسطة د. نجلاء طمان في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
              مشاركات: 33
              آخر مشاركة: 24-04-2014, 12:42 AM
            4. رقصٌ على وجه الجوع
              بواسطة عبلة الزغاميم في المنتدى الشِّعْرُ الفَصِيحُ
              مشاركات: 24
              آخر مشاركة: 18-11-2013, 06:04 PM
            5. رقص على جثث الأصحاء!
              بواسطة ريمة الخاني في المنتدى النَّثْرُ الأَدَبِيُّ
              مشاركات: 14
              آخر مشاركة: 26-05-2008, 09:48 AM